الاثنين، 28 أغسطس 2023

  مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (13):

الصَحابةُ الفُقهاءُ مَن هم !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب إليّ أحد تلامذتي من أهل العلم يقول: «قرأت في منشورك عن الصحابة أن أبا بكر وعثمان وسعد وطلحة والزبير ليسوا من علماء الصحابة ؟

ما الذي استندت عليه لتحدد أن هذا من علماء الصحابة، و ذاك من غير العلماء ؟

قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) إذنْ كثرة الرواية ليست ضابطاً للفقه والعلم.

 ولكن الضابط ما قاله الإمام علي عليه السلام: ولكن فهم يؤتاه...» إلخ كلامه.

أقول وبالله التوفيق:

أكثر من تناول مسألة التفريق بين الصحابة الفقهاء، والصحابة الرواة، وعوامّ الصحابة؛ هم الحنفيّة في كتبهم الأصوليّة (أصول الفقه).

بيد أنّ الإمامين أبا محمّد بن حزم الأندلسي في كتابه الأصوليّ «الإحكام في أصول الأحكام» وأبا بكر ابن قيّم الجوزيّة في كتابه «إعلام الموقعين» عُنيا عنايةً فائقة بهذه المسألة.

قال ابن حزم في الإحكام (5: 92): «قال أبو محمد: وهذا حينُ نذكر إن شاء الله تعالى اسمَ كُلّ مَن رُوي عنه مسألةٌ، فما فوقها من الفتيا، مِن الصحابة رضي الله عنهم وما فات منهم - إن كان فات - إلا يسيرٌ جدّاً، ممن لم يُروَ عنه أيضاً إلا مسألة واحدة، أو مسألتان، وبالله تعالى التوفيق:

أوّلاً: المكثرون من الصحابة رضي الله عنهم فيما رُوي عنهم من الفتيا: عائشة أم المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وابنه عبدالله، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعودٍ، وزيد بن ثابت.

فهم سبعةٌ، يمكن أن يُجمع مِن فُتيا كلّ واحدٍ منهم سِفرٌ ضَخم!   

ثانياً: والمتوسطون منهم، فيما رُوي عنهم من الفتيا رضي الله عنهم:

أمّ سلمة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن الزبير، وأبو موسى الأشعريّ، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسيّ، وجابر بن عبدالله، ومعاذ بن جبل، وأبو بكر الصديق.

فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يجمع من فتيا كلّ امرىء منهم جُزءٌ صغير جدّاً.

[انتبه إلى جملة «جزء صغير جدّاً»]

ويُضاف إليهم أيضاً: طلحةُ، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وعمران بن الحصين، وأبو بَكرة الثقفيّ، وعبادةُ بن الصامتِ، ومعاوية بن أبي سفيان.

ثالثاً: والباقون منهم رضي الله عنهم مُقِلّون في الفُتيا، لا يُروَى عن الواحدِ منهم إلا المسألةُ والمسألتان، والزيادةُ اليسيرة على ذلك فقط!

يمكن أن يُجمع مِن فُتيا جميعهم جزءٌ صغير، بعد التقصي والبحث».

ثمّ ذكر أسماءَ هؤلاء الذين لا يُروى عن الواحد منهم إلّا القليل، فراجعه ثمّة!

ومع أنّ ابن حزم جعل المكثرين من فقهاء الصحابة سبعةً، وجعل المتوسطين ثلاثة عشرَ صحابياً، بيد أنهم متفاوتون تفاوتاً كبيراً في قلّة الفتوى وكثرتها، إضافةً إلى أنّ مناهجهم في الفقه والتفقّه مختلفة فيما بينهم تماماً، وأكثرهم ناقلون للفتوى، وليسوا مجتهدين!

من أمثال عبدِالله بن عمر، وعبدِالله بن عمرو، وأنسٍ، وأبي هريرة.

وبين يديّ أطروحة علميّة عالجت مسألةَ اجتهاد الصحابةِ معالجةً جيّدةً، كتبها الدكتور عبدالرحمن بن معمر السنوسيّ، بعنوان:

(الاجتهاد بالرأي في عصر الخلافة الراشدة) وطبعتها وزارة الأوقاف الكويتية، عام (2011م) والكتاب مجلّد ضخم يقع في (615) صفحةً، وهو مفيدٌ من أوّله إلى آخره.

وأكبرُ ما يُنتقَد عليه؛ هو ما يُنتقَد على سائر الفقهاء، من الاستدلال بنصوصٍ مرويّةٍ، من دون نقدٍ لأسانيدها، خاصةً إذا كانت في الصحيحين، أو صححها واحدٌ من علماء الحديث!

وقد بيّن السنوسيُّ في كتابه هذا مناهجَ فقهاء الصحابة في الاجتهاد، وفي مستند الاجتهاد عند فقد النصِّ، وأكثرُهم كان يَعتمد تقليدَ من سبق، وبعضهم كان يعتمد المصلحة الشرعية، وبعضهم يعتمد القياس.

فأنا الفقير لا أكتب إليكم رؤايَ وتحليلاتي، إلّا بعدَ اطّلاعي على المأثورِ الذي عاصر الحدثَ الذي أحدّثكم عنه.

وليس لي من غرضٍ في التقليل من شأن الصحابة - كما يتوهّم بعضهم - إنما مرادي الوقوفُ على الحقائق كما هي، من دون تزييفٍ وتهويل!

والمجتهدون أهل النظر من الصحابة في نظري أربعة، على الترتيب الآتي: عليّ، ثمّ ابن عبّاس، ثم عمر، وعائشة في أمور النساءِ، رضي الله عنهم، ومن عدا هؤلاء الأربعة؛ بعضهم من العلماء، وبعضهم أعلمُ من بعضٍ، وبعضهم أكثر فتوى من بعضٍ!

وبعضُ التابعينَ يرى ابن عبّاسٍ أعلم من جميع الصحابة، بمن فيهم عمر وعليّ وعبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنهم!

«قال ابنُ أبي نَجيح: كان أصحابُ ابن عبّاس يقولون: ابنُ عباسٍ أعلم من عُمر ومن عليّ ومن عبداللَّهِ بن مسعود، ويَعدّون ناساً آخرين من الصحابة!

فيَثِبُ عليهم الناس «كما يثبون علينا اليومَ ويثورون»!

فيقولُ أصحاب ابن عبّاسٍ: لا تَعْجَلوا علينا، إنّه لم يكن أحد من هؤلاء إلّا وعنده مِن العِلم ما ليسَ عندَ صاحبه، وكان ابن عباس قد جَمَعه كُلَّه» انظر إعلام الموقّعين (2: 35).

وهذا أمرٌ طبيعيٌّ جدّاً، لكنّ البشرَ دَرجوا على تعظيمِ الحكّام والأسماء الكبيرة!

ويحسن أن نوضح ذلك بمثالٍ ممّا بين أيدينا ههنا!

إذا روى أبو بكر (100) حديثٍ، ورى عمر (200) حديثٍ، وروى عليّ (300) حديث!

نظرنا في المشترك بينهم، فوجدناه (30%).

ثم جاء ابن عبّاسٍ، فحفظ هذه الــ(600) حديث كلّها، أفلا يكون مسنده الحديثيُّ ستّة أضعاف مسند أبي بكرٍ، وثلاثة أضعاف مسند عمر، وضعفي مسند عليّ، رضي الله عنهم؟

وإذا رُويت عن أبي بكرٍ (100) مسألة فقهية، ورويت عن عمر (400) مسألة فقهية، ورويت عن علي (300).

نظرنا في المتّفق عليه بينهم، فوجدناهم اتّفقوا على (50%).

ثمّ جاء ابن عبّاس، فحفظ مسائل الفقه الـــ(800) كلّها، أفلا يكون ابن عبّاس أكثر فقهاً من أبي بكرٍ وعمر وعليّ؟

أليس العِلمُ تراكميّاً، يُحصّل المتأخّر منه أكثر مما يحصله المتقدّم والمعاصر؟

كيف تستوعب عقولكم أن لا يصلنا سوى (100) حديثٍ من مسند أبي بكر، ثمّ تقبلون أنّ أحمد ابن حنبل يحفظ مليون حديث؟

أليس هذا يعني أنّ ابن حنبلٍ أحفظ من أبي بكر بــــ(100) ألف مرّة؟

ولو نحن سلّمنا لابن حزمٍ بأنّ جميع هؤلاء الصحابة من الفقهاء العلماء؛ فحسن جدّاً، ليتنا اقتصرنا على رواياتهم أيضاً؛ إذنْ لقلّ التعارض والتناقض بين المرويات عنهم، والمرويات المنسوبة إلى غيرهم من الصحابةِ العوامّ، ومن جيلِ الصحابة، الذين لا اشتغال لهم بالعلم، ولا اشتُهروا بجودة الفقه والفهم!

قال لي أحدهم: أتقول حقّاً: إنّ الإمام الشافعيّ أفقه من الأئمّة محمّد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم عليه السلام؟

قلت له: الشافعيّ كتب بيدِه عشرةَ مجلّدات من الفقه الثابتِ النسبةِ إليه، تزيد على (5000) صفحة، فهل لديك (50) صفحةً فقهيّةً ثابتةً عن كلّ واحدٍ من هؤلاء الأئمّة الكرام؟

هذا يعني أنّ علينا التفرِقَةَ بين المَلَكَةِ الفقهيّة التي يتمتّع بها كلّ واحدٍ من هؤلاءِ الصحابةِ الفقهاء، والأئمة الكرام، وبين ما صدَرَ عن هذه الملكة من فقه!

عظمةُ هذه المَلَكَةِ أو تلك؛ هي دعوى، أو كما يقولون في المثل العربيّ: «المعنى ببطن الشاعر» من أين أعلم أنّ لدى أبي بكرٍ أو غيره من الصحابة ملكةٌ فقهيّة راقيةٌ، أو دون ذلك، إلّا من خلال المنقول الثابت عنهم؟

واللهُ تَعالى أَعلمُ

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 21 أغسطس 2023

  مَسائل حديثية (49):

أثرُ ابنِ الحدثانِ منكر قبيح !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

إنّ ممّا أدين الله تعالى به أنّ صحيحي البخاري ومسلم؛ هما أصح كتب الحديث النبويّ الشريف، لدى المسلمين.

يَليهما صحيحا ابن خزيمة وابن حبّان، ويقاربهما السنن المجتبى للإمام النسائيّ.

ولا يقترب في الصحة أيّ كتابٍ آخر من هذه الكتب، لا عند أهل السنة، ولا لدى غيرهم من كتب الفرق الإسلامية الأخرى.

لكنّ القولَ بصحة جميعِ ما في الصحيحين؛ هو قولٌ جُمليّ على سبيل الإطلاق، ولا يجوز أن يكون على سبيل العموم والاستغراق!

خاصّةً إذا أريدَ بالصحّةِ المفهومَ السائدَ لدى المتأخرين «الصحيح لذاته ولغيره».

وقد ذكرت مرّاتٍ عديدةً أنّ في الصحيحين أحاديثَ مَشهورةً، وأخرى مُستفيضة، وثالثة عزيزة، ورابعة غريبة!

والأحاديث الغريبة مراتب كثيرة:

منها الغريب الصحيح لذاته.

ومنها الغريب الصحيح لغيره.

ومنها الغريب الحسن لذاته.

ومنها الغريب الحسن لغيره.

ومنها الغريب الجيّد، الذي لم يجد العلماء ما يرفعه ويرقّيه إلى الحسن لغيره.

ومنها الغريب الضعيف، والضعيف مراتب قد تصل إلى خمسين نوعاً!

ومِن منكرات أحاديث الصحيحين، الحديثُ الآتي:

أخرج البخاري في مواضع عديدة من صحيحه (2904، 3094، 4034، 4885، 5357، 5358، 6728، 7305) ومسلم في صحيحه، وهذا لفظه (1757) من طرق عديدةٍ عن محمد بن مسلم ابن شهابٍ الزهريّ، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصريّ قال:

أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رُمَالِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ.

فَقَالَ لِي يَا مَالُ: إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ فَخُذْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ

قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا غَيْرِي؟!

قَالَ عُمَر: خُذْهُ يَا مَالُ!

قَالَ مالك: فَجَاءَ «يَرْفَا» فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ؟

فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا!

ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ؟

قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا!

(2) فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، وَأَرِحْهُمْ!

فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ!

فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدَا!

أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)؟

قَالُوا: نَعَمْ!

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)؟

قَالَا: نَعَمْ!

فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ، كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخْصُصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ:

(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ).

قال مالك بن أوس:  مَا أَدْرِي هَلْ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لَا؟!

قَالَ عمر: فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ!

فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ!

ثُمَّ قَالَ عمر: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟

قَالُوا: نَعَمْ!

ثُمَّ نَشَدَ عَبَّاسًا وَعَلِيًّا بِمِثْلِ، مَا نَشَدَ بِهِ الْقَوْمَ: أَتَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ!

قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُمَا تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)!

فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ!

ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ فَرَأَيْتُمَانِي كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ فَوَلِيتُهَا ثُمَّ جِئْتَنِي أَنْتَ وَهَذَا وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إِلَيْنَا فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَعْمَلَا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلِكَ قَالَ أَكَذَلِكَ قَالَا نَعَمْ قَالَ ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا وَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ».

ومما ينبغي الإشارةُ إليه؛ أنّ البخاريّ على الرغم من حفاوته البالغة بهذا الأثر الباطلِ الكذبِ، إلّا أنّه حذف الكلمات السافلة التي وردت فيه (كاذب، آثم، غادر، خائن) التي زعم الزهريُّ، أو زعم مالك بن أوس - الله تعالى أعلم - كلاهما ناصبيّان جلدان، زعَما أو أحدهما أنّ عليّاً كان يرى أبا بكر وعمر رضي الله عنهم يتّصفانِ بهذه الصفات المنكرة!

وأنا لن أناقش هذا الأثر الخبيثَ، من وجهة نظر عقليّة، إنّما سأنظر إليه من وجهة نظر حديثيّة بحثة!

رأي الإمام عليّ في أبي بكرٍ وعمر:

مرّ معنا في منشورٍ سابقٍ عن ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ أنّه قال: «رُوِيَ عن عليٍّ من نحو ثمانين وجهاً وأكثر؛ أنّه قال على منبر الكوفةِ: (خيرُ هذه الأمّة بعد نبيّها؛ أبو بكر وعمر).

وقد أخرج البخاريّ في صحيحه (3671) من حديث محمّد بن عليّ بن أبي طالب «ابنِ الحنفيّة» قَالَ:

قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قَالَ: أَبُو بَكْرٍ!

قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟

قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ!

وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: «ثُمّ» عُثْمَانُ، فَقُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟

قَالَ عليٌّ عليه السلام: «مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ».

كيف ينسجم قول الإمامِ عليٍّ هذا، مع قول الزهريّ أو مالك بن أوس بأنّ عليّاً كان يرى أبا بكرٍ وعمر (كاذبَين، آثمَين، غادرَين، خائنَين)؟

نعوذ بالله من النصب المجرم الخبيث!؟

وأخرج البخاريّ في مناقب عمر بن الخطاب (3677، 3685) ومسلم في فضائل الصحابة (2389) واللفظُ للبخاريّ، من حديثِ عبدالله بن عبّاس رضي الله عنهما قال: «وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ، يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ، قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ.

فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ مَا خَلَّفْتَ أَحَداً، أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ!

وَايْمُ اللهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ!

وَحَسِبْتُ أنِّي كُنْتُ كَثِيراً أَسْمَعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)!

من المعلوم في تعريف الحديث الصحيح أنّه الحديث الذي يرويه عدل ضابطٌ عن مثلِه، من أوّل السند إلى منتهاه، من غير شذوذٍ، ولا علّة.

والشذوذ في هذا الحديث مخالفةُ مالك بن أوس بن الحدثان لعبدالله بن عبّاس ومحمّد بن الحنفيّة!

مالك بن أوس يثبت بغضَ وسوءَ ظنّ عليٍّ عليه السلام بأبي بكر وعمر.

وهما يثبتان محبّةَ عليٍّ عليه السلام لأبي بكر وتفضيلهما على نفسه وعلى الأمة كلّها.

وابن عباسٍ، أو محمّد ابن الحنفيّة، كلُّ واحدٍ منهما يساوي مِلْءَ الأرض، من أمثال الزهري وابن الحدثان، وهيهاتَ هيهات!

وأمّا العلّة القادحةُ؛ فهي نصبُ الزهريّ ونصبُ مالك بن أوس، والناصبة كانوا يتّهمون عليّاً بكلّ قبيحة، حتى إنهم كانوا يتّهمونه بأنّه كان مُسلّماً بارتكاب أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها للفاحشة!

وسواءٌ كان كلامُ عليٍّ عقيدةً يعتقدها بأنّ أبا بكرٍ وعمر خير هذه الأمّة، أمْ هو من قبيلِ هضم المؤمن الصالح لنفسه، فهو يثبت لهما فضلاً عظيماً، يتعارض تعارضاً تامّاً مع ما جاء في حديث الناصبيين الزهريّ وابن الحدثان، عليهما من الله ما يستحقّان!

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على نبيّنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الخميس، 10 أغسطس 2023

  مَسائل حديثية (48):

تَركيبُ الأسانيد في الصحيحين ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب أحدُ الإخوةِ المشتغلين بالحديث الشريف مقالاً، انتقد فيه حديثَ (خير القرون قرني) وكان مما قال في نقده: «إنّ هذه القرائن تثبتُ ما وقع من تركيب الأسانيد والأحاديث، ونسبتها إلى الصحابة، بحيث المتن الواحد يركّب عليه أكثر من سند، عن أكثر من صحابيّ، مما يذكّرنا بمقولة ابن حجر بأنّ الصحيح لا يُدرَك بمجرّد اعتبار الأسانيد» انتهى المقصود من كلامه.

أقول وبالله التوفيق:

ليس مستغرباً أبداً أن يتّفق خمسةُ صحابة على متن حديثٍ واحدٍ، فليس مستغرباً أن يتّفق عبدالله بن مسعود وعمران بن حصين وأبو هريرة على متن الحديث ذاته:

(خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ).

إنما الذي استغربه صاحب المنشور أن يقول عمران بن حصين جملة الشكّ (قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ) ثمّ يقول نحو ذلك عبدالله بن مسعود وأبو هريرة.

وسأخرّج الأحاديثَ الثلاثةَ هذه من الصحيحين فحسب، اختصاراً للوقت، ثمّ  أناقش الكاتب فيما قال:

أوّلاً: بإسنادي إلى الإمام البخاريّ في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جَور (2652) قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ: أَنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِاللهِ t عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)([1]).

وأعاده البخاريّ في المناقب (3651) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ: أَخبَرَنا سُفْيَانُ، به مثله.

وأعاده البخاريّ في الرقاق (6429) قال: حَدَّثنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، به مثلَه.

وأعاده البخاريّ في الأيمان والنذور (6658) قال: حَدَّثنَا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ: ثَنا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، به مثله.

وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة (2533) قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَهَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عبدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e:

(خَيْرُ أُمَّتِي القَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ).

وقال (2533): حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ.

قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، به مثله.

وقال (2533): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح).

وقال (2533) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِ أَبِي الأَحْوَصِ وَجَرِيرٍ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.

وقال(2533) وَحَدَّثَنِي الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عبدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ e قَال:

(خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) فلا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: (ثُمَّ يَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ).

قال الفقير عداب: حديثُ عبدالله بن مسعودٍ؛ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من طرق كثيرةٍ عن منصور بن المعتمر الحافظ، عن إبراهيم بن يزيد النخعيّ الحافظ، عن عَبيدة السلمانيّ الحافظ، وليس فيه جملة الشكّ (فلا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ).

بينما أخرجه مسلمٌ في آخر الباب من طريق أزهر بن سعدٍ السمّان عن عبدالله بن عون، عن إبراهيم، وفيه جملة الشكّ (فلا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ).

ومن هذه الطريق؛ أخرجه أحمد في مسنده (3963) والنسائي في الكبرى (5988) وأبو عوانة في المستخرج (11057).

فيكون أزهرُ بن سعدٍ السمّان قد وَهِم في قوله: (فلا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ) لأنّه وإن وثّقه جماعةٌ إلّا أنّ أبا حاتم الرازي قال: «صالح الحديث».  

وبخصوص وهمِه في هذا الحديث بالذات؛ قال ابن حجر في التهذيب (1: 203) ما نصّه: «وعن عمرو بن على الفلاس قال: قلت ليحيى القطان: أزهر عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عبيدةَ، عن عبد الله حديث: (خير الناس قرني).

قال يحيى: ليس فيه عبدالله!

قلت: سمعتَه من ابن عون؟ فقال يحيى: لا !

ولكن رأيت أزهرَ يحدث به من كتابه، لا يزيد على عبيدة.

قال عمرو بن عليّ: فاختلفت إلى أزهرَ أيّاماً، فأخرج إليَّ كتابه، فإذا فيه كما قال يحيى رحمه الله تعالى» انتهى.

خلاصة الكلام: ليس في حديثِ عبدالله بن مسعودٍ إذنْ جملةُ الشكّ (فلا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ) وليس فيه تركيب أسانيد، إنما في هذه الطريقِ بالذات، قد وهم أزهر السمّان!

ثانياً: بإسنادي إلى الإمام البخاريّ في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جَور (2651) قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى:

حَدَّثَنا آدَمُ: ثَنا شُعْبَةُ: ثَنا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بنَ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ e: (خَيْرُكُمْ قَرْني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) قَالَ عِمْرَانُ: لاَ أَدْري أَذَكَرَ النَّبِيُّ e بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً، قَالَ النَّبِيُّ e: (إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْماً يَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ، وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ([2]) وَلاَ يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) ([3]).

وأعاد البخاريّ الحديث ذاته في المناقب (3650) قال: حَدَّثَنِي([4]) إِسْحَاقُ: ثَنا([5]) النَّضْرُ: أَنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بنَ مُضَرِّبٍ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: (خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) قَالَ عِمْرَانُ: فَلاَ أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ([6]) أَوْ ثَلاَثاً.

(ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْماً يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلاَ يَفُونَ([7]) وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ).

وأعاده البخاري في الرقاق (6428) قال:  حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، به مثلَه.

وأعاده البخاريّ في الأيمان والنذور (6695) قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، به مثلَه.

وأخرجه مسلم في فضائل الصحابةِ (2535) قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ.

قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، به مثلَه.

وقال مسلم أيضاً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ e بِهَذَا الحَدِيثِ.

وأخرجه الترمذيّ في الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث (2222) من طريق زرارةَ بن أوفى وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وكان قال في الحديث الذي قبله (2221): «وقد رُوي من غير وجهٍ عن عمران بن حصين».

وعندما يقول الترمذيّ هذه الجملة؛ يكون عمران بن حصين هو مدار الحديث!

مدار حديث الباب على عمران بن حصين نفسه، رواه عنه:

زرارةُ بن أوفى، عند عند الطيالسيّ (892)  ومسلم والترمذيّ.

وزَهْدمُ بن مُضرّب، عند البخاريّ ومسلم.

وهلالُ بن يساف، عند ابن أبي شيبة (32410) والترمذي (2221).

فإذا كان مدار الحديثِ على الصحابيّ عمران بن الحصين، رضي الله عنه، وهو الذي يقول: (فَلاَ أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً.

فهل هو الذي ركّب الإسناد، أو هو الذي نسيَ، وكان أميناً، فأخبرنا أنّه نسي؟

أو إنّ الثلاثةَ الذين رووه عنه، اجتمعوا فركّبوا هذا الإسناد؟

أو الرواة الذين رووا عن كلّ واحدٍ منهم، عقدوا مؤتمراً شاملاً، وركّبوا هذا الإسناد؟

وقد استشهد الباحث بكلام ابن عبدالبرّ، فلننظر ماذا قال في التمهيد؟

في التمهيد (17: 293) ساق ابن عبدالبرّ من الموطأ حديث زيد بن خالد الجهنيّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟

(الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) أَوْ قال: (يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا).

وتكلّم مطوّلاً على إسناده، ثمّ قال (17: 298): (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْعِرَاقِيِّينَ حَدِيثٌ يُعَارِضُ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَير النَّاسَ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يلونهم، ثم يجيء قوم يتسمنون ويحيون، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا).

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زهير: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ عِمْرَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَحْوِهِ».

قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَدْخَلَ محمّد بنُ فُضَيْلٍ بَيْنَ الْأَعْمَشِ وَبَيْنَ هِلَالٍ فِي هَذَا الْحَدْيِثِ عَلِيَّ بْنَ مُدْرِكٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُاللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ وَهُو الصَّوَابُ.

وَهَذَا عِنْدِي - وَالله أعلم- إِنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْأَعْمَشِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ أَحْيَانًا.

وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِ وَكِيعٍ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حَافِظًا.

أَوْ مِنْ قِبَلِ أَبِي خَيْثَمَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لِلْأَعْمَشِ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ هِلَالٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ غَيْرَ مَا حَدِيثٍ».

قال عداب: هذا الذي رجّحه ابن عبدالبَرِّ من أنّ الحديث عن الأَعْمَشِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ هِلَالٍ، عن عمران؛ رجّح الترمذيّ غيره، فقال في روايته لهذا الحديث (2302) ما نصّه: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ وَأَصْحَابُ الْأَعْمَشِ إِنَّمَا رَوَوْا عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ.

وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ».

يُلاحَظ هنا أنّ الخلافَ بين ابن عبدالبَرّ والترمذيّ على روايةِ هلال بن يسافٍ، وليس على رواية  زرارةُ بن أوفى، عند عند الطيالسيّ (892)  ومسلم والترمذيّ، ولا على رواية زَهْدمُ بن مُضرّب، عند البخاريّ ومسلم.

ومع تقديري للترمذيّ وابن عبدالبرّ في ترجيحهما؛ فقصارى القول: أنّ روايةَ الأعمش عن عليّ بن مدرك، عن هلالٍ؛ هي من المزيد في متّصل الأسانيد.

وهلال بن يسافٍ وزرارة بن أوفى وزهدم بن مضرّب؛ ثلاثتهم ثقات، رووا هذا الحديث عن عمران بن حصين.

تابع ابن عبدالبرّ كلامه فقال: «وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدْيِثَ شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَقُلْ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بن إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ سِمَانٌ، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ وَلَا يُسْأَلُوهَا).

قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَقْلِ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

وَهَذَا حَدِيثٌ كُوفِيٌّ، لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَوْ صَحَّ؛ كَانَ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَلَى مَا فَسَّرَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَقِيهُ الْكُوفَةِ».

ابن عبدالبرّ ههنا يتكلّم عن طريق هلال بن يسافٍ وحدها، ويقول: إنّ فيها اضطراباً، قد يكون من قِبَل الأعمش، أو من قِبَل وكيع!

ويبدو لي أنّه لم يقف على طرق حديثِ عمران الصحيحة؛ لأنه لم يُشر إليها من قريب ولا بعيد!

ولو سلّمنا بأنّه يضعّف حديثَ عمران كلّه؛ لكان كلامُه غيرَ صحيح أبداً.

وقد تقدّم عند كلامي على مدار الحديث؛ أنّ الذين رووه عن عمران بن حصين ثلاثةٌ ثقاتٌ، أحدهم هلال بن يساف.

فالحديث مشهورٌ أو مستفيضٌ عن عمران بن حصين رضي الله عنه.

ثالثاً: وبإسنادي إلى الإمام مسلم في فضائل الصحابة (2534) قال: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ (ح).

وَحَدَّثَنِي إسْماعيلُ بنُ سَالِمٍ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: (خَيْرُ أُمَّتِي القَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وَاللهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لا.

قَالَ الرسولُ: (ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ، يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ (ح).

وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بنُ نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ (ح).

وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بنُ الشَّاعِرِ: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «فلا أَدْرِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً».

وأخرجه الطيالسيّ في مسنده (2673) وإسحاق بن راهويه في مسنده (94) وأحمد في مسنده (7123، 9318) والبزار في مسنده (9533) وقال: «روي نحو هذا الكلام مِنْ غَيْر وَجْه , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا نعلم يروى بهذا اللفظ إلاَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , بهذا الإِسْنَاد» وأخرجه جمع غيرهم، جميعهم من حديث أبي بِشْر جعفر بن إياسٍ اليشكري عن عبدالله بن شقيق، عن أبي هريرة، به مرفوعاً.

وهذا إسنادٌ صحيحٌ لا غبار عليه أبداً، فمن الذي ركّب إسناده هذا؟

أبو بشر، أم عبدالله بن شقيق، أم أبو هريرة؟

وقد أخرج البزّار في مسنده (9661) والطبراني في الأوسط (5475) من حديث عقبة بن مكرم الكوفي قال: حَدَّثَنا يونس بن بكير , حَدَّثَنا داود بن يَزِيد , عن أبيه , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الذين يلونهم، ثم الرابعُ أرذلُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ).

قال أبو بكر البزار: «هَذَا الحديثُ، لاَ نَعْلَمْهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ، إلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْه».

وقال الطبراني: «لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ دَاوُدَ الْأَوْدِيِّ، إِلَّا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، تَفَرَّدَ بِهِ عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ».

وفي إسناد هذه الطريقِ داود بن يزيد الزعافريّ، قال أحمد فيه: ضعيف الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيءٍ!

خلاصة الكلام على حديثِ أبي هريرة: إنّ أبا هريرةَ لم يصرّح بسماعِه هذا الحديثَ من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم!

ويترجّح أنّه سمعه من عمران بن حصين، فحافظ على صيغة الشكّ، كما سمعها من عمران.

وهذا لا يستدعي تركيبَ أسانيد، ولا يستلزم ضعفاً في متن الحديث.

ختاماً: طال المنشور كثيراً، وصفحة الفيسبوك لا تحتمله، بيد أنني أحبّ أن أقول لأخي الباحث الكريم وغيره من المشتغلين في علم الحديث؛ أن لا يستعجلوا في نشر المَعلومة التي تستهويهم قبل أن يتيقّنوا من صدقيتها، ويكون لديهم الأدلّة العلميّة على إثباتها.

إنّ احتمالَ أن يكون في الصحيحين أسانيدَ مركّبة؛ احتمال باطلٌ تماماً، ولو وُجِد إسناد واحدٌ مركّب؛ لما خفي على علماء الإسلام.

وقد قابلنا صحيح البخاريّ وخرّجنا أحاديثَه كاملةً؛ فما وقفنا على خمسةِ أحاديث مدارُها على الإمام البخاريّ، فمن أين يأتي تركيب الإسناد، ومن الذي سيقوم به، وينسبه إلى الصحابة؟

أنا الفقير لا أمنح صحيح البخاريّ ولا غيره من كتب الرواية قدسيّة، ولا أمنع البحثَ في متونه وأسانيده - كما هو معلوم لديكم - بيد أنّ هذا لا يعني أبداً التشكيكَ بصحّة نسبةِ هذا الكتاب إلى مؤلّفه، كما لا يعني أبداً أنّ من الممكن أن يغفل الإمام البخاريّ عن أحاديثَ مركّبة الأسانيد، فيودعها في صحيحه.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.



([1]) من حديث عبدالله بن مسعود t أخرجه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة (3594) ومسلم في فضائل الصحابة، باب باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (2533) وابن حبان في كتاب إخباره e عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم رضوان الله عليهم أجمعين، باب فضل الأمة (7222، 7228، 7229) وابن ماجه في الأحكام، باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد (2384) والترمذي في المناقب، باب ما جاء في فضل من رأى النبي e (3859) وقال: «هذا حديث حسن صحيح». وانظر التحفة [7: 9403] والإتحاف [10: 12902].

([2]) في بعض النسخ: يَنْذُرون.

([3]) من حديث عمران بن حصين t أخرجه أحمد في أول مسند البصريين (19906) ومسلم في فضائل الصحابة، باب باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (2535) وأبو عوانة في الأحكام، باب بيان الترغيب في إقامة الشهادة وإن لم يسألها والخبر الدال على كراهية شهادة الشاهد ولا يستشهد وعلى أنها الشهادة التي لا تجب (6412) وأبو داود في السنة، باب فضل أصحاب رسول الله e (4657) والنسائي في الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر (3809) والترمذي في الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث (2221) وقال: «هكذا روى محمد بن فضيل هذا الحديث عن الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال بن يساف وروى غير واحد من الحفاظ هذا الحديث عن الأعمش عن هلال بن يساف ولم يذكروا فيه علي بن مدرك قال وحدثنا الحسين ابن حريث حدثنا وكيع عن الأعمش حدثنا هلال بن يساف عن عمران بن حصين عن النبي e فذكره نحوه وهذا أصح عندي من حديث محمد ابن فضيل وقد روي من غير وجه عن عمران بن حصين عن النبي e». وانظر التحفة [9: 10827] والإتحاف [12: 15027].

([4]) في (ب): «حَدَّثَنا».

([5]) في بعض النسخ: أخبرنا.

([6]) في بعض النسخ: مرتين.

([7]) في بعض النسخ: يوفون.