السبت، 4 ديسمبر 2021

 قَريباً من السياسة (20):

كَيفَ تُؤيّد الحوثيّينَ، وأنتَ مِن الإخوانِ المسلمينَ؟!

بسم اللهِ الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

هَتفَ إليّ أحدُ الأحبابِ يقول: كَيفَ تُؤيّد الحوثيّينَ، وأنتَ مِن جماعةِ الإخوانِ المسلمينَ، أليسَ هذا في منتهى الغرابة... إلخ؟!

أقول وبالله التوفيق:

جميعُ حركاتِ الإسلام السياسيّ، ومنها الإخوانُ المسلمون، وحزبُ التحرير، وحزبُ الله، وحزبُ أنصار الله الحوثيين؛ مثل أيّ عُملةٍ نقديّة معدنيّة، لها وجهان:

الوجه الأوّل: هو الإسلام العقديّ والفقهيّ.

والوجه الثاني: هو التنظيم السياسيّ.

وإسلام الإخوان المسلمين في سوريّا؛ هي العقيدة الأشعريّة والفقه الشافعيّ، أوالعقيدة الماتريدية والفقه الحنفيّ، وربما كنت أنا سابقاً من النوادر الماتريديّ العقيدة، الشافعيّ الفقه، ومَن يظنّ الخلاف بين الماتريدية والأشعريّة قليلاً أو سطحيّاً؛ فهو جاهل حتماً، بل إنّ الخلاف يصل إلى حدّ التكفير.

 

ولم يكن إخوانُ مدينة حماةَ يطرحون الفكرَ الحنبليَّ السلفيّ، وإن كان قليلٌ منهم يتبنّى جوانبَ من هذا الفكر.

أمّا في الجانب التنظيميّ السياسيّ، فلم يكن لديهم في زمني أيّ مشاركة سياسيّة ذات قيمة، سوى مشارتكم مع الإقطاع في برلمان الانفصال.

ومَن يظنُّ بأنّ الانتفاضاتِ المسلّحةَ التي جرَت في سوريّا عامّةً، وفي مدينة «حماة» خاصّة في عام (1964) وعام (1973) والأعوام (1976 - 1982) قامَ بها الإخوان المسلمون؛ فقد ظنّ باطلاً، وإن هم ادّعو ذلك؛ فهم مُفترون كاذبون، يورّطون أنفسهم بأمورٍ، كانوا هم في غنى عنها!

شيخنا الشهيد مروان حديد، رحمه الله تعالى؛ كان من الإخوان المسلمين بالمعنى الدينيّ الأوّل، ولم يكن إخوانيّاً بالمعنى التنظيميّ، إذ كان لا يؤمن بسريّة التنظيم، ولا يؤمن بسلميّة الصراع مع الباطل، ولا يمانع من المشاركة في الانتخاباتِ، لكنها ليست من أوليّاته.

وكنتُ من أقرب المقرّبين منه، وكان يُفصح لي عن معاناته مع قيادة مركز «حماة» ويقول لي: إنهم جبناء، لا يجرؤ أحدهم على لمس مسدّس!

فتنظيم الإخوان المسلمين إذن؛ تنظيم سياسيّ، يؤمن بالانتخابات في كلّ شيءٍ، حتى في ممارساته الحياتية مع أفراده، فالمراقب العام ينتخب بالأكثريّة، وأعضاء المكتب العام، وأعضاء مجلس الشورى، وتتّخذ القرارات كذلك.

وقد كنتُ في تنظيم الإخوان المسلمين منذ عام (1963) وحتى نهاية عام (1969) وقد كنتُ أرى خللاً في تصرّفات الأفراد، وبعض النقباء، وكنت جريئاً جدّاً، فكنت أنكِرُ على هؤلاء وأولئك، لكنني وصلتُ إلى قناعةٍ حاسمةٍ في ذلك الوقت؛ بأنّ الإصلاحَ من الداخل غير ممكن؛ لأنّ جميع القادة في مدينة «حماة» غير مؤهّلين لتلك المرحلةِ الصعبة!

في آب من عام (1969) زارنا الشهيد مروان في معسكر التدريب في الأردن، وأبلغنا وهو يضحك بأنّ الإخوانَ فصلونا من التنظيم أجمعين، وهو معنا، بل نحن معه!

عندما سمعت هذا الكلام منه؛ قلت في نفسي: إنّ حزباً يفصل من تنظيمه مثل الشهيد مروان حديد، ومثل هؤلاء الشباب الصالحين الأتقياء، الذين يُعدّون أنفسهم لقتال «الياهواد» والطغاة؛ لهو حِزبُ سوء!

واتّخذتُ قراراً حازماً حاسماً يومها؛ أنْ لا أنتمي إلى أيّ حزبٍ سياسيّ في مستقبل الحياة!

فعندما أقول: كنت من حزب الإخوان المسلمين؛ فقد انتهى هذا مع نهاية عام (1969).

وعندما كنتُ أقول انتصاراً لشباب الإخوان المسلمين: الإخوان المسلمون ليسوا سيّئين، وأنا من الإخوان المسلمين؛ فإنما كنت أعني الجانب الدينيّ الالتزاميّ «الفكريّ والعقديّ والفقهيّ» وهذا الجانب يشترك فيه جميعُ الملتزمين بالدين في سوريّا، ويكون كلامي من قبيلِ «التوريةِ» المحمودة، انتصاراً لشباب مسلمين ملتزمين، تجتمع الحكومات الظالمة المجرمة على حربهم!

هذا ما أعنيه، وهذا فحسب!

وإلّا فالإخوان المسلمون - قيادةً وقاعدةً - لا يُكلمونني، ولا يزورونني، ولا يسألونني، ولا يسلمون عليّ، حتى في الأعياد والمناسبات، منذ العام (1996م) وحتى اليوم، بدعوى كاذبةٍ، من حقيرٍ كاذب فيهم، بأنني سرّبت معلوماتٍ أمنيّة عن الجماعةِ إلى استخباراتِ دولةٍ آوتني وآوتهم!    

وللإنسان أن يتساءل: إذا كنت لا ألتقي بكم، ولا أزوركم، ولا أجتمع معكم نهائيّاً، فما المعلومات السريّة التي تضرّ أمن الجماعةِ، التي يمكن أن أوصلها إلى الاستخبارات أو الأمن؟

وعندما وصل الأمر إلى إدارة «شؤون المواطنين العرب - الأمن» استدعوني، فسألت رئيسهم بحزنٍ عميقٍ، وحِدّةٍ معروفة عنيّ: سألتك بالله العظيم، بل عليك الطلاق الباتّ من زوجتك، هل قرأتَ أو سمعتَ عن لساني كلمة واحدةً سرّبتها إليكم مباشرةً، أو عن طريقٍ وسيط، تخصّ أمن الجماعة؟

فضحك وقال: «مقامك لدينا أعلى بكثير من هذا، نحن إذا أردنا شيئاً من الجماعة؛ نستدعي خصمَك هذا، فنطلب منه أمراً أو أمرين، فيعطينا من جيبه عشرة»!

فعندما يقول لي هذا الأخ الفاضل العزيز عليّ: كَيفَ تُؤيّد الحوثيّينَ، وأنتَ مِن الإخوانِ المسلمينَ؟!

يكون جوابي: لا أبداً أنا لست من الإخوان المسلمين، الذين يقاتلون إخوانهم اليمنيين!

وأمّا أنني أؤيّد الحوثيّين، فما معنى تأييد الحوثيين؟

أنا لا أعرف من أنصار الله الحوثيين فرداً واحداً، لا من القادةِ، ولا من العساكر، ولا من الإعلاميين، سوى الناطق الرسمي باسم الحوثيين «محمد البخيتيّ» الذي يعرفه جميع متتبّعي أخبار اليمن!

الحوثيّون مسلمون ملتزمون دينيّاً في الجملة، وحزب الإصلاح مسلمون ملتزمون دينيّاً في الجملة، كما أسمعُ عن الطرفين، وليس بيني وبين الطرفين أدنى صلة أو تواصل!

وهناك طرف ثالث علمانيّ، يتعامل مع المجتمع الدوليّ، ويتعامل مع حكّام الخليج المغتصبين العلمانيين العملاء.

وآثر حزب الإصلاح الإخواني المسلم الملتزم؛ أن يقف مع العلمانيين ضدّ المسلمين الملتزمين، وهذا من الوجهة الدينيّة؛ موقف باطلٌ وحرامٌ، بل من الكبائر.

وكون الحوثيين زيديّة، يقاتلون علمانيين وشيوعيين وعملاء؛ فالواجب الدينيّ أن تقفوا معهم ضدّ أولئك!

فإن كان الجانب السياسيّ يمنعكم من ذلك؛ فكونوا على الحياد، فلأن يحكمني مسلم زيديّ أو مسلم إماميٌّ أو مسلمٌ إباضيّ؛ خيرٌ من أن يحكمني علماني عميل يسعى في إفساد العباد والبلاد، ويُبقي بلادي تحت رحمة أعداء الإسلام.

إنّ موقفي هذا؛ موقف شرعيّ نظريّ، أمّا من الوجهةِ التطبيقيّة العمليّة!

وأنا ضدّ أي اقتتالٍ بين سنيّ مع سنيّ من مذهب واحدٍ، أم من مذهبين!

وأنا ضدّ أي اقتتالٍ بين شيعيّ مع شيعيّ من مذهب واحدٍ، أم من مذهبين!

وأنا ضدّ أي اقتتالٍ بين سنٍّيّ مع شيعيّ من أيّ مذاهب الشيعةِ كان!

هذه عقيدتي، وهذا فقهي أمس واليوم وغداً، لا أجوّز الاقتتال بين المسلمين جميعهم، ولا أجوّز الاغتيال السياسيّ، ولا أؤمن بالديمقراطيّة، وإن كانت لديّ أفضلَ من الاستبداد!

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّد بن عبداللهِ، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحمد لله على كل حال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق