اجتماعيات:
السيرةُ الذاتيّةُ السياسيّةُ !؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عِبادِه الذين اصطفى).
أمّا بعدُ: طلبَ عددٌ من الإخوةِ الأفاضلِ؛ أن أكتب
منشوراً موسّعاً عن مسيرتي السياسيّة، والحقُّ أنّ صحّتي لا تسمح لي بتطويلِ
المنشورات، إضافةً إلى أنّني لست سياسيّاً، ولم يكن لي أيُّ أثرٍ سياسيٍّ في موطني
سوريّا، فَضلاً عن غيرها من البلدان، رَغْمَ بلوغي الثامنةَ والسبعينَ سنةً
هجريّةً من عُمُري!
وَسأختصر حياتي السياسيّةَ بفقراتٍ وجيزاتٍ، وأشهِد
الله تعالى على صدقِ ما أكتب، إذْ ليس لديّ شهودٌ عدولٌ محايدون، أستدعيهم
للشهادةِ، وما لا أتذكّرُه؛ أُغفله.
أوّلاً: ذكرتُ مرّاتٍ كثيرةً أنّ مَن عُني بتربيتي
المباشرةِ؛ سيّدتي الوالدة «أمُّ عداب» بإشرافٍ مباشرٍ من جدّي الفارس السيّد
إبراهيم بن «محمّد الحَمش» ومن شيخي عارف النوشي، ولا أعيه إلّا بعدما اشترى حصّة
زوجة عمّي «مريم هبابة» وهي أمي من الرضاع.
فكان بيتُه مقابلَ بيتنا تماماً، وكان محترماً من
أهلي، ومن سائر أهالي الحيّ، رحمهم الله تعالى.
بيد أنّ والدتي حدّثتني أنني كنتُ أحضر عندَه قبلَ
انتقالِه إلى بيته المقابل لبيتنا، لكنني لا أتذكّر ذلك.
كان آل كنعان عامّةً - وآل الشيخ خالد شيخ الهبطة
خاصّة - اشتراكيّون مؤيّدون للأستاذ أكرم بن رشيد الحورانيّ الرفاعيّ، ولم يكن
أهلنا يفهمون عن الاشتراكيّة شيئاً البتّةَ، سوى أنّ الاشتراكيين ضدّ «الإقطاع»
الظالمِ بوجهٍ عام، ومن أبناء الإقطاع لديّ إخوةٌ أكارم!
وسيأتي دليلُ هذا الكلام بعد قليل!
ثانياً: كنت صبيّاً متديّناً، مُنشغلاً بين لقاءِ
الشيخ عارف النوشيّ اليوميّ، وبين الدوام في المركز الثقافي بتوجيه خالي سعيد بن
محيي الدين النشتر، وبين تلبية رغبات جدّي، ولا أظنّ صبيّاً في العاشرةِ من عمره،
يَعي أحداثاً سياسيّة مهمة!
ثالثاً: أوّل حدثٍ قريبٍ من السياسةِ أتذكّره؛ أنّ
عمّي السيّد خالد بن إبراهيم الحمش؛ ترشّح لانتخابات ما بعدَ الانفصال عن مصر، عام
(1961م) وكان رئيسَ الكادر الإعلاميّ والدعائيّ له؛ قريبُنا السيّدُ سعيد بن محمّد
بلقيس الحوراني، يعاونه ابنُ عمّي المرشّحِ، السيّدُ عدنان بن خالد!
كان يجمعنا - نحن الصغار - «عداب - محمد سعيد - نصر
- عبدالمنعم الحمش» وابنَ عمّتي محمّد رجب الجندلي، ورضيعي السيّد أحمد بن محمّد
بلقيس - وهو شقيق السيّد سعيد، ويعطي كلَّ واحدٍ منّاً رُزمةً من أوراق الدعاية
الانتخابيّة، عليها صورة عمّي السيّد خالد، وكتب تحتها في غالب ظنّي: «مرشّح
الطبقة الكادحة - مرشّح العمّال والفلاحين».
بيد أنّ الاشتراكيين من أهلنا غضبوا من عمّي، وحزنوا
لهذه الخطوةِ التي ستفرّق أنصار «أكرم الحوراني».
فضغطوا على عمّي خالد، فسحب ترشيحَه قبلَ موعدِ
الانتخابات بأيّام يسيرة، فيما أحسب!
رابعاً: لم ينعقد مجلس الشعب كثيراً، حتى قام
البعثيّون بانقلاب الثامن من آذار، عام (1963م).
خامساً: في الصفّ السابعِ كنّا طلّاباً في إعداديّة
أبي الفداء، وكان موقعها جوارَ مسجد الحسنين، جِوارَ قلعةِ حماةَ، في مَدخل حيّ
المدينة.
في الأسبوع الأوّلِ من هذا العام الدراسيّ، أنا
وعددٌ من أبناءِ حيّ الفرّايةِ، وحيّ العليليّات، وأذكر منهم أخي السيّد أحمد رياض
كزكز، كنّا نتشاجر مع أبناء الإقطاعِ، وربما نتضارب!
كان الإخوانُ المسلمونَ خارجَ حلبةِ هذا الصراعِ
الطفوليّ ظاهراً، لكنهم كانوا مؤيّدين مُناصرين للإقطاع في حقيقةِ الأمر؛ لأنّ
أقصى ما لدى الإقطاعِ من الذنوب؛ ظلمٌ وفسادٌ وخمرة ونساء، وهي معاصٍ - كما كانوا
يقولون لنا فيما بعد - بينما الفكرُ الإشتراكيُّ فكرٌ إلحاديٌّ كافر!
حتى إنّ شيخنا محمّداً الحامد رحمه الله تعالى؛ حكم
بطلاقِ زوجة من ينتخب أكرمَ الحوراني، أو أحداً من النوّاب الاشتراكيين!
سادساً: كان معي في الصفّ السابعِ اثنان من الإخوان
المسلمين، هما الأخوان «هاني الزين» و«مخلص عمّار» عاتباني من أجل الخصامِ مع
أبناء الإقطاع، من أجل رجلٍ لا يستحقّ الانتصارَ له.
قال لي أحدهما، ولا أتذكّر أيّهما الذي بدأ: يا أخ
عداب: أنت أخ متديّن، تجيد تلاوةَ القرآن الكريم، وأخلاقُك عالية، كيف تدافع عن
رجلٍ لا يصلّي، وتخرج زوجتُه سافرةً وتصافحُ الرجال؟
قلت لهما: أمّا الصلاة، فالرجل يُصلّي، وأنا شاهدته
بنفسي يصلّي، في ساحة الزاوية الحريريّة، وليس بيني وبينه سوى جدّي السيّد إبراهيم.
فما دمتما كذبتما في هذه؛ فمسألةُ سفورِ زوجته،
ومصافحتها للرجال الأجانب؛ هي الأخرى كذبةٌ أيضاً.
سابعاً: في الليلة ذاتها - فيما أتذكّر - زار
الشاعرُ السيّد عبدالله بن حُسين الجندليّ - والدته بنت أختِ جدّي إبراهيم - جدّي
في مضافته.
قصصتُ على جدّي ما قاله لي «هاني ومخلص» فتوجّه
جدّي بالسؤالِ إلى عبدالله الجندليّ؛ لأنه كان مرافقاً لأكرم الحوراني، في تلك
الأيام، وكان اشتراكيّاً صلباً، وهو شجاعٌ للغاية، فأجاب السيّد الجندلي: الأستاذ
أكرم الحوراني لا يصلّي، ويدخّن كثيراً، هذا صحيح!
وزوجته مثقّفة، أو قال: أستاذة جامعية، تريدونها أن
تلبس الملاية وتتخمّر يعني؟
نعم هي على الموضة، شأنها شأن جميع بناتِ العائلات
الراقية!
غضب جدي إبراهيم بشدّة، وشتمَ ابنَ أخته الجندليّ
وقبّحَ، ولعن أكرم الحوراني وزوجتَه وجميعَ أنصاره!
كان في مضافة عمّي «محمد حمشو» صورةٌ كبيرة لأكرم
الحوراني، معلّقةً في صدر المضافةِ، ربما يبلغ طولها (70 سم) وعرضها أكثر من (50
سم) فأمر ولده «حمدو» بأن ينزلها من على الحائط، ويَهشمها بقدميه، ففعل ذلك أمامَ
عينيّ!
وهذا يؤكّد ما قلتُه سابقاً، من أنّ الاشتراكيين من
أهلي؛ لا يعرفون عن الاشتراكيّة، سوى أنها ثورة على ظلمِ الإقطاع وفسادِهم!
ثامناً: في اليوم الدراسي التالي؛ التقيتُ الأخوين
«هانئاً ومُخلصاً» وأنا منكسر؛ لأنّهما كانا صادقين، وكذّبتُهما.
هممتُ بأن أعتذر منهما، لكنّ أحدهما أخرج من جيبه
ورقة طبع عليها صورةُ أكرم الحوراني وزوجته وهي تصافح رجلاً أوربيّاً!
فقلت لهما: كلامكما صحيح، وأعتذر منكما!
فرحا كثيرا بهذا الموقفِ الجديدِ، ودعواني إلى
حضورِ مجلس تربويّ بعد الظهر، في جامع الحسنين المجاور لمدرستنا.
صلّينا الظهر في مسجدِ «الحسنين» واستمعنا إلى
محاضرة الأخ الدكتور غسّان عبدالسلام حمدون، وكان يومها طالباً بكلية الشريعة، في
جامعة دمشق!
وإلى منشورٍ قادمٍ إنْ شاء الله تعالى.
والحمدُ لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق