السبت، 18 أبريل 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هل أحاديثُ كتابِ البخاريِّ صحيحةٌ كلّها (2)؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرت في المنشور السابق (هل في صحيح البخاريّ أحاديثُ موقوفة؟!) أنّ أحدَ الإخوةِ أرسل إليّ مَقطعاً صوتيّاً يقول فيه صاحبُه: «لا يوجد في صحيح البخاريّ، سوى الأحاديثِ المرفوعة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وجميع ما فيه من الأحاديثِ المسندة الموصولة؛ صحيح لذاتِه، وقليلٌ من الصحيحِ لغيره» وقد أجبتُ في المنشورِ السابقِ على الشطر الروائيّ الأوّلِ من الدعوى.

وسأجيبَ في هذا المنشورِ على الشطرِ النقديّ الثاني، المتعلّق بدرجةِ أحاديثِ صحيح البخاريّ من حيثُ الصحّةُ فما دونها.

أقول وبالله التوفيق:

قال الفقيهُ أبو عَمرِو بنُ الصلاحِ في كتابه «علومُ الحديث» (ص: 104):

«التنبيهُ الثالثُ: إذا كانَ راوي الحديثِ متأخِّراً عَنْ درجةِ أهلِ الحفظِ والإتقانِ، غيرَ أنَّهُ مِنَ المشهورينَ بالصِّدْقِ والسِّتْرِ، ورُوِيَ حديثُهُ معَ ذلكَ مِنْ غيرِ وجهٍ؛ فقدِ اجتمعتْ لهُ القوَّةُ مِنَ الجهتينِ، وذلكَ يُرقِّي حديثَهُ مِنْ درجةِ الحسَنِ، إلى درجةِ الصحيحِ.

مثالُهُ: حديثُ محمّدِ بنِ عَمْرٍو بنِ علقمةَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: (لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي؛ لأَمَرْتُهُم بالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاةٍ)

فمحمّدُ بنُ عمرِو بنِ علقَمةَ مِنَ المشهورينَ بالصِّدْقِ والصِّيانةِ، لكنَّهُ لَمْ يكنْ مِنْ أهلِ الإتقانِ، حتَّى ضَعَّفَهُ بعضُهُم مِنْ جِهةِ سُوءِ حفظِهِ، ووثَّقَهُ بعضُهُم لِصِدْقِهِ وجلالَتِهِ، فحديثُهُ مِنْ هذهِ الجهةِ حَسَنٌ!

فلمَّا انضمَّ إلى ذلكَ كونُ حديثِهِ رُويَ مِنْ أوجهٍ أُخَرَ؛ زالَ بذلكَ ما كنَّا نخشاهُ عليهِ، مِنْ جهةِ سوءِ حفظِهِ، وانجبرَ بهِ ذلكَ النقصُ اليسيرُ، فصحَّ هذا الإسنادُ، والتحقَ بدرجةِ الصحيحِ، واللهُ أعلمُ» انتهى كلام ابن الصلاح.  

قال ابن حجر في نُكته على علوم الحديث لابن الصلاح (1: 416) معقّباً على كلام ابن الصلاح هذا: « وفي كلام ابن الصلاح أمور:

أحدها: ظاهرُ كلامه؛ أن شرطَ الصحيح أن يكون راويه حافظاً مُتقناً

وثانيها: وَصفُ الحديثِ بالصحة، إذا قصر عن رتبة الصحيح، وكان على شرط الحسنِ - إذا رُوي من وجهٍ آخرَ؛ لا يدخل في التعريف الذي عَرّف به الصحيحَ أوّلاً.

- فإمّا أن يزيدَ في حَدّ الصَحيحِ ما يُعطي أنّ هذا أيضاً يُسمّى صَحيحاً، وإمّا أن لا يُسمّى هذا صحيحاً.

والحق أنّه من طريق النظر؛ يُسمّى صحيحاً، وينبغي أن يزاد في تَعريف الحديثِ الصحيحِ، فيقال: هو الحديث الذي يَتّصلُ إسناده بنقل العَدلِ التامِّ الضبطِ - أو القاصر عنه إذا اعتضد - عن مثله، إلى مُنتهاه، ولا يكون شاذّاً ولا مُعَلّاً.

وإنّما قلت ذلك؛ لأنني اعتبرت كثيراً من أحاديث الصحيحين، فوجدتُ أنّها لا يَتمُّ الحكمُ عليها بالصحة، إلا بذلك.

ومن ذلك حديثُ أُبيِّ بنِ العَبّاس بنِ سهلِ بنِ سعدٍ عن أبيه، عن

جدِّه رضي الله تعالى عنه، في ذكر خَيلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وأُبَيٌّ هذا قَد ضعفه لسوء حفظه؛ أحمدُ ابنُ حنبلٍ ويحيى بنُ معين والنَسائيُّ، ولكنْ تابعه عليه أخوه عبدُالمهيمنِ بنِ العباس، أخرجه ابن ماجه من طريقه.

وعبدُالمهيمنِ أيضاً فيه ضعف، فاعتضد، وانضاف إلى ذلك أنْ ليس حديثُه هذا من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعيةِ؛ حكم البخاري بصحته».

وفي منشورٍ سابقٍ بعنوان (مَنْهجُ الإمامِ البخاريّ في انتقاءِ رواةِ صحيحه) قلت:

« عددُ رواةِ صحيح البخاري في حدود (1700) راوٍ، الذين انتُقِد على البخاريّ ومسلمٍ معاً تخريجُ أحاديثهم:

(200) راوٍ، ضعفهم الإمام ابن حبّان في كتابيه «المجروحين - الثقات».

(101) راوٍ، من الوُحدان، الذين لم يرو عنهم سوى راوٍ واحدٍ.

(141) راوياً ممن وصفهم ابن حجر بوصف «مقبول».

وقد أحصى أخونا وزميلنا الدكتور «عبدالجَواد حمام» في أطروحته «جهالةُ الرواةِ وأثرها في قَبول الحديث النبويّ» (2: 1021 - 1029) عدد الرواة المسكوت عليهم، عند البخاريّ ومسلمٍ، فكانوا (119) راوياً.

وأحصى عددَ الذين وَصفهم بعضُ الحفّاظ بالجهالةِ (2: 1034 - 1124) فكان عددهم (91) راوياً.

فهؤلاء (625) راوياً مطعونٌ بهم بنوعٍ من أنواع الطعن، ونسبتهم تتجاوز (25%) من مجموع عددِ الرواة، الذين لا يُقبل حديثُ واحدٍ منهم استقلالاً.

ما دامت هذه النسبة الإحصائيّةُ حاضرةً في صحيح البخاريّ وصحيح مسلم؛ فهذا يَضرب قاعدةَ «كلّ ما في الصحيحين؛ صحيح» من جذورها.

إذْ من المعمولِ به عند المحدّثين؛ أنّ الحديثَ الحسن لذاته ـ إذا اعتضد - صار صحيحاً لغيره.

وأنّ الحديث الضعيف إذا اعتضدَ؛ صار حسناً لغيره، ولا يمسي صحيحاً!

وأنّ لبعضِ هؤلاء الوحدان والضعفاء والمجهولين والمسكوت عليهم؛ أحاديث انفردوا بها، وهي في صحيح البخاريّ، أوصحيح مسلم.

ما أقصدُه أنّ الهالةَ العظمى المعطاةَ لصحيح البخاريّ، ثم لصحيح مسلم؛ تتضاءَل بعد قراءةِ هذه الأرقام، من الرواةِ الذين لا يحتجّ بواحدٍ منهم إذا انفرد بحديث!

وهذا يعني أنّه لا يجوزُ لأهلِ العلم والباحثين؛ أن يُغمضوا أعينَهم، فيحتجّوا على ما يريدون بقولهم: أخرجه البخاري ومسلمٌ، أو أحدهما.

بل لا بدَّ من تخريجِ كلّ حديثٍ يريد أحدهم الاستدلالَ بهم على مسألةٍ فكريّةٍ أم فقهيّة!

أمّا مسائلُ الاعتقادِ؛ فقد قلتُ غير مرّةٍ: لا تصلح الروايات الحديثية لبناء عقيدةٍ عليها، إلّا إذا كانت شارحةً لمجمل القرآن الكريم، وكانت لا تتعارض مع قوله تعالى (ليس كمثله شيءٌ).

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال».


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق