الاثنين، 29 أبريل 2024

       مِنْ عِبَرِ التاريخِ (13):

آلُ البيتِ يُغالون في عليّ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

آلُ البيتِ لا يُغالون بالإمامِ عليّ عليه السلام، الذين يغالون به؛ هم جهلةُ وسفهاء الرافضةِ، ومهما كَثُروا؛ فآل البيت في ساقيتهم قليلون!

الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ هو الرسول والنبيّ والقائد والقدوة، والإمام عليٌّ عليه السلامُ هو سيفُه في حياته صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو إمامُ الأمّةِ وربّانيّها بعد انتقاله إلى جوار ربّه تبارك وتعالى.

ليس كمثله - ولا دونه بعشر مراحلَ - أحدٌ في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، هذه عقيدتي أنا، وأظنّها عقيدةُ أكثر علماء آل البيت عليهم السلام، قديماً وحديثاً!

أخرج ابن أبي شيبةَ في المصنّف (32105) وأحمد في فضائل الصحابة (922، 1013) وفي مسنده (1720) والنسائيّ في السنن الكبرى (8354) والطبراني في المعجم الأوسط (2155) وفي الكبير (2719، 2724) والمغازلي في فضائل عليّ (16) وابن حبّان في صحيحه (6936) من طُرقٍ عن الحسنِ بن عليّ عليهما السلام، أنّه بعد استشهاد الإمام قام خطيباً فقال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ: لَقَدْ فَارَقَكُمْ أمسِ رَجُلٌ، مَا سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ بِعِلْمٍ، وَلَا يُدْرِكُهُ الآخِرون، لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُهُ الْمَبْعَثَ، فَيُعْطِيهِ الرَّايَةَ، فَمَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَمِيكَائِيلُ عن شماله.

ما ترك بَيْضَاءَ وَلَا صَفْرَاءَ، إِلَّا سَبْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَضَلَتْ مِنْ عَطَائِهِ، أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا خادماً».

وفي بهجة المجالس (ص: 109):

«قال الشّعبيّ: لما مات عليُّ بن أبي طالب رضى الله عنه، قام ابنه الحسن على قبره، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلى الله عليه وسلم، واستغفر الله لأبيه، ثم قال: نِعْم أخو الإسلامِ كنتَ يا أبي، جواداً بالحقّ، بخيلاً بالباطل عن جميع الخلق، تَغضب حين الغضب، وترضى حين الرّضا، عفيفُ النظر، غضيضُ الطّرف!

لم تكن مَدّاحاً ولا شتّاماً.

تَجود بنفسك في المواطن التي يَبخل بها الرجال!

صَبوراً على الضّراء، مُشاركاً في النّعماء، ولذلك ثَقُلْتَ على أكتافِ قُريشٍ».

هذا هو جدّنا الإمامُ عليُّ بن أبي طالبٍ عليه السلامُ، اُذكروا لنا مِن معظَّميكم رجلاً واحداً يمتلك عُشْرَ هذه الخِصالِ، حتى نقدّمَه عليه، ونحبّه أكثرَ منه أيضاً!

اُذكروا لنا واحداً، قال له الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم: (أنتَ مني بمنزلةِ هارون من موسى) وتفسير هذا؛ قول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام:

(وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) [سورة طه].

اُذكروا لنا واحداً من معظّميكم، قال فيه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: (مَن كنت مولاه؛ فعليٌّ مولاه)!

اُذْكروا لنا موقفاً واحداً لواحدٍ من معظّميكم؛ كان فيه هو المنقذَ للأمّة، كا كان جدّنا منقذَها في بدرٍ وأحدٍ والأحزاب وخيبر!

هناك مثل عاميٌّ مقرفٌ، لكنّه يليقُ بأصحاب الهوى والتعصّب المقيت، هو:

(نِكايةً بالطهارةِ؛ تبولون في سراويلكم)!

توضيحُه: (نِكايةً بالشيعةِ الذين يفضّلون عليّاً؛ تفضّلون عليه من ليس له عُشرُ معشارِ صفاته وخصائصه)!

قبّح الله غلوّ الرافضةِ وتقصيَركم، ولؤمَ الرافضةِ وأحقادكم.

هذا هو جدّنا، وتلك هي عقيدتنا، فمَن رضيَ؛ فله الرضا، ومَن غضب؛ فليضرب رأسه حيث يشاء!

والحمد لله على كلّ حال.


([1])

الجمعة، 19 أبريل 2024

       مَسائل حديثية (97):

حديثُ التداوي بأبوال الإبل؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

ذكرتُ مرّاتٍ عديدةً؛ أنّ أكثرَ من أتابعُه من كتّاب الشيعةِ الإماميّة؛ أخي الدكتور أحمد الكاتب الكربلائيّ، وأقرَرْت مرّاتٍ عديدةً أنني أستفيد منه، منذ العام (1997) وحتى هذا اليوم!

بيد أنني أعتبُ عليه؛ أنّه يردّ الأحاديثَ الصحيحةَ بعقلِه ومزاجِه أحياناً، بدعوى مخالفتها للقرآن الكريم!

وفي الحلقةِ التي استمعتُ إليها اليوم، حول (التداوي) بأبوال الإبل عند أهل السنّة، زعم أنّ هذا الحديثَ لا يرويه إلّا أنسُ بن مالكٍ، ولا يرويه عنه سوى راوٍ واحدٍ، وهذا الراوي - التابعيّ الواحد - لا يرويه عنه إلّا واحدٌ، وهكذا إلى عصر البخاري ومسلم!

وسبق له أن قالَ مثلَ هذا القولَ في حديثٍ آخر، أثبتّ له في منشورٍ أنّ الذين رووا الحديث عن ابن عبّاسٍ ثلاثةٌ، والذين رووا عن هؤلاء الثلاثة ستة، وأنّ الذين رووا عن هؤلاء الستّة كثيرون!

وسأجيب على كلام أخي الدكتور أحمد تباعاً.

أوّلاً: لم يتفرّد أنس بن مالك بروايةِ مضمون هذا الحديثِ عن الرسول صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم، بل رواه أبو ذرّ الغفاريّ، وعبدالله بن عباس.

- أمّا حديثُ أبي ذرٍّ رضي الله عنه؛ فأخرجه أبو داود الطيالسيّ في مسنده (486) وأبو داود في سننه (333) والبيهقيّ في السنن الكبير (2: 167) وغيرهم، وموضع الشاهد منه، قال أبو ذَرّ: (إني اجتوَيَتُ المدينةَ، فأمَرَ لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم بذَوْدٍ وبغَنَمٍ، فقال لي: (اِشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِها).

قال حمّاد بن زيدٍ: «ثُمَّ سَكَتَ أَيُّوبُ عِنْدَ أَبْوَالِها، وأَنا أَشُكُّ فِي «كلمةِ» أَبْوَالِهَا».

وأمّا حديث ابن عبّاس؛ فأخرجه أحمد في مسنده (2677) والحارث بن أبي أسامةَ، كما في زوائد مسنده للهيثميّ (557) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في الطب النبويّ (375) والطحاوي في معاني الآثار (654) والطبراني في المعجم الكبير (12: (12686) والبيهقيّ في معرفة السنن والآثار (4963) ولفظه:

(إِنَّ فِي أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَأَبْوَالِهَا؛ شِفَاءً لِلذَّرِبَةِ بُطُونُهُمْ) سيأتي تفسير «الذَّرِبة».

وحديثُ أبي ذرّ حسن الإسناد، وحديث عبدالله بن عبّاس ضعيف في إسناده عبدالله بن لهيعة.

وهو حسن لغيره على مذهب الذين يصححون بالشاهد.

ثانياً: بإسنادي إلى الإمام البخاري في صحيحه (233) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ) الحديث.

مدار حديثِ الباب على أنسِ بن مالكٍ، رواه عنه:

(1) بهزُ بن حكيم، عند أحمد في مسنده (13572).

(2) وثابت بن أسلم البناني، عند الترمذي في جامعه (72، 2042).   

(3) وحميد بن أبي حميد الخزاعي «الطويل» عند مسلم في صحيحه (1671) والترمذي (72).

(4) وعبدالعزيز بن صهيب، عند مسلم (1671).

(5) وعبدالله بن زيدٍ أبو قلابةَ الجَرميّ، عند البخاري (233، 3018، 6802) ومواضع.

(6) وقتادة بن دعامة السدوسيّ، عند البخاري (1501، 4192، 5686).

(7) ويحيى بن سعيد الأنصاريّ الخزرجيّ، عند النسائي في المجتبى (306).

فهؤلاء سبعةُ رواةٍ ثقاتٍ، رووا هذا الحديثَ عن الصحابيّ أنسِ بن مالكٍ، وهذا حدّ التواتر عند الفقير عداب.

والرواة الذين رووا عن هؤلاء السبعةِ أكثر بكثيرٍ من سبعة!

فكيف يُجوّز أخي أحمد لنفسه أن يزعم بأنّ هذا الحديث واحد، رواه واحد عن واحد؟

نحن نقول مطمئنّين: رواه عن أنسٍ أكثرُ من عشرةِ رواةٍ، بيد أنني لم أستقصِ التخريج!

ورواه عن هؤلاء العشرةِ أكثرُ من خمسةَ عشر راوياً، ورواه عن هؤلاء أكثرُ من عشرين راوياً.

ولا يخفى على صغار طلبة العلم؛ أنّ الحديثَ كلما نزلت طبقة رواته؛ زاد عددهم!

ثالثاً: زعم أخي الدكتور أحمد؛ أنّ الحديثَ مخالفٌ للقرآن الكريم، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) والبولُ نجسٌ خبيثٌ؛ فهو محرّم، وكيف يكون التداوي بالمحرّم.

ولا أظنّ أخي أحمد يجهل اختلاف فقهاء الأمة في نجاسة بول وروثِ مأكول اللحم، في حياته وبعد ذكاته، وظاهرٌ أنّه يميل إلى نجاستِه، ولا بأس في ذلك، فهو ما أميلُ إليه أيضاً، وهو المعتمَد في مذهب الشافعيّة.

بيد أنّ المسألة لا تتّصل هنا بنجاسة البول، إنّما تتّصل بالتداوي بهذا النجس!

وقد وردت أحاديثُ عديدةٌ في النهيِ عن التداوي بالمحرّم والنجس، وفي أسانيد المرفوع منها مقال.

بيد أنّ ما هو أهمّ من ذلك؛ أنّ التطبّب كلّه يدخلُ في باب الضرورة، والحاجةِ الماسّةِ التي تُنَزّل منزلةَ الضرورة، والضرورة تقدّر بقدرها.

ومسألةُ الطبِّ مسألة اجتماعيّة، وقد تداوى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ببعض ما كان سائداً من الطبّ في عصره، ومن ذلك الحجامة والكَيّ!

وكان التداوي بألبان الإبل وأبوالها شائعاً في نقل عصره.

فقد نقل البيهقيّ في معرفة السنن والآثار (4964) عن الشافعيّ في تفسير حديثِ ابن عباس المتقدم قوله : «هَذا الحديثُ إِذَا كَانَ ثَابِتاً؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لِلذَّرِبَةِ بُطُونُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ بِهِمُ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ، الَّذِي لَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ تَقُولُ: «لَا شِفَاءَ لَهُمْ، إِلَّا أَلْبَانُ الْإِبِلِ، وَأَبْوَالُهَا، أَوْ شَقُّ الْبَطْنِ».

فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ شَقُّ الْبَطْنِ، وَقَطْعُ الْعُضْوِ، رَجَاءَ الْعَافِيَةِ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ لِغَيْرِ مَعْنَى الضَّرُورَةِ، كَمَا أُجِيزَ للضَّرُورَةِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَمَا نُصِبَ مُحَرَّمًا مَعَهَا، وحُكْمُ الضَّرُورَاتِ مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ».

فحَمْلُ الحديثِ الذي صحّ إسناده؛ ولم نتيقّن من أنّ معناه مخالفٌ حقيقةً لما أبيح لعلّته - العلاج - على الضرورةِ والحاجة الملحّة؛ أولى من إهدارِه وتسفيه القائلين به والذاهبين إليه!

خامساً: إذا كان مبنى التداوي كلِّه على التجربةِ، فقد كانت تجارب الأطباء العربِ، من لدن عصر الرسالةِ وإلى يومنا هذا تقول: إنّ أبوال الإبلِ الممزوجةَ بنسَبٍ محددّة مع ألبانها؛ مفيدةٌ في علاج أمراضٍ شتّى!

قال الطبيب داود الأنطاكي في تذكرته (ص: 118) مادّة (جَمل): «وبوله ينفع من السعالِ والزكام وأورام الكبدِ والطحالِ والاستسقاء واليرقان».

وفي عام (1973) أصابني مرضٌ عصبيٌّ على إثر حادثِ سير، نصحني أحدُ الأطبّاء بأنْ أستجمّ في البادية السورية، عند بعض أقاربنا من البدو، وكان لوالدي عندهم أغنام.

ولنا هناك خيمة صغيرة منصوبةٌ على الدوام؛ لكثرة ترداد عاملِ والدي وشركائه إلى هناك لتوريد منتجات الأغنام إلى سوق مدينة حماة ومدينة سلمية.

أقمت بينهم قرابة شهرٍ، فرأيت بعضَ بناتهم الصبايا يراقبون الناقةَ - وليس الجمل - متى تبوّلت؛ أسرعن ووضعن رؤوسهنّ بين رجلي الناقةِ، حتى تنتهي من بولها.

عندما شاهدتُ ذلك؛ تقزّزت وقرفت قرفاً شديداً، حتى إنّ مرضي ازداد حقّاً!

فسألت قريبنا الذي أنا نازل في خيمتي بقرب مضاربه عن ذلك؟

فقال لي: «حنّا يا البدو نعرف أنّ أبوال الأباعر والبقر والغنم والماعز والفرس الأصيل طاهرة، ليست بنجسة، والرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي بلبن الناقة وبولها خاصّة!

قلت له: وبول البعير؟

قال: لا البعير ما يحلب، اللي تحلب هي الناقة!

وحنّا شنو نسوّي؟ حنّا ناخذ حليب الناقة الوالدة، وبولَ الناقة الطامحة، ناخذ كاس من بول الطامحة، وعشرة كؤوس من حليب الناقة الوالدة ونشربه، وفيه الشفاء الكثير من أمراض لا تحصى» والناقة الطامحة: الراغبة بالفحل، ولم يحصل هذا بعد!

وأصرّوا إصراراً شديداً علي لأشربَ كما يشربون، فلم أوافقهم قطعا، بل غدوتُ لا آمنهم أبداً حتى على الحليب الذي يسقونني إياه، حتى أحلبه بنفسي من الناقة وأشربه.

وصرتُ أعجنُ وأخبز خبزي بنفسي، تحت ذريعةِ أنني أمهر من النساء البدويّات بالخبز!

والحقيقة أنني ما عدت أثق بنظافة شيءٍ عندهم!

فهذه أمم من العرب البدو، يتداوون بألبان الإبل وأبوالها، ولم يمرض منهم أحدٌ بتلك الميكروبات والجراثيم الخبيثة التي أكّد عليها الدكتور أحمد.

سادساً: على الإنترنيت أبحاثٌ كثيرةٌ جدّاً، تثبتُ أنّ لأبوال الإبلِ فوائدَ علاجيّة كثيرة جدّاً، ومن بينها السرطان ومرض الكبد الوبائيّ ومرض القولون.

وهناك مقاطع صوتية لأطباء كثيرين تؤكّد على هذه المعاني، وهناك أبحاث طبيّة بضدّ ذلك أيضاً.

فإذا ثبت لنا هذا - وهو ثابتٌ وكثير على الانترنيت - فيتعيّن علينا تَرجيحُ الأبحاثِ التي يؤيّدها هذا الحديث الصحيح؛ لأنّه - والحالة هذه - لا يبقى طبّاً بدويّاً متخلّفاً كان في حقبة من الزمان، بل يرتقي إلى (إعجاز طبيّ) ثبتت فوائده بعد أكثرَ من ألف وثلاث مائة سنةٍ على توجيهِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى العلاج به.

هذا من الناحية العلميّة.

أمّا من الناحيةِ الذوقيّة؛ فالحديثُ إرشادٌ لأناسٍ مرضى، وليس أمراً واجباً، ولا هو سنّةً قام بها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم.

فأنا أفتي بجواز التداوي به، ولكنني لا أتداوى به حتى لو تعيّن دواءً لي، لا ردّاً لسنّة نبويّة - على افتراض أنه سنة - إنما لأنّ تعاطيه مباح، يستوي حكم فعله وتركه.

وإنني أنصح إخواني جميعاً؛ أنْ لا يحكّموا أمزجتهم بتوجيه الأحكام الشرعية، وتصحيح الأحاديث وتضعيفها، فذلك حرام لا يجوز!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.  

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.

الثلاثاء، 9 أبريل 2024

  اجتماعيات (99):

كلُّ عيدٍ وأنتم بخيرٍ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

العَادَةُ: اسمٌ لتكريرِ الفِعْل والانفِعالِ، حتى يَصيرَ ذلك سهلاً تَعاطيه، كالطّبع، ولذلك قيل: العَادَةُ طَبيعةٌ ثانية.

والعِيدُ: كلّ حالةٍ تُعَاوِدُ الإنسان، مرّةً بعد أُخرى، وخُصّ في الشّريعة بيوم الفطر ويوم النّحر.

ولمّا كان ذلك اليومُ مَجعولاً للسّرور في الشريعة؛ صارت «كلمة» العِيد تُسْتَعمَل في كلّ يوم فيه مَسَرّةٌ، وعلى ذلك قوله تعالى: (أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً(.

والعَائِدَةُ: كلّ نفع يرجع إلى الإنسان من شيء ما!

والمَعادُ: يُقال للعَوْدِ وللزّمان الذي يَعُودُ فيه، وقد يَكون للمكانِ الذي يَعُودُ إليه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ؛ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) والمعادُ الذي رُدّ إليه صلّى الله عليه وآله وسلم هو جَنة الخُلدِ... هذا كله قاله الراغب في مفرداته (ص:594).

واستئناساً بما تقدّمَ؛ فما من حرجٍ أن تقول: عيدُ المولد النبويّ، عيدُ الهجرةِ، عيدُ الغدير، عيدُ الأمّ، عيدُ الجلاء، عيدُ الزواج...إلخ

إذا لم تقصد بأنّ ذلك عبادةٌ وتديّنٌ.

العيدان الإسلاميان الشرعيان؛ هما عيد الفطر، وعيد الأضحى!

عيد الفطر: يُعلنُ فيه المسلمون سرورهم وسعادتهم بما أعانهم الله تعالى عليه من أداء شعيرة صيام شهر رمضان وقيامه وتلاوة القرآن فيه، وهذا توفيق عظيم من الرحمن الرحيم، يستحقّ أن يفرح المسلم لقيامه به.

وعيدُ الأضحى: يُعلنُ فيه المسلمون سرورهم وسعادتهم بما أعانهم الله تعالى عليه من أداء شعائر الحجِّ والعمرةِ والأضحية، وهذا توفيق عظيم من الرحمن الرحيم، يستحقّ أن يفرح المسلم لقيامه به.

هذا مفهوم العيدِ عند الإنسان المسلم، ولهذا تجدُ المسلمين يعلنون البِشْرَ والسرور عقبَ إتمام هذه الفرائضَ والواجبات، في السلمِ والحربِ، في الأمنِ والخوفِ، في الفقر والغنى؛ لأنهم يوقنون أنّهم قاموا بعباداتهم تلك؛ ابتغاءَ رضوان الله تعالى، وجنّةٍ عرضها السماواتُ والأرض، أعدّت للمتقين.

كلّ عام وأنتم بخيرٍ

كلّ عيدٍ وأنتم بخير.

كلّ يومٍ وأنتم إلى الله تعالى أقرب.

اللهم إنّا نسألك بحرمة شهر رمضان، وحرمة القرآن، وحرمة يوم العيد عندك؛ أن تهيّئ لأهلنا في غزة خاصّةً، وفي بلاد المسلمين عامةً، من ضيقهم وكربهم فرَجاً ومخرجاً، وأن تجعل النصرَ والتمكينَ حليفَ المؤمنين الصالحين، إنّك وليّ ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوّةَ إلّا بالله العليّ العظيم.

والحمد لله على كلّ حال.  

الجمعة، 5 أبريل 2024

 مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (16):

زكاةُ الفِطْرِ طعامٌ أم نُقود !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

ممّا لا يختلف عليه المسلمون؛ أنّ مَنْ أخرج زكاةَ فِطْرِه، ممّا ورد في لفظ الحديث الشريف؛ فقد قامَ بما أوجبه عليه الشارعُ الحكيم.

أمّا مَن أخرجَ قيمةَ ذلك نقوداً، فهل يجزؤه ذلك؟

أخرج البخاريّ (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيدٍ الخدريّ قال:

(كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) والمقصود بالطَعام عند كثيرين: القَمحُ، وعند كثيرين أيضاً غالبُ قوتِ أهل البلد، وأنّ كلمة (طعام) مجملة، وما بعدها تفسير.

ولم يصحّ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ذِكْرُ صاعٍ من بُرٍّ، أو نصفُ صاعٍ البتّة، كما قاله البيهقيّ في السنن الكبير (4: 170) ربما لأنّ البُرّ لم يكن معظمَ طعامهم أصلاً.

وقد قدّر بعضُ علماء الشافعية المعاصرينَ الصاعَ بالغرامات، فكان (2167) وقدّره بعض الحنفيّة بالغراماتِ، فكان (3250) غراماً.

بيد أنّ الحنفية يوجبون نصفَ صاعٍ من القمح، وصاعاً من بقيّة المذكورات، فتكون صدقةُ الفطر عندهم (1625) غراماً من القمح.

وإذْ لم يصحّ في التفريقِ بين القمح وغيره عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم شيءٌ؛ فيكون الحنفيّة اعتمدوا فتوى معاويةَ بن أبي سفيانَ، فهو الذي جعل صاعَ القمحِ صاعين من غيره، وأنكره أبو سعيدٍ الخدريّ، رضي الله عنه.

فقد أخرج الطحاوي في معاني الآثار له (2: 42) من حديث عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِاللهِ العامريّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخدريّ, وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟

قَالَ: لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ؟

فَقَالَ: لَا, تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ , لَا أَقْبَلُهَا , وَلَا أَعْمَلُ بِهَا) والأَقِط: والهِقِط: هو اللبن المجمّد بطريقة معلومةٍ، ويدعى في أيّامنا (الجَميد).

والذي يقول به الفقير عداب: أنّ مقصودَ الشارعِ غالبُ قوتِ المكلَّفِ نفسه، وقوتُ أهل البلدِ؛ ليس ببعيدٍ عنه، ولا يزالُ خُبزُ القمحِ والأرزّ هما أشهر قوتِ بلاد الشام.

فتكون زكاةُ فطر المسلم الواحدِ، الذي يجب عليه إخراجها عن نفسه، أو عمّن يعول (2250) غراماً من القمحِ أو دقيقهِ، أو من الرزّ.

والمطلوبُ في زكاة الفِطْر؛ طعامُ نفسه، وليس مطلقَ الطعام، في اجتهادي!

فأنا أطبخ في بيتي (أرزّ بسمتي) وفي السوق أرزّ جميل المنظر بنصف قيمتِه مثلاً!

فهل أخرج من مطلقِ الرزّ، أو من طعامي أنا؟

الراجح عندي أنّ الواجبَ عليَّ إخراجُ مثلِ طعامي أنا، وهذا تكليفي الشرعيّ فيما أفهم، ودائما أتّبع في مسائلِ الخلافِ مصلحة الفقير.

ولا يخفى عليكم إخواني الكرام أنّ من أخرجَ قيمةَ نصابِ زكاةِ الفطرِ؛ فلا يقال: إنّه لم يزكِّ أبداً، إنما يقال: أخرجَ زكاةَ فطره نقوداً أو قيمةً.

والمسألةُ خلافيّةٌ بين أهل العلم - كما هو معلومٌ - والأحاديثُ الصحيحةُ الواردةُ عن الصحابةِ رضي الله عنهم، تحكي الحالَ التي كانوا عليها في أيّام الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وليس عن الرسولِ أيُّ حديثٍ صحيحٍ أو ضعيفٍ، ينهى عن إخراج القيمةِ، فتكونُ السنّة العمليّةُ إخراجَ المسلمِ زكاة فطره من مثل قوته هو، ويكون إخراج قيمةِ ذلك جائزاً، لا حرج فيه إنْ شاء الله تعالى.  

وإذْ إنّ زكاةَ الفِطر قدرٌ يسيرٌ من مال المسلم المقتدر في زماننا هذا؛ فالأولى أن يزّكي من مثلِ قوتِ أهل بيته، ويخرج مثلَ قيمتها، على سبيل التطوّع أيضاً.

وإنْ اقتصر على إحداهما؛ أجزأتْه إن شاء الله تعالى.

وأنا الفقير مذْ صار لي دخْلٌ، وغدوتُ أخرج زكاةَ فطري بنفسي، وذلك عام (1963م) فأنا أجمع بين عَينِ زكاةِ الفطرِ وبين قيمتها النقديّة، لا خروجاً من الخلافِ، فالمسألةُ أيسر من ذلك، وإنّما تعبيراً عن شكري لله تعالى، إذْ أعانني على صيامِ شهر رمضان، وعلى تمكيني من أداء زكاة فطره.

مع اعترافي بأنني كنتُ في بعض السنين؛ لا أمتلك قيمة زكاةِ الفطر عن نفسي وأهلِ بيتي، فكنتُ أقترضُ وأخرجها.

وتَجبُ زكاةُ الفطر على المسلمِ عند غروب شمسِ آخر يومٍ من رمضان، بعد إعلانِ المختصّين في البلدِ الذي تقيم فيه؛ أنّ غداً أوّلُ أيّأم شوّال.

هذا عن وَقتِ وجوبها، أمّا عن جوازِ وقتِ أدائها؟

فلا يجوز تقديمُ إخراجِ زكاةِ فطر رمضان عليه؛ لأنّه سببها، إنما يجوز تقديمها أو تأخيرها في رمضان، على حسب حاجة الفقير.

والاختيار عندي أنْ لا يخرجَها إلّا بعد (27) رمضان.

وقد رأيتُ بعضَ العلماءِ يتشدّد في مسألةِ تقديم إخراجِ زكاة الفطرِ عن ليلةِ يومِ الفطر، أو طلوع فجره، لحديثَ عبدالله بن عمر مرفوعاً (أغْنوهم عن السؤالِ في هذا اليوم) أو (أغنوهم عن طوافِ هذا اليوم) وهو حديثٌ ضعيفٌ لا يثبت!

وكلُّ زكاةٍ مفروضةٍ فهي عبادةٌ، فلا يجزئ إعطاؤها لغير المسلمين؛ لقول الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم: (تُؤخَذُ من أغنيائهم، وتُرَدّ على فقرائهم) أخرجه البخاريّ (1395) ومسلم (19) إنما يُعطَى غيرُ المسلمين من الصدقات.

ومسألةُ (المؤلّفة قلوبهم) ومسألة (كفاية الذميّين) من اختصاص الدولة المسلمة، أو من يقوم مقامَها، وليس من شأنِ الأفراد!

ومهما اختلفنا؛ فلن نختلف على أنّ إعطاءَ غير المسلم، مع وجود المسلمِ المحتاجِ؛ مخالفٌ لمقاصدِ الشريعة في تقديري (أفنجعل المسلمين كالمجرمين)؟

هذا ما خطر في بالي، مما نحتاج الحديثَ عنه في هذه المسألة، فإنْ كنتُ نسيتُ شيئاً مهمّاً؛ فذكّروني.

واللهُ تَعالى أَعلمُ

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.