مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
هل
كلُّ بدعةٍ في النار؟!
بسم
الله الرحمن الرحيم
(وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ، إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً؛ أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛
فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) [سورةُ الأحزابِ].
أمّا بعد: قال لي صاحبي:
الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلّ ضلالةٍ في
النار) وأنت تقول: هذا كلامٌ غير صحيح، ولا يمكن أن يخالفَ الرسول كتابَ الله
تعالى!
قال: أوضح لي هذا الكلام،
فأنا لم أفهم!
أقول وبالله التوفيق:
صحّ عن الرسولِ صلّى الله
عليه وآله وسلّم قوله: (كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ) من
حديث جابر بن عبدالله، ويوافقه حديثِ العرباض بن سارية، الذي لا أصححه.
أمّا
جملةُ (وكلّ
ضلالةٍ في النار) فهي مَرويّةٌ عن عمر بن الخطّاب وعبدالله بن مسعودٍ من قولهما.
وإذْ إنّ قول الصحابيّ
وفعلُه ليسا حجّةً عندي، ولا يُلزمان أحداً من المسلمين؛ فالتشاغل في تخريج ذلك
ونقده؛ ليس له كبير فائدة!
هذا
من حيثُ الإجمالُ، وأمّا من حيثُ التفصيلُ، فأقول:
أعرضَ
البخاريُّ عن تخريجِ أيِّ حديثٍ مرفوعٍ، فيه ذمٌّ للبدعة، فانتبه إلى هذا الكلام!
إنّما
ترجمَ في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة باباً بعنون «بَاب إِثْمِ مَنْ دَعا إِلَى
ضَلَالَةٍ، أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (وَمِنْ
أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [النحل: 25] الْآيَةَ.
وأخرجَ
تحت هذا الباب حديثَ عبدالله بن مسعود (7321) قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله
وسلّم: (لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ
الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْها)
أمّا
حديث حديث جابر بن عبدالله (خَيْرُ الْهُدَى؛ هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ
الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) أخرجه مسلم (867) وابن خزيمة (1785) وابن حبّان (10) وهذا القدرُ
من الحديث؛ إسناده صحيحٌ فردٌ غريبٌ مطلقٌ، لم يروه بهذا اللفظ صحيحاً عن الرسولِ
صلّى الله عليه وآله وسلّم سوى جابرِ بن عبدالله (ت: 68 هـ) ولم يروه عنه سوى محمّد
الباقر (ت: 114 هـ) تفرّد به جعفرٌ الصادق (ت: 148 هـ) وهو حديثٌ مشهورٌ عن
الصادق، رواه عنه جمعٌ غفير!
وقد
صحّح بعضُ المحدّثين زيادةَ (وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) من طريق عبدالله بن
المبارك عن سفيان الثوريّ، عن جعفرٍ.
لكنْ
لم يصحّحها أحدٌ من أصحاب الصحاح «مسلم، وابن حبّان » وساق ابنُ خزيمةَ هذه
الزيادة من طريق ابن المبارك عن سفيان، ثم قال: «هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ
الْمُبَارَكِ، وَلَفْظُ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ؛ مُخَالِفٌ لِهَذَا اللَّفْظِ».
قال الفقير عداب: لم أقف حتى الآن على روايةٍ
لأنسِ بن عياضٍ عن جعفرِ الصادق، في شيءٍ من كتب الحديث المشهورة، ووجدت صاحبَ
المعرفة والتاريخ (1: 190): قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بن إبراهيم الدمشقيّ «دُحَيم»: «قَالَ
إِنْسَانٌ لِأَبِي ضَمْرَةَ «أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ»: قَرَأْتَ حَدِيثَ جَعْفَرٍ
عَلَيْهِ، كَمَا قَرَأْتُ؟ قَالَ: «مَا لِي وَلَكَ؟ قَرَأَهُ عَلَيْهِ جَارٌ
لَنَا».
ثُمَّ
قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ النَّصْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ
بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: «ما يَكذب الكذاب، إِلَّا مِنْ مَهَانَةِ نَفْسِهِ».
وهذا
يُشيرُ إلى أنّ أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ؛ لم يسمع من جعفرٍ الصادق!
ومقتضى هذا الكلام؛ أنّ
زيادة «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ليستْ ثابتةً عن الرسولِ صلّى الله عليه
وآله وسلّم؛ لأنّ ابن المبارك خالف فيها رواةً كثيرين عن سفيان، فضلاً عن مخالفته
عدداً أكثرَ منهم عن جعفرٍ!
وفي
مواضعَ عديدةً صحّح الشيخ ابن تيمية زيادةَ «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي
النَّارِ» واحتجَّ بها، إلّا في موضعٍ واحدٍ،
يبدو أنّه صدرَ عنه في آخرِ حياته!
فقد
قال في مجموع الفتاوى (19: 191): «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ:
خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلُّ بِدْعَةٍ
ضَلَالَةٌ) وَلَمْ يَقُلْ: (وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) بَلْ يَضِلُّ عَنْ
الْحَقِّ مَنْ قَصَدَ الْحَقَّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ، فَعَجَزَ عَنْهُ،
فَلَا يُعَاقَبُ، وَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ
عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَخَطَؤُهُ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ؛
مَغْفُورٌ لَهُ.
وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي
السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ قَدْ قَالُوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ، وَلَمْ
يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ:
- إمَّا لِأَحَادِيثَ
ضَعِيفَةٍ، ظَنُّوهَا صَحِيحَةً.
- وَإِمَّا لِآيَاتِ
فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا.
- وَإِمَّا لِرَأْيٍ
رَأَوْهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ.
وَإِذَا اتَّقَى الرَّجُلُ
رَبَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ
نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا».
ختاماً:
أنصح الإخوةَ الذين يتنطّعون في مسألة البدعةِ كثيراً؛ أن يقرؤوا كلام الشيخ ابن
تيمية مرّاتٍ عديدةً، ثمّ ليتذكّروا أموراً ثلاثةً:
الأوّل:
أنّ الإمامَ البخاريَّ لم يخرّج أيّ حديثٍ مرفوعٍ في «البدعة»!
والثاني:
أنّ البدعةَ اجتهادُ عالمٍ قصدَ وجه الله في مسألةٍ، فأخطأ فيها - في نظر بعضهم -
وتابعه عليها آخرون، وليست هي كما يظنّ أولئك المتنطّعون الإصرارِ على مخالفةِ
الحقِّ والسنّة!
والثالث:
أنّ الإمام الشافعيّ؛ أعلمُ علماءِ أهل السنّة من لدن التابعين إلى عصره!
وليس
في العلماء حجّةٌ في اللغة العربيّة سواه!
هذا
الإمامُ العبقريّ قال: «المحدَثاتُ من الأمور ضربان:
أحدهما: ما أُحدثَ يخالفُ
كتاباً أو سنةً أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة.
والثاني: ما أُحدث من
الخيرِ، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله
عنه في قيام شهر رمضان: «نعمتِ البدعة هذه» يَعني أنها محدثةٌ لم تكن، وإذ كانتْ؛ فليس
فيها ردٌّ لما مضى».
والله
تعالى أعلم.
والحمدُ
لله على كلِّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق