الخميس، 27 يوليو 2023

      مِنْ عِبَرِ التاريخِ (9):

تَرجمةُ الإمامِ أبي حنيفةَ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

نقلَ أحدُ الإخوةِ من الحنفيّة كلاماً للإمام أبي بكر الجصّاص الحنفيّ (ت: 370 هـ) يَحطّ فيه من منهج المحدّثين في قبول الحديثِ أو ردّه، فعلقت تعليقتين تناسبان المقام، فوصفني أحد متابعي صاحب الصفحة بأنني من الأقزام!

ومن الطبيعيِّ أن أغضب، فكتبت كلاماً مشروعاً، لا شيء فيه، فوجدت صاحب الصفحة فهمه خطأً، فمسحتُ تعليقاتي الثلاثَ على منشوره!

وسبق لي أن نشرتُ غير منشورٍ يتّصل بالإمام أبي حنيفةَ، وأوضحت العلاقةَ الوديّة والصلة الروحيّة بيني وبينه!

بيد أنّ داءَ التعصّب؛ يُعمي صاحبَه ويصمّ أذنيه عن سماعِ أيّ كلامٍ علميّ ليس مديحاً لمن يتعصّب له!

وقد رأيت من المناسبِ أنْ أنقل تراجمَ الأئمّة الأربعةِ المتبوعين، التي سطرها الإمام أبو السعاداتِ المبارَكُ بن محمّد الشيبانيّ، المشهور بابن الأثير الجزريّ (ت: 606 هـ) في ختامِ كتابِه الماتع «جامع الأصول في أحاديث الرسول» الذي جمع فيه موطّأ الإمام مالكٍ، وصحيح الإمام البخاريّ، وصحيح الإمام مسلم، وسنن الإمام أبي داود، وجامع الإمام الترمذيّ، والمجتبى من السنن للإمام النسائيّ.

ثمّ أبدي رأيي في الشخصيّةِ المترجَم لها.

ومقدّمة هذا الكتاب الحديثيّةُ؛ ماتعةٌ مفيدةٌ بديعة، أنصح بقراءتها الجميع!

قال رحمه الله تعالى في ختام جامع الأصول (12: 952):

«النُعْمانُ بنُ ثابتٍ:

هو أبو حنيفة النعمانُ بنُ ثابتِ بن زُوْطَا بنِ ماهْ، الإِمام الفقيه الكوفيُّ، مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حَمْزَةَ الزَّيَات، وكان رضي الله عنه خزازاً يبيع الخزّ «والخزّ: ثياب تصنع من الصوف والحرير، أو من الحرير وحده».

كان جدُّه زُوْطا من أهل كابُل، وقيل: من أهل بابل، وقيل: من الأنْبار، وكان مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبةَ، فأُعتِقَ، ووُلِدَ أبوه ثابتٌ على الإسلام.

قال إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيلُ بنُ حمّادِ بن النِعمان بن ثابتِ بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارسَ، من الأحرار، والله ما وقع علينا رِقٌّ قطّ!

وُلِدَ جدّي «أبو حنيفة» في سنة ثمانين، وذهب ثابتٌ إلى عليِّ بن أبي طالب، وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نَرجو أن يكونَ اللهُ قد استجابَ ذلك لعَليٍّ «عليه السلام» فينا».

وُلِدَ سنةَ ثمانين، ومات ببغدادَ سنة خمسين ومائة، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح وأكثر، ودُفِنَ بمقابرِ الخَيْزُران، وقبرُه معروفٌ ببغدادَ.

وكان في أيام أبي حنيفة أربعةٌ من الصحابة: أنسُ بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد السَّاعدي بالمدينة، وأبو الطّفيل عامر بن واثِلة بمكة، ولم يلقَ أحداً منهم ولا أخَذَ عنه.

وأصحابُه يقولون: إنّه لقي جماعةً من الصحابةِ، وروى عنهم، ولا يثَبتُ ذلك عند أهل النقل.

وأخذَ الفقهَ عن حمادِ بن أبي سليمان.

وسمع عطاءَ بن أبي رباح، وأبا إسحاق السَّبيعي، ومُحاربَ بن دِثار، والهيثمَ بن حبيب، ومحمد بن المنكدر، ونافعاً مولى ابن عمر، وهِشام بن عروة، وسِماك بن حرب.

روى عنه عبدُ الله بن المبارك، ووكيعُ بن الجرَّاح، ويزيدُ بن هارون، وعلي بن عاصم، والقاضي أبو يُوسف، ومحمد بن الحسن الشيبانيُّ، وغيرهُم.

نقله المنصورُ من الكوفة إلى بغدادَ، فأقامَ بها إلى أن مات فيها، وكان أكرَهَه ابنُ هُبَيْرةَ أيامَ مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفةِ، فأبى، فضربه مائةَ سوطٍ في عشرة أيام، كل يوم عشرة، فلمَّا رأى ذلك؛ خلَّى سبيلَه.

ولمّا أشْخَصه المنصورُ إلى العراقِ «يريد بغداد» أرادَه على القضاء، فأبى، فحلفَ عليه ليفعلنَّ، وحلفَ أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الإيمانُ منهما، فحبسَه المنصورُ، ومات في الحبسِ!

وقيل: إنّه افتدى نفسَه، بأن تَولى عَدَّ اللَبِنِ «طوب البناء» ولم يَصحَّ.

كان رَبْعَةً من الرِّجالِ، وقيل: كان طِوالاً، تعلوه سُمرةٌ، حسنُ الوجه، أحسنُ الناسِ منطقاً، وأحلاهم نِعمةً «لعلّها نغمةً» حسن المجلس، شَديدَ الكرم، حسن المواساة لإخوانه.

قال الشافعي رحمه الله: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟

قال مالكٌ: نعم، رأيتُ رجلاً لو كلَّمك في هذه الساريةِ أن يجعلَها ذهباً؛ لقام بحجته.

قال الشافعي: من أراد الحديث فعليه بمالك، ومَن أراد الجدلَ؛ فعليه بأبي حنيفة.

وقال الشافعي: مَن أراد أن يتبحَّر في الفقهِ؛ فهو عِيال على أبي حنيفة.

ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله؛ لأطلْنا الخَطْبَ، ولم نصلْ إلى الغرض منها!

فإنّه كان عالماً عاملاً زاهداً عابداً ورعاً، تقياً، إماماً في علوم الشريعة مرضياً.

وقد نُسب إليه، وقيل عنه من الأقاويل المختلفةِ، التي نُجلُّ قدرَه عنها، ويَتنزه منها:

من القولِ بخلقِ القرآن، والقولِ بالقدر، والقولِ بالإرجاء، وغير ذلك مما نُسب إليه.

ولا حاجة إلى ذكرها، ولا إلى ذكر قائليها، والظاهرُ أنه كان مُنزّهاً عنها.

ويَدلُّ على صحة نزاهته عنها؛ ما نَشر اللهُ تعالى له من الذِّكْر المنتشر في الآفاق، والعِلْمِ الذي طَبَّقَ الأرضَ، والأَخْذِ بمذهبِه وفقهِه، والرجوعِ إلى قوله وفعله.

 وذلك لو لم يكن للهِ فيه سرٌّ خَفيٌّ، ورِضى إِلهيٌّ، وَفّقَه اللهُ إليه؛ لما اجتمع شطرُ الإسلامِ أو ما يقاربهُ على تقليدِه، والعَملِ برأيه ومذهبه، حتى قد عُبِدَ اللهُ، ودِيْنَ بفقْهِه، وعُمِلَ برأيِه ومَذهبٍه، وأُخذَ بقوله إلى يومنا هذا، ما يُقارب أربعَ مائةٍ وخمسينَ سنةً!

وفي هذا أدلُّ دليلٍ؛ على صِحّةِ مذهبه وعقيدته، وأنّ ما قيلَ عنه؛ هو منزَّه منه!

وقد جمع أبو جعفر الطحاوي - وهو مِن أكبر الآخذين بمذهبه - كتاباً سماه «عقيدةُ أبي حنيفةَ رحمه الله» وهي عَقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة، وليس فيها شيء مما نُسبَ إليه، وقيل عنه.

وأصحابُه أخبرُ بحالِه وبقوله مِن غيرهم، فالرجوعُ إلى ما نَقلوه عنه؛ أوْلى ممّا نَقَلَه غيرُهم عنه، وقد ذُكِر أيضاً سببُ قولِ مَن قال عنه ما قالَ، والحامل له على ما نَسب إليه.

ولا حاجة بنا إلى ذِكر ما قالوه، فإنّ مثلَ أبي حنيفة ومحلِّه  في الإسلامِ؛ لا يَحتاجُ إلى دليلٍ يُعْتَذَرُ به، مما نُسب إليه، والله أعلم» انتهى كلام ابن الأثير .

قال الفقير عداب:

لا أرتاب أبداً أنّ أبا حنيفةَ من العلماء العاملين، وأحسبه من أولياء الله الصالحين - والله حسيبه، فلا نزكّي على الله أحداً - لكنّ العلوم كثيرةٌ ومتنوّعةٌ، ولا يُشترط ليكون الواحدُ عالماً فاضلاً؛ أن يكون محيطاً بسائر العلوم الدينيّة والدنيويّة!

والعلماءُ قديماً وحديثاً؛ لديهم مناهج متقاربةٌ في تحصيل العلوم، لكنّ بعضهم يبرع في الأصول، وبعضهم يبرع في الفقه، وبعضهم يبرع في الرواية، وبعضهم يبرع في النقد، وهكذا.

توضيح ذلك: نحن حضرنا ودرسنا وقدّمنا امتحاناتٍ في المنطق، وعلم الكلام، والفلسفة الإسلامية، والفلسفة اليونانية، وفي عقائد السلف، وفي عقائد المعتزلة، وفي عقائد المتكلّمين، وفي عقائد الفرق الشيعية، وفي مقارنة الأديان، وفي التاريخ العام، وفي التاريخ الإسلاميّ، وفي السيرة النبوية، وفي التفسير وعلوم القرآن، وفي الحديث وفنونه، وفي التخريج ودراسة الأسانيد، وفي العلل ومناهج المصنفين فيها، وفي أصول الفقه، وفي القواعد الفقهية، وفي المقاصد، وفي سدّ الذرائع، وفي المصلحة الشرعية، وفي الفقه المذهبي، والفقه المقارن، وفقه النوازل...إلخ.

جميع هذا الموادّ العلميةِ وغيرها درسنا فيها كتباً ومقرّراتٍ، وحصّلنا فيها درجات النجاح؛ حتى مُنحنا درجات «البكالوريوس» ثم «الماجستير» ثم «الدكتوراه».

لكنْ مع هذا يقال عن حملة الدكتوراه من جامعة واحدةٍ، وكليّة شرعية واحدة:

زيدٌ مفسّرٌ، وعُمَرُ محدّث، وحسنٌ متكلّمٌ، وحسينٌ أصوليٌّ، وعليٌّ لغويٌّ، وهكذا.

هذا يعني أنّ لدى حملة الدكتوراه قدْرٌ مشتركٌ من التحصيلِ العلميّ الواسع الأفقيّ، ثم يتميّز كلُّ واحدٍ منهم بالتخصّص الذي كتب فيه كتابين على الأقلّ: رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه، وهو بعد حصوله على الدكتوراه؛ لا يُنسب إلّا إلى تخصّصه الدقيق!

والأمرُ ذاته كان لدى سلفنا من علماء الأمّةِ، بقارقٍ أساسيّ؛ هو أنهم لم يكونوا مطالبين بالحفظ وامتحانِ المحفوظ، إنما كانوا مطالبين بحضور مجالس العلم فحسب!

وإمامنا أبو حنيفةَ عندما نقول: إنّه فقيه؛ نعني أنّه إمامٌ في الفقه، ومشاركٌ في بقيّة العلوم، لكنه ليس إماماً فيها!

فهو ليس إماماً في التفسير وعلوم القرآن، وليس إماماً في اللغة وعلوم العربية، وهو ليس إماماً في الأصول والقواعد الفقهية، وهو ليس إماماً في الحديث ونقدِه!

سواءٌ أعجب هذا الكلامُ أتباعَه، أم لم يعجبهم، ومصادر ترجمته تدلّك على ذلك.

رحم الله سيدنا أبا حنيفةَ رحمةً واسعةً، وعافى أتباعَه من تعصّبهم المقيتُ له وللمذهب وشيوخه عموماً، فهم من أشدّ المسلمين تعصّباً واستعلاءً!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمدُ للهِ على كلّ حال.

الاثنين، 24 يوليو 2023

مَسائِلُ فِكْرِيّةٌ (7):

ليسوا على مذهب السَلف !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

لا يخفى على قرّائي الكرام؛ أنني عشت في السعودية ثلاثةَ عشر عاماً متواليةً!

كما لا يخفى عليهم أنّ الصوتَ المسموعَ الوحيد في زماننا ثمّةَ؛ هو صوتُ الوهّابيةِ، الزاعمين أنهم على مذهب السلف في الاعتقاد.

فطبيعيٌّ أن يكون لي (100) صديقٍ حجازيٍّ وهابيّ، على أقلّ تقدير!

منذ بضعةِ أيّام تواصل معي أحد هؤلاء الأصدقاء، وطلب زيارتي، فرحّبت به أجمل ترحيبٍ أقدر عليه.

وفي أثناء الترحيب قال لي: أنت عالم كبير، خليقٌ بك أن تكون على مذهب السلف الصالح، رضي الله عنهم، أسأل الله تعالى أن يهديك يا شيخ عداب!

قلت له: من هم السلف الصالح الذين تريدني أن أكون على مذهبهم؟

قال: الله يهداك يا شيخ عداب، أو مثلك لا يعرف من هم السلف الصالح؟

قلت له: بلى أنا لا أعرف من هم السلف الصالح، الذين تقلدونهم أنتم في مسائل الاعتقاد؟

قال: هم الصحابة والتابعون وأتباعهم، الذين جاء مديحهم في الحديث الصحيح:

(خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم) هؤلاء سلفنا الصالح!

أقول وبالله التوفيق:

أخرج البخاري (2651) ومسلم (2535) هذا الحديثَ من حديث عمران بن الحصين مرفوعاً.

وأخرج البخاريّ (2652) ومسلم (2533) هذا الحديثَ من حديث عبدالله بن مسعودٍ مرفوعاً، ولفظه عند مسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.

ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ).

وأخرج مسلم هذا الحديث نفسه (2534) من حديث أبي هريرة مرفوعاً أيضاً.

فالحديث صحيح الإسنادِ بلا ريب!

لكنّ هذا لا يعني أنّ كلَّ فردٍ في هذه القرون؛ هو خَيّرٌ وفاضلٌ، وأفضل ممّن جاء بعده في طبقات الناس!

إذ لا يخفى على أحدٍ أنّ بعضَ الصحابةِ بغى على بعضٍ، وبعضهم قتل بعضاً!

ومن البدهيّ أن يقالَ: هناك ظالمٌ ومظلوم، والظالم ليس خيّراً بضرورة العقل والشرع!

لكنْ لنتنزّل مع هذا الأخ الوهّابي، فنقول له: لا يستطيع طالبُ علمٍ ولا عالمٌ سنيٌّ أو شيعيٌّ أو خارجيٌّ أن يثبتَ بأنّ أحداً من الصحابةِ أو التابعين؛ نُقلت عنه عقيدةٌ واضحةُ المعالم، مكتوبةً رواها عنه الثقات، أو حتى الضعفاء!

ولا أبالغَ إذا قلت: إنّ الوهابيّة يقدّمون كلامَ ابن تيمية على كلام كثيرٍ من الصحابة، إن لم أقل: على جميعهم!

قال الشيخ أحمد ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وغفر له، في كتابه «دَرْءُ تعارضِ العقلِ والنقل» (1: 94) ما نصّه: «ومَن جَعل العِلمَ بالصانع نَظرياً؛ يعترف أكثرُهم بأنّ مِن الطرق النَظرية التي بها يُعلَم صِدقُ الرسول؛ ما لا يُناقضُ شيئاً من السمعيات.

والرازيُّ (ت: 606 هـ) ممن يعترف بهذا، فإنّه قال في كتابه «نهاية العقول» في مسألة التكفير، في:

المسألة الثالثة: في أنّ مُخالفَ الحّقِّ مِن أهل الصلاةِ، هل يُكَفَّرُ أم لا؟

قال الشيخ أبو الحسن الأشعري (ت: 324 هـ) في أول كتاب «مقالات الإسلاميين»: اختلف المسلمون بعد نبيّهم في أشياءَ، ضَلّل فيها بعضُهم بَعضاً، وتَبّرأ بعضُهم مِن بعض، فصاروا فرقاً متباينين، إلا أنّ الإسلامَ يَجمعُهم، فيعُمّهُم، فهذا مذهبه، وعليه أكثر الأصحاب، ومن الأصحاب مَن كَفّر المخالفين» إلى أنْ قال الرازيُّ: «كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني (ت: 418 هـ) يقول: «أُكفّر مَن يُكفّرني! وكلُّ مُخالفٍ؛ يُكفّرنا، فنَحنُ نُكفّره، وإلّا فلا !

والذي نَختاره أنْ لا نُكفّر أحداً مِن أهلِ القِبلةِ، والدَليلُ عليه أنْ نقول:

المسائلُ التي اختلف أهلُ القبلة فيها، مثل:

- أنّ الله تعالى، هل هو عالم بالعِلمِ، أو عالمٌ بالذات؟

- وأنه تعالى، هل هو مُوجدٌ لأفعالِ العِبادِ، أم لا؟

- وأنه تعالى، هل هو مُتحيّزٌ، وهل هو في مكانٍ وجِهةٍ، أم لا؟

- وهل هو مرئي أم لا؟

لا يخلو: إما أنْ تَتوقّفَ صِحةُ الدّين على مَعرفة الحقّ فيها، أو لا تتوقف!

والأوّل باطلٌ، إذْ لو كانت مَعرفةُ هذه الأصولِ مِن الدين؛ لكان الواجبُ على النَبيِّ صلي الله عليه وسلم أنْ يُطالبَهم بهذه المسائل، ويَبحثَ عن كيفيّةِ اعتقادِهم فيها!

فلمّا لمْ يُطالبْهُم بهذه المسائلِ، بل ما جرى حديثٌ في هذه المسائلِ، في زمانه عليه السلام، ولا في زمان الصحابة، ولا في زمان التابعين، رضي الله عنهم؛ علمنا أنّه لا تَتوقّفُ صِحّةُ الإسلامِ على مَعرفةِ هذه الأصولِ.

وإذا كانَ كذلك؛ لم يكن الخَطأُ في هذه المسائلِ قَدحاً في حقيقة الإسلام، وذلك يَقتضي الامتناعَ مِن تَكفيرِ أهلِ القِبلةِ».

والشيخ ابن تيميّة ساقَ هذا الكلامَ، سياقَ الاحتجاجِ، أو الاستشهاد به، بدليل قوله في مجموع الفتاوى (7: 671): «وَلِهَذَا يَقُولُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ: لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبِ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَقَدْ ثَبَتَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ عَلَى أُنَاسٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِمْ حُكْمَ مَنْ كَفَرَ، وَلَا قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ جَلَدَ هَذَا، وَقَطَعَ هَذَا وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَيَقُولُ: (لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ) أخرجه جمع من المصنفين، منهمالبخاريّ في الحدود (6781) وهذا لفظه.

وَأَحْكَامُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا مُرَتَّبَةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ».

وجملة (لا نكفّر أحداً من أهلِ القبلة) ذكرها ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3: 162) وفي التسعينية (3: 1017) وفي الفتاوى الكبرى (6: 657) وفي بيان تلبيس الجهمية (1: 112) و(2: 491، 595) و(3: 318) ممّا يؤكّد تبنّيه كلامَ الإمام الرازي في هذه المسألة.

غدا من الواضحِ الصريحِ أنّ ما تسمّونه «عقائد السلف» لم يكن يعرفه السلف، فلا بحثه الصحابةُ ولا التابعون ولا أتباعهم، من الأساس!

وأنتم إنّما تتبعون أناساً من أهل الحديثِ، لا شأنَ لهم بأساليب البيان العاليةِ، ولا بالمعقولات إنّما همّتهم: (حدّثنا وأخبرنا وسمعت) وما أكثرَ الروايات المكذوبة والموضوعةِ، التي يروونها بهذه الصيغ العالية!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.


الجمعة، 14 يوليو 2023

 التَصَوُّفُ العَليمُ (9):

الشيخُ السيّدُ «محمد نهرو» بن محمّد بن عبدالكريم

الكسنزان الحسيني الرضويّ البرزنجيّ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم                                        

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أرسل إليّ أحد إخواني وزملائي القدامى، في جامعة أمّ القرى المباركة منشوراً لأحد إخواني وزملائي في التلمذة على شيخنا النبيل الشهيد مروان بن خالد حديد، يقول فيه: «دَعْمُ هؤلاء النَصابين؛ جُزءٌ من الحرب على الإسلام، وعلى أهل السنة تحديداً!

- شيخُ الطريقةِ الكردي «نهرو محمد عبد الكريم الكسنزاني» ملياردير ماسوني، وله علاقات دولية!

- تَربطه بترامب علاقةٌ وطيدة، أقام في فندقه مدةً طويلةً، بما يعادل ملايين الدولارات!

- تَزوّج «نهرو» الممثلة السورية «نورمان أسعد» وهي علوية من الساحل السوري، من قرية «بنجارو» حاوَلَتْ أن تُشيعَ أنّها مَسيحيةٌ مَرّةً، وشيعيةٌ أخرى؛ للتَغطيةِ على حقيقتها!

- وربما يكون لــ«نهرو» دورٌ في مَقتل زوجها الثاني «عدنان إبراهيم العراقي» طعناً في دمشق!

- يَطمح لرئاسة العراق، لكنْ أستبعِدْ أن يُمكّنَه أسيادُه منها؛ لأن موقعه هذا «كونه شيخ طريقة صوفيّة» يؤذي الإسلامَ أكثر!

حاصلٌ على الدكتوراه من بريطانيا، ولديه ثلاث طائرات خاصة، وقصور حَولَ العالم!

(اعرف عدوّك).

طلبتُ من الزميل الذي أرسل إليّ هذا المنشور المزعج، أن اسأل كاتب المنشور عن مصادره التي رجع إليها في هذه الاتهامات؟

فأجاب كاتب المنشور قائلاً: «نعم بارك الله فيكم، كلّ مَعلوماتي مِن مصادرها، ويمكن البَحثُ عن طريق «قوقل» للوصول إليها!

فقط موضوع «ديانة الزوجة» هو الذي كذبت فيه، وأنا قُمتُ بالبحثِ والتَرجيحِ!

ولمن يكذّب هذه المعلوماتِ؛ الحقُّ في الرَدّ؛ ليثبت عكس ذلك!

عندها سوف أعتذر بشكل رسمي!

فليتْعَب المعترضُ، كما تَعبتُ، ولينفق الساعاتِ في تدقيق المعلومةِ، ثم لِيقل ما يُريد!

أمّا العَواطفُ وحدَها؛ فلا تُغني مِن الحقّ شيئاً» انتهى المهمّ من كلامِه!

أقول وبالله التوفيق:

- الذي أرسلَ إليّ المنشور؛ عالم فاضل، وزميل قديم كريم، أرسل يستفهم عن هذه المعلومات؛ لعلمِه بصلتي بالكسنزان عامّة، وبالشيخ «محمد نهرو» خاصّةً!

- والذي كتب المنشور؛ دكتور في الأدب العربيّ، وصحافيّ متمرّس، وأخ حبيب قديم كريم!

- والمَقصودُ بالمنشور؛ هو «الشيخ محمد نهرو» مثقّف وسياسيّ وصوفيّ واعٍ مكينٌ بالطريق، وهو تلميذي سنواتٍ تقربُ من ستّ سنواتٍ، يوم كنتُ إمامَ وخطيب ومدرّس ومفتي الطريقة الكسنزانيّة في العراق.

ولا أتذكّر أنّه تخلّف عن خطبةِ جمعةٍ لي، طيلةَ هذه المدّة الزمانيّة الطويلة، ناهيك عن قربي منه، وقربِه مني!

- فوجئْتُ بهذا المنشورِ حقّاً، وغضبت جدّاً، وتذكّرت قولاً قديماً يردّده المعنيّون بالحقائق: (أنت حبيبي والحقّ حبيبي، فإذا اختلفتَ أنت والحقَّ؛ فالحقّ أحبُّ إليّ منك)!

لهذا أجدني مضطراً للإجابةِ بحذرٍ على هذا المنشور «البغيض» في نظري، ولن ألتزم بتسلسل فقرات المنشور، إنما أقدّم وأؤخّر في الجواب، على حسب ما يقتضيه الردّ العلميّ.

أوّلاً: ترجع معرفتي الوطيدة بسيدي الشيخ محمد الكسنزان؛ إلى ربيعِ عام (1996) يومَ أرسل إليَّ ولدَه الدكتور «محمد نهرو» وكان يومها شابّاً في مقتبل العمر، لم يسجّل في السنةِ الجامعيّة الأولى بعدُ، ومعه عددٌ من الأحبّة الكسنزان.

أبلغني السيد «محمد نهرو» أن جناب شيخنا «محمد الكسنزان» اختارني للإشراف العلميّ على «دورةِ الكسنزان العلمية الأولى».

لكنْ لأنني كنت متضايقاً جدّاً من العراق وأهلِه؛ رفضت هذا التكليف بحماشة، وقلت له: سلّم على سيدنا الشيخ وقل له: يكفيني ما ذقته من أهل العراق، وماذا بعد التكفير والاتهام بالماسونية والعمالة للموساد وإيران والسعودية وسوريا وصدام حسين (هكذا والله اتهموني!؟)

غادر السيد «محمد نهرو» حزيناً، ولم يكن يتوقّع أن أرفض طلبَ والده شيخ الكسنزان!

ثمّ ما لبث أن عاد هو والوفد الذي معه، وقال لي: «جناب سيّدنا الشيخ يقول: ليس بخاطرك تقبل أو ترفض، غصباً ما عليك ستقبل، وستشرف على هذه الدورة!

هذا ليس تكليفاً مني، إنما هو تكليفٌ من جدودك، وهو واجبك الشرعيّ، سواءٌ كان أهل العراق زينين، أم كانوا غيرَ ذلك».

عندما سمعت جملة «هو تكليفٌ من جدودك، وهو واجبك الشرعيّ» اقشعرّ بدني حقيقةً، ولم أزِدْ على أنْ أغلقت باب بيتي، وذهبت معهم إلى لقاء جناب الشيخ، رحمه الله تعالى، ورضي عنه، وعن أحبابه.

قبلت التكليفَ، وكان السيد «محمد نهرو» هو المشرفَ الإداريَّ على الدورةِ، وهو من أكثرِ المواظبين على حضور «دورة الكسنزان العلمية الأولى» التي استمرّت ستّة أشهرٍ تقريباً!

بل إنّ جنابَ سيدي الشيخ محمد نفسه، كان مواظباً على الحضور معنا، وعددٌ من أولاده الذين كانوا صغاراً في المرحلة الإعدادية والثانويّة.

انتهتْ دورة الكسنزان، لكنّ مهامّي في الطريقة لم تنته، بل كنت إمامَ الحضرة الكسنزانية وخطيبَها والمفتي العام فيها ووكيلَ جنابِ الشيخ الحاضر، وسلّمني السيّد «محمد نهرو» وثيقة ممهورةً من جناب الشيخ بذلك!

استمرّ عملي في الطريقةِ الكسنزانيّة، بصفتي واحداً من إخوان الشيخ، وأبناءُ الشيخ جميعاً ينادونني «عمّي» منذ ذلك التاريخ، إلى أن غادرتُ العراق، في صيف عام (2002).

لا أظنّ أحداً من البشر يقول: إنّ «عداب الحمش» غبيٌّ، أو ساذج، أو يستطيع أحدٌ أن يخدعه عن دينه!

ومن المعلوم أنّ صاحبَ البدعة والانحراف؛ يُعرف انحرافُه وبدعتُه من فلتات لسانه!

ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ = = وإن خالها تخفى على الناس؛ تُعلَم

فلا والله ما رأيت الشيخ «محمد نهرو» أو أيَّ واحدٍ من إخوانِه طيلةَ تلك السنواتِ، أمسك بيده سيجارةً، ولا لا حظت على أحدٍ منهم أيَّ خُلُقٍ رديءٍ، أنبّهه عليه!

إنما كنت أتعلّم من أصغرهم الحياءَ والأدب!

ثانياً: يقول صاحب المنشور في رسالته الخاصّة: «فقط موضوع «ديانة الزوجة» هو الذي كذبت فيه».

وما يدعوك إلى الكذب يا أخي في ديانةِ الزوجة، أو في غيرها من المعلومات التي أوردتَها، وزعمتَ أم مصدرها (قوقل).

وأنا أسأل قرّائي من المفتين والقضاةِ والعلماء: هل المعلومات المنشورة على (قوقل) من وسائل الإثبات الشرعيّة المقبولة لديكم؟

بمعنى أوضح: لو وُجد على (قوقل) هذا أنّ عداب الحمش ماسونيّ وعميل صهيوني وملياردير ويملك طائرة وناطحة سحاب وسيارة «فراري» أظنّ هكذا اسمها.

هل تقبلون هذا الكلامَ في معرضِ اتّهامي بكلّ هذه التهم الحقيرةِ الباطلة؟

ولنفرض أنّ تلك الزوجة المعنيّة كانت علويّة «نصيريّة» حقّاً، فما العيبُ في هذا أوّلاً؟

وما ذنبُها أنْ وُلدَتْ في بيئةٍ علويّةٍ أو سنيّةٍ أو شيعيّة؟

والله تعرّفتُ في «سلطنةِ عمان» على رجالٍ حسنيين وحسينيين من الإباضيّة؟!

العلوي والإسماعيلي والدرزي؛ متى نطق بالشهادتين قَبْلَ العقد؛ مضى عقدُه شرعيّاً صحيحاً!

وهذا الاستعلاءُ السنيّ الفارغ؛ ليس له على أرض الواقع حقيقةٌ، وليس فيه تميّز!

فأكثر ما يُسَبُّ الله والرسول والقرآن؛ يُسَبُّ في مدينتنا «حماة» ولو أردتَ تغيير المنكر؛ لما وجدتَ أحداً يناصرك، بل يقول لك الحاضرون: «هل نصّبك الله محامياً عنه، الله يأخذ حقّه من شاتمه إذا شاء»!

أفلا يكون العلويُّ أقلَّ لؤماً وكفراً من هذا الحمويِّ الشامخِ بسنيّته المتعجرفة وحمويّته؟

وقد عايشت العلويين فصلاً دراسيّاً كاملاً في وادي العيون، كان البعثيون منهم يكرهونني، أو يكرهني كثيرٌ منهم، لكنّ طلابي وجيراني كانوا يعاملونني بمنتهى الحبّ والاحترام والأدب، وكان تعاملهم معي أفضلَ وألطفَ وأكرم، من تعاملِ أهلي وجيراني في حيّ الفرايةِ، من مدينة حماة، بكثيرٍ وكثيرٍ جدّاً!

وإذا كان الإقرارُ على النفسِ؛ أقوى وسائل الإثبات الشرعيّةِ، متى خلا عن الإكراه والإلجاءِ؛ فيقال لصاحب المنشور: مَن كذب مرّةً بإقراره؛ فقد يكذب مرّاتٍ كثيراتٍ من دون إقرار، وبالتالي فقد سقط قَبولِ شهادته شرعاً.

ثالثاً: من المعلومِ لدى جميع الخلق؛ أنّ «الماسونيّة» حركةٌ خبيثةٌ باطنيّة سريّةٌ، وقادةُ هذه الحركة وعناصرُها ومؤيّدوها؛ لا يعرفهم على وجه الدقة أحد، بل إنني قرأت في غير كتابٍ كتب عن الماسونية، فهمت منها أنّ الماسونيَّ يعرف عدداً يسيراً من زملائه الماسون!

فأين الكتابُ الصادر عن المحفَل الماسوني العراقيّ، أو الكردي، أو الدولي، الذي يذكر الشيخ «محمد نهرو» ضمن قادته أو أعضائه؟

رابعاً: إنّ الشيخ «محمد نهرو» ملياردير، ومعنى ملياردير؛ يعني يمتلك مليارَ دولار، أو مليار يورو، أمّا الذي يمتلك مليار دينارٍ عراقيٍّ، أو ليرة سوريّة؛ فهو فقير!

والسؤالُ الموجّه إليكم إخواني القرّاء: ألا يوجد في هذا العالم «ملياردير» سوى الشيخ محمد نهرو الكسنزان، هذا إن كان ملياردير حقيقةً؟!

لقد صحبت سيدي الشيخ محمد الكسنزان وأولاده سنواتٍ طوالاً؛ لم يخطر في بالي أن أسأل أو أستفهم عن مصدر نفقات الطريقةِ الكسنزانيّة، إلى أن حدثَ حدثٌ ما!

فقال أحد الناس أمامي: إنّ الدولة العراقية تمنح الشيخ محمد الكسنزان عدداً من براميل النفط بسعرٍ مخفّض؛ ليغطي نفقات تكيته، التي تقارب ميزانية دولة!

فسررت بذلك كثيراً، مع أنني يشهد اللهُ العظيم؛ لم أسأل الشيخَ ولا أحداً من أولاده، عن صحّةِ هذه المعلومة، حتى هذا اليوم!

يضافُ إلى ما سبق أنّ شيخنا محمد الكسنزان أحدُ سادةُ كردستان العراق، وملّاكها الكبار!

خامساً: قال صاحب المنشور: «دَعْمُ هؤلاء النَصابين؛ جُزءٌ من الحرب على الإسلام، وعلى أهل السنة تحديداً».

سبحان الله العظيم!

سبحانك هذا بهتان عظيم!

الشيخ محمّد الكسنزاني «والسادة الكسنزان» نصّابون؟

إذا كان المقصود بالنصّاب؛ الذي يحتال على الناس في أمور التجارةِ؛ فللسادة الكسنزان مصانع ومعامل وجامعات وكليّات، لو كانوا نصّابين، ولا يؤدّون حقوق الناس؛ لعُرف هذا وشاع، بيد أننا لم نسمع بذلك.

وإذا كان المقصود بالنصّاب؛ الذي يُتاجر بالدين، يوهم الناسَ أنّه متديّنٌ، وهو ليس بمتديّن أصلاً؛ فهذه تُهَمٌ جاهزةٌ، يرمي بها الناس جميعَ أهل الدين!

الناس الجهّال العوامّ يرمون العلماء بأنهم يتاجرون بالدين، وقد كتب أخونا المرحوم «حسني الشيخ عثمان» رسالةً بعنوان «المشايخ والاستعمار» أوضح فيها كيف أنّ إعلام الاستعمار أثّر كثيراً على العوامّ الجهال، حتى صاروا يحتقرون المشايخ، ويتّهمونهم بالمتاجرة بالدين، والعمالة للاستعمار.

ولا زلنا نحفظ مذ كنّا صغاراً حداءً كانوا يردّدونه: «يا شيخ تاج يا بومة = يا بو لفة مبرومة».

ومن ذلك أيضاً: «ثلاثة لا تثق بهم أبداً: «الشيخ والشفير والشرطي».

وإنّ صاحب المنشور يَعدُّ الإخوان المسلمين أنزهَ حركةٍ إسلاميّة، وأسأله:

ألم يقولوا عن الإخوان المسلمين السوريين: إنهم كذّابون، يتاجرون بالدين، وهم أجهل الناس بالدين؟

ألم يقولوا عنهم: إنهم عملاء لإيران؟ عملاء للسعودية، عملاء لتركيا، عملاء لقطر، بل عملاء لبريطانيا وأمريكا؟

ألم يستنجد شيخُ الإخوان المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي بأمريكا لتسقط للإخوان بشار الأسد؟

إذن: مقولة «يتاجرون بالدين» = نصابين؛ يمكن أن يقولها الجهلة والعوامّ عن كلّ أحد!

وأمّا قول صاحب المنشور: «دعم هؤلاء جُزءٌ من الحرب على الإسلام، وعلى أهل السنة تحديداً» ففي غاية الغرابة.

هل دفاعي عن السادة الكسنزان مثلاً؛ هو جزءٌ من الحرب على الإسلام، وكيف؟

لو كان السادة الكسنزان - باطناً - كما يصفهم هذا الكاتب تماماً، لكنّهم هم لا يظهرون لنا عداءَهم للإسلام، ولا يُظهرون لنا إلحادَهم، أو فسقَهم، أو فجورهم!

صحبناهم طويلاً، ووجدناهم يُساهمون مساهماتٍ عظيمةً وجليلةً في نشر الإسلام في بلاد المسلمين، وخارج بلاد المسلمين!

وأنا شاهدٌ على مئاتٍ من الأوربيين، أسلموا نتيجةَ مشاهدتهم للكرامات التي يجريها الله تعالى على أيدي الكسنزان، وبعدَ شرحي أنا، وشرح غيري من علماء الطريقة لهم دلالةَ تلك الكرامات على حقّ الإسلام، وصدق الإسلام!

وقد أسلم على أيدي دعاة الكسنزان ألوفٌ كثيرةٌ، ولا أقول: مئاتُ الألوف في القارّة الهنديّة، فكيف تكون هداية الناس إلى الإسلام؛ حرباً على الإسلام؟

وأمّا قول صاحب المنشور: إنّ دعمهم «حرب على أهل السنة تحديداً» فعجيبٌ غريب!

السادةُ الكسنزان أشعريةٌ في الأصول، شافعية في الفروع، وهذا ما يعلّمونه في جامعاتهم ومعاهدهم، وما يعلّمونه لمريدهم في الطريقة أيضاً.

ويبدو لي أنّ صاحب المنشور يتوهّم أنّ لدى الكسنزان تشيّع؟!

صحيح أننا في الطريقة الكسنزانيّة؛ لا نفرّق بين سنيّ وشيعيّ، وأنّ هوانا هاشميّ؛ لكنّ الخصومةَ كبيرةٌ وقائمةٌ بين السادة الكسنزان، وبين الأحزاب السياسيّة الرافضيّة!

ومن المحال أن تجد كسنزانيّاً يقبل أن ينطق أحدٌ بتحريف القرآن، أو يَرضى بأن ينال أحدٌ من أزواج الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم عامّة، ومن السيّدة عائشة خاصّة.

فكلام صاحب المنشور؛ مجازفة، وإلقاءٌ للكلام على عواهنه، من دون معرفةٍ ولا معايشة!

سادساً: قال صاحب المنشور: «وربما يكون لــ«نهرو» دورٌ في مَقتل زوجها الثاني «عدنان إبراهيم العراقي» طعناً في دمشق»!

سبحان الله العظيم!

ألا تلاحظ أخي القارئ مقدارَ الحقد الذي يَعتمل في صدر كاتب المنشور، والغضبِ الذي يدفعه إلى تعظيم الاتّهاماتِ دفعاً؟

سواءٌ قلنا إن صاحب المنشور يقصد بقوله «ربما» التقليلَ أو التكثير؛ فهو نفسه ينقل احتماليّةً وفرضيّةً، لا يجوز له نقلُها؛ لأنّ الجهّال والعوامّ الذين يتابعون صفحته؛ قد يجعلون «ربما» تهمةً حقيقيّةً واقعة!

وأنا والله لم أسمع بهذه التهمةِ، إلّا عند قراءتي هذا المنشور؛ فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

وبحسب المعلوماتِ الواردة على (قوقل) الذي يعتمده صاحب المنشور، وعلى شبكة «ويكيبيديا» وجدنا النصّ الآتي:

«عدنان إبراهيم مخرج عراقي (1949 - 2007) تزوّج أربع مرات:

- إحداها: من الفنانة السورية مها المصري وأقام معها قرابة 10 سنوات في الرياض قبل أن ينفصلا، وله منها ابنان هما طيف وريم.

- وبعدها تزوج الفنانة العراقية التفات عزيز وأنجب منها ابنة اسمها كرمل.

- ثم تزوج من الفنانة السورية نورمان أسعد عام 2004 وتطلقا عام 2006 

- تزوج بعدها من السورية مايا التخين وأنجب منها ابنة اسمها غادة ).

هذا يعني أنّ نورمان أسعد لم تكن على ذمّة طليقها «عدنان إبراهيم» وكان متزوّجاً بعدها.

فلماذا يساهم الشيخ «محمد نهرو» في مقتله؟  

سابعاً: وأمّا عن علاقته برئيس الولايات المتحدة السابق «ترامب» فلا يقول الأمريكيون أنفسهم: إنّ ترامب «ماسوني» بل إنني سمعته غير مرّة يشتم الماسون، ويفضحهم!

وهب أنّ الشيخ «محمد نهرو» صديقٌ لترامب، بل حتى «عميل لترامب وللولايات المتحدة الأمريكيّة» هل يوجد حاكم عربيّ خارجَ هذا الإطار؟

ألم يتوسّل الإخوانُ المسلمون لرؤساء أمريكا (أوباما - ترامب) ليساعدوهم بالمال والسلاح في أيام الثورة السوريّة المأجورة؟

ألم يجولوا، واليوم يجولون في البلاد الغربيّة، يتوسّلون لأن يقفوا معهم في إيجاد حلٍّ سياسيٍّ مناسبٍ لملايين اللاجئين السوريّين؟

ولأفترض جدلاً أنّ الشيخ «محمد نهرو» يرى كما جميعُ مشايخنا يرون - بل حتى شيخنا الشهيد مروان - أنّ المنطقةَ العربية تابعةٌ لأمريكا حصراً، وأنه لا يجري شيءٌ في المنطقة، من دون إذن أمريكا.

فإذا كان الشيخ «محمد نهرو» يطمح أن يكون رئيس العراق، وتيقّن بما تقدّم، فراح يصاحبُ ترامب أو بايدن؛ ليحظى برئاسة العراق!

أقول: لنفترض هذا افتراضاً، أليس وجودُ رئيسٍ مسلم صوفيّ، عارف بأمور دينه «دكتور» و«وجيه» و«شريف» و«ملياردير» - كما يقول كاتب المنشور - أولى من أناسٍ علمانيين جائعين، ينهبون ثروات العراق، ويجاهرون بعدم انتمائهم إلى الإسلام؟

ثامناً: قال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) فلو افترضنا جدلاً أنّ الشيخ «محمد نهرو» يمتلك ثلاث طائرات (سوخوي) أو (ميراج) أو (شبح) أين المشكلة في ذلك؟

وهل صحيح أنّ أمريكا تعطي عملاءَها طائراتٍ، ولماذا تعطيهم طائرات، وهي تشير إشارةً إلى حكام الخليج، فتأخذ منهم ما تريد، هي تأخذ لتسعد شعوبها، ولا تعطي!

لكنّ الموضوعَ أشغل فكري، فتواصلت مع أحد تلامذتي من الكسنزان القريبين من أبناء شيخنا محمد الكسنزان، وسألته: «هل صحيح أنّ الشيخ «محمد نهرو» يملك ثلاث طائراتٍ، وإذا كان هذا صحيحاً؛ فمن أين أتى بقيمةِ ثلاث طائراتٍ، أنا ابن عمّك وابن عمّه، أريد أن أعرف مصدر قيمة هذه الطائرات، إن وُجدت!

فأرسل إليّ يقول: «لا والله يا شيخي، الشيخ نهروا وأولاد سيدنا الشيخ لا يملكون طائرة واحدةً، إنما استأجروا طائرةً يوم توفي شيخنا، رحمه الله تعالى، وأحضروه من أمريكا إلى العراق!

تعبت - والله - كثيراً من كتابة هذا المنشور، وسأكتفي بما تقدّم!

ختاماً: الله يشهد عليّ أنني عملتُ مع السادةِ الكسنزان سنواتٍ طوالاً، واحداً منهم، ولم أكن موظفاً عندهم، وما تقاضيتُ منهم ديناراً عراقيّاً، ولا دولاراً أمريكيّاً، أو أقلّ، أو أكثر، لا في أثناء عملي معهم، ولا في السنوات العجاف التي قضيتها مع أسرتي (1996 - 2003م) ولا اليوم!

وإنني لم أكتب هذا المنشورَ راغباً في شيءٍ منهم، أو خائفاً من خِزيةٍ ليستروها عليّ

فأنا الشمس طالعةً في كبدِ السماء، لا يعتورها غبارٌ، ولا يكتنفها سحاب!

إنما كتبت هذا المنشورَ انتصاراً للحقِّ، وشهادةً لله تعالى، وحَميّةً لسادة «آل البيت»!

فمَنْ يكون سيّداً في آل بيتنا المبارك، ثم يكون عميلاً رخيصاً، يباع ويشترى؛ فلا بارك الله به، ولا رفع شأنه، ولا حقّق له آمالَه!

حاشا وكلّا، وألف كلّا؛ أن يكون «آل البيت» حرباً على الإسلام عامّةً، وعلى أهل السنّة خاصّة، ونعوذ بالله من الخذلان.

اللهم إنّ هذا ما أعرفه عن السادةِ الكسنزان، وعن الشيخ «محمد نهرو» خاصّة، وأنت عالم السرّ وأخفى (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأربعاء، 12 يوليو 2023

  اجتماعيات (72):

مَدينة حماةَ أجملُ أم دمشقَ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

قال لي صاحبي: بصفتِك حمويّاً بَدويّاً، عشتَ في حماة سنينَ طويلةً، وفي دمشق بضعَ سنين...!

فأيُّ المدينتين في عينيك أجمل؟

أقول وبالله التوفيق:

(اللهُ جميلٌ يحبُّ الجمالَ) وكلّ جمال في هذا الكون؛ نعمةٌ من نعم الله تعالى، تذكّر بالجمال الإلهيّ الكامل!

ثمّ أمّا بعد:

أوّلاً: أنا الفقير لستُ بدويّاً، ولست فلّاحاً، ولم يكن أهلي بَدواً ولا فلّاحين قطُّ!

عندما انتقل جدّنا السيّد كنعان بن محمّد الأمين، من مدينة الموصلِ إلى مدينة حماة، في بدايات القرن الحادي عشرَ الهجريّ؛ كان ذا وظيفةٍ حكوميّة عثمانيّة، في غالب الظنّ!

يُرجّح هذا المعنى أنّ السلطان العثمانيّ، في ذلك الوقت؛ أقطعه قريةَ «نُقيرين» المعروفة اليوم باسم (النقارنة) ومساحتها عشرة آلاف دونم، في مقابل أداء «العُشْر» للدولة العثمانية.

وظلّت قرية نقيرين في ملكنا حتى عام (1925) عندما ثارَ أجدادي مع الثوّار ضدّ المستعمر الفرنسيّ، ولم تنجح ثورتهم!

اختفى جدّي الحمش وأولادُه عن الأنظار عدّة سنواتٍ، إذ حُكم عليهم بالإعدام، فصادرت فرنسا هذه القريةَ، وأصدرت قوانين بتوزيعها وغيرِها، على العاملين فيها، وعلى عملائها أيضاً.

وعندما صدر العفو عن «المجاهدين» الثائرين، ورجع أهلنا؛ وجدوا عمّالهم وغيرَ عمّالهم قد تملّكوا القريةَ، وحصلوا على وثائق عقاريّة بذلك!

بيد أنني أقول: أنا بدويّ لأنّ لديّ شدّةً وحِدّةً!

وأقول: أنا فلّاح، تطييباً لخواطر الفلّاحين الذين كانوا الحمويّون يعاملونهم باحتقارٍ شديد!

كنّا مجتمعين في منزلي، بمكّة المكرّمة، في مجلسٍ من مجالس الحمويّين، فقلت: أنا بدويّ ابن بدويّ، فلّاح ابن فلّاح!

فقال لي أحد الحاضرين: «مَحشوم» يا شيخ عداب!

ومعنى «محشوم» يعني تتنزّه عن هذا المقام، أو أنت أكرمُ من أن تكون بدويّاً أو فلّاحاً!

ثانياً: لم أكنْ أنا الفقير، من هواةِ الرحلاتِ والسفر، ربما لقسوة تربيتنا (آل الحمش)!

فيمنع منعاً باتّاً أن يكون الشابُّ خارج منزله، بعد صلاة المغرب، ولهذا كنّا نصلي العشاءَ دائماً مع جدّي السيد إبراهيم في منزلنا الواسع!

ثالثاً: المرّة الأولى التي غادرت فيها حماة مضطرّاً، كانت عام (1968) عندما حصلت مشاجرةٌ عنيفة بيني وبين عددٍ من الأوباش، فطعنوني وطعنتُهم، وطلبتني أجهزة الأمن، فاستصدر لي أصدقائي هويّة باسم ابن خالتي (عبدالرزاق بن محمد كُريج) رحمه الله تعالى، وعليها صورتي، وانتقلتُ إلى دمشق، وبقيت فيها إلى أنّ حُلّت القضيّة، وصدر في حقّي براءةٌ من المحكمة!

في ذلك العام؛ كانت تقامُ في المسجد الأمويِّ أربعُ جماعاتٍ: للحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وكان عددُ المالكيّة قليلاً جدّاً، وكذلك الحنابلة!

أمّا أنا فكنت أصلي الظهر والعصر، مع الجماعات الأربع (!!!) وأنوي النافلة!

كان أولاد عمّتي عائشة (محمّد وفائز ومختار) يقيمون في دمشق، وكان ابن خالتي (عبدالرحمن بن محمد كريج) ضامناً لفندق الحرمين، بساروجة!

فكنت أرتّب له أسرّةَ النزلاء، وأمسح الدرج وساحةَ الفندق، في مقابل مبيتي على سطح الفندق، إذ كان الوقتُ صيفاً.

وكنتُ أشتغل من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، حتى التاسعة صباحاً، مع أبناء عمتي في المخبز (الفرن).

كان أولاد عمّتي من الملتزمين، وكان ابن خالتي من المصلّين أيضاً.

مساء كلّ يومِ جمعةٍ؛ كان أولاد عمّتي يخرجون بنا نزهةً إلى منطقةٍ من مناطق غوطة دمشقَ الغنّاء!

وكنتُ عقبَ كلّ نزهةٍ؛ أكتب قصيدةً في وصفِ جمال المنطقة التي كنّا فيها!

وإذْ أنا لم أكنْ أعرفُ حماةَ أصلاً، بسبب ما سبق؛ فقد عشقتُ جمال مدينة دمشق، وكنت أستعذب ماءها «الفيجة» وأشرب أكثر من خمس ليتراتٍ منه يوميّاً قطعاً!

عقب عودتي إلى حماةَ مع بداية العام (1969) غدوتُ أحتاج روحيّاً ونفسيّاً إلى المتنزّهات!

في ذلك العام؛ عرفتُ قريةَ (سريحين) وقريةَ (الجاجيّة) وقريةَ  (كازو) وكنت أعرف قرية «عين قصّارين» إذ كنّا نخيّم بها في الصيفِ، مع شيخنا الشهيد مروان حديد، رحمه الله تعالى.

حماةُ جميلة، ودمشق جميلة، وقرية شمس الدين التي غمرها سدّ الفرات وأزالها جميلة، وقرية السبخة جميلة، وأجمل ما فيها السبخة، التي كنّا نصطاد منها السمك بسلّة القصب!

كنت أخرج بعد صلاة الفجر إلى شاطئ الفراتِ فيها، أراجع محفوظاتي من القرآن الكريم يوميّاً، فكنت أرى السمك غافياً على الشاطئ، والله!

غدوت كلّما اشتهيت السمكَ؛ أحمل معي سلّة القصب، فأملؤها سمكاً، أعود به إلى المنزل!

حلفايا جميلة، ووادي العيون جميلةٌ، بل رائعة الجمال، كان السحاب المحمّل بالخير، يمرّ من تحت شرفةِ منزلي فيها!

سوريّا جميلة، والأردنّ جميلة، ولبنان جميلة، ويقولون: فلسطين جميلة، ومصر جميلة، والحجاز جميل، والعراق جميل، وتركيا جميلة!

وصور ومقاطع الفيديو التي غدونا نشاهدها، تنقل إلينا جمال أوربا وأمريكا وأستراليا.

هذا الكون كلّه جميل، أبدعه ربّنا الحكيم العليم القادر الجميل!

في حماة جمالُ النواعير، ليس له مثيلٌ في الدنيا.

وفي وادي العيون جمال الجبال والوديان والغيوم والسحاب والخضرة، مضافةً إلى (360) نبعاً وعيناً، من عيون زينابيعِ الماء، قالوا لي: إنّ لكلّ عينٍ مزاياها وخصائصها، ومذاقها، واستعمالاتها الطبيّة!

أمّا أنا فلم أشاهد أكثرَ من خمسةِ عيونٍ أو ستّاً، من بينها نبعان متجاوران بينهما أقلّ من (20) سنتيمتر، أحد النبعين تقترب حرارتُه من درجة الغليان، والآخر باردٌ شديد البرودةِ، يقترب من درجة «الصفر» ويصبّان في ساقية واحدة، تمرّ نهاياتها من تحت منزلي؛ لتصبّ في وادي العيونِ السحيق!

وفي الغوطة الشرقيّة والغربيّة جمالٌ أخّاذ، كان يتخلّلها سواقي من نهر بردى الجميل الحبيب!

ختاماً: إنّ قارّات الدنيا كلّها جميلةٌ، وفي كلّ قطعة منها جمال خاصّ!

 

(وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون).

 يجب - أجل يجب - أن تقودنا إلى تأمّل عظمة خالقها وجماله، وتقودنا إلى مزيدٍ من الحمدِ والشكر، وإلى مزيدٍ من الأعمالِ الصالحة؛ لنحظى بجمال جنان الآخرة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!

(وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* 

وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.