مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
أمّ المؤمنين عائشةُ،
والمفترون الأنذال !؟
بسم
الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ
للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).
أمّا بعد: استدعاني أحدُ «أصدقاء الفيس» لأعطي رأيي في
خطبةٍ للدكتور عدنان إبراهيم، فوجدتُ هامشاً، كتب فيه رافضيّ خبيث: «في كتابِ صحيح
البخاري قال: دخل أبو بَكرٍ على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال:
«ماذا تنتظر بالتي هي قد خانتك وفضحتني».
فكتبت تعليقةً عجلى من
الذاكرة: «أعوذ بالله من الكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.
ليس هذا الكلام في صحاح
البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم، وليس هو في كتب السنن، ولا في
المسانيد.
ألا لعنة الله على من يكذب
على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولعنة الله على من يتهم
أمنا أم المؤمنين عائشة بشرفها وعرضها».
ثمّ تذكّرتُ أنني قرأتُ
مثلَ هذا الكلامَ مرّاتٍ عديدةً، فرأيتُ من الواجبِ الدينيّ أنْ أخرّج هذا
الحديثَ، وأُبرزَ علّتَه أو علله.
أخرج الحافظ عُمرُ بنُ
شبّة البصريّ (ت: 262 هـ) في كتابه تاريخ المدينة قال: (1: 323) قال رحمه الله
تعالى: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ
بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفِ بن عبدالرحمن، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا
قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ أُمُّ مِسْطَحٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى حِينٍ لِحَاجَةٍ،
فَوَطِئَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ عَلَى عَظْمٍ، أَوْ شَوْكَةٍ فَقَالَتْ: تَعِسَ
مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ: بِئْسَ مَا قُلْتِ، ابْنُكِ، وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكِ مِنَ
الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» حديثَ الإفكِ بطوله، وفيه: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ بَلَغَهَا الْأَمْرُ،
فَجَاءَ إِلَيْهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا وَجَلَسَ عِنْدَهَا وَقَالَ: (يَا
عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَسَّعَ التَّوْبَةَ)!؟
قَالَتْ عائشةُ:
فَازْدَدْتُ شَرًّا إِلَى مَا بِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ أَبُو
بَكْرٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَنْتَظِرُ بِهَذِهِ،
الَّتِي قَدْ خَانَتْكَ وَفَضَحَتْنِي؟
قَالَتْ: فَازْدَدْتُ
شَرًّا إِلَى شَرٍّ»...إلخ.
ومن
حديث عتّاب بن بشيرٍ عن خُصيفٍ، به مثله؛ أخرجه الطبرانيّ في المعجم الكبير (23:
117) وفي الأوسط (6: 270) وقال: «لَمْ يَرْوِ هَذَا
الْحَدِيثَ عَنْ مِقْسَمٍ إِلَّا خُصَيْفٌ، تَفَرَّدَ بِهِ عَتَّابُ بْنُ
بَشِيرٍ».
وأخرجه الحافظ عبدالغني
المقدسي في حديثِ الإفك (ص: 31).
وأورده الهيثميّ في مجمع
الزوائد (9: 229) وقال عقبه: « رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ
وَالْكَبِيرِ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ خَصِيفٌ، وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ
وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ. وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ».
قال الفقير عداب:
نقل ابن عديّ في ضعفائه
(3: 523) عن أحمد ابن حنبل والنسائيّ في الضعفاء (177) قالا: «خصيف بن عبد الرَّحْمَن
لَيْسَ بِالْقَوِيّ».
وترجمه ابن حبّان في
المجروحين (315) وقال: « تَركه جَمَاعَة من أَئِمَّتنَا وَاحْتج بِهِ جَمَاعَة
آخَرُونَ وَكَانَ خصيف شَيخنَا صَالحا فَقِيها عابداً، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يخطىء
كثيرا فِيمَا يَرْوِي وينفرد عَن الْمَشَاهِير بِمَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَهُوَ
صَدُوق فِي رِوَايَته، إِلَّا أَن الْإِنْصَاف فِي أمره قبُول مَا وَافق الثِّقَاتِ
من الرِّوَايَات، وَترك مَا لَمْ يُتَابع عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ لَهُ مدْخل فِي
الثِّقَات وَهُوَ مِمَّن أستخير اللَّه فِيهِ».
قال عداب: استخار ابن حبّان
الله تعالى في شأن خصيف، فأبقاه في كتاب المجروحين، ولم يترجمه في الثقاتِ، ولم
يخرّج له في صحيحه أيَّ حديثٍ!
وخُصيفٌ هذا خالف بهاتين
الكلمتين «خانتك وفضحتني» جميع من روى حديث الإفك من الثقات!
وقال ابن حجر في التقريب
(1718): «صدوق سيّء الحِفظ، خَلّط بأخَرة».
وقال
الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً
غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».
فخُصيفٌ
هذا على صدقه؛ سيّء الحِفظ، خَلّط بأخَرة، وقد انفرد بهاتين
الكلمتين القبيحتين، اللتين تخالفان مذاهب أهل السنة ومذاهب الشيعة، ومذاهب
الخوارج والإباضيّة، في نساء الأنبياء، فكلامه هذا منكر باطل، لا يساوي عفطةَ عنزٍ
في فلاة.
ورحم الله الإمامَ
الشافعيَّ إذ يقول: « لم أرَ أحدًا أشهد بالزور من الرافضة».
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلِّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق