مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
هَلْ
والدا الرسول محمّد في النار؟!
بسم
الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ
للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).
أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ
تلامذتي «السلفيين» منشوراً نَقلَه عن غير مسمّى، يبثت فيه كاتبه أنّ والدي الرسول
محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم في النار:
- عبدُالله بنُ
عبدالمطّلبِ بن هاشم الذي توفيّ والرسولُ رضيعٌ، وقيل: بل توفي قُبيلَ ولادة ابنه
الرسول.
- آمنةُ بن وَهبِ بن عبدِ
منافٍ الزُهريّة، التي توفّيت، وعمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ستُّ
سنواتٍ.
أقول وبالله التوفيق:
عندما قال الله تبارك
وتعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ
وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) [المسد] قلنا: إنّ أبا لهبٍ
عمَّ الرسول محمّدٍ؛ في النار.
وعندما سكتَ القرآن عن
عبدالمطّلب وأبي طالبٍ وعبدالله وأمثالهم؛ يجب علينا البحثُ عن أدلّةٍ أخرى، تصلح
للقول بنجاتهم، أو القولِ بهلاكهم!
وقبل عرضِ أدلّة نجاتهم
المختلفَ في دلالتها؛ علينا أنْ نعرضَ أدلّةَ هلاكهم الواضحةِ الدلالة!
أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان،
باب بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ؛ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَا
تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ (203) قال رحمه
الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ
«هو ابن مسلمٍ» حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ «البُنانيِّ» عَنْ
أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (فِي
النَّارِ) فَلَمَّا قَفَّى؛ دَعَاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي
النَّارِ).
قال الفقير عداب: مدار هذا
الحديثِ على حمّاد بن سلمةَ، ويقول عددٌ من النقّاد: إنّه من أثبتِ الناسِ في
ثابتٍ البُنانيّ!
بيد أنّ البخاريّ لم يخرّج
لحمّاد بن سلمةَ أيَّ حديثٍ أصلاً، إنّما خرّج له في المتابعاتِ!
وخرّج له بإسناد حديثِ
الباب «حمّاد عن ثابتٍ عن أنسٍ» أربع رواياتٍ (2845، 2872، 3805، 6439) جميعها في
المتابعاتِ، وهذا يعني أنّ البخاريّ يقبلُ حمّادَ بن سلمةَ في المتابعاتِ، ولا
يَقبلُ ما ينفردُ به، وحديثُ البابِ من أفرادِ حمّادٍ، وأعرض عنه البخاريّ!
وقد
عابَ ابنُ حبّان على البخاريّ عدمَ احتجاجِه بحمّاد بن سلمة، فكان مما قال في
مقدمة صحيحه (1: 153): فإنْ قال «المدافع عن البخاريّ»: حمادٌ قد كثر خطؤه!
قيلَ
له: إنّ الكثرةَ اسمٌ يَشتمل على معانٍ شتّى، ولا يستحق الإنسانُ ترك روايته، حتى
يكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه!
فإذا
فَحُش ذلك منه، وغلب على صوابه؛ استحق مجانبة روايته.
وأما
مَن كثر خطؤه، ولم يَغلب على صوابِه؛ فهو مقبولُ الرواية فيما لم يخطىء فيه،
واستَحق مجانبةَ ما أخطأ فيه فقط»!
وفي
هذا النصّ المقتطعِ من كلامٍ طويلٍ لابن حبّان في حمّاد نَخلص إلى ثلاثةِ أمورٍ:
الأوّل:
أنّ حمّاداً كبيرٌ جدّاً عند ابن حبّان، إذ قال في الثناء عليه:
«كان
رحمة الله ممن رحل وكتب وجمع وصنف وحفظ وذاكر ولزم الدين والورع الخفي والعبادة
الدائمة والصلابة في السنة والطَبَقِ على أهل البدعِ.
ولم
يشك عوام البصرة أنه كان مستجاب الدعوة، ولم يكن في البصرة في زمانه أحدٌ - ممّن
نسب إلى العلم - يُعَدُّ من البدلاء غيره، فمن اجتمع فيه هذه الخصالُ، لم استحق مُجانبَة
روايتِه»؟
الأمر
الثاني: حديثُ أنسٍ الذي يجعل والدَ الرسولِ في النار؛ أخرجه ابنُ حبّان في صحيحه،
فيكون ممّا لم يخطئ فيه حمّادٌ، في نظرِ ابنِ حبّانَ!
الأمر الثالث: أقرّ ابن
حبّان بأنّ حمّاداً يخطئ كثيراً، وما دام يخطئ كثيراً، وقد تفرّد بهذا الحديث؛ فلا
ينبغي أن يخرّج هذا الحديثُ وأمثالُه في كتب الصحاح، وقد أصاب البخاريّ في ذلك!
يضافُ إلى ما تقدّم أنّ
هوى حمّاد بن سلمةَ هوى البصريين، وفيهم ميلٍ عن آل البيت، ورواية فضائلهم.
ومما يؤكّد هذا، ما أسنده
ابن عديٍّ في ترجمة حمّادَ بن سلمةَ (3: 44) قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سَمعتُ هدبةَ
بنَ خالدٍ يقول: صَلّيتُ على شُعْبَة «يريد: دعوتُ له» فقيل له: رأيتَه؟ فغضب وقال:
رأيت حماد بن سلمة، وَهو خير منه، كان شُعْبَة سيّئاً، وكان رأيُه رأي الكوفيين.
والحديثُ يَحتمل من النقدِ
أكثرَ ممّا ذكرتُ، وفي هذا القدر كفاية!
لننتقل بعد ذلك إلى موقفِ
القرآن الكريم، ممّن أطلق عليهم علماؤنا «أهلَ الفترة» فأقول: يقول الله تبارك
وتعالى:
1 (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) [النساء].
2 (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ
قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ
تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ
وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) [المائدة].
3 (مَنِ اهْتَدَى
فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا (15) [الإسراء].
4 (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ
عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
مُبِينٌ (43).
وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ
كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44)
[سبأ].
6 (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا
أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) [القصص].
7 (أَمْ يَقُولُونَ
افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ
مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) [السجدة].
قال الفقير عداب: يقول
الله تبارك وتعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
ويقول عن قريشٍ: (وَمَا
آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا، وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ
مِنْ نَذِيرٍ).
أليس هذا نصّاً صريحَ
الدلالةِ بأنّ قريشاً لم يأتهم رسولٌ قبلَ رسولِ الله محمّد صلّى الله عليه وآله
وسلم، إنما جاء بعد فتورٍ من إرسالِ الرسل إليهم (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)؟
أفنتركُ هذه الآياتِ
القرآنيةَ كلّها لنتشبّث بحديثٍ فردٍ مطلقٍ غريب، لم يروه عن الرسول صلّى الله
عليه وآله وسلّم، سوى أنس بن مالك، ولم يكن من علماء الصحابةِ ولا فقهائهم!
ولم يروه عن أنسٍ، سوى
ثابتٍ البُنانيّ، تفرّد به عنه حمّاد بن سلمة كثير الخطأ؟
لما سبق أقرّر مطمئنّاً
أنّ حديثَ حمّاد بن سلمة هذا منكرٌ، مخالفٌ صراحةً للقرآن الكريم.
والله تعالى أعلم
والحمد لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق