الأربعاء، 22 فبراير 2023

 من عبر التاريخ (2):

اشتقاقُ اسمِ معاويةَ بن أبي سفيان، رضي الله عن غيرهما!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أرسل إليّ أحد الإخوة منشوراً لناصبيّ، يُعدّ من مفكّري جماعةِ الإخوان المسلمين السوريين، فيه: «في اسم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما..

وكتب صديق متين ان اسم " حسن وحسين" "رضي الله عنهما" منتشر بين المسلمين أكثر بعشر مرات من اسم معاوية.. وهذه قضية فيها "إنّ" كما نقول.

واسم علي وحسن وحسين" ودائما رضي الله عنهم أكثر انتشارا بين المسلمين.

وأكاد أقول أكثر من اسم عمر وعثمان وعامر وسعد وسعيد رضي الله عن الجميع..

وهذه الأسماء أيضا أكثر انتشارا  من اسم معاوية، ذلك ان اسم معاوية فيه إنّ كما قلت..

فاسم معاوية مشتق من ظروف الحياة البدوية، والاسم في ذاته كناية عن كرم المسمى، وهو مشتق على النحو المعقد التالي، وظلت الأجيال، تستوحش منه قول القائل «وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت الكلاب»!

وقصة هذا الاسم المكنى به عن الكرم والسؤدد؛ أن العربي كان إذا تاه في وسط الصحراء في قلب الليل، قام يقلد صوت الكلب في النباح، ويرسل صوته في اتجاهات البادية الأربعة

فإذا كان قريبا منه صوت سيد من سادات العرب الكرام الفضلاء، هب لنجدته" يعاويه" أي يشاركه العواء لأنه اوسع وأسرع انتشارا، فيجيب على العواء بعواء، فهو المعاوي، كرما ونجدة وشهامة..

والتأنيث في قولنا معاوية هو تأنيث التفخيم والتعظيم كما نقول في العالم علامة وفي الفهيم فهامة..

فاسم معاوية مبني على قيمة من قيم السيادة والكرم والجود ربما يصعب على أجيال بعدت عن حياة البادية ان تدرك مراميها..

مَعنى في الكرم أي طاقة لشعوبي منحطٍّ أن يدركه..

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى الآل والصحب أجمعين أبتعين أبصعين» انتهى!

قال في القاموس المحيط «عوى» (ص: 1316): «العَوَّاءُ، ويُقْصَرُ «العوّى»: الكَلْبُ، والاسْتُ، كالعُوَّةِ، بالضم والفتح، واسْتَعْواهُمْ: اسْتَغَاثَ بهم.

والمُعاوِيَةُ: الكَلْبَةُ، وجِرْوُ الثعْلَبِ، وبِلا لامٍ: ابنُ أبي سفيانَ الصَّحابِيُّ».

وفي أساس البلاغة للزمخشريّ «عوى» (ص: 687): «ومعاويةُ منقولٌ من المعاوِيَة وهي الكلبةُ التي تستحرم، فتعاوي الكلاب!

وقال شريكُ بن الأعور لمعاوية بن أبي سفيان: إنّك لمُعاويةُ، وما معاويةُ إلا كلبةٌ عَوت فاستعْوَتْ» ونحوه في تاج العروس (29: 130).

فاسمُ سيّده معاويةُ من الكلبة المعاوية، وليست تاؤه للتعظيم ولا للتفخيم!

ليت هذا المفكّر الكبير يأتينا بمصدر يؤكّد اشتقاقاته الناصبيّة القميئة هذه!

فزعمه أنّ هذا الاسمَ دالٌّ على تلك الصفات النبيلةِ التي ذكرها؛ كذبٌ محض، قاده إليه النصب الشاميّ القبيح!

وزعمه أنّ شيوع اسم (عليّ والحسن والحسين) أكثر من اسم معاوية بسبب قول شريكِ بن الأعور الحارثيّ هذا؛ كذبٌ هو الآخر، إن قصد نقله عن غيره، وباطلٌ إن كان تحليلاً من عنديّاته، والحقّ أنّه ظِلالٌ لقول إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) [الشعراء].

فعقل الأمة الجمعيّ يعظّم أهل الكساء فطرةً، حتى أكثر من أبي بكر وعمر وبقية العشرة؛ لأنّ الله تعالى جعل لهم لسان صدقٍ في الآخرين!

وقول هذا المفكّر الناصبيّ أن اسم معاويةَ «مَعنى في الكرم أيُّ طاقة لشعوبي مُنحطٍّ أن يدركه» باطل هو الآخر، فأيّ سفهٍ وانحطاطٍ شرٌّ من النصبِ؟

وهل يوجد رجل مؤمنٌ يحبّ الله ورسوله؛ يستطيع أن يحبَّ إمامَ الطغاةِ البغاةِ، قائدِ المجرمين القتلةِ قطّاع الطرقِ إلى نار جهنّم؟!

اللهم احشر مع معاويةَ وأبيه وأمّه وجِرْوه يزيد جميعَ من يحبهم ويدافع عنهم؛ فهم مهما كثروا في تقديري، ممّن قال الله عزّ وجلَّ فيهم: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) [الأعراف].

ويحسن أن أذكّر بشعر شريك بن هانئ هذا في معاويةَ بن صخرٍ إمام الناصبّة الأنجاس، إذ يقول:

أيَشتمني مُعاوية بن صخرٍ

وسيفي صارمٌ، ومعي لساني؟

وحولي مِن ذَوي يَمنٍ ليوثٌ

ضراغمة تَهَشّ إلى الطِعانِ

يُعيّرني الدمامةَ مِن سِفاهٍ

ورباتُ الحجالِ؛ هي الغواني

ذواتُ الدَلِّ، والرئبالٌ شثنٌ

كريهٌ وجهه ماضي الجنانِ

فلا تَبسط لسانك يا ابنَ حَربٍ

علينا، إذ بلغتَ مَدى الأماني

فإنْ تَكُ - للشَقاء - لنا أميراً

فإنّا لا نُقرُّ على الهَوانِ

وإنْ تكُ مِن أميّة في ذُراها

فإني مِن بني عبدِ المَدان» انتهى.

من كبرى مصائب الأمة أن يكون معاويةُ ويزيدُ أميرين للمؤمنين، وإنّا لله وإنا إليه راجعون.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 21 فبراير 2023

قريباً من السياسة [2023] (1):

مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

يكثرُ الكلام عن معاوية بن أبي سفيان في هذه الأيام، بسبب مسلسلٍ سينمائيّ سيعرض في رمضان القادم، تموّله السعودية فيما قيل!

مُعاويةُ بنَ أبي سفيانَ الأمويُّ؛ شخصيّةٌ سياسيّةٌ استثنائيّةٌ، بكلّ المقاييس الحيويّة!

سواءٌ كان قرشيّاً حقيقةً، أم كان قرشيّاً ولاءً، وسواء كان ابنَ أبي سفيانَ، أم كان ابن هندِ بنتِ عتبة!

وسواءٌ صحّ في فضلِه حديثٌ، أم لم يصحّ في ذمّه حديث!

وإنّ تقويمَ هذه الشخصيّة الاستثنائيّة؛ أصعبُ من تقويم أيّ شخصيّةٍ أخرى، من شخصيّات الجيل الإسلاميّ الأوّل، الذين اصطلح المسلمون على تسميتهم بالصحابة!

إنّ تقويمَ أهل السنة شخصيّةَ معاوية؛ مختلفٌ تماماً عن تقويم الشيعةِ الأوّلين!

وإن تقويم المرجئة الخالصة لمعاوية؛ يختلف قليلاً عن تقويم مرجئة الفقهاء!

وإنّ تقويم الشيعة الأوائلِ؛ مختلفٌ عن تقويم الرافضة الخالصة!

وإنّ تقويم الهاشميين شخصيةَ معاوية؛ يختلف تماماً عن تقويم بقية القرشيين!

وإن تقويم القوميين شخصيةَ معاوية؛ يختلف عن تقويم شخصيته عند أهل الدين!

وإنّ تقويم شخصية معاويةَ في ضوء من يحبهم الله تعالى؛ يختلف عن نظرية الحفاظ على وحدة الأمة، وعدم الخروج على حاكمها، حتى لو كان عبداً أسودَ كأنّ رأسه زبيبة، ولزوم طاعته ما دام يقيم بالمسلمين الصلاة!

لكنْ في الجملةِ؛ معاويةُ رجل شجاعٌ مغامر، مكيافيليٌّ بارع، طامحٌ صبور، صاحب رؤيةٍ حققها بتمامها قبل أن يموت!

ولعمري إنّ رجلاً طليقاً ليست له سابقةٌ في الدين، ولا جهادٌ من أجل إقامةِ الدين؛ يقارع سيّد الأمة عليَّ بن أبي طالبٍ عليه السلام خمس سنين، ثم يغزوه في عقر داره، ويقضي على مكانته بين شعبه، ثمّ يقتله، ويقتل أولاده من بعده؛ إنّه لرجل سياسيٌّ استثنائيّ!

إنّ معاويةَ عندي منافقٌ، لكنّه من فرط ذكائه، وصبره؛ استطاع أن يقنع أمثال عبدالله ابن عمر بأنه مسلم ملتزم، حتى قال ابنُ عمر: كان أبو بكر وعمر أفضلَ من معاويةَ، وكان معاويةُ أسودَ منهما!

إنّ محاكمةَ معاويةَ إلى كمالاتِ الإسلامِ؛ فيه نظر كبير، لأنّ السقيفةَ حيّدت تلك الكمالات تماماً، وصار المطلوبُ من الحاكم تحقيقَ الأمن، وتسكينَ الفتن، وتوفير رغيف الخبز فحسب!

وإنّ تاريخ الإسلام السياسيّ كلّه؛ تغلّبٍ ومكرٍ وقتلٍ وخضوع تامٍّ لرغبة الحاكم!

وإنّ المجتمعَ العربيَّ المعاصرَ؛ مجتمع علمانيٌّ خالص، وكلُّ الذي يتمنّاه المسلمون اليومَ تحقيقَ الأمنِ، وتعايشَ المجتمع العربيّ المتباين الأفكار والمعتقدات، وتوفير العيش الكريم!

ما سمعت أحداً من شيوخي يذمّ الرئيس «شكري القوّتلي» ولم يكن الرئيس القوتلي سوى سياسيّ علمانيّ وطنيّ!

فأهل السنة عايشوا تاريخ ملوك الإسلامِ، وتصالحوا معهم، ومنحوهم العصمةَ العمليّة، في سبيلِ الحفاظ على شعائر الإسلام!

ومعاوية لم يكن يعارض أحداً إذا صلّى أو صام أو حجّ أو اختلى في جبلٍ، أو سبّح الله تعالى في اليوم عشرةَ آلاف تسبيحه!

إنّ معاويةَ لم يصنع شيئاً لم يصنعه أبو بكر وعمر، وليس معاويةُ ذاته إلّا إفرازاً طبيعياً لسياسة عمر بن الخطاب، الذي كان يولّي الرجل العاقل الحازم في غير كسر، اللين في غير ضعف، بمعزل عن شدّةِ تديّنه، أو معرفته العلمية!

ولو كان يهتمّ لهذا الأمر؛ لما ولّى أمثالَ المغيرة بن شعبة ومعاويةَ وعمرو بن العاص!

والله تعالى أعلم

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال. 

الجمعة، 17 فبراير 2023

 مَسائل من التفسير وعلوم القرآن [2023] (1):

آيةُ الوُضوءِ تُفيدُ الغَسْلَ أم المسح!؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

سألني أحد الإخوةِ عن الراجحِ من القراءتين في قوله تعالى: (وأرجلكم).

 أهو الجرُّ (وأرْجُلِكُم) أم النصبُ (وأرْجُلَكُم)؟

أقول وبالله التوفيق:

قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: 6].

قال ابن زنجلة في حجّةِ القراءات (ص: 221): « قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ وَحَفْصٌ (وأَرْجُلَكُم) بِالْفَتْح، وَقَرَأَ ابنُ كثيرٍ وَأَبو عَمْرو وَحَمْزَةَ وَأَبو بَكرِ بن عيّاش (وأَرْجُلِكُم) بالخَفضِ، عَطفاً على الرؤوس» ووجّه ابن زنجلةَ ملحظَ الفريقين، ورجّح الغسلَ.

قال الفقير عداب:

كلتا القراءتين تؤدّي المعنى ذاتَه وهو المَسْحُ، ولا تحتمل الغَسْلَ أبداً في فهمي!

إذْ إنّ إعراب (اغْسِلُوا) مثل إعراب (امْسَحُوا) تماماً، فالله تعالى أمرَ بغَسلٍ، وأمر بمسح، والعطف بين الجملتين؛ عطف جُملٍ.

اغسلوا: فعل أمر، وضمير الجماعة هو الفاعل، والمفعول به (وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ).

وامسحوا فعل أمر، وضمير الجماعة هو الفاعل، والمفعول به (رُؤوسَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ).

ولا يصحّ عطفُ الأرجل على الأيدي لسببين:

الأوّل: لأنّ العطف يكون على أقربِ مذكور، فتكون  معطوفةً على الرؤوسِ، سواءٌ عطفناها على اللفظِ، أم عطفناها على المحلِّ.

والثاني: لأنّ الباء في (بِرُؤوسِكُمْ) حرف جر زائد لملحظٍ دلاليٍّ [إرادة بعض الرأس] أو ملحظٍ نحويٍّ [إرادة التوكيد].

ولو عددنا الباءَ هنا حرفَ جرٍّ تامٍّ؛ فقراءةُ الجرِّ (وأرجلِكم) هي المناسبة للعَطفِ!

ولا أرى إعرابَ الباء حرفَ جرٍّ تامٍّ؛ لاتفاق الجميع على أنّ مقصودَ الآيةِ الكريمة مَسحُ الرأس، سواءٌ كان مسحُ جميعه واجباً، كما يقول الإمام مالك، أم كان مسحُ جميعِه إرشاديّاً مستحبّاً، كما يقول أبو حنيفة والجمهور!

وتقديرُ هذا الشطر من الآية (وَامْسَحُوا رُؤوسَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).

وقراءة جرّ (وَأَرْجُلِكُمْ) ونصبها (وَأَرْجُلَكُمْ) كلتاهما من القراءات السبع المتواترة، عند جماهير علماء الأمّة.

وترجيح إحدى القراءتين على الأخرى بعملِ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لا يُلغي القراءة المتواترة الأخرى بحالٍ، مع أنّ القراءتين - كما قدّمتُ - لا تفيدان سوى المسح!

وأقول: من العسير جدّاً أن يُرجّح سنيٌّ المسحَ على الغَسْلِ، أو يرجّح شيعيٌّ الغسلَ على المسحِ، ولو جئت كلّاً منهما بألف دليلٍ، خاصّةً لأنّ سنّة مخالفةِ أهل البدع؛ يتبنّاها الجميع، والحمد لله على كلّ حال!

(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) [البقرة].

(كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) [الأنعام: 108].

ولا فرق بين فرق المسلمين، وغير المسلمين في هذا الجانب، فالشافعيّ يعتقد أنّ مخالفيه من الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهريّة والشيعة والإباضيّة؛ جميعهم على الخطأ، وهو الصوابُ كلّه، والباقون كذلك تماماً!

وما تسمعه من مذهبيي أهل السنة أنّ المذاهب المعتبرة عندهم؛ هي الأربعة؛ هذا في حدود التنظير؛ لأنّ سلطانهم الغازي الظاهر بيبرس جعلَ المذاهب أربعةً فحسب!

أمّا عند التطبيق العمليّ؛ فو أتيت الحنفيَّ بعشرةِ أحاديث صحيحة في قراءة الفاتحة خلفَ الإمام؛ ما قرأها!

ولو أصررتَ على الجهر بالنيّة أمامَ الحنبليّ؛ طلب من القاضي تعزيرك بما يرعدك عن هذه البدعة السيّئة، أو ينزل بك العقوبة الرادعة، والله أعلم ما هي!؟

أقول: يجب أن لا نُغفلَ الجانب السياسيّ في الفقه الإسلاميّ أبداً!

فقد أخرج الطبريّ في التفسير (8: 195) قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ حُمَيْدٍ (ح).

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ.

وحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ قَالَ: ثنا حُمَيْدٌ الطويلُ قَالَ: قَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ لِأَنَسٍ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ , إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَنَا بِالْأَهْوَازِ، وَنَحْنُ مَعَهُ , فَذَكَرَ الطُّهُورَ، فَقَالَ: «اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ» وَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنِ ابْنِ آدَمَ أَقْرَبَ إِلَى خَبَثِهِ مِنْ قَدَمَيْهِ, فَاغْسِلُوا بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا وَعَرَاقِيبَهُمَا».

فَقَالَ أَنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ، قَالَ اللَّهُ: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) وهذا إسنادٌ صحيح، ومعه قصّة أيضاً!

ختاماً: لا يخفى على أحدٍ أنّ أنسَ بن مالكٍ خادم الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو أكثر الناس ملازمةً للرسول، عند وضوئه!

ولهذا يرى الفقير عداب أنّ القرآن الكريم جاء بالمسح فحسب، وأنّ غسلَ القدمين جاء في عددٍ من الأحاديثِ الصحيحة عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم!

ويُشرَع للمسلم أن يغسل قدميه، أو يمسحهما، لا فرق بين هذا الفعل وذاك!

لكنْ أيُّهما أفضل؟

بحسب الأحاديثِ التي رواها أهل السنّة، وأعرضوا عمّا يخالفها؛ فالغَسل أفضلُ لأنهم نقلوا مداومةَ الرسول عليه!

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأربعاء، 15 فبراير 2023

 مسائل من الفقه والأصول (2):

حُقوقُ الزوجين في الإسلام (1)!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتبت إليّ إحدى طالباتي، تستأذنني بالاتّصال، وقالت: إنّ الرسائلَ القصيرةَ لا تكفي لشرح ما أريد، خاصّةً وأنّ الحوارَ يُظهر بعضَ ما يكون خافياً، أو ما يريد الإنسان إخفاءَه!

قلتُ لها: الوقتُ غير مناسبٍ الآن، اتّصلي بعد السابعة صباحاً، أو بعد التاسعة ليلاً!

فلم تردّ عليّ، لكنني توقّعتُ أن تتصل بعد التاسعةِ ليلاً، بيد أنها لم تفعل!

في الساعة الثامنة والربع من صباح اليوم الخميس؛ اتّصلت، ودار بيننا الحوارُ الطويل الآتي!

وقد آثرت كتابةَ الحوار كما حدثَ قبل قليلٍ، مع بعض التكميلات التي لا بدّ منها، إذْ ثمّة فرق كبيرٌ بين الحوار، وبين الكتابةِ التي تستلزم التوثيق العلميّ، والتزام اللغة العربية والمصطحات العلمية في كلّ فنّ!

هي: السلام عليكم يا والدي وأستاذي الشيخ عداب الحمش، ورحمة الله وبركاته!

هو: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله بم بنتي الكريمة.

هي: أنا حضرت عندك ثلاث سنوات دراسيّة، درست عندك أدب البيت المسلم، مستوىً واحد، وفقه المرأة المسلمة مستويين، والثقافة الإسلاميّة مستويين، والتفسير مستوى واحد.

ولم تكن معي كريماً في العلامات، كما يُحكى عن كرمك في الأمور الأخرى!

هو: هل كنت كريماً مع غيرك من البنات، أكثر منك؟

هي: الحقيقةُ أنّ التقصير مني، وبعض الزميلاتِ حصلن عندك على امتياز.

هو: هل أعرفهنّ أنا، أو هنّ قرابتي؟

هي: معاذ اللهِ، حتى لو كنّ من قرابتك، فأنت لن تجاملهنّ، هذا معروف عنك شيخنا!

[قلت في نفسي: حسبنا الله ونعم الوكيل... ومتى استقام مع النساء حساب!].

هو: تفضلي يا بنتي، لننتقل إلى الموضوع المهمّ الذي ترغبين الحديث عنه!

هي: نعم شيخي، أنا متزوّجة، ولديّ ولدان وبنتان، جميعهم متزوّجون، وأنا اقترب عمري من ستين سنة!

وقبل أن أشرح لكم الموضوع، هل حديث (أيما امرأةٍ سألت زوجها طلاقَها من غير بأسٍ؛ لم تدخل الجنة) أو (لم تشمَّ رائحة الجنة، وإن ريحها ليعرف من مسافة كذا وكذا)؟!

هو: بإسنادي إلى الإمام أحمد ابن حنبل في باقي مسند الأنصار (22440) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بن مَهديٍّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السَختيانيِّ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الجَرميّ، قَالَ «أيّوب»: وَذَكَرَ «أبو قلابةَ» أَبَا أَسْماءَ الرحبيّ، وَذَكَرَ «أبو أسماء» ثَوْبَانَ مولى الرسول قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ - في غَيْرِ مَا بَأْسٍ؛ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) باختلاف يسير بين الإسنادين.

وأخرجه الدارميّ في كتاب الطلاق من سننه (2270) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ، مثلَه.

وأخرجه ابن ماجه في سننه (2055) من حديث محمد بن الفضل السدوسيّ عن حمّاد بن زيدٍ، بمثل إسناد الدارميّ ولفظه.

وأخرجه أبو داود في سننه (2226) من حديث سليمان بن حربٍ عن حمّاد، به مثله.

وأخرجه الترمذي في جامعه (1187) قال: أَنْبَأَنَا بُنْدَارٌ «محمد بن بشار العبديّ» أَنْبَأَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ «الثقفيّ»: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ ثَوْبَانَ، مثلَه، ورواية الترمذيّ هذه؛ هي الرواية الثانية عند الإمام أحمد في المسند (22379).

ثمّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.

وقد صححه الشيخان الألبانيّ والأرناؤوط، وهو عندي حسن الإسناد.

هي: إذنْ الحديثُ يُحتجّ به، بقي أن أشرح لك قصّتي لترى أنت إن كان هناك بأسٌ، أو ليس هناك بأس!

تزوجتُ هذا الرجل، من دون معرفةٍ، وفي بيئاتنا لا يمكن للبنت أن تعرف طباعَ الرجل وأخلاقه وعيوبَه قبل الزواجِ، كما تعلمون.

وقد قرّرت منذ الأسبوع الأوّل لزواجنا؛ أن أنفصل عنه، لكنني لم أفعل!

هو: كم كان عمرك عندما تزوجت؟

هي: قريبا من اثنتين وعشرين سنة!

هو: ولماذا لم تنفصلي عنه إذنْ؟

هي: للأسف أجبرني أهلي على الصبر، وطلبوا مني أن أفاتحه بانتقاداتي عليه، ولكنه كان خشناً غضوباً، لم أتجرّأ على مفاتحته أبداً!

هو: ما دمت تريدين الطلاقَ منه، والطلاقُ شرّ ما تخافه المرأة، فما وجه الخوف؟!

هي: هو أنفق على زواجنا كثيراً من المال، وذبح أكثر من عشرة خراف، في حفلة الزفاف، فخفت أن يبطش بي، وأنا لا أحتمل الضربَ، ولم يضربني أحدٌ من أهلي قطّ!

هو: ثمّ ماذا؟

هي: ثمّ لم يمض الشهر الأوّلُ حتى ظهرت عليّ آثارُ الوَحمِ، ففرحَتْ والدتي، وفرح هو كثيراً، فوجدت نفسي مضطرةً للسكوت، فسكتُّ!

هو: سكتّ أربعين سنةً، والآن تريدين أن تتحرّري؟!

هي: ربما أموتُ غداً، وربما أعيش عشرين عاماً أخرى يا شيخي، أريد أن أشعر بنفسي، أريد أن أحسّ بأنني حرّةٌ، ولست أمةً له!

هو: عدّدي لي أبرز خمسةَ عيوبٍ في نظرك، حتى أفهم جوانبَ الموضوع!

هي: أنا لا أقول: إنها عيوب، إنّما هي صفات راسخة لدى زوجي، لم أستطع تقبّلها من لدن ليلة زفافنا إلى اليوم!

هو: طيّب هل هي أسرار خاصّةٌ، أو يمكن التحدّث بها للوالدِ والشيخ والمستشار والمفتي؟

هي: لن أذكر الأمورَ الخاصّة جدّاً، لكنني سأقتصر على ما يمكنُ قوله لكم:

- الصفة المكروهة الأولى: أنّ رائحة جسم زوجي كريهةٌ للغاية، حتى لو خرج من الحمّام الآن، تظلّ رائحة جسمه كريهةً جدّاً، وكذلك رائحة فمه وأنفه.

وقد راجعتُ طبيبة اختصاصيّة بالجلديّة، وطلبت منها أن تصف لي دواء لذلك، فوصفت لي دواءً مناسباً لجسمه، ودواءً لفمه، وآخر لأنفه، لكنه رفض أن يستعمل أيّ دواءٍ طيلة هذا العمر، وقد استعمل والدي وأخي تلك الأدوية، فأحبّاها كثيراً!

وكان كلّما راجعته بالأمر؛ صرخ عليّ وأنّبني، وعدّ ذلك مني وقاحةً واعتراضاً على خِلقةِ اللهِ تعالى.    

وهو يستعمل السواك كثيراً، لكنّ السواك لم يُزِلْ تلك الرائحة المنتنة التي تخرج من فمه وأنفه!

- الصفة المكروهة الثانية: زوجي ليس طالبَ علمٍ شرعيٍّ، ومع هذا طول لحيته يقرب من عشرين سنتيمتر، وهو لا يقصّ منها، ولا يهذّبها، ولا يزيل شعرَ وجهه، ولا شعرَ رقبته، ولا شعرَ أذنيه، ولا شعر أنفه، ولا يحلق شعر رأسه، ويقول: هذه كلّها سننٌ، لن أتركها من أجل خاطرك أبداً!

- الصفة الثالثة: زوجي غنيٌّ جدّاً، وينفق في سبيل الله تعالى - كما يقول هو - كثيراً جدّاً، لكنّه مقتّرٌ على البيت بالنسبة لوضعه الماليّ، ولا يفطن إلى المناسباتِ أبداً، فلا يفطن لذكرى ميلادِه، أو ميلادي، أو ميلاد ولدٍ أو بنتٍ له، وقد صار أكثر الناس في هذه الأيّام يجبرون بخواطر أولادهم وبناتهم، ويقدّمون لهم الهدايا، أمّا أنا فلم يقدّم لي هديّةً قطّ!

وقد ذكّرته مراراً بذلك، فكان يقول لي: أنت خرّيجة شريعة، وعقلك كعقل العامياتِ الجاهلات!

هل طلبتُ يوماً منك شيئاً من مرتّبك، وهل سألتُ يوماً أين تنفقينه؟

- الصفة الرابعة: هو كما قلت: لم يحلق رأسه ولا لحيته ولا رقبته ولا وجهه، منذ تزوّجته إلى هذا اليوم، لكنه يجبرني أن أحلق له بنفسي المواضع التي يحلقها الإنسان، أو يزيلها عادة!

ولكي أتفادى القرفَ والضيق الذي يسببه لي هذا الموضوع؛ أحضرت له مزيلاً ممتازاً للشعر؛ ليقوم باستعماله، فرفض، ونهرني، وعاب عليّ أنني امرأة، ولديّ من المقرفاتِ الشيءُ الكثير، وهو لا يذكر لي من هذا شيئاً، كما قال.

- الصفة الخامسة: زوجي اليوم في حدود السبعين من عمره، وجميعُ الأمور المقزّزة السابقة وغيرها مما لا يليق أن أذكرها؛ قد زادت كثيراً، إضافةً إلى كثرةِ نزقِه، وسرعة غضبه، وكثرة ضجره، وأنا لم أعد أحتمله أبداً!

هو: أنا الآن أفترض أنّ كلامك صدقٌ (100%) وبناءً على ذلك أقدّم مشورتي إليك، أمّا الخُلعُ؛ فلا يحتاج إلى شيءٍ من هذا الكلام كلّه!

هي: الله يشهد أنني صادقة (100%) وما كتمته أكثر مما قلته لكم!   

هو: استمعي، ولا تعجلي، لو استشرتني في أيامِ خطوبتك مثلاً؛ لقلت لك: بقاؤك بنتاً كريمةً في بيت والدك طيلةَ عمرك؛ خيرٌ لك من هذا الزواج المدمّر!

وحتى عندما ظهر أنّك حاملٌ في الشهر الأوّل؛ أصرّي على فراقِه، ماذا سيصنع لك أهلك؟

هي: لم يرَ أهلي هذه الأشياءَ مما يستدعي الطلاق والفراق، وكانوا يقولون لي: غداً متى أحبّك، سينفّذ لك رغباتك كلّها عن طيب خاطر!

لكنّ زوجي لا يعرف شيئاً اسمه الحبّ، بل لا يقيم أيّ وزنٍ لمشاعر المرأة وأحاسيسها.

هو: أنت زوجته الآن، وما زلتِ على عصمتِه؛ فكيف تريدين أن أُشيرَ عليك بالخلعِ منه، أليس هذا تخبيباً يا بنتي؟

هي: أليس الله تبارك وتعالى يقول: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ويقول: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) وأنا لم يعد لديّ قدرةً على التحمّل، يا والدي، أنتهى لديّ الصبر والاحتمال.

هو: الرجل كما تقولين في حدود السبعين من عمره، إلى مَن تتركينه، بعد أربعين سنةً من الزواج، هل لديه امرأة غيرك ترعاه؟

هي: لا ليس لديه امرأةٌ أخرى سواي، لكنه غني يستطيع أن يستأجر عدداً من الخدمِ وعدداً من الممرضاتِ ليقوموا على خدمته ورعايته!

هو: أنا لا أشير عليك بشيءٍ، إنّما أقول لك: إنْ كان كلامك دقيقاً في وصف زوجك؛ فكان عليك أن تنفصلي عنه منذ الشهر الأوّل، وليس عليك أدنى إثمٍ في ذلك!

لكنْ قد صبرت أربعين سنة، ولديكما أحفادٌ وأسباطٌ، لو صبرتِ حتى يأخذ الله أمانةِ أحدكما؛ أليس أولى بك يا بنتي، وأحرى أن لا تلوكك ألسنة الناس؟

هي: راحت تبكي، وقالت: يا والدي تعبتُ، يا شيخي أعصابي تلفت، يا سيّدي كرهتُ حتى كلمةَ لك أجر الصابرين، والله والله، إنّ الله تعالى أرحم منكم أجمعين!

ختاماً: أرى من الضروريّ أن أنشر عدداً من المقالاتِ عن حقوق الزوجين، وأنقل إليكم بعضَ المآسي التي تحدث في بيوت بعض المسلمين، للعبرة والعظة، وليس لنشر غسيل الآخرين.

والله المستعان

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 14 فبراير 2023

 مَسائلُ حديثيّةٌ  (13):

الفَرقُ بين المتواتر الحديثيّ والأصوليّ!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

بعد المنشور الذي خصصته للشيخ ابن تيمية الحرّاني؛ كتب إليّ قارئٌ يقول: لعلّ الشيخ ابنَ تيميةَ أطلق كلمةَ «المتواتر» بهذه الكثرةِ، على منهج الأصوليين والفقهاء، وليس على منهج المحدّثين، حبّذا لو أوضحت لنا الفرقَ بين منهج المحدثين ومنهج الأصوليين في الحديث المتواتر!

أقول وبالله التوفيق: تقدّم في منشوراتٍ متعدّدة؛ أنّ أهل الحديث يقسمونه إلى قسمين: حديث صحيح مقبول، وحديث ضعيف مردود.

والحديث الصحيح مراتب متعدّدة، والحديث الضعيف أنواع كثيرة، أوصلها ابن حبّان إلى خمسين نوعاً، وشرّها الحديثُ الموضوع.

وهناك من متقدّمي أهل الحديثِ من يقسم الحديث إلى ثلاثةِ أقسامٍ:

الحديث الصحيح، والحديث الحسن، والحديث الضعيف، وغدت هذه القسمة هي المعتمدة لدى المصنّفين في علوم الحديث!

وتعريف الحديث الصحيحِ؛ يقعُ على الدرجة الدنيا من الصحّةِ، وليس كما يفهم من عبارة بعض أهل الحديث!

الحديث الصحيح: هو الحديث الذي يتّصل إسناده من المصنِّفِ إلى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بنقل العدل الضابط عن مثله، من غير شذوذٍ ولا علّة قادحة!

وهذا يعني أنّ مدار الحديثِ هنا على المصنّف ذاته!

فإذا كان شيخُ المصنّف هو المدار؛ فيكون الحديث أقوى!

وإذا كان المدارُ شيخَ شيخِه؛ فهو أقوى!

وإذا كان المدار على التابعيّ الثقة؛ فهو أقوى مما سبق!

وإذا كان مداره على الصحابيّ، ورواه عنه اثنان ثقتان؛ فهو العزيز، الذي ارتقى عن كونه غريباً، وإذا رواه عن الصحابيّ ثلاثةٌ؛ فهو مستفيض، وهو أقوى من جميع ما سبق، إذ لا يخفى أنّ الغرابة والتفرّد علّتان، لكنّ المحدّثين يقبلان التفرّد تارةً، ويرفضونه أخرى!

هذا أقصى ما يشتغل به المحدّثون!

أمّا الأصوليون؛ فيشتركون مع المحدّثين في ضرورة اعتماد الإسنادِ في خبر الواحد!

فإذا تعدّدت طرقُ الحديث، وكثرت؛ أسقطوا اعتبار عدالةِ الراوي وضبطه، واكتفوا عنها بالكثرة مع التوافق بلفظ الحديث أو معناه!

ولنمثّل بحديثٍ متواتر عندي (مَن كنت مولاه؛ فعليّ مولاه) عليه السلام.

يقول الأصوليون والفقهاء: رواه عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أكثرُ من ثلاثين صحابياً، منهم عليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبدالله، وعمّار بن ياسر، وزيد بن أرقم، وبريدة بن الحصيب، وعبدالله بن عباس، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأسامة بن زيد، ومالك بن الحويرث، وغيرهم رضي الله عنهم.

فهؤلاء ثلاثةَ عشر صحابيّا، كلّهم عدولٌ عند المحدّثين!

ومن البدهيّ أنّ تلامذة هؤلاء؛ ثلاثةَ عشر تابعيّاً أو أكثر!

وتلامذة التابعين ثلاثة عشر أو أكثر!

وطبقة شيوخ المصنفين ثلاثة عشر أو أكثر!

والمصنفون الذين أخرجوا الحديث أكثر من ثلاثين مصنّفاً!

- منهم إسماعيل بن جعفر (ت: 180 هـ) في أحاديثه (471، 472).

- ومنهم أبو بكر بن أبي شيبة (ت: 235 هـ) في مصنفه (32072، 32073، 32078، 32091، 32092، 32118، 32132) وهذه أسانيد متنوعة، وليست إسناداً واحداً.

- ومنهم أحمد ابن حنبل في فضائل الصحابة (959، 989، 991، 992، 1016، 1021، 1048، 1093، 1206).

- وفي مسنده الكبير (641، 950، 961، 1311، 18479، 19279، 19328، 22945، 23107، 23143).

- والبخاري في التاريخ الكبير (290، 694) كما في تخريج الأحاديث المرفوعة في التاريخ.

- وابن ماجه في السنن (121).

- والترمذيّ في جامعه (3713) وقال: حسن غريب.

- وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2357، 2358).

- وابن أبي عاصم في كتاب السنة له (1354، 1355، 1356، 1357، 1358، 1359، 1360، 1362، 1364، 1365، 1366، 1368، 1369، 1370، 1371، 1372، 1373، 1374، 1375، 1376).

- والبزار في مسنده (4298، 4299، 4334، 4352، 9655، 9659).

وغيرهم وغيرهم كثير!

فهذه الكثرةُ في الطرق، وكثرة  المخرّجين للحديث؛ هي منهج الأصوليين والفقهاء في قَبول الحديث المتواتر.

أمّا المحدّثون فيدرسون إسانيدَ حديث عليّ منفردةً، وأسانيد حديث سعد بن أبي وقاصٍ على حدتها، وأسانيد حديث زيد بن أرقم عن حدتها، ويحكمون على كلّ حديثٍ بعينه!

ومع أنّ صنيعَ الشيخ ابن تيمية يدلُّ بوضوحٍ على اعتماده منهج الأصوليين والفقهاء في استعمال مصطلح التواتر، إلّا أنه يخالف هذا المنهج تماماً، إذا تعلّق الأمر بفضائل الإمام عليّ عليه السلام!

ففي رسالة طبعت مفردة من مجموع الفتاوى، تحت عنوان رسالة في الخلفاء الراشدين (ص: 43) يقول: «وأما قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار).

فهذا الحديث ليس في شيء من الأمهات؛ إلا في الترمذي وليس فيه إلا: (من كنت مولاه؛ فعليٌّ مولاه» وأما الزيادة فليست في الحديث، وقد سئل عنها الإمام أحمد فقال: الزيادة كوفية. ولا ريب أنها كذب لوجوه»...

أليس هذا تدليساً وتلبيساً من ابن تيمية على قرّائه؟

أليس مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن ابن ماجه، وجامع الترمذي، ومسند البزار، وسنن النسائي الكبرى، وغيرها وغيرها، من الكتب الأصول؟

وقال بعد قليل (ص: 47): «وأما قوله: (من كنت مولاه؛ فعلي مولاه) فمن علماء الحديث من طعن فيه، كالبخاريِّ وغيره!

ومنهم مَن حّسّنه كأحمدَ ابن حنبل والترمذي وغيرهما».

وهذا كلام باطل، فللحديث عشراتُ الطرق، وربما مئات!

تكلّم البخاريّ على ثلاثِ طُرقٍ منها!

- فقد ترجم عمرو بن ذي مُرٍّ الهمْدانيّ في التاريخ (6: 329) وقال:

«عَمْرو بْن ذي مُرٍّ الهمداني، يُعَدّ في الكوفيين، سمع عليّاً رضي الله عَنْهُ، روى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاق الْهَمَدَانِيّ وحده، لا يعرف».

نقل كلام البخاريّ هذا العقيليُّ في الضعفاء (1276) ثم قال:

وَمِنْ حَدِيثِهِ: مَا حَدَّثَنَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّهْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُخَوَّلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرٍو ذِي مُرٍّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ) وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَديثُ بِإِسْنَادٍ أَصْلَحَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ».

- وفي ترجمة إسماعيل بن نشيط العامري (1: 375) قال البخاريّ: « قال لي عُبيدٌ: حدثنا يونسُ «أنه» سمع إسمعيل «يحدث» عَنْ جَمِيلِ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ «عمّن» سَمِعَ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ غَدَيرِ خُمٍّ: (مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ) قَالَ أَبُو عَبْداللَّه: «فِي إسناده نظر».

- وفي ترجمة سهم بن حصين الأسديّ (4: 193) ساق البخاريُّ الحديث ذاته من طريق سهم، ثم قال: «سَهمٌ مَجهولٌ، ولا يُدْرَى» من هو؟!

  ولا ريب في أنّ أسانيد الأئمة الذين ذكرناهم؛ لم تعتمد على هؤلاء المجهولين!

فترْكُ جميع الأسانيد الصحيحة والحسنة المتكاثرة، وادّعاء أنّ البخاريَّ ضعّف الحديثَ؛ قاده إليه عصبيّته الحنبليّة الإقصائيّة، وكم يصنع الهوى بأهله!

قال الشيخ ناصر الألبانيّ في سلسلة الأحاديث الصحيحة (4: 343):

«وللحديث طرقٌ أخرى كثيرة، جمع طائفةً كبيرة منها الهيثميُّ في مجمع الزوائد (9: 103 - 108).

وقد ذكرت وخرجت ما تيسّر لي منها، مما يَقطعُ الواقفُ عليها، بعد تحقيق الكلام على أسانيدها بصحة الحديث يقيناً.

وإلا فهي كثيرة جدّاً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد.

قال الحافظ ابن حجر: منها صحاحٌ، ومنها حسان.

وجملة القول أنّ حديثَ الترجمة حديث صحيحٌ بشطرَيه، بل الشطر الأول منه (من كنت مولاه؛ فعليٌّ مولاه) متواتر عنه صلى الله عليه وسلم، كما ظهر لمن تَتبّع أسانيدَه وطرقه، وما ذكرت منها كفاية».

وقال بعد قليل (4: 344): «إذا عرفت هذا، فقد كان الدافعُ لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحته؛ أنني رأيت شيخَ الإسلام ابن تيمية، قد ضَعّف الشطر الأول من الحديث.

وأمّا الشطر الآخر؛ فزعم أنّه كذبٌ، وهذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تَضعيف الأحاديثِ قَبلَ أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان».

وقال فيها أيضاً (5: 264): « هذا كله من بيان شيخ الإسلام، وهو قوي متين كما ترى، فلا أدري بعد ذلك وجهَ تكذيبه للحديثِ، إلا التَسَرُّع والمبالغةُ في الرَدّ على الشيعةِ، غَفَر اللهُ لنا وله».

ختاماً: ما دام عمدةُ الوهّابية والسلفيّة والنواصبِ «الشيخ الألبانيّ» رحمه الله تعالى، حكم على حديثِ الموالاة بالتواتر؛ فما بنا من حاجةٍ إلى التطويل!

وليس لديّ رغبةٌ في الإساءة إلى الشيخ ابن تيمية، فقد قرأت كلّ ما هو مطبوع من كتبه مرّاتٍ ومرّاتٍ، وغدوت من أعرف الخلق بدقائقها وخباياها، ولهذا قيل عني: سلفيّ!

بل إنني جمعت قرابة (500) بطاقةٍ من سائر كتبه، للردّ عليه، ثمّ لا أدري مصير هذه البطاقات!

واللهُ تَعالى أعْلمُ.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 13 فبراير 2023

 مَسائلُ حديثيّةٌ  (12):

ضَعْفُ الشيخِ أحمدَ ابنِ تَيميةَ في نَقْدِ الحَديثِ!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب أحدُ الإخوة على صفحته ما نصّه: « لا أجد أيَّ حَرَجٍ ولا غَضاضةٍ من وصف الإمامِ ابن تيمية أو غيره من المتأخرين؛ بأنه أعلم من الأئمةِ الأربعة، إذا قَدّم على ذلك دليلًا».

فعلّقت على كلامه بقولي: « من حيث المَبدأ؛ هذا صحيح، لكن الشيخ ابن تيمية ليس أعلمَ مِن أحد، والرجل مُثقّف واسع الثقافة، وليس له تميز في أيّ علم.

وهو ضعيف جدا في نقد الحديث».

فكتب إليّ أحدُ الإخوةِ مستغرباً قولي: «إن الشيخ ابن تيمية ضعيف جدّاً في نقدِ الحديث» وطلب دليلاً واحداً على هذا الكلام!

أقولُ وبالله التوفيق:

العالم في نظري: هو المجتهد ولو في علم واحد!

والمثقّف في نظري: هو طالب العلم الذي قرأ بنفسه أو على الشيوخ علوماً كثيرة: من المنطق إلى الفلسفة إلى علم الكلام، إلى الأصول والفقه وعلوم القرآن والتفسير والتاريخ والاجتماع والتربية والأدب والشعر...إلخ!

لكنّه لم يتخصّص في علم واحدٍ، يتميّز به، ويكون له اجتهاداتٌ كثيرة في هذا العلم!

وأكثر الذين يسمّيهم الناس علماءَ قديماً وحديثاً؛ هم مثقّفون في حقيقةِ الأمر، وليسوا بعلماء!

علماء الحديثِ متّفقون على نُدْرَةِ الأحاديثِ المتواترة عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم!

يقول أبو عمرو ابن الصلاح في علوم الحديث (ص: 372): « ومِنَ المشْهُورِ المتواتِرُ ... فإنَّهُ عبارةٌ عَنِ الخبرِ الذي يَنْقُلُهُ مَنْ يَحْصُلُ العِلْمُ بِصِدْقِهِ ضَرُورةً، ولاَ بُدَّ في إسنادِهِ مِنِ اسْتِمرارِ هذا الشَّرْطِ في رُواتِهِ مِنْ أوَّلِهِ إلى مُنْتَهاهُ، ومَنْ سُئِلَ عَنْ إبْرَازِ مِثالٍ لِذَلِكَ، فيما يُرْوَى مِنَ الحديثِ؛ أعياهُ تَطَلُّبُهُ.

وحديثُ (إنَّمَا الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ) ليسَ مِنْ ذَلِكَ بِسَبيلٍ، وإنْ نَقَلَهُ عَدَدُ التَّواتُرِ وزِيادَةٌ؛ لأنَّ ذَلِكَ طَرَأَ عليهِ في وَسَطِ إسْنادِهِ، ولَمْ يُوجَدْ في أوائِلِهِ.

نَعَمْ حديثُ (مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) نراهُ مِثالاً لِذَلِكَ، فإنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم العَدَدُ الْجَمُّ، وهوَ في الصحيحينِ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنْهُم» إلخ كلامه.    

وذكر مثلَ ذلك النوويّ في الإرشاد (2: 544) واستدرك الحافظ العراقيّ في التقييد (ص: 272) عدداً من الأحاديثِ، دون العشرة، فانظرها ثمّة!

بينما أطلق الشيخ ابن تيمية كلمة (متواتر، تواتر، حد التواتر) في كتبه (1368) مرّةً!

وإليك بعض الأمثلة على دعاوي التواتر الباطلة لديه!

قال في الردّ على الإخنائيّ (ص: 275): «وقد ثَبت بالتواتر وإجماعِ الأمة أن الرسول لا يُشْرَع الوصولُ إلى قبره، لا للدعاءِ له، ولا لدعائِه، ولا لغير ذلك» انتهى.

أين الأحاديث المتواترة في ذلك، وأين الإجماع؟

وقال في كتاب الاستقامة (1: 166): «كل كَافِر يُبَاح قَتله، وَلَيْسَ كل من أُبِيح قَتله يكون كَافِراً، فقد يُقتل الدَّاعِي إِلَى بِدعَةٍ؛ لإضلاله النَّاس وإفساده، مَعَ إِمْكَان أَنّ الله يغْفر لَهُ فِي الْآخِرَة، لما مَعَه من الْإِيمَان؛ فَإِنَّهُ قد تَوَاتَرَت النُّصُوصُ بِأَنَّهُ يَخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان» انتهى.

أين الأحاديث المتواترة في هذا؟ بل لا يصحّ حديث واحدٌ أصلاً!

وقال في الاستقامة أيضاً (2: 185): «تَوَاتر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنّ مَا يُصِيب الْمُسلم من أذى شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقها، إلا حَطّ الله بهَا خطاياه، كَمَا تَحطّ الشَّجَرَة الْيَابِسَة وَرقَها» وليس في هذا الباب حديث متواترٌ، ولا حديث مشهور، إنما لدينا حديثان غريبان أحدهما عن عائشة، والآخر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة وأبي سعيدٍ الخدريّ مقرونين!

وقال في الجواب الصحيح (1: 414): «انْشِقَاقُ الْقَمَرِ؛ قَدْ عَايَنُوهُ وَشَاهَدُوهُ، وَتَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ» انتهى.

وليس في انشقاق القمر حديث متواتر، إنما هو حديثُ عبدالله بن مسعود، وعنه أخذه ابن عباس وأنسٍ، فيما يترجح لديّ؛ لأنّ الذين يصححون حديثَ انشقاق القمر، يقولون: إنما كان ذلك في مكة قبل الهجرة، ولم يكن ابن عباس وأنسٌ مخلوقين بعد !

وفي الجواب الصحيح (2: 366) قال: «وَالْأَخْبَارُ بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُمْ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُمْ» انتهى.

أقول: ذلك متواتر عندنا، هذا صحيح؛ لأنه ورد في القرآن الكريم، لكن أين نجد شاهد ذلك التواتر في كتبهم؟ لا وجود لتواتر أبداً، إنما هي نصوص في كتبهم محتملة!

وفي كتاب الصارم المسلول (ص: 587) تحدّث عن ضرورة تعظيم الصحابة لأنهم نقلوا لنا هذا الدين العظيم، ثم قال: «وتواتر النقل بأن وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات» انتهى.

أقول: أنا لا أحفظ حديثاً واحداً أنّ الذين ينالون من الصحابة رضي الله عنهم يمسخون خنازير، فضلاً عن التواتر!

وها هو اللعين ياسر الخبيث، لم يترك قذارةً إلّا قام بها، ولا نرى على وجهه خيالَ خنزير، وأتمنّى لو أنّ الله تعالى يمسخه؛ ليكون عبرة !؟

وقال في العقيدة الواسطية (ص: 117): «وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ» انتهى.

أقول: وليس في ذلك تواتر ولا استفاضة!

وقال في الفتاوى الكبرى (3: 490): « أَهْلَ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْلَمُ مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَأَعْظَمُ طَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ مِنْ سَائِرِهِمْ، وَأَوْلَى بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ مِنْهُمْ!

وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ نَحْوِ ثَمَانِينَ وَجْهًا»!؟

أقول: لو اجتمع أهل الأرض جميعهم؛ لما وجدوا حديثاً واحداً صحيحاً مرفوعاً إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بمثل هذا المتن، أو نحوه، فضلاً عن التواتر!؟

إنّما هو صحيح عن الإمام عليه عليه السلام من قوله؛ أخرجه البخاري في مناقب أبي بكر (3671) وأعرض عنه مسلم.

في هذا القدر كفايةٌ، ومثل هذا الموضوع يحتاج إلى أطروحة دكتوراه، أو بحثٍ علميٍّ كبير، يتفرّغ له من يعنيه مثل هذا الأمر، أمّا أنا؛ فلا يعنيني!؟

واللهُ تَعالى أعْلمُ.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 5 فبراير 2023

  اجتماعيات (16):

هل المرأة شرٌّ كلّها !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أرسلت إليّ إحدى طالباتي كلاماً طويلاً، خلاصته: هل يصح عن الإمام عليٍّ عليه السلام أنّه قال: (المرأة كلّها شرٌّ)؟

نحن نحبّ الإمام عليّاً، ونحبّ ذريّته، فما ذنبنا نحنُ، حين خلقنا الله نساءً، وجعل استمرار الحياةِ الإنسانيّة مرتبطاً بوجودنا، وكوّننا بتركيبةٍ مختلفةٍ عن تركيبة الرجل؟

أقول وبالله التوفيق:

نصّ كلام الإمام عليّ عليه السلام (الْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا، وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهَا) موجود في «نهج البلاغة» الحكمة (229)!

وقد قدّمتُ مرّاتٍ عديدةً؛ أنّ الشيعةَ أنفسهم لا يعدّون جميعَ ما في «نهج البلاغة » صحيحاً، ولا يعتمدونه في الفقه والتشريع!

وإذْ إنّ الكلام المنسوبَ إلى الإمام عليّ مرسلٌ، من دون إسنادٍ، فنقول ما قال علماؤنا المحدّثون: «كُلُّ حَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ: حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا؛ فَهُوَ خَلٌّ وَبَقْلٌ»!

والشيعةُ الإماميّة يأتون إلى أصحّ أحاديثنا، ويردّونها بعقولهم، دون إعطاء الإسنادِ أيّ حرمة!

ونحن لن نردّ هذه الرواية بعقولنا أبداً، إنما نردّها سنداً لعدم ورود إسنادٍ يحملها!

ونردّ متنها بمخالفتها للقرآن العظيم، في آياتٍ كثيرة:

منها: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) [الليل].

وتقدير الآيةِ من «ما» المصدريّة وما بعدها على القراءة المشهورة: «وَخَلْقِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى» يعني: أقسم الله تعالى بخلقِ الذكر والإنثى!

وعلى قراءة عبدالله بن مسعود «وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى» من دون تقدير!

ومعلوم لديكم أحبابي؛ أنّ الله تعالى يُقسم ببعض مخلوقاته، للفتِ أنظارنا إلى عظمةِ خلقِه وأثر هذا الخلق في الوجود والحياة!

فهل يُقسم الله تعالى بالأنثى أو بخَلْقها وهي شرٌّ كلّها؟

- ومنها: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) [الأحزاب].

انظر - أخي القارئ الكريم - إلى مراتب ودرجات الكمال عند الرجال، فسترى لدى النساء مثلَها تماماً (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) هي درجة القِوامةِ، يعني الإدارة والولاية (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.

فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)!؟

ونسألُ الذين يصرّون على صحّة نسبة نهج البلاغة إلى الإمام: هل كانت السيدة فاطمة شرّاً كلُّها، أو شرّاً بعضُها؟

وهل بناتُ الإمام عليّ وفاطمة؛ كنّ شروراً على مجتمعهنّ؟

أخرج الإمام أحمد (12293) وجمع من الأئمة من حديثِ ثابتٍ البنانيّ عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) والحديث صحيح غريب.

وقدّ حسّنه بعض المعاصرين من أجل سلّام بن سليمان المقرئ، وهو خطأ منه، فقد تابعه جعفر بن سليمان الضُبَعيّ عند النسائيّ في المجتبى (3940).

فهل كان رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يحبّ كائناً هو شَرٌّ كلّه؟

ختاماً: المرأةُ أمٌّ وجدّة وعمّة وخالة، وأختٌ وبنت أخ وبنت أخت، وبنتٌ وبنت ابن وبنت بنت، وزوجة!

وقد يجتمع هؤلاء النسوةُ كلّهن في حياةِ رجلٍ واحد، فما أقسى حياةَ الرجل الواحدِ إذا كانت الشرور تحوطُه من كلّ الجهات؟!

أمّا عن نفسي أنا؛ فليس شيءٌ أحبَّ إليّ من النساء - كلّ أنواع النساء السابقة- ويعلم أهلي جميعاً أنني لا أردّ لامرأة منهنّ طلباً مباحاً، حتى لو تكلّفتُ واقترضت لهنّ ما يُدخل السعادةَ والرضا إلى قلوبهنّ، بينما لا أصنع الشيءَ ذاته، وبالمستوى ذاته مع الرجال!

نعم أنا لم أستطع فهمَ الأنثى الزوجةَ كما ينبغي، بسبب أنّها غامضة، وأنا في أعلى درجات الوضوح والصراحة، فكثيراً ما يصعب عليّ فهمُ ما تريدُ وما يرضيها!

وكثيراً ما أغفل عن ممارسةِ المرأةِ فنّ المراوغة والاختبار، بسبب أنني لا أعرف هذا النوع من التعامل حقيقةً!

إحدى زوجاتي كانت تشكو من بعض الأمراض، وكانت تحسّ أنني أجاملها وأصبر عليها كثيراً، وكانت تلحّ عليَّ لأتزوّج امرأةً عليها تقوم على شؤوني، وتلبّي طلباتي!

ظلّت على هذه الحال أكثرَ من عشر سنواتٍ، حتى خطبَتْ لي بنفسها إحداهنّ، ورغّبتني بها، واحتالت على تلك المرأة، فأرسلت إليها صورتها، وأرتني إياها!

فلما غدا الأمر جديّاً، وطلبتُ المرأة رسميّا؛ فقدت زوجتي تركيزها، وصفت تلكَ المرأة بالعاهرةِ وقليلةِ الشرف، وما تركت عليها ستراً؛ بسبب أنها رضيت وأرسلت إليها صورتَها!

وكنت حريصاً على أنْ لا أغضبها، فعدلت عن قَريبتي، تلك المرأة الطاهرة الشريفة!

أنا رجلٌ مباشِر واضح، لا أحسن سوى هذا، ولا أرغب بتعلّم المكر والدهاء، إذ أنا أعدّ نفسي من أشجع الرجل، وهذا الخلق يليق بالضعفاء!

ربما لهذا، ولربما لغيرتي الشديدة، وربما لأنّ المرأةَ إحدى اهتماماتي، والعلم والدعوة هما أكبر همّي في الحياة، وربما لهذه الأمور مجتمعةً؛ لم أستطع الاحتفاظَ بامرأةٍ واحدةٍ!

وربما لهذه الأسباب، وبعض الأسباب الأخرى؛ أرفض تجربةَ زواجٍ جديدة!

واللهُ تَعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.