الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

      أفرادُ الإمامِ البخاريّ من أحاديث أبي هريرة (6):

اعتِذارُ أبي هريرة لكثرةِ حديثِه!؟

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

بإسنادي إلى الإمام البخاريّ في كتاب المناقب، باب مناقب جعفر بن أبي طالب (3708) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ أَبِي بَكْرٍ: ثَنا مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ دِينَارٍ أَبو عَبْدِاللهِ الْجُهَنِيُّ([1]) عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛  أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ!؟

وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ e بِشِبَعِ([2]) بَطْنِي، حَتَّى([3]) لاَ آكُلُ الْخَميرَ، وَلاَ أَلْبَسُ الْحَبيرَ([4]) وَلاَ يَخْدُمُنِي فُلاَنٌ وَلاَ فُلاَنَةُ، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالحَصْبَاءِ مِنَ الْجُوعِ.

وَإِنْ كُنْتُ لأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمَساكينِ([5]) جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا، فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ، الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّ هَا([6]) فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا.

وأعاده البخاريّ في كتاب الأطعمة، باب الحلواء والعَسَل (5432) قال: حدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ شَيْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَني ابْنُ أَبي الْفُدَيْكِ عَنِ ابْنِ أَبي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُريِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنْتُ أَلْزَمُ النَّبيَّ e لِشِبَعِ بَطْني حِينَ لاَ آكُلُ الْخَميرَ، وَلاَ أَلْبَسُ الْحَريرَ، وَلاَ يَخْدُمُني فُلاَنٌ وَلاَ فُلاَنَةُ، وَأُلْصِقُ بَطْني بِالْحَصْبَاءِ، وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ، وَهْيَ مَعي كَيْ يَنْقَلِبَ بي فَيُطْعِمَني، وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ؛ جَعْفَرُ بنُ أَبي طَالِبٍ، يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ في بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ، لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشْتَقُّهَا([7]) فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا»([8]).

مدار حديثِ الباب على محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئبٍ، رواه عنه:

عبدالعزيز بن محمد الدراورديّ، عند أبي نعيم في الحلية (1: 117، 379).

ومحمد بن إبراهيم بن دينار الجهنيّ، عند البخاريّ (3708).

ومحمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيكٍ، عند البخاريّ (5432) وابن سعدٍ في الطبقات (2: 363) وهذا إسنادٌ حسن غريبٌ، كما تقدّم.

ولاعتذار أبي هريرة عن كثرة حديثه؛ روايات عديدة، عند البخاري (118) ومسلم (2492) وغيرهما، لكننا بصددر تخريج ما انفرد به البخاريّ عن بقية التسعة.

قال الفقير عداب: مهما صحّتْ مِن آثارٍ، يعتذر فيها أبو هريرة عن كثرة أحاديثه؛ فلا بدّ من تقريرِ أنّ أبا هريرة مدلّسٌ كسائر صغار الصحابة رضي الله عنهم.

في ترجمةِ أبي هريرة من النبلاء (2: 608) قال الذهبيّ: «قَالَ يَزِيْدُ بنُ هَارُوْنَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُدَلِّسُ!

قُلْتُ: تَدْلِيْسُ الصَّحَابَةِ كَثِيْرٌ، وَلاَ عَيْبَ فِيْهِ، فَإِنَّ تَدْلِيْسَهُمْ عَنْ صَاحِبٍ أَكْبَرَ مِنْهُمْ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُوْلٌ» انتهى كلام الذهبيّ.

بيانُ ذلك أنّ أبا هريرة أسلم في المدّة التي قلّ فيها حديثُ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كثيراً، بعد نزول قول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).

أخرج البخاري في العلم (63) ومسلم في الإيمان (12) واللفظ له، من حديث أنس بن مالكٍ قال: « نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ».

ولا يُتصوّر أن يأتي في كلّ يوم وفدٌ من الأعراب يسألون الرسولَ وهو يجيبهم!

سلّمنا بذلك، فيكون ما حدّث به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، في السنوات الثلاثِ، التي قضاها أبو هريرة مع رسولِ الله؛ ألفَ حديثٍ، في الحدِّ الأقصى!

ولا ريبَ عندي في أنّ أبا هريرة لا يكذب على الرسول، ولا على غيره من الصحابة، لكنّ صيغَ السماع في أحاديثه متعددة، وعدد أحاديثها قليل، وما سوى ذلك؛ فجميعه بصيغِ تدليسٍ تحتمل السماع أو توهمه.

لذلك كلّه، لا بدّ من دراسة الأحاديثِ التي ينفرد بها أبو هريرة دراسةً ناقدةً، انتصاراً للسنة النبويّة، وليس معاداةً لأبي هريرة، ولا تقليلاً من شأنه.

يضاف إلى هذا، أو هذا يُضافُ إليه؛ أنّ مسألةَ التفرّد من المسائل الشائكة في علم علل الحديث، وأكثرها يَتعلّق بالرواةِ عن أبي هريرة، ولا صلةَ له بها!

صورةُ المسألة؛ ما نقل الذهبي في النبلاء (2: 586) عن البخاريّ أنّ الذين رووا عن أبي هريرة ثمان مائة راوٍ، أو أكثر!

فأن يأتي راوٍ واحدٍ فينفرد بحديثٍ أو أحاديثَ عن أبي هريرة، دونهم؛ هذه مشكلةٌ كبيرةٌ عندي، ومع أنّ المحدّثين في التنظير قالوا: إنْ كان المنفرد عن شيخِه بحديثٍ أو أحاديثَ صدوقاً أو دون الصدوق؛ فحديثه منكر، وإن كان ثقةً؛ فحديثه شاذٌّ!

فهل نجرؤ على تطبيق هذه القاعدةِ على ما ينفرد به كلّ راوٍ عن أبي هريرة؟

إنّ البخاريَّ أخرج (75) روايةً من رواياتِ سعيدٍ المقبريّ عن أبي هريرة، أكثرها مما انفرد به، وأخرج مسلم له (20) حديثاً، فهل نردّ هذه الأحاديث كلّها، لتفرّد سعيدٍ، دونَ ثمانِ مائة راوٍ، نقلوا رواياتٍ عن أبي هريرة؟

هذا ما أكرّره دائماً: إنّ مفاريد أبي هريرة، ومفاريدَ الرواةِ عنه؛ تحتاج إلى دراسةٍ جادّةٍ جريئةٍ، تطبّق قواعد النقّاد الكبار، من أمثال شعبةَ ويحيى القطان وعلي ابن المدينيّ، ولا تحيد عنها؛ لإرضاء هذه الجهةِ أو تلك!

 واللهُ تَعالى أعلَمُ. 

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.



([1]) في بعض النسخ: الجُهَنِيِّ.

([2]) في بعض النسخ: ليشبع.

([3]) في بعض النسخ: حين.

([4]) في بعض النسخ: الحرير.

([5]) في السلطانية: «للمسكين».

([6]) في (ب): «فَيَشُقُّهَا».

([7]) في بعض النسخ: فَنَسْتَفُّها، وفي بعضها: فَنَشْتَفُّها.

([8]) من حديث محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئبٍ عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة موقوفاً؛ أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (2: 363) مختصراً، وأبو طاهر المخلّص في فوائده (51) وأبو نعيم في الحلية (1: 117، 379) في كلّ موضع شطراً.

 وأخرجه الترمذيّ في مناقب جعفر بن أبي طالب (3766) من حديث إبراهيم بن الفضل المخزومي عن سعيدٍ المقبريّ، بشطر الثناء على جعفر، بيد أنّ هذه الطريق لا يُفْرَح بها؛ لأنّ إبراهيم بن الفضل هذا متروك، قاله ابن حجر في التقريب (228).

انظر الجمع بين الصحيحين (3: (2532) التحفة [9: 13021، 13022] والإتحاف [14: 18581].

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2022

  مِنْ عِبَرِ التاريخِ (27):

ما رأيُكَ في أحمد الكاتب الكربلائيّ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عددٌ من الإخوةِ الكرام، لاحظوا أنّني أحترم الأستاذ أحمد الكاتب، وأستمعُ إليه، وأوصي الشباب بالاستماعِ إليه والإفادة منه.

فتواصل معي عددٌ من الإخوة الإماميّة، ينتقصونه، ويتّهمونه بشتّى التهم، ويحذّرونني منه!

وعندما سألتهم عن التهمة الرئيسة التي يوجهونها إليه؛ قال جميعهم تقريباً: هو خرج من المذهب الإماميّ، ولم يدخل في المذهب السنيّ!

وتواصل معي عدد من الإخوة من أهل السنة، ينتقصونه، ويتّهمونه برفض السنة، وتفسير آيات القرآن الكريم على هواه.

أقول وبالله التوفيق:

ولد الأستاذ أحمد الكاتب في مدينة كربلاء، عام (1372 هـ - 1953م) ونشأ في أسرة متديّنة بالمذهب الشيعيّ الإماميّ، وكانت والدته - عافاها الله تعالى وشفاها - تُعدّه ليكون أحدَ جنودِ المهديّ المنتظر وأعوانه، كما قال هو عن نفسه.

وقد درسَ في مدرسة حفّاظ القرآن الكريم، التي أسسها السيّد مهدي الشيرازيّ بكربلاء.

ثم انضمّ إلى منظّمة العمل الإسلاميّ السياسيّة، التي أنشأها السيّد محمّد الشيرازيُّ نفسه وأعوانُه.

ليس مهمّاً أن يكون اسم المترجَم (أحمد) أو (عبدالرسول) أو (عبدالزهرة) إذ نحن مندوبون إلى أن نخاطبه بأحبّ أسمائه إليه، وأحبّ الأسماء إليه؛ ما اختاره علَماً على شخصه الكريم (أحمد الكاتب).

للأستاذ أحمد الكاتب كتبٌ فكريّة وثقافيّة كثيرة، وللذين يزعمون أنّه غير متخصّصٌ بالعلوم الحوزويّة؛ نقول: كتبُه تدلّ على معرفة ممتازةٍ بمصادرها، مثلما تدلّ على فهم دقيقٍ عميق لدلالات النصوص التي يستدلّ ويستشهد بها.

وأوّل صلة لي بمؤلفات الأستاذ أحمد الكاتب؛ كانت سنة (1998) إذ غادرت العراق في تلك السنة، عقب مَقتل الشهيد محمد محمد صادق الصدر رحمه الله تعالى، إلى عمّان الأردنّ.

هناك وقفت له على كتابٍ بعنوان: «تطوّر الفكر السياسيّ الشيعيّ من الشورى إلى ولايةِ الفقيه» في إحدى المكتباتِ التي تخصصت بمحاربة التشيّع الرافضيّ!

قرأتُ الكتابَ، فأعجبت بغزارة معلوماته الشيعيّة، التي لا أعرف عنها في تلك الأيام، سوى النزر اليسير، فعرّفت بالكتابِ، وأثنيت على مؤلّفه في أكثر من عشر صفحاتٍ من كتابي «المهدي المنتظر» (ص: 241 - 253).

ثمّ قرأت له ثلاثةَ مؤلّفاتٍ أخرى، ليس غير!

بيد أنني أستمع إلى محاضراته الكثيرةِ، وأستمتع بها، وربما استمعت إلى المحاضرة الواحدةِ مرّتين، أو أكثر، إذ هو محاضرٌ متميّزٌ، ومثقّف واعٍ، واسعُ الثقافة الشيعيّة جدّاً، فربما كان فهمي لمحاضرة واحدةٍ من محاضراته؛ يغنيني عن قراءةِ كتابٍ شيعيّ، أو أكثر من كتاب!

خاصّةً أنّ نفسي لا تُقبلُ أبداً على قراءة كتب غير مسنَدَةٍ ومخرّجةٍ ومحكومٍ على رواياتها، عند أهل السنة، أو عند الشيعة، وكتب الشيعة الروائيّة هزيلةٌ ليست ذات قيمة أبداً !

وأنا أنصح الإخوةَ من أصدقائيّ ومتابعيَّ من الشيعة الإماميّة؛ أن يستمعوا إلى محاضرات الأستاذ أحمد الكاتب بإمعانٍ، وأن يقرؤوا كتبه بعين الإنصاف والعدل؛ فهو من أوائلِ الذين وجّهوا سهامَ النقدِ البنّاء إلى الكتلة العقديّة والفكرية المسكوت عنها، لدى علماء ومراجع الشيعة الإماميّة!

فمسائل النصّ والتعيين والعصمة والولاية والإمامة والرجعة والمهدي، يكتب فيها علماءُ الشيعةِ، مُسلِّمِين بتلك الروايات الهزيلة الباطلةِ، التي لا تصحّ منها روايةٌ واحدةٌ!

في هذه الدائرةِ تجد جهود الأستاذ المفكّر أحمد الكاتب الكربلائيّ متميّزةً، ومتقدّمةً عشراتِ السنين على غيرها، من الدراسات النقديّة الشيعيّة الجادّة.

وإنْ كان لي من مؤاخذةٍ على أخي الأستاذ أحمد الكاتب؛ فهي ردّه لرواياتٍ صحيحةٍ مشهورةٍ لدى أهل السنة بعقلِه، كما يردّ كثيراً من رواياتِ الشيعة بعقله!

ولدى الشيعة مسوّغ كبير لتحكّم «العقل» في القبول والرد، إذ العقل عندهم يستقلّ بالتشريع - فيما لا نصّ فيه - كما في «كفاية الأصول» للشيخ محمد كاظم الخراسانيّ (ص: 384 - 388).

وهذه مشكلةٌ كبيرةٌ تواجه الأستاذ أحمدَ الكاتب وأمثالَه من غير المتخصصين بنقد الحديث النبويّ، فقد يقعون برفض حديثٍ متواترٍ تواتراً نظريّاً مثل حديث «الغدير» ورفض حديثٍ مشهورٍ مثل حديث الكساءِ، ورفض حديث صحيح صحيح، مثل حديث الثقلين، بعقولهم!

وكأني بالأستاذ أحمد يرفض من أحاديثِ أهل السنة كلَّ ما يشبه أحاديثَ الشيعة، عقليّاً، ومن دون النظر في أسانيد تلك الروايات، التي تختلف اختلافاً جذريّاً عن أسانيد الإماميّة!

إنّ نسبة (999%) من روايات الإماميّة من الفرد المطلق، الذي ليس له سوى إسنادٍ واحدٍ، من أوّل السندِ إلى نهايته (المعصوم) بمعزلٍ عن صحتها وعدمها!

بينما أهل السنة لا يثبتون عقيدةً أو فقهاً إلّا بحديثٍ ثابتٍ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، دون غيره من الأئمة والصحابة، رضي الله عنهم!

وقد يكون الحديثُ متواتراً، وقد يكون مشهوراً، وقد يكون مستفيضاً، وقد يكون عزيزاً، وقد يكون غريباً، والغريب ذاته عشرُ مراتبَ، بل اثنتا عشرة مرتبةً، عند أهل السنّة!

المرتبة الثانيةَ عشرة الأضعف؛ هي التي تشبه ظاهريّاً جميعَ روايات كتب الشيعة الإماميّة!

وكان يليق بمثل الأستاذ أحمد الكاتب المفكّر؛ أن يخصّص خمسَ سنواتٍ من عمره لإتقان علوم الحديث النظريّة والتطبيقيّة، إذ لا قيمةَ لأيّ كلامٍ يصدر عن الإنسان، ليس مرتكزاً إلى أدلّةِ إثباتٍ أو نفيٍ صحيحة، خاصّة في ساحة العقائدِ والأفكار الدينية.

لذلك آملُ أن يهجم على كتب الشيعة الإماميّة - كما يشاء - لأنّها - مجتمعةً ومفردةً -  لم تنل أدنى درجاتِ القَبول (50%) وليست كذلك كتبُ أهل السنة.

وأنا في هذه الأيّام أخرّج الفردَ المطلقَ من أحاديث البخاريّ، وأنشر في كلّ يوم حديثاً تقريباً، حبّذا لو قرأها الأستاذ أحمد برويّة وهدوء؛ ليتيقّن البونَ الشاسع بين الفرد المطلق لدى أهل السنّة، وبين جميع روايات الشيعة التي ليس لها أيّ قيمة علميّة إسناديّة على الإطلاق!

واللهُ تَعالَى أَعْلَمُ

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحَمْدُ للهِ عَلى كُلِّ حالٍ.

الخميس، 24 نوفمبر 2022

  قطوف من الآلام (16):

محمود الطحّانِ في ذمّة الله تعالى!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

قرأتُ قبلَ قليلٍ نبأ وفاةِ الأستاذ الدكتور الشريف محمود بن أحمد الحسينيّ النعيميّ الطّحّان الحلبيّ (1935 - 2022م).

وقبيلةُ النعيم السوريّة، التي ينتمي إليها الدكتور الفقيد، وأنتمي إليها أنا الفقير؛ تتكوّن من شِعبين كبيرين، هما: الطحّان والسيّاد، وعموم مشيخة النعيم بسوريّا في شِعبِ الطحّان.

الفقيدُ صاحبُ مجموعةٍ كبيرةٍ من الكتبِ في الحديث وعلومه، من أشهرها وأسيَرِها بين الناس؛ كتاباه: تيسير مصطلح الحديث - وأصول التخريج ودراسة الأسانيد.

أتقدّم بخالص المواساةِ والعزاء إلى أسرتِه الشريفةِ، ثمّ إلى قبيلة النعيمِ الماجدةِ، التي هو أحدُ أعلامها.

ثمّ إلى الأمّة الإسلامية، التي هو أحد علمائها ومحدّثيها المشاهير.

واللهَ تبارَكَ وتعالى أسألُ أن يتغمّد الفقيدَ بواسعِ رحمتِه، وأن يعليَ منزلتَه لديه.

إنّ ربّنا هو الرحمن الرحيم.

وأرجو من الإخوة الكرّامِ قرّاءِ صفحتي؛ أن يستغفروا لأخيهم الشريف محمود الطحّان، ويدعوا له بالعفو والعافية التامّة، وحسن الوفادة.

إنّا لله وإنا إليه راجعون.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحمد لله على كلّ حال.

 اجْتِماعِيّاتٌ (131):

أَنقذوا المِثليّينَ من اضطهادِ القَطريّين!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ!

وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا.

وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا)

(قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ.إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) [سورة هود].

(أهوهْ كِدَه الشُغلُ الصحّ!).

استمعتُ إلى عددٍ من القنوات الفضائيّة، وتأثّرتُ قليلاً لحزنِ وزيرة الداخليّة الألمانيّة المِثليّة؛ لأنّ دولة قطر الظالمةِ؛ لا تراعي حقوقَ النُغلِ المثليّ «القوّ... اد» عديم الحياء!

حَزنْتُ لهذه المرأةِ الستّينية أو السبعينيّة، مرّت كلّ هذه العقودِ من حياتِها، وهي محرومةٌ من رجلٍ فَحْلٍ، يرسّخ لديها شعورَها بأنوثتها، ويُعيدُ إليها توازن عقلِها، ويقوّم اعوجاجَ نفسها الوالهة، ويراعي نرجسيتها المتحطّمةَ (مسكينة حقّاً!!).

أنْ تلِحدَ بالله تعالى، وتكفرَ بالأديان كلّها؛ هذه حريّة شخصيّة!

أن تزني أو تلوط، أو يُفعَل الزنا واللواط بك وبمحارمك؛ فهذه حريّة شخصيّة!

أن تعاشرَ المرأة المحرومةُ كلباً أو قرداً أو دُبّاً، أو حتى حماراً؛ فهذه حريّة شخصيّة!

وأن تدعو إلى ذلك، وتروّجَ له في سائر وسائل الإعلام؛ فهذه حريّة شخصيّة!

وهذه (الخو .... رائيّات)  كلّها من حقوق الإنسانِ، التي كفلتها القوانين الأوربيّة الحَظاريّة!

أمّا أن تمتنع عن نتن وعفوناتِ اللواط والسحاق، ومعاشرة الحيوانات جنسيّاً؛ فهذا تخلّف ورجعيّة وعداءٌ لحقوق الإنسان.

لا ْ أقسم: إنّ زماننا هذا زمان (القوّا  ... دين)  باللغة السنسكريتية!

ولاْ أقسم: إنّ زماننا هذا زمان (الدا...عرات، العا...هرات) باللغة نفسها!

إنّ زماننا هذا زمان (الخنا...ثى والمخنّ...ثين) باللغة نفسها!

أجل: إنّ زماننا هذا زمان الفنّانات والسحاقيات واللواطيين والمخنثين والأدب سزيّة!

ونحن - بل حكامنا وقادتنا والله!- عاجزون أمام هذا؛ ضعفاء جبناء!

والشاعر العربيّ النبيل، يقول:

لا حقّ إلّا ما تؤيّده الظُبى!

ما دام حبّ الظلم في الإنسان!

والشاعر العربي الفارس الآخر يقول:

إنّ ألفي قذيفة من كلام

لا تساوي قذيفةً من حديد!

أجل أيها الإخوةُ الأحباب:

إنّ أكداسَ القمامةِ التي تضجّ بها شوارعُ عواصم العربيّة؛ لا سبيلَ إلى تطهير القاعِ مناتنها، ووقايةِ مجتمعاتنا من الأوبئةِ التي تنتج عنها، سوى الحَرْقِ الذي يحوّلها إلى رمادٍ، يستفادُ منه في تسميدِ الأراضي الزراعيّة [وأنا فلّاح بن فلاح بن فلاح] كما تعلمون!

كم كنت أتمنى في شبابي أن أكون حاكماً على مقاطعة صغيرةٍ، بمثل حجم (البحرين) أو (قطر) أو (الكويت) إذنْ كنتُ لأرينّ الله تعالى، وعبادَه المؤمنينَ ماذا أصنع!

لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(.

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلَّم تَسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 19 نوفمبر 2022

   اجْتِماعِيّاتٌ (127):

شوّاخُ البورسان من رجالاتِ سوريّا الأبطال!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عَقبَ خَراب مضافةِ جدّنا الشيخ خالد «البوهبطة» المشهور بالعتّال؛ اتّخذ جدّي السيّد إبراهيم الحمش الغرفةَ المجاورةَ لباب منزلنا مضافةً صغيرةً، يستضيف فيها مساءً عدداً من الأقاربِ والأصدقاء، كان من بينهم رجلٌ من الموالي العبّاسيين، كان يناديه جدّي المولى أبو ليلى الصقلاويّ، نسيت اسمه، وكان كثيرَ الكلام، كثيرَ الاعتراض، وكان جدّي يحترمه لشجاعته، كما قال لي جدّي.

عندما حجّ جدّي الحجّةَ الأخيرةَ في أوائل الستينات، وكان عمره فوق التسعين؛ أحضر معه عطراً ثقيلاً فعلاً، يُدعى عِطْرَ الكعبة، صرنا نعطّر ضيوفنا منه للبركة!

كان من عادة جدّي التي تعلّمناها منه، ولم نعمل بها لأسباب متعدّدة؛ أنّ الضيفَ متى أخذ موضعه من المجلس، واستقرّ به المقام؛ حيّاه الحاضرون بتحية المساء «مساك الله بالخير» والبدو يقولون: «الله بالخير».

ثمّ يقوم واحدٌ منّا - أحفاد جدّي - فيعرض عليه كأسَ ماء، ثم بعد دقيقتين يضيّفه بالقهوة العربيّة السمراء!

بعد دقيقتين أخريين، يعرضُ عليه الطيب «العطر» ويعطّره، وبعد خمس دقائق يقدّم إليه الشاي، وكان التدخين ممنوعاً في مضافةِ جدّي.

فعطّرته من عطر الكعبة الذي أحضره جدّي معه من الحجّ، فلم تعجبه رائحته، ونادى جدّي قائلاً: حاج إبراهيم أقول!

قال له جديّ: تفضل قل!

قال: العطر الأوّلاني كان زُويّن، هذا والله ما هو بزين!

قال له جدي: يا بو ليلى، نحن أتينا به للبركة، ومهما كان ما هو بزين، لكنه أزين من رائحة بني آدم!

ذاتَ ليلةٍ من تلك الليالي؛ استأذن هذا المولى أبو ليلى بالكلام، فأذن له جدّي، فحدّثنا حديثاً طويلاً عن «شيخ شيوخ الوُلْدَة» شوّاخ البورسان، ومقاومته للفرنسيين، وحكمهم عليه بالإعدام ستَّ مرّاتٍ، أو سبعَ مرّاتٍ - أنا نسيت - وتكلّم طويلاً عن كرمه وشجاعته وسأل جدّي إن كان يعرفه؟

قال جدّي: لم ألتقِ الشيخ شوّاخ - حفظه الله تعالى - إنما التقيت والدَه الشيخ أحمد البورسان، وأثنى عليه جدّي كثيراً.

تاربع المولى حديثَه قال: لمّا انكسرت قبائلُ الجزيرة أمام جيش الفرنساويّ؛ حكمت فرنسا غيابياً على الفارس عبدالرزاق المولى، أمير قبيلة الموالي العبّاسيين، وعلى شوّاخ البورسان، شيخِ الوُلدَة، من قبيلة البوشعبان، بالإعدام.

فاختفى شوّاخ البورسان عند بعض معارفه من الوجهاء، ومن جملة هؤلاء الوجهاء «أصلان آغا البرازي، في قريّة تدعى «زور العاصي» وراءَ جبل معرّين، زرتُها أنا فيما بعد، وهي جنّةٌ من جنان الله تعالى في الأرض!

استأذن أصلان البرازي الشيخ شوّاخاً أبا أحمد بالذهاب إلى بعض أعماله، وبقي الشيخ شوّاخ في المضافةِ مع بعض الضيوف.

كان خادمُ المضافةِ واحداً من عبيد أصلان البرازي، فأراد أن يفرضَ حضوره على الحاضرين نوعاً من التعويضِ الأدبيّ - فيما يبدو - وعندما وضع للضيوف الطعامَ؛ وجدَ الشيخ شوّاخاً أضخمَ شخصٍ في المجلس جسماً، وأطولَهم وأغلظهم شارباً!

فناداه، ورمى له بطاس الماء، وقال له: «قم املأ هذه الطاس، وحوّل على السفرة».

فلم يردّ عليه شوّاخ البورسان، وتجاهلَه!

لكنّ هذا العبدَ تمادى وتجاسر، وقال لشوّاخ: «كأنك مصدّق نفسك إنك رجّال بطول شواربك، قم قم املأ الطاس ماي، هيّا».

قام شوّاخ، وملأ الطاس ماءً، ووضعه على المائدة، وجلس مع الضيوف يسايرهم، وهم يتناولون طعامهم.

عندما رجع أصلان إلى منزله؛ أحسّ بأنّ شوّاخاً زعلان، فحاول مداعبته وممازحته، وطلب منه أن يعزف على الربابة!

أخذ الشيخ شوّاخ الربابة، وحضّر موسيقاها لتتلقى كلامه، ثم ارتجل قائلاً:

الله كريم... الله كريم ... الله كريم ... الله كريم ... الله كريم ...

الله كريم نبدل الدار بديار.

والماي تروح لو كانت بطيّة!

عقب ما كنت أنا شيخ؛ صرت أنا دوّار

والشين قبل الزين يامر عليّ».

وكرّر الكلام عدّة مرّاتٍ، وشرر النار يقدح من عينيه!

فعاقبَ أصلان عبده عقاباً عسيراً، لكنّ الشيخ شوّاخاً رفض البقاءَ عند أصلان، وغادر المكان في الليلةِ ذاتها.

في عام (1971) عُيّنت مدرّساً مكلّفاً بإعدادية قرية «شمس الدين» على شطّ الفرات، قريباً من مدينةِ «منبج» وأنا لا أعرف أنّ هذه القريةَ هي قرية الشيخ شوّاخ البورسان!

كان مطلوباً منا تسجيلُ حضور الطلاب وغيابهم، فكنت أقرأ أسماء الطلّاب:

محمد أحمد الشواخ.

عمر أحمد الشواخ

سعود فلان الشوّاخ!

لفت نظري أن ربع كلّ فصل تقريباً من الفصول ينتهي بالشوّاخ!

سألت أحد طلّاب الصفّ الثالث الإعدادي، قلت له: أنت قبيلي؟

قال: كلّنا قبيليين يا أستاذ، نحن كلّنا قبيلة واحدة، هب البوشعبان، ونحن من الوُلدة!

قلت له: انسب نسبك إلى خمسة جدود، فنسب نفسه: عامر «أو عمر» بن أحمد بن شوّاخ بن أحمد البورسان!

فأوقفتُه، وقلت له: أبو أحمد شوّاخ البورسان، شيخ شيوخ الجزيرة، هو جدّك، أو هو اسم مشابه لاسم؟

قال: بل هو جدّي!

قلت له: رحمه الله تعالى، كم كان بطلاً شجاعاً كريماً عزيز النفس، أنا أعرف عن جدّك الكثير، لكنني ما التقيته في حياتِه وللأسف!

تبسّم الولد وقال: الله يعطيك طول العمر يا أستاذ، جدّي شابٌّ قويٌّ على قيد الحياة، والحمد لله ربّ العالمين!

قلت له: جدّك منذ الثورة السورية عام (1925) كان فارساً بطلاً، وقائداً يقارع الفرنسيين، ما يزال على قيد الحياةِ، ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله، سلّم لي عليه كثيراً، أنا والله أحبّه، ومعجب بشخصيّته.

قال الولد: سلّمك الله يا أستاذ، يصل إن شاء الله.

في اليوم التالي، بعد انصراف الطلّاب من المدرسة؛ جاء أحد أولاد الشيخ شوّاخ الرجال، على حصانٍ، يقود حصانين ليس عليهما أحد، حتى وقف على باب المدرسة، فنادى على «آذن المدرسة»: أين الشيخ عذاب النعيميّ الحمويّ؟

فأخبرني الآذن بأنّ أحداً يطلبني، خرجت من غرفتي، وأقبلتُ إلى الرجل، الذي نزل من على ظهر حصانه، وسلّم عليّ وعانقني، وقالت: «يا عمي الوالد أرسل إليك يريدك تتغدّى معه وهذا الحصان مركوبك، وخذ معك ضيفاً أو اثنين، إن شئت، وأنا أرَوّح ماشياً، وحيّاك الله»!

كنت شاباً في الحادية والعشرين من عمري، أحبّ السلاح، وأحبّ الخيل، فقلت لابن شوّاخ: أريد أن أتخيّل على أحد هذين الحصانين، هل لديك مانع؟

قال باستحياء: على «الرحب والسعة» وكأنه خاف عليّ من الوقوع عن ظهر الحصان.

كانت الأرض كلّها زراعية حمراء جميلة، ليس فيها أيّ حجر صخريّ، أو شارع مرصوف!

لعبت على الحصان قرابةَ ربع ساعةٍ، ثم رجعتُ إلى ابن شوّاخ، فوجدته مسروراً جدّاً.

قلت له هامساً: ليس في هذه المدرسة أحدٌ يستحقّ أن يرى وجهَ الشيخ شوّاخ البورسان، كلّهم كفرة!

وذهبنا إلى حويجة شوّاخ بقاربٍ صغير نسيت اسمه، في الساحل يقولون لمثله: «فلوكا»!

تغدّيت مع الشيخ شوّاخ وعددٍ من الضيوفِ، وكان ثلاثةٌ من أولاده الشباب وافقين على رؤوسنا للخدمة، والشيخ شوّاخ يسايرنا ويضاحكنا حتى لا نشعر بالخجل.

وبعدما انتهى الجميع من الطعام؛ قُدّم إليه طبقٌ، فتغدّى، فعلمتُ أنّ هذه عادةٌ له!

قال: ممكن تنتسب لي يا ولد أخوي؟

قلت له: أنا عداب بن السيّد محمود بن السيد إبراهيم بن الشيخ محمد الحمش!

قال: العفو منك، الحمش الذي هو أبو حمدو؟

قلت له نعم.

قال: حمدو جدّك أم عمّك؟

قلت له: حمدو عمّ أبي، وشقيق جدّي السيّد إبراهيم!

قال: سمعت عن إبراهيم، لكن أعرف جدّك الحمش، وعمّك حمدو، الذي يقولون له: العرّ!

قلت له: نعم صحيح.

قال: العرّ كبير، أكبر مني بأربعين سنة تقريباً، لكنه كان قويّا جدّاً وشجاعاً جدّاً، وظني كان جدّك الحاج محمد الحمش يومها فوق مائة سنة، لكنه كان بكامل عافيته!

وحدّثني ما يعرفه عنهما، وعن لقائه بهما.

فطلبت منه أن يقصّ عليّ قصّة زيارته لأصلان آغا البرازي، وما جرى له هناك!

فتغيّر وجهه، وقال: أنت قصَّ عليَّ الذي سمعته، وأنا أقول لك الصحيح!

فقصصت عليه القصّة، وذكرت له البيتين اللذين كانا سببَ تلك العقوبةِ القاسية لعبد أصلان!

أطرق قليلاً، ثم قال: مَن حدّثك بهذه السالفة؟

قلت له: قريب لنا يقولون له: الصقلاويّ أبو ليلى المولى!

قال: «أعرفه زين، رجالٍ ملو هدومه» هل هو طيّب «على قيد الحياة»؟

قلت: عقبَ وفاة جدّي (1968م) لم أعد أراه، فلا أدري أحيٌّ هو أم لا !

قال: «أصلان وربع أصلان؛ جماعة كرامٌ، وهمّ منّا تراهم، ما هم بأكراد» همّ من وين؟

قلت له: هم من عين العرب!

قال: هاه أنت قلتها، هي بلد العرب، جاورهم فيها الكرد، ثم تصاهروا بينهم، وتكاثروا، فصاروا هم أكرادَ اللغة فقط، وهم منّا من قحطان!

لكنهم نسوا أصلهم وفصلهم، وللأسف!

ختاماً: ولد شوّاخ البورسان عام (1900م) وتوفي عام (1982) وقد حدّثني أنّ له من صلبه خمسَ مائةِ ولد «يقصد ذريّته» رحمه الله تعالى وغفر له، ولنا، ولسائر المؤمنين!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(.

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلَّم تَسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 18 نوفمبر 2022

  مَسائلُ حديثيّةٌ  (70):

سماحةُ السيّد الحيدريّ وخطورةُ التقليد!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

السيّد كمال الحيدريّ الإماميّ المعاصر - حفظه الله تعالى ووفّقه - عَلَمٌ من أعلامِ الشيعةِ الإماميّة المعاصرين، وهو من القلائلِ الذين يحاولون تنقيةِ التراثَ الشيعيَّ الإماميّ من جبالِ الموضوعاتِ والمكذوباتِ والواهيات، في كتب التراث لديهم.

لكنّه إذا انتقلَ إلى التعامل مع كتب أهل السنّةِ؛ فهو مقلّدٌ صرف، قد يتابعُ بعضَ المعاصرين في كتاباتهم، من دون الرجوع إلى الأصول!

قال في منتصف الحلقة (13) من الأطروحة المهدويّة: «إنّ الذين رُوي عنهم الحديثُ، من زمان الصحابةِ إلى سنة خمسين، يبلغ أربعين ألف راوٍ!

ضعّف البخاريّ منهم قرابةَ (700) راوٍ، فيبقى أكثرُ من (39000) راوٍ هم من الثقات.

وأشارَ حفظه المولى تعالى إلى أنّه اعتمد في تقريره هذا، على كتاب «المهدي وفقه أشراط الساعة» للدكتور إسماعيل المقدّم (ص: 141) الذي نقل بدوره عن الحاكم النيسابوريّ والحازميّ في شروط الأئمة الخمسة.

أقول وبالله التوفيق:

لا ريب في أنّ السيّد الحيدريَّ قد جانبَ الصوابَ، في عدم الرجوعِ إلى الكتب الأصول.

نعم نقلَ الحاكم النيسابوري في كتابه المدخل إلى الصحيحِ عَن أَبِي عَلِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الماسَرْجِسيّ؛ أنّ الذين ترجمهم البخاريُّ في تاريخه الكبير قُرابةُ أربعين ألفاً، لكنّ هذا العددَ تقديريّ مبالغٌ فيه من الماسرجسيّ، وهو دليلٌ على أنّ الحاكم لم يعدّ بنفسه رواة تاريخ البخاريّ الكبير أيضاً!

ولأنّ جميعَ الأخطاء التي وقعت من السيّد الحيدريّ، مصدرها كلام الحاكم النيسابوريّ؛ فيحسن أن أسوق كلامه بتمامه.

قال أبو عبدالله الحاكم (ت: 405 هـ) في صدر كتابه المدخل إلى معرفة رواة الصحيحين (1: 111) ما نصّه: «أَخْبَرَنِي فَقِيه من فقهائنا عَن أَبِي عَلِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الماسَرْجِسيِّ رحمنا اللَّه وإياه؛ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ بلغ رُوَاة الْحَدِيث فِي كتاب التَّارِيخ لمُحَمد بْن إِسْمَاعِيل قَرِيباً من أَرْبَعِينَ ألف رجل وَامْرَأَة، وَالَّذين يَصح حَدِيثهمْ من جُمْلَتهمْ؛ هُمُ الثِّقَات الَّذين أخرجهم البُخَارِيّ وَمُسلم بْن الْحجَّاج، وَلَا يبلغ عَددهمْ أَكثر من ألفي رجل وَامْرَأَة، فَلم يُعجبنِي ذَلِكَ مِنْهُ رَحمَه اللهُ تعالى».

ثمّ تكلّم على شرط البخاريّ وشرط مسلم، وختم المقدّمةَ بقوله (ص: 114): «وَإِن أسامي الْقَوْم الَّذين لَمْ يوجدوا فِي الْكِتَابَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ؛ لَيْسَ بِجرح فيهم، كَمَا أخبر الإِمَام عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهْديّ، من الْفرق بَيْنَ الْخِيَار والصدوق، وَبَين مَنْ يُعْطى اسْم الثِّقَة.

وَأَنا مُبين بعون اللهِ وتوفيقه أسامي قوم من الْمَجْرُوحين مِمَّن ظهر لي جرحهم اجْتِهَادًا وَمَعْرِفَةً بجرحهم، لَا تَقليداً فِيهِ لأحدٍ من الْأَئِمَّة، وأتَوَهَّمُ أَن رِوَايَة أَحَادِيث هَؤُلَاءِ لاتحلُّ، إِلَّا بعد بَيَان حَالهم».

وأعاد مضمونَ كلامه هذا، في كتابه المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: 50) فقال:

«ذَكَرْنَا وُجُوهَ صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْسَامٍ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِهِ فِيهِ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ لَيْسَ يَصِحُّ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ!

فَإِذَا نَظَرْنَا وَتَأَمَّلْنَا فَوَجَدْنَا الْبُخَارِيَّ قَدْ جَمَعَ كِتَابًا فِي التَّارِيخِ عَلَى أَسَامِي مَنْ رُوِيَ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، مِنْ زَمَانِ الصَّحَابَةِ إِلَى سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَبَلَغَ عَدَدُهُمْ قَرِيباً مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، جَمَعْتُ أَنَا أَسَامِيَ من أخرجا عنهم، وما اختلفا فيه، فاحتج به أحدهما، وَلَمْ يَحْتَجُّ بِهِ آخَرُ؛ فَلَمْ يَبْلُغُوا أَلْفَيْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ!

ثُمَّ جَمَعْتُ مَنْ ظَهَرَ جَرْحُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِينَ أَلْفاً، فَبَلَغُوا مِائَتَيْنِ وستةً وَعِشْرِينَ رَجُلاً.

فَلْيَعْلَمْ طَالِبُ هَذَا الْعِلْمِ؛ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لِلْأَخْبَارِ ثِقَاتٌ، وَأَنَّ الدَّرَجَةَ الْأُولَى مِنْهُمْ؛ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الْكِتَابَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، لِلْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا، لَا لِجَرْحٍ فِيهِمْ!

وَأَنَا ذَاكِرٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرَهُ، وَحَسُنَ تَوْفِيقِهِ سَبَبَ الْجَرْحِ وَمَا يُوهَمُ أَنَّهُ جَرْحٌ، وَلَيْسَ بِجَرْحٍ لِيُوقَفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهِ وَاللهُ الْمُعِينُ على ذِكرِهِ بمَنِّهِ».

وخصّص الجزءَ الأوّل من كتابه «المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم» لأولئك الذين جرحهم، فكان عددهم (233) راوياً، وليسوا (226) راوياً.

قال الفقير عداب: في كلام الحاكم مغالطاتٌ كثيرة، لم ينبّه إليها الدكتور إسماعيل المقدّم، وتابعه عليها السيد كمال الحيدريّ، من دون تحقيق!

ولو رجع السيّد الحيدريّ إلى التاريخ الكبير للإمام البخاريّ؛ لوجدَ أنّ الحاكمَ قد وهم أوهاماً عديدةً، ولوجد أنّ إسماعيل المقدّم لم ينبّه، أو لم ينتبه إلى هذه الأوهام.

وسأشير بإيجازٍ إلى أخطاء الحاكم، التي تبنّاها السيّد الحيدريّ، فأقول:

أوّلاً: قال الدكتور المقدّم: «إنّ الذين رُوي عنهم الحديثُ، من زمان الصحابةِ إلى سنة خمسين، يبلغ أربعين ألف راوٍ»!

وهذا غير صحيح أبداً؛ لأنّ الحاكم قال في المدخل إلى كتاب الإكليل: «أَسَامِي مَنْ رُوِيَ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، مِنْ زَمَانِ الصَّحَابَةِ إِلَى سَنَةِ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ» يعني إلى طبقةِ أقران الإمامِ البخاريّ؛ لأنّ سنة (50) من دون (200) كان أكثرُ الصحابة ما زالوا على قيد الحياة.

يضاف إلى هذا أنّ البخاريّ بالفعل، ترجم في تاريخه رواةً وفياتهم بعد عام (230 هـ) فكيف نجعله حصرَ كتابَه التاريخ في خمسين سنةً الأولى من تاريخ الإسلام؟

- ترجم البخاريّ في التاريخ الكبير (1: 44) مُحَمَّد بْن بكار البغدادي أَبُو عبدالله مولى بني هاشم، وقال: توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين.

- وترجم البخاري في التاريخ الكبير (1: 41) مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بن أَبِي يعقوب الكرماني، وقال: مات سنة أربع وأربعين ومائتين.  

- وترجم في التاريخ الكبير (1: 49) شيخَه مُحَمَّد بْن بشار أَبُو بكر الْبَصْرِيّ (بندار) مات فِي رجب، سنة ثنتين وخمسين ومائتين.

وفي هذه الأمثلة كفايةٌ للدلالةِ على أنّ قول الحاكم (250) وليس (50)!

ثانياً: كلام الحاكم في عدد رواة التاريخ الكبير قريباً من أربعين ألف رجل وامرأة؛ كلام غير صحيحٍ أيضاً!

إذ عددَ الرواةِ فيه، حسب طبعة الناشر المتميّز، بتحقيق محمد بن صالح الدباسيّ (12799) راوياً.

وكتاب الكنى الذي يعدّ كتاباً مفرداً، عدد الرواة فيه (933) راوياً، أكثرهم تقدّم ذكرُه في الأسماءِ، من التاريخ الكبير، فأين هذا العدد (13732) من (40000)؟!

ثالثاً: قول الحاكم النيسابوريّ: إنّه أحصى الرواةَ الذين أخرج لهم البخاريّ ومسلم أو أحدهما؛ لَمْ يَبْلُغُوا أَلْفَيْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ» كلام غير دقيقٍ أيضاً.

فأنا أحصيت عددَ رواةِ الصحيحين، تبَعاً لتهذيب الكمال، وتقريب التهذيب؛ فبلغ عددهم ألفي راوٍ وثمانِ مائة راوٍ، وراويين! (2802).

وأحصاهم الشيخ محمد بن آدم الأثيوبيّ في كتابه «قرّة العين» فبلغ عددهم بالمكررات (2984) رجلاً وامرأة، ومعنى المكرّرات يتوضّح بالمثال الآتي:

تحت عنوان مَن عُرفَت بابنة فلان؛ ترجم ابنةَ أمّ سلمة (2983) وقال: تقدّمت ترجمتها (2612)؟

وآخر ترجمةٍ في الكتاب، كانت لابنة حارثةَ بن النعمان (2984) وقال: تقدّمت ترجمتها (2650).

والذين جرحهم الإمام البخاريّ في كتاب الضعفاء المتوافر بين أيدينا؛ كانوا (418) راوياً، وليسوا قريباً من سبع مائة راوٍ!

فعدُّ الحاكم النيسابوريّ؛ تقديريّ، وليس إحصائيّاً.

 رابعاً: قول الحاكم النيسابوريّ - الذي تبعه عليه السيّد كمال الحيدريّ - « فَلْيَعْلَمْ طَالِبُ هَذَا الْعِلْمِ؛ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لِلْأَخْبَارِ ثِقَاتٌ» غير صحيح البتّة!

إذ يرى الحاكم أنّ مَن لم يوجد فيه كلام للأئمةِ الحفّاظ؛ فهو ثقةٌ، وهذا خطأٌ كبيرٌ؛ لأنّ أكثر الرواة الذين ترجمهم البخاريّ؛ سكت عنهم في تواريخه، وقد يوثّق بعضهم، ويضعّف بعضهم في مواضع أخرى.

يكفي دلالةً على هذا الكلام؛ أنّ الأستاذ الدكتور محمد بن سعيد حوّى، كتب أطروحته للدكتوراه، بعنوان «منهج الإمام البخاريّ في الجرح والتعديل» وأحصى الرواةَ الذين استطاع أن يجدَ للبخاريّ كلاماً في الجرح أو التعديل فيهم، في كتبه هو، وفيما نقله عنه الآخرون؛ فلم يجد سوى (992) راوياً، فيهم الحافظ والثقة والصدوق والضعيف والوضّاع والمجهول، انظر الأطروحة (ص: 846، 847)!

فأين هذا الرقم (992) من مجموع رواة التاريخ الكبير وحده (13732)؟

وقد كتبتُ كتاباً مفرداً، ردّاً على مثل قول الحاكم هذا «من لم يوجد فيه جرح؛ فهو ثقة» هو كتاب «الرواة المسكوت عليهم بين التوثيق والتجهيل».

ولو أننا نظرنا إلى أحكام ابن حجر على رواة الصحيحين، وهو المحامي الأكبر عن صحيح البخاريّ أصالةً، وعن صحيح مسلمٍ تبعاً؛ لوجدنا ما يأتي:

أوّلاً: الصحابة جميعهم عدولٌ، ولذلك عدّهم طبقةً واحدةً، لا يتطرّق الشكّ إلى عدالة واحدٍ منهم، أو ضبطه!

ثانياً: مصطلح حافظ: وصف ابن حجر في التقريب (95) راوياً من رواة الصحيحين، الذين يقرب عددهم من ثلاثةِ آلاف راوٍ بالحفظ.

ثالثاً: مصطلح ثقة: وصف ابن حجر في التقريب (1450) راوياً من رواة الصحيحين، بمصطلح (ثقة).

رابعاً: مصطلح صدوق: وصف ابن حجر في التقريب (581) راوياً من رواة الصحيحين، بمصطلح (صدوق).

منهم (55) راوياً قيّد صدقَهم بقيد الخطأ (صدوق يخطئ).

ومنهم (18) بقيد (صدوق ربما أخطأ).

خامساً: مصطلح لا بأس به: وصف ابن حجر في التقريب (29) راوياً من رواة الصحيحين، بمصطلح (لا بأس به).

سادساً: مصطلح مقبول: وصف ابن حجر في التقريب (130) راوياً من رواة الصحيحين، بمصطلح (مقبول).

سابعاً: مصطلح ضعيف: وصف ابن حجر في التقريب (31) راوياً من رواة الصحيحين، بمصطلح (ضعيف).

سابعاً: مصطلح ليّن الحديث. وصف ابن حجر في التقريب (27) راوياً من رواة الصحيحين، بمصطلح (ليّن الحديث).

ثامناً: مصطلح مستور. وصف ابن حجر في التقريب (10) رواةٍ من رواة الصحيحين، بمصطلح (مستور).

وحسب منهج ابن حجر ذاته: إنّ رواةَ مصطلح صدوق، نزولاً إلى رواة مصطلح مستور؛ إنما يقبل هؤلاء في المتابعات، ولا يقبل من واحدٍ منهم ما ينفرد به من حديث!

وزيادة في دفع كلام الحاكم؛ أقول: إنّ عدد الرواة الذين أخرج لهم أصحاب الكتب الستة، حسب كتاب تقريب التهذيب (8826) رجلاً وامرأة، وليسوا أربعين ألفاً!!.

كان عدد الصدوقين منهم (512) راوياً.

وكان عدد من لا بأس به (97) راوياً.

وكان عدد المقبولين في المتابعة (563) راوياً.

وكان عدد المستورين منهم (98) راوياً.

وفي جميع هؤلاء ضعفٌ حطّهم عن درجة الثقة!

وكان عددُ الضعفاء منهم (229) راوياً.

وكان عدد الوضاعين (29) راوياً.

وكان عدد الكذابين منهم (12) راوياً.

وقد تقدّم أنّ الصدوقَ، ومن لا بأس به، والمقبول، والمستور، جميع هؤلاء يقبلون في المتابعةِ، ولا يُقبل من الواحد منهم ما ينفرد به.

وأنّ الضعيف والوضّاع والكذّاب؛ لا تقبل منهم أحاديثهم التي توبعوا عليها، أو انفردوا بها.

ختاماً: أنا الفقير على ثقةٍ من أنّ عددَ الرواة المجهولين أكثرَ من خمسةِ آلاف راوٍ!

فكيف نُسلّم للحاكم النيسابوريّ بأنّ جميع الرواة المجروحين (226) أو (233) راوياً، وباقي الرواةِ، مِن أصل أربعينَ ألف راوٍ؛ ثقاتٌ؟!

هذا كلامٌ غير مقبول البتّة!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.