الاثنين، 20 مارس 2023

        مِنْ عِبَرِ التاريخ (5):

بَراءَةُ معاويةَ المنافقِ من سبّ الإمام عليّ عليه السلام!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب أحدُ نواصب العراق منشوراً مطوّلاً، يردّ فيه على الدكتور الشنقيطيّ، الذي نقلَ عن صحيح مسلمٍ أمرَ معاويةَ سعدَ بنَ أبي وقّاص بسبّ الإمام عليّ عليه السلام!

فأخذته الغيرةُ الناصبيّة، فكتب تعقيباتٍ وتوضيحات مختصرة على ذلك!

وأنا سأقتطع مقاطع واضحةً تامّةَ المعنى من كلامه، وأردّ عليها.

قال صاحبُ المنشور:

(أؤكد أنه لم يرد في صحيح مسلم ولا في غيره من الصحاح؛ ما يثبت دعوى الدكتور الشنقيطي.

نعم هناك رواية أخرى في مسلم أن رَجلاً من آل مروان كان واليا على المدينة أمر سهلاً بشتم علي فامتنع سهل، وربما هذا سبب الخلط عند الدكتور.

نص عبارة معاوية لسعد (ما منعك أن تسب أبا التراب؟) وليس لمعاوية في هذا الحديث إلا هذه العبارة، وهي سؤال يمكن أن يُحمل على أكثر من قصد، لكن لو كان معاوية يقصد أمره بالسب لما جاء بالكنية (أبا التراب) وهي من أساليب الاحترام كما هو معلوم في لغة العرب، خاصة أن هذه الكنية أطلقها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان علي يحب هذه الكنية كثيرا جاء في البخاري: (ما كانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِن أبِي تراب) يؤيد هذا الفهم أن سعدا أخذ يسرد مناقب علي ويمدحه ومعاوية يسمع وكان باستطاعته أن يوقفه) انتهى كلامه.

قال الفقير عداب:

أخرج البخاريُّ في المناقب (3703) ومسلمٌ في فضائل الإمام عليّ عليه السلام (2409) واللفظ له، من حديث أبي حازمٍ سلمةَ بن دينارٍ الأعرج عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا؛ فَأَبَى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ؛ فَقُلْ: لَعَنَ اللهُ أَبَا التُّرَابِ!

فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا) الحديث بطوله!

والإمام البخاريّ لم يعجبه مطلعُ الحديثِ، فقصقصه كعادته، وتصرّف به كأنّه من مكتوباتِه الشخصيّة، فقال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، فَقَالَ: هَذَا فُلَانٌ لِأَمِيرِ الْمَدِينَةِ يَدْعُو عَلِيّاً عِنْدَ الْمِنْبَرِ، قَالَ «سهلٌ» فَيَقُولُ مَاذا؟ قَالَ «الرجلُ المبلّغ»: يَقُولُ لَهُ: أَبُو تُرَابٍ!

فَضَحِكَ «سهل» قَالَ: «وَاللهِ مَا سَمَّاهُ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا كَانَ لَهُ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ» الحديث!

قال عداب: واضحٌ جدّاً أنّ واليَ المدينة الأمويَّ الملعونَ، أراد بقوله: «يشتم عليّاً» لعنَه!

وانظر إلى إمامنا البخاريَّ كيف حرفَ الحديثَ عن سننه، فبدلاً من (أن يشتم عليّاً) و (العن أبا تراب) صارتا (يدعو عليّاً عند المنبر) وأدخل البخاريّ كلمة (فضحك) سهل؛ ليتفكّر القارئ بأمرٍ آخر بعيداً عن الموضوع، يدعو عليّا عند المنبر وعليّ مات؟

ربما سيفكّر القارئ كما يفكّر الوهابيون النواصب: كيف يجوز أن يدعوَ عليّاً وهو ميت، ودعاء الميت شرك؟

وقد كان المسلمون يتحرّجون من لعنِ الإمام عليّ عليه السلام، فكان ولاة بني أميّة لعنهم الله تعالى، يطلبون من وجوه الصحابة أن يسبّوا أبا تراب، تخفيفاً عليهم، وليس من باب التقدير والاحترام كما زعم صاحب المنشور، والنصّ واضحٌ جليّ!

وأخرج البخاريُّ في المناقب (3706) ومسلم في فضائل الإمام عليّ عليه السلام (2404) واللفظ له، من حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ سعدٍ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟

فَقَالَ «سعدٌ»: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا، قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَنْ أَسُبَّهُ!

لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ - وقد - خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي)؟

وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)؟ قَالَ «سعدٌ»: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: ادْعُوا لِي عَلِيًّا، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ!

وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْناً، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي).

والبخاريّ أخرج حديثَ سعدٍ، واقتصر على جملةٍ واحدةٍ فحسب (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) ويبدو أنّه استكثرَ على الإمام عليّ بقيّة مناقبه!

قال صاحب المنشور: (إنّ كلمة اللعن لم ترد في حديث معاوية لا على سبيل الأمر -كما ذكر الشنقيطي- ولا على سبيل السؤال حتى!

وإنما ورد السؤالُ عن السبّ، وبين السب واللعن فرقٌ كبير، لمن يعرف اللغة والشرع، مع أن معاوية لم يأمر بهذا ولا بذاك)!

قال الفقير عداب: كلام صاحب المنشور باطلٌ من جذوره!

أمّا أوّلاً: فأنا أعرف صاحب المنشور بالضعف العلميّ، لكنْ لا أظنّه يجهلُ أنّ جميع المحدّثين يروون بالمعنى، وجميع المصنّفين بالحديث النبويّ يقصقصون ما في الحديث من إساءةٍ للصحابة، ومن أقلّهم في ذلك مسلم، ومن أكثرهم أحمد والبخاريّ.

وأمّا ثانياً: فكلمة (أمر سعداً) تستتبع مأموراً به يفسّره ما بعده، وهو واضح جليّ.

(أمر معاويةُ سعداً أن يسبّ أبا تراب، فقال له باستفهامٍ إنكاريٍّ: مالك لا تسبُّ أبا تراب)؟

فقال له سعدٌ بالحرف: (أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا، قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَنْ أَسُبَّهُ) وتعمية الكلام إمّا مقصودةٌ من أحد الرواةِ، أو لضعفه في اللغةِ مثل صاحب المنشور!

فمعاوية عليه غضب الله وسخطه؛ استنكر على سعدٍ أنّه لا يسبّ الإمام عليّاً، فطلب منه بصيغة الاستفهام الإنكاريّ أن يسبّ أبا تراب!

ليس من باب التوقير، إنما من باب التخفيف على سعد رضي الله عنه.

وأمّا: ثالثاً: فقد قال الراغب في مفرداته (ص: 391): «السبُّ: الشتمُ الوجيع»!

وقال ابن الأثير في النهاية (4: 255): «أَصْلُ اللَّعْن: الطَّرْد والإبْعاد مِنَ اللهِ.

وَمِنَ الخَلْقِ: السَّبُّ والدُّعاء» فالسبّ من البشر هو اللعن، واللعن هو السبّ والدعاء! وهذا ما قرره ابن منظورٍ في اللسان (13: 387).

فدعوى كاتب المنشور أنّ (بين السبّ واللعن فرقٌ كبير، لمن يعرف اللغة والشرع) وصوصةٌ وتشبّع فارغان!

الخلاصة: معاوية (لا رضي الله عنه) أمر سعداً رضي الله عنه أن يسبّ أبا ترابٍ بصيغة الاستفهام الإنكاريّ، التي يستخدمها حتى جهّال العرب وعوامّهم حتى هذا اليوم!

ويكون قول صاحب المنشور (فكلمة (أمر) واضح أنها ليست من كلام معاوية ولا هي من كلام سعد، وإنما هي مدرجة من أحد الرواة، فهي ليست بحجة ولا هي من صلب الحديث، والمأمور به غير مذكور أصلا) أغرب وأعجب!

كيف سيعبّر راوي القصّة إذا لم يقل: (أمر معاويةَ سعداً) ولماذا عبّر سعدٌ بقوله (لن أسبّه) هذا هو شأنُ عبّاد عجل المسلمين معاوية، يحرّفون الكلم عن مواضعه!

قال صاحب المنشور (تساءل أحد الإخوة عن مناسبة توجيه هذا السؤال لسعد بن أبي وقاص؟

نعم فسعد لم ير الوقوف مع علي في حروبه الداخلية، لا مع عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم، ولا مع معاوية، فاعتزل (الفتنة) وكان ينادي الناس بذلك.

فربما ظن معاوية أن سعداً كان له موقف من علي أبعد من مجرد الاعتزال).

انظر إلى الكلام المبطّن، أخي القارئ!؟

(فربما ظن معاوية أن سعداً كان له موقف من علي أبعد من مجرد الاعتزال).

ماذا يعني هذا الكلام؟

أيعني أنّ سعداً كان يبغض عليّاً فوق اعتزاله، وهذا يسوء معاويةَ؟

أم كان معاويةَ يخشى أن يكون سعدٌ يحبّ عليّاً؟

لا ريب أنّ كلام سعدٍ يوحي باحترام كبيرٍ للإمام عليّ، بل يتمنى لو كان له واحدةٌ من خصاله، وهو ما واجه به معاوية!

ومعاوية لم يسأل سعداً عن سبب تقديره لعليٍّ، فهذا لا يعنيه، إنما هو يستنكر عليه عدمَ امتثاله لتوجيهاته بلعنه أمام ولديه الحسن والحسين، فأجابه سعدٌ بشجاعةِ الفارس النبيل!

قال صاحب المنشور (إنّ وقت الحوار بين معاوية وسعد كان بعد مقتل سيدنا علي على يد بعض جيشه المنشقين عنه (الخوارج) ومبايعة الحسن والحسين رضي الله عنهما -أي لمعاوية- في عام الجماعة.

فكيف يُعقل أن معاوية يأمر سعدا الآن بلعن علي، وهو المعروف على الأقل بحنكته السياسية؟

وهو يعلم أن جيش علي أصبح جزءاً من جيشه بعد الصلح مع الحسن، والعراق أصبح ولاية من ولاياته).

وجواب ذلك: أنّ الذي أمر بقتل عليّاً على الراجح؛ هو معاوية نفسُه، وألّف لذلك مسرحيّة، نجا منها هو والمنافق الآخر عمرو بن العاص، بحفظ الله لهما دون عليّ عليه السلام!

وهذا ما فهمه تلميذ الإمام عليّ النجيبُ أبو الأسود الدؤليّ، فهو أعلم وأصدق من جميع نواصب الأمة، يقول:

(ألا أبلغ معاويةَ بن حربٍ

فلا قرّت عيون الشامتينا

أفي شهر الصيام فجعتمونا

بخير الناس طرّاً أجمعينا

ومن بعد النبيّ، فخير نفسٍ

أبو حسن، وخير الصالحينا) صلاة الله وسلامه عليه.

أمّا عن حنكة معاوية السياسيّة؛ فهكذا يقول النواصب!

ولو كان لديه حنكةٌ سياسيّة؛ ما ذبح حجر بن عديٍّ وستّةً من أصحابه.

ولو كان لديه حنكة سياسيّة؛ ما منع جيش عليٍّ من ورود الفرات، حتى ورده جيش عليّ على الرغم من أنفه!

ولو كان لديه حنكةٌ سياسيّة وذرّة من دين؛ ما قتل محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما وأحرقه في جوف حمار، بعدما استسلم!

وخير من كلامي هذا كلّه؛ كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، الحكمة (200): (وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلاَ كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ؛ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غَدْرَة فَجْرَةٌ، وَكُلُّ فَجْرَة كَفْرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللهِ مَا أَُسْتَغْفَلُ بالْمَكِيدَةِ، وَلاَ أُسْتَغْمَزُ بالشَّدِيدَةِ).

فمعاوية غادر فاجر، وليس حكيماً، ولا لديه حنكة، إنما استمال رعاعَ أمراءَ  الأعراب بالمال، فأوصلوه إلى مبتغاه و(الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً).

وبقيّة كلامه؛ هو كلام أهل السنّة الممجوجُ، الذي سوّغوا بمثله لكلّ جبّار ظالم أن يحكم الأمّة، وأن يورّث الحكم لبنيه وذويه، حتى لو كانوا فجّاراً مثلَ يزيدَ والوليد !

قال ياقوت الحمويّ في معجم البلدان - مادّة «سجستان» (3: 191) وهو يعدّد فضائلَ أهلها:

قال محمد بن بحر الرّهني الكرماني «وهو أحد المصنّفين من مدينة رُهْنَة»: وأجلّ من هذا كلّه أنّه لُعِن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب، ولم يلعن على منبرها «سجستان» إلّا مرّة، وامتنعوا على بني أميةَ، حتى زادوا في عهدهم: (أن لا يُلعَن على مِنبرهم أحدٌ، ولا يَصطادوا في بلدهم قُنفذاً ولا سلحفاةً.

وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة)؟

وقال ابن رجب في رسالته «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص: 23 - 25) ما نصّه:

«والثاني: أن يُظهر الطعن عليه ليَتوصلَ بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد، في قالب النصح والذب عن علماء الشرع.

وبمثل هذه المكيدةِ؛ كان ظلم بني مروان وأتباعِهم، يستميلون الناس إليهم وينفِّرون قلوبهم عن علي بن أبي طالب والحسن والحسين وذريتهم رضي الله عنهم أجمعين.

وأنه لما قُتِل عثمان رضي الله عنه لم ترَ الأمّة أحقَّ من علي رضي الله عنه فبايعوه.

فتوصّل مَن توصّل إلى التنفير عنه، بأن أظهر تعظيمَ قتلِ عثمان وقُبحه - وهو في نفس الأمر كذلك - ضُمَّ إلى ذلك أن المؤلَّب على قتله والساعي فيه علي رضي الله عنه وهذا كان كذباً وبهتاً.

وكان علي رضي الله عنه يحلف ويغلِّظ الحلف على نفي ذلك وهو الصادق البارُّ في يمينه رضي الله عنه وبادروا إلى قتاله ديانةً وتقرُّباً.

ثم إلى قتال أولاده رضوان الله عليهم، واجتهد أولئك في إظهار ذلك، وإشاعته على المنابر في أيام الجُمَع وغيرها من المجامع العظيمةِ، حتى استقر في قلوب أتباعهم أن الأمر على ما قالوه وأن بني مروان أحقُّ بالأمر من علي وولده؛ لقربهم من عثمان وأخذهم بثأره!

فتوصلوا بذلك إلى تأليف قلوب الناس عليهم، وقتالهم لعليٍّ وولده من بعده، وثبت بذلك لهم الملك، واستوثق لهم الأمر، وكان بعضهم يقول في الخلوة لمن يثق إليه كلاماً معناه: «لم يكن أحدٌ من الصحابة أكفأ عن عثمانَ من علي».

فيقال له: لِمَ تسبُّونه إذن؟ فيقول: «إن المُلك لا يقوم إلا بذلك».

ومراده أنه لولا تنفير قلوب الناس على علي وولده ونسبتُهم إلى ظلم عثمانَ؛ لما مالت قلوب الناس إليهم؛ لما علموه من صفاتهم الجميلة وخصائصهم الجليلة.

فكانوا يسرعون إلى متابعتهم ومبايعتهم، فيزول بذلك ملك أمية وينصرف الناس عن طاعتهم».

قال الإمام الذهبيّ في النبلاء (3: 39): «قَدْ كَانَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ صِفِّيْنَ؛ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ السَّبِّ: السَّيْفُ!

فَإِنْ صَحَّ شَيْءٌ؛ فَسَبِيْلُنَا الكَفُّ وَالاسْتِغْفَارُ لِلصَّحَابَةِ، وَلاَ نُحِبُّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُم، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْهُ، وَنَتَوَلَّى أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّاً».

الشاهدُ الذي أريده من كلام الذهبيّ: أنّ مقاتلةَ الإمامِ عليّ؛ أبلغُ في البغضاء والخصام من سبّه «وَنَتَوَلَّى أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّاً» لأنّه على الحقّ، وجميع خصومه كانوا على الباطل، وكانوا ظالمين له، عليه السلام، وساءٌ كانوا من السابقين أم كانوا من اللاحقين، هذا حكمنا الدنيويّ على جميع البغاة، أمّا في الآخرة؛ فأمرهم إلى الله تعالى.

ومَن منّا لا يرجو النجاةَ للزبير وطلحة وعائشة، رضي الله عنهم؟

ختاماً: أخرج البخاريّ في كتاب الصلاة (447) ومسلم في الفتن (2915) من حديثِ أبي سعيد الخدريّ قال: أخبرني مَن هو خيرٌ مني قال: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: (وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ) يَقُولُ عَمَّارٌ: «أَعُوذُ بِالله مِنْ الْفِتَنِ» فمعاويكم هذا إذن يدعو إلى النار، بل هم حامل لواء المنافقين إليها.

حشَر الله تعالى مَن يحبّه ويدافع عنه معه، حيث شاءت عدالةُ الله العظيم!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

     والحمدُ للهِ على كلّ حال.

 مَسائلُ حديثيّةٌ  (17):

كيفَ نستقبلُ شهرَ رمضان؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب إليّ يقول: إنّ كلام المشايخ عندنا متضاربٌ في استقبال رمضان:

- أحدهم يروي لنا حديثاً يقول: إنّه حديثٌ صحيح!

- فإذا عرضناه على غيره من المشايخ؛ قال: بل هو حديث ضعيف!

- وشيخ ثالثٌ يقول: بل هو حديث ضعّفه الشيخ الألباني، أو حسّنه الشيخ شعيب!

فما أيسر السبل التي تجعلني أهتدي إلى أفضل الطرق في استقبال شهر رمضان، في ضوء الأحاديث الصحيحة؟!

أقول وبالله التوفيق:

لست أدري سببَ تعلّق أمّتنا بالرواياتِ، وعدم سؤالها عن الآيات القرآنية الكريمات؟

والله تعالى يقول: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) [العنكبوت].

وقال الله تعالى أيضاً: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) [سورة البقرة].

(حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) [سورة الدخان].

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) [سورة القدر].

ومن الأحاديث الصحيحةِ عند العلماء:

(1) ما أخرجه البخاري في كتاب الإيمان (8) ومسلم في الإيمان (16) من حديث عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ).

(2) وأخرج البخاريّ في الإيمان (37) ومسلم في صلاة المسافرين (760) من حديث أبي هريرة؛ أنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).

(3) وأخرج البخاريّ في كتاب الصوم (1901) ومسلم في صلاة المسافرين (760) من حديث أبي هريرة عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَاباً؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).

(4) وأخرج البخاريّ في أبواب بَدْءِ الوحي (6) ومسلم في الفضائل (2308) من حديث عبدالله بن العباس، رضي الله عنهما قال: (كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».

(5) وأخرج البخاريّ في كتاب الصوم (1894) ومسلم في الصوم (1151) واللفظ له، من حديث أبي هريرة؛ أنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ.

قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ]إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي[.

لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ.

وَلَخُلُوفُ فِيهِ؛ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ).   

هذه الأحاديث كافيةٌ في بيان فضل شهر رمضان، وفي بيان فضل صيامه وقيام لياليه، وفضل الصبر وضبط اللسانِ وسائر الجوارح، وفضل الجودِ والإنفاق فيه.

- أمّا حديثُ سلمانَ الفارسيّ رضي الله عنه:

فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (1887) من حديث عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللهُ  صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا.

مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ.

وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً؛ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ.

وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ.

وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ).

قَالُوا: لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ؟

فَقَالَ الرسول: (يُعْطِي اللهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ).

وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، مَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ.

وَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَيْنِ لَا غِنًى بِكُمْ عَنْهُمَا.

فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ؛ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَتَسْتَغْفِرُونَهُ.

وَأَمَّا اللَّتَانِ لَا غِنًى بِكُمْ عَنْهمَا؛ فَتُسْأَلُونَ اللهَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ.

وَمَنْ أَشْبَعَ فِيهِ صَائِماً؛ سَقَاهُ اللهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً، لَا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ).

هذا حديثٌ إسنادُ ضعيف، لضعف راويه عليّ بن زيدِ بن جدعان.

لكنّ أكثر معانيه جميلةٌ مطلوبة شرعاً.

فيجوز لكلّ صائمٍ العملُ بمضمونه، من دون اعتقاد مضاعفةِ الأجور فيه.

بمعنى: يُستحبُّ لك أنّ تستبشر بقدوم شهر رمضان، لكنْ ليس لك أن تعتقد بأنّ مجرّد صيام رمضان يُدخِلُ الجنّة، كلّا!

فلا بدّ لدخول الجنّة من إخلاص النيّة لله تعالى، والابتعاد التامّ عن الشرك الجليّ والخفيّ، والتوبةِ النصوحِ عن الكبائر، وردّ المظالمِ إلى أصحابها!

وهكذا بقيّة الترغيباتِ المذكورةِ في متن الحديث.

- وأمّا حديثُ أنس بن مالك:

فقد أخرجه الترمذيّ في كتاب الزكاة (663) من حديث صَدَقَةَ بْنِ مُوسَى الدقيقيّ عَنْ ثَابِتٍ البنانيِّ، عَنْ أَنَسِ بن مالك، رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟

فَقَالَ: (شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ).

قِيلَ: (فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ)؟ قَالَ الرسولُ: (صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ).

وهذا حديثٌ ضعيف أيضاً.

قَالَ الترمذيّ عقب تخريجه: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى؛ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ الْقَوِيِّ».

ختاماً: أنصح إخواني جميعاً بقراءة باب «وظائف شهر رمضان» في كتاب «لطائف المعارف فيمَ لمواسمِ العامِ من الوظائف» للعالِم الربّاني الصالح زين الدين ابن رجبٍ الحنبليّ (ت: 795 هـ) رحمه الله تعالى.

جعل الله تعالى شهر رمضانَ مباركاً عليكم، وكلّ رمضان وأنتم بخير وعافية وأمانٍ، وسلامٍ من البلاء والابتلاء، ومن الزلازل والفيضانات، ومن المحن ما ظهر منها وما بطن.

واللهُ المستعان.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 18 مارس 2023

   مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (3):

الاجتهاد في نقدِ الحديثِ؛ ركيزة الاجتهاد الإصوليّ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

إنّ من أكبر المصائبِ على الناشئةِ؛ تكدّسَ المعلوماتِ على شبكة الانترنيت، إذ خيّل إليهم أنّ جمعَ المعلوماتِ المبثوثة على الشبكة؛ يجعلهم علماء، يحقّ لهم أن يردّوا على العلماء، ويغلّطوهم ويشتمونهم!

قرأتُ في إحدى الصفحات كلاماً إنشائيّاً  عن البحوث العلميّة الرائدة، في علم الفقه والأصول، فعلّقت ثمّة بأنّ البحوث الفقهية الرائدة؛ لا تتحقّق إلّا إذا كان الأصوليّ والفقيه مجتهدَيْن في نقدِ الحديث؛ لأنّ أدلّة التشريع: كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فشتمني بعض قرّاء تلك الصفحة شتائمَ وقحة!

وتساءَل مهذّبٌ آخر قائلاً: من الذي اشترط أن يكون المجتهد في الفقه ناقداً حديثيّاً؟

وذاك تساؤلٌ غريبٌ، يدلُّ على جهلٍ مُتراكِبٍ؛ إذ إنّه يتناقض مع دعوى فلانٍ الاجتهادَ!

ولولا أنّ أكثرَ روّاد الفيسبوك جهّالٌ جهلاً مركّباً؛ ما رددت على هذا الكلام؛ لأنّ توضيحَ الواضحات؛ من أصعبِ الصعوبات، كما يقولون!

أقول وبالله التوفيق:

إنّ الفقيه الذي يعتمد على صحّة ما في الصحيحين؛ لا يمكن أن يكون مجتهداً، أو مرجّحاً في الفقه؛ لأنّ الصحيحين حويا الحديثَ المشهورَ، والحديثَ العزيزَ، والحديثَ الغريبِ!

وحويا مِن الغرائبِ الفردَ المطلقَ، والفردَ النسبيِّ!

وحويا من غرائب الفردِ المطلق الصحيحَ الغريبَ، والحسنَ الغريبَ، والجيّدَ، وبعض الضعيفِ، وبعض المنكر أيضاً.

ومن يطالع صفحتي على الفيسبوك وعلى مدوّنتي؛ يجدْ عشراتِ الأحاديثِ التي أثبتَ الدرس النقديُّ أنها ضعيفة!

وإليك نتائجُ أوّل عشرين حديثاً من تخريجي النقديّ لصحيح البخاريّ، رحمه الله تعالى:

الأحاديثُ الصحيحة: (2، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 12، 13، 15، 16، 17، 18).

الأحاديثُ الحسنة: (1، 11، 19).

الأحاديث الضعيفة: (3، 14).

وهذه الأحاديثُ العشرون جميعها أحاديثُ أحكام، ولا يخفى أنّ الحديثَ الحسنَ يؤخذ به في الترغيب والترهيب، وما لاحكم فيه، والأحاديثُ الضعيفة لا يبنى عليها أيُّ حُكمٍ شرعيٌّ!

قال الحافظ ابن حجر في النكت على علوم الحديث لابن الصلاح (1: 402):

«وقد صرّح أبو الحسن ابن القطّان أحدُ الحفّاظ النقّاد، من أهل المغرب، في كتابه «بيان الوهم والإيهام» بأن هذا القسمَ «من الحسن» لا يُحتجُّ به كلِّه، بل يُعمل به في فضائل الأعمال، ويُتوقّف عن العمل به في الأحكام، إلّا إذا كثرت طرقه، وعضده اتصال عمل، أو موافقةُ شاهدٍ صحيح، أو ظاهرِ القرآن.

وهذا حسن قويٌّ رائق، ما أظنُّ مُنصفاً يأباه، والله الموفق» انتهى.

فإذا جاء الفقيه ليحتجّ بحديثٍ في صحيح البخاريّ، على أنّه صحيح، وهو في حقيقته حسن، والحديث الحسن يحتجّ به في إثبات السنن والمندوبات، ففرّع عليه واجباتٍ أو محرّمات؛ فهل يكون أحسنَ في بحوثه العلميّة، وأبدع، كما كتب صاحب المنشور؟

كان صاحبا الصحيحين وغيرهُما من المحدّثين؛ يتشدّدون فيما فيه أحكامٌ شرعيّةٌ من الأحاديثِ، ويتساهلون فيما دون ذلك من أبواب كتبهم، من مثل أبوابِ الزهد والرقائق والتفسير وصفات الجنة والنار، وأشراط الساعةِ، وسائر أبواب الترغيب والترهيب؛ إذ لم يكن يخطر في بالهم - في تقديري - أنْ سيأتي قومٌ يعدّون الأحاديثَ التي في هذه الأبوابِ، من الثوابت التي يجوز أن تبنى عليها عقائد!

والذي يعتقدُ بصحة الصحيحين؛ دونَ أن يفرّق بين هذا وذاك وذليّاك؛ كيف يجتهد؟

وإليك مثالاً آخر يعرفه جميع طلّاب العلم:

احتجّ البخاريّ بعكرمة مولى عبدالله بن عبّاسٍ، وأخرج له في صحيحه (139) حديثاً، بينما لم يحتجّ به مسلمٌ في حديثٍ واحد، إنما أخرج له حديثاً واحداً مقروناً (1208).

وهذا يعني أنّ منزلة عكرمةَ عند البخاريّ؛ منزلةُ من يحتجّ به في الأحكام، وقد فعل!

بينما منزلته عند مسلمٍ أن تُقبَل منه بعضُ أحاديثه التي توبع عليها، فحسب!

فإذا أنت وافقت البخاريّ؛ احتججت بـ (139) حديثاً لا يراها مسلمٌ تصلح لأكثر من الحسن لغيره عند المتابعة!

واحتجّ مسلمٌ برواية أبي الزبير المكّي، وهو مدلّسٌ، عن جابر بن عبدالله الأنصاريّ، وأخرج له في صحيحه (214) حديثاً، صرّح بسماعِ أكثرها من جابر، وبعضها لم يصرّحْ  بسماعه منه.

بينما أخرج له البخاريُّ (7) روايات، توبع على بعضها، وكان مقروناً في بعضها، ولم يحتجّ به البخاريُّ في حديثٍ واحدٍ!

فإذا أنت وافقتَ مسلماً؛ احتججت بـ (214) حديثاً، لا يراها البخاريُّ تصلح لأكثر من الحسن لغيره عند المتابعة!

وإنْ أنت أخذتَ باجتهادهما معاً؛ فأنت جاهلٌ تجمع بين المتناقضاتِ، ودعواك البحثَ العلميَّ الرائد جهلٌ مكعّب!

والذي يعتمد على تصحيحاتِ الشيخ الألبانيّ مثلاً؛ لا يعرف أنّ الشيخ الألباني من يصحّح ويحسّن الحديث الضعيف بالحديث الضعيف، وإذا تعددت طرق الحديث الضعيف؛ يحكم على الحديث بأنه صحيح، ويقصد أنّه صحيح لغيره!         

ضعيف + ضعيف = حسن لغيره.

ضعيف + مجهول = حسن لغيره.

ضعيف + مجهول + سيّء الحفظ = صحيح لغيره، ربما!

وكم من عشرات الأحاديث، بل مئات الأحاديث التي صحّحها أو حسّنها الشيخ الألباني؛ ضعّفها الشيخ الأرناؤوط، والعكس صحيح!

فإذا لم يكن الفقيه قادراً على النقدِ؛ فإنّ ما يتوصّل إليه من نتائج بحثيّة مُبتناةٌ على الأدلّةِ النقليّةِ؛ مشكوكٌ في دقّةِ تلك النتائج، والاعتماد عليها.

قال الخطيب البغداديّ في الفقيه والمتفقّه (2: 331): «أَخْبَرَنِي أَبُو الْمُوَفَّقِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ: أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرُ السِّمَنَاوِيُّ: حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ: حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُتَيْبِيُّ: حدّثنا سُهَيْلٌ  قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللهِ، إِلَّا رَجُلاً عَارِفاً بِكِتَابِ اللهِ: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ , وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ , وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ , وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ , وَمَا أُرِيدَ بِهِ , وَفِيمَ أُنْزِلَ.

ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيراً بِحَدِيثِ رَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ منه، وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَيَكُونُ بَصِيراً بِاللُّغَةِ, بَصِيرًا بِالشِّعْرِ, وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ, وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ, وَقِلَّةَ الْكَلَامِ.

وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفاً عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ, وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا.

فَإِذَا كَانَ هَذا هَكَذَا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ, وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا؛ فَليسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي».

وقال الإمام محمّد بن حبّان البستيّ في صدرِ كتاب المجروحين (1: 21) ما نصّه:

«من لم يحفظ سنن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثقات من المحدثين، ولا الضعفاء والمتروكين، ومن يجب قبولِ انفرادِ خبره، ممن لا يجب قَبول زيادة الألفاظ في روايته.

ولم يحسن معاني الأخبار، والجمع بين تضادها في الظواهر، ولا عرف المفَسِّر من المجمَل، ولا المختصَّ من المقتضى، ولا الناسخ من المنسوخ، ولا اللفظ الخاص الذي يراد به العام ولا اللفظ العام الذي يراد به الخاصَّ، ولا الأمر الذي هو فريضة وإيجاب ارتكابه، من النهي الذي هو ندب مباح استعماله، مع سائر فصول السنن وأنواع أسباب الأخبار، على حسب ما ذكرناها في كتاب فصول السنن؛ كيف يستحل أن يفتي؟ أم كيف يُسوّغ لنفسه تحريمَ الحلال وتحليل الحرام، تقليداً منه لمن يخطئ ويصيب»؟

قال عداب: ظهر لكم إخواني القرّاءُ أنّ الجمعَ بين الاجتهاد والتقليدِ في موردٍ واحدٍ؛ جمع بين المتناقضين، وهو مرفوضٌ في البحث العلميّ!

والباحثُ العلميُّ؛ هو الذي يعتمدُ في بحوثه على اجتهاده الخاصّ في أدلّةِ المسألة التي يدرسها، مثلما يعتمد على اجتهاده في توظيفِ الدليل:

أيصلح لبناء عقيدةٍ عليه؟

أيصلح لبناء فريضةٍ عليه؟

أيصلح لبناء سبب أو شرط؟

أم لا يصلح إلّا لبناء حكمٍ مندوبٍ إليه؟

ومن أجل أن يعرف كيف يوظّف الدليل؛ عليه قبلَ أن يتفلسف، ويزعم الاجتهادَ، أو البحثَ العلميَّ الرصينَ الرائدَ أن يتقن كتابَ «الأنواع والتقاسيم» للإمام محمد بن حبّان، فقد جعل الأوامر (110) أنواعٍ، وجعل النواهي (110) وجعل الأخبار (80) نوعاً، وجعل الإباحاتِ (50) نوعاً، وأفعالَ الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم (50) نوعاً أيضاً، من باب الاطّلاع والإفادةِ، وليس من باب التقليد والمتابعة!

قال في مقدمة التقاسيم والأنواع (1: 65) من طبعة قطر:

«تدبرت خطاب الأوامر عن المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم لاستكشاف ما طواه في جوامع كلمه، فرأيتها تدور على مائة نوع وعشرة أنواع!

يجب على كلِّ منتحلٍ للسنن أن يعرف فُصولَها، وكلِّ منسوبٍ إلى العلم أن يقف على جوامعها؛ لئلّا يضعَ السننَ، إلا في مواضعها، ولا يُزيلَها عن مَوضعِ القَصدِ في سَنَنِها».

وقال فيه (1: 77): «وقد تتبعتُ النَّوَاهِيَ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتدبّرتُ جوامعَ فصولها، وأنواعَ ورودها؛ لأن مجراها في تشعب الفصول مجرى الأوامر في الأصولِ، فرأيتها تدور على مائة نوع وعشرة أنواع».

قال عداب: فمن العبث البغيضِ أن يحمل الباحثُ جملة: (الأصل في الأوامر الوجوب، والأصل في النواهي التحريم) ويذهب إلى تطبيقها في بحثه، وهو لا يعلم أنّ الأوامر تتنوّع إلى (110) أنواع، والنواهي كذلك!

وقال الإمامُ ابن حبّان في كتابه نفسه (1: 88): «وَأَمَّا إخبارُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عمّا احتيج إلى مَعرفتها، فقد تأمّلت جوامعَ فُصولها وأنواعِ ورودها؛ لأسهّلَ إدراكَها على مَن رام حِفظَها؛ فرأيتها تدور على ثمانين نوعاً».

وقال أيضا (1: 97): «وقد تفقدت الإباحاتِ، التي أُبيح ارتكابُها؛ ليُحيطَ العِلمُ بكيفيّة أنواعِها، وجوامعِ تَفصيلِها بأحوالها، ويَسْهُلَ وَعيُها على المُتَعَلّمينَ، ولا يَصعُب حِفظُها على المُقْتَبسينَ؛ فرأيتُها تَدورُ على خمسين نَوعاً».

وقال أيضاً: (1: 102): « وَأَمَّا أفعال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فإنّي تأمّلتُ تَفصيلَ أنواعِها، وتدبّرتُ تَقسيم أحوالها؛ لئلّا يتعذر على الفُقهاءِ حِفظُها، ولا يَصعب على الحفّاظ وَعيُها؛ فرأيتُها تَدور على خمسين نوعاً».

وقال رحمه الله تعالى أيضاً (1: 106): «جميعُ أنواعِ السُنَن أربعُ مائةِ نَوعٍ، على حَسَب ما ذكرناها، ولو أردنا أنْ نَزيدَ على هذه الأنواعِ التي نَوّعناها للسُنَن أنواعاً كثيرةً؛ لفعلنا.

 وإنّما اقتصرنا على هذه الأنواعِ، دون ما وراءَها - وإنْ تَهيّأَ ذلك لو تَكلّفْناهُ؛ لأنّ قصدنا في تنويعِ السُننِ الكشفُ عن شيئين:

أحدهما: خبرٌ تنازعَ الأئمة فيه، وفي تأويله.

والآخرُ: عُمومُ خِطابٍ، صعب على أكثر الناس الوقوفُ على مَعناه، وأشكَلَ عليهم بُغيَةُ القَصْدِ منه.

فقصدنا إلى تَقسيم السُننِ وأنواعِها؛ لنكشفَ عن هذه الأخبار التي وصفناها، على حَسَب ما يُسَهِّلُ اللهُ جلَّ وعَلا، ويوفق للقولِ فيه، فيما بعد، إن شاء الله».

ختاماً: أنا لا أدعو المتفقّهين والباحثينَ إلى تقليدي، ولا إلى تقليدِ غيري من المعاصرين، أو المتقدّمين، إنّما أريد لهم أن يكونوا على مستوى هضمِ تراثنا العلميّ الجليلِ، ثم تمييزِ غثّه القليلِ عن سمينه الكثير، ثمّ البناءَ على الصحيح السليم من العِلَلِ والإيراداتِ منه.

واللهُ تَعالَى أَعْلَمُ

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 14 مارس 2023

  مَسائِلُ عَقَديّةٌ (3):

عَجْزُ أمريكا والعالم!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

استمعت إلى مقطع «فيديو» لرئيس الولايات المتحدة «جو بايدن» يقول فيه:

«هذه الصورة - من ناسا - ستذكّر العالم أنّ أمريكا يمكنها القيام بإنجازات كبيرة، وستذكّر الشعبَ الأمريكيَّ، وخاصة أبناءنا الشباب؛ أنْ لا شيء يفوق قدراتنا، لا شيء يفوق قدراتنا [كذا].

يمكننا رؤية الاحتمالات التي لم يرها أحدٌ من قبل، يمكننا الذهاب إلى أماكن، لم يسبق الذهاب إليها من قبل» انتهى المراد!

أقول وبالله التوفيق:

قال الله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)    فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ؛ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16).

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى، فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18).

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20).

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا؟ قَالُوا: أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21).

وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ، وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22).

وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

فَإِنْ يَصْبِرُوا؛ فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا؛ فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) [سورة فصّلت].

يا فخامةَ الرئيس بايدن:

فخامتك وأمريكا والعالم كلّه وقف عاجزاً أمام فيروسٍ صغير «كورونا» لا يرى بالعين المجرّدة!

يا فخامةَ الرئيس: أنت وأمريكا والعالم تقفون عاجزين أمام الثلوج!

تقفون عاجزين أمام السيول، عندما تفيض عليكم مجاريَ الصرف الصحيّ!

تفقون عاجزين أمام العواصف التي تقتلع بيوتكم وأشجاركم وأمنكم وأمانكم!

تقفون عاجزين أمام الفيضانات، التي تدمّر بدقائق معدودةٍ ما لا تدمّره قنابلكم النووية!

أحذّرك يا فخامة الرئيس أن يأتي يومٌ وأنت على قيد الحياة، يبتلع المحيط أمريكا برمّتها، بقدرة الله تعالى، ويبتلعك حوتٌ من حيتان المحيط!

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ.

حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا، وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْها؛ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَاراً، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.

كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) [سورة يونس].

أيها الحكّام المسلمون .. أيها الحكّام العرب: لا يعنيني أمر بايدن، وأمر أمريكا بشيءٍ، فنهايتهم عند الله معلومة، ومصيرهم محتوم!

إنّما يعنيني الشعوبُ المسلمةُ التي ابتليتم بحكمها ورعاية شؤونها، وابتليت بكم أيضاً!

اتّقوا الله تعالى بأنفسكم، وبهذه الشعوب الجاهلة التي سيسألكم الله عن حياتها ودينها وتقواها وثقافتها الإسلامية.

اتّقوا الله من تشريعاتٍ تقرّونها، وهي مصادمةٌ لأوامر الله تعالى أو نواهيه!

اتّقوا الله تعالى، فلا تظلموا رعيتكم، ولا تجهّلوهم، وعلّموهم كيف يعبدون الله تعالى، لا كيف يعبدونكم، فمن يأكل الطعام؛ أحقر من أن يُعبَد!

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) [سورة إبراهيم].

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) [سورة القصص].

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.