الثلاثاء، 7 يوليو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

طَهارةُ الأمّ تنجي ذرّيتها من النار !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

أرسل إليّ أحد السادةِ الحسينيين يقول: ما صِحّةُ حَديثِ ( إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار ).

وحَديثِ (إنما سُميت فاطمةَ؛ لأنّ اللهَ فطَم محبيها من النار) عند أهل السنة؟

أقول وبالله التوفيق: هذان حديثان باطلان، سنداً ومتناً.

) أمّا الحديث الأوّل؛ فقد قال الإمام أبو بكر البزار في مسنده المعلل (1829): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ غِيَاثٍ الحضرميُّ عَنْ عَاصِمِ بن أبي النَجود المقرئ، عَنْ زِرِّ بن حُبيشٍ المقرئ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعودٍ الصحابي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنْتَ فَرْجَهَا فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَتَهَا عَلَى النَّارِ) وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ، إِلَّا عَمْرُو بْنُ غِيَاثٍ، وَعَمْرٌو هَذَا كُوفِيُّ لَمْ يُتَابِعْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.

وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ مُرْسَل.

ومن حديث عمرو بن غياثٍ عن زرٍّ به مرفوعاً؛ أخرجه ابن شاهين في مذاهب أهل السنة (181) والحاكم في المستدرك (4726) وقال: صحيح الإسناد، وتمّام الرازي في فوائده (356، 357) وأبو نعيم في الحلية (4: 188) وقال: «هَذَا غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ، تَفَرَّدَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بن هشام».

والحديث أخرجه العقيليّ في الضعفاء (1179) ونقل عن البخاري قوله: «عُمَرُ بْنُ غِيَاثٍ كُوفِيٌّ وَيُقَالُ: عَمْرٌو، فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ».

وأخرجه ابن حبان في كتاب المجروحين (648) وقال: «عُمَر بن غياثٍ، ويقال: عَمرُو: مُنكر الحَدِيث جدّاً، على قلَّة رِوَايَته.

يَروي عَن عَاصِم مَا لَيْسَ من حَدِيثه، إِن سمع من عَاصِم مَا روى عَنه».

وأخرجه ابن عديّ في الضعفاء (1234) ونقل كلام البخاريّ السابق في عمرو، وقال: مُعضَل الحديث.

وفي بعض هذا الكلام؛ كفايةٌ لضعف إسناد الحديث ووهائه.

أمّا عن متن الحديثِ؛ فلا يكفي حِفظُ المرأةِ فرجها؛ لدخولها هي الجنّةَ، فضلاً عن ذريتها التي تعدّ بالملايين!

فإنْ قيل: هذه خصوصيّةٌ وتكرمةٌ للسيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام؟

قيل: هذا مخالف لآياتٍ كثيرة في القرآن الكريم، ثمّ إنّ الخصوصيّة عقيدةٌ، لا تثبت إلّا بالمتواتر والمشهور.

قال الله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) [البقرة].

) وأمّا الحديث الثاني: (إنما سُميت فاطمةَ؛ لأنّ اللهَ فطَم محبيها من النار) فهو حديث موضوع، أخرجه ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» (1: 421) وقال: «قَالَ الْخَطِيبُ: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من المجهولين غير وَاحِد، وَلَيْسَ بِثَابِت» وقال أيضاً: «وهذا من عَمَلِ الْمُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانَ الْغَلَابِيّ.

قال الدارقطنيّ: «كَانَ يَضَعُ الحَدِيث».

وأورده الذهبيّ في تلخيص الموضوعات (326) وقال: «الغَلابِيُّ مُتَّهم، وَبِشرُ بن إِبْرَاهِيم الْأنْصَاريِّ كَذَّاب».

وفي هذا كفايةٌ، لمن كان له قلبٌ، أو ألقى السمعَ وهو شهيد.

والحمد لله على كلّ حال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق