مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
هَل محمّد بن كرّام من علماء الحديث !؟
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا
قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) [المائدة].
أمّا بعد: أرسل إليّ أحد الأحبابِ الرسالة الآتيةَ،
ووجدت بجوابِها، ثمّ نسيتُ، فأعتذر منه.
قال في رسالته: «ابنُ تيميةَ، كانَ يرى في محمدِ
بنِ كرامٍ السجستانيِّ المبتدعِ، شيخِ الفرقةِ الكراميَّةِ إحدى فرقِ المجسمةِ
المرجئةِ، أنهُ منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ!
معَ أنَّ ابنَ كرامٍ هذا يَروي الواهياتِ، ويجالسُ
الوضاعينَ، ويأخذُ عنْهُمْ!
قالَ الإمامُ ابنُ حبانَ رحمهُ اللهُ تعالى في
كتابهِ «المجروحينَ منَ المحدثينَ والضعفاءِ والمتروكينَ» رقم (1013): «خذلَ حتى
التقطَ منَ المذاهبِ أردأها، ومنَ الأحاديثِ أوهاها، ثمَّ جالسَ الجويباريَّ،
ومحمد بنَ تميمٍ السعديّ، ولعلَّهُما قدْ وضعا مائةَ ألفِ حديثٍ».
ونقلَهُ الحافظُ الذهبيُّ في «سيرِ أعلامِ
النبلاءِ» في ترجمةِ ابنِ كرامٍ.
والجويباريُّ كانَ كذاباً وضاعاً ساقطاً، مضربَ
المثلِ في الكذبِ، وكانَ يروي عنْ ابنِ عيينةَ وطبقتِهِ. ذكرَهُ ابنُ ماكولا في
«الإكمالِ»، وقدْ ترجمَ لهُ الذهبيُّ في كتابهِ «ميزانِ الاعتدالِ في نقدِ
الرجالِ»، وقالَ: «ممنْ يضربُ المثلَ بكذبِهِ».
وقالَ ابنُ كثيرٍ في ترجمةِ ابنِ كرامٍ هذا في
«البدايةِ والنهايةِ» (14: 515): «وقدْ روى ابنُ كرامٍ عنْ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الجويباريِّ،
ومحمدِ بنِ تميمٍ الفاريانيِّ، وكانا كذابينِ وضاعينِ».
قال صاحب الرسالة: «ما رأيكم بهذا الكلام».
أقول وبالله التوفيق: مَقصَدُ الرسالةِ؛ الحملُ على
الشيخِ أحمدَ ابن تيمية؛ أنّه كان يثني على رجلٍ ضالٍّ مضلّ، ويقول: إنّه من كبار
علماء الحديث.
وقد ذكر ابن تيمية محمّدَ بن كرّام (20) مرّةً في
كتبه، وذكر الكرّامية (282) وقد تتبعت هذه المواضع كلّها، فما وجدت الشيخ ابن
تيميةَ أثنى على محمّد بن كرّام، أو على الكرّامية أبداً، حبّذا لو أنّ الأخ صاحب
هذه الجملة «ابنُ تيميةَ، كانَ يرى في محمدِ بنِ كرامٍ السجستانيِّ المبتدعِ، شيخِ
الفرقةِ الكراميَّةِ إحدى فرقِ المجسمةِ المرجئةِ، أنهُ منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ»
أن يدلّنا على الموضع الذي قال فيه ابن تيمية: « محمّد بن كرّام منْ أكابرِ أهلِ
الحديثِ»!
ويبدو لي أنّ الهوى لعب بعقل وعينِ صاحب هذا
الكلام؛ فزيّن له الشيطان ونفسُه أن يقول ما قال، عندما قرأ قول الشيخ ابن تيمية في
كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (5: 342): «إنّ محمد بن كرّام إنما ظهر في أثناء
المائة الثالثة، وهو قرين أبي سعيد بن كُلاّب، وهما أقدم من الأشعريِّ، وإن كان الأشعري
قد أدرك ذلك الزمانَ، لكن ابن كرّام كان بسجستان وتلك النواحي وابن كلاب كان
بالبصرة وكذلك الأشعريّ.
وعَصرهما هو عصر أئمة أهل السنن المصنفة كالبخاري
ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ومع هذا فلم يذكر الأشعري في مقالاته عن الكرامية
شيئاً خصهم به، إلا أنه عدهم في فرق المرجئة؛ قال: «اختلفت المرجئة في الإيمان ما
هو؟ وهم اثنتا عشرة فرقةً» انتهى.
الشيخ ابنُ تيمية انتقد محمد بن كرام والكرامية في
مواضع كثيرة من كتبه، وفي حدود علمي لم يثن على ابن كرّام ثناءً خالصاً قطّ.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق