الجمعة، 30 يناير 2026

إلى سوريّا مِن جَديدٍ:

نَعْيُ ورثاءُ الروافض؟!

بسم الله الرحمنِ الرحيم

(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا؛ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى - مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ، إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ.

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ؛ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) [التوبة].

أمّا بعدُ: أرسلَ إليّ أحدُ أقربائي الأحبابِ؛ صورةَ منشورٍ بعنوان: «ترجّل الفارس حسن» فيه نَعيُ عداب الحمش لحَسن نصر الله، وكان من كلامِه: «إنّ هذا رجلٌ مجرمٌ قتلَ أهلنا السوريين في سوريا... إلخ كلامه».

أقول وبالله التوفيق: عندما قَتَلتْ دولةُ الكيان المسخ «حسن نصرَ الله» ومن معه؛ تأثّرتُ، ونشرتُ نعياً مقتضباً للسيّد حسن.

فاتّصل بي أحد الإخوةِ وذكّرني ببعض ما صنعه «حزب الله» من جرائم في سوريا، فحذفت المنشور من ساعتها.

بيد أنّ المرجفون الذين يطمسون الحسناتِ، ويذيعون الأخطاء؛ كانوا موجودين على عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا سبيل إلى قطع ألسنتهم!.

لستُ بصدَدِ الاعتذارِ والتسويغِ، فالخطأ هو الخطأ، وما فيكم «فالح!» يدّعي أنّ كلّ ما يقوله ويكتبُه صواب.

كتب إليّ تلميذي السيّد مالك القادري الجيلاني يقول: مجموع المنشورات التي جمعها لي من على «الفيس بوك» حتى نهاية عام (2024) بلغَ (4869) منشوراً!

وتعلّمنا في المدارس أنّ درجة «امتياز مع مرتبة الشرف» هي (95%) فهل يطمح أحدٌ منكم أنْ ينالَ هذه الدرجة؟ لا أظنّ!

ما أقصدُه أنّ أبا حنيفةَ والشافعيَّ خالفَ أحدُهما الآخر بأكثر من (5 %) من مجموع علمهما - رحمهما الله تعالى - وستجدون للفقير عداب منشوراتٍ عديدةً لا تعجبكم، فإذا مررتم بها؛ فعدّوها من جملة الأخطاء المعفوّ عنها (5 %) والتي لا تنزل درجة مرتكبها عن مرتبة الشرفِ الأولى.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله ربّ العالمين.


الثلاثاء، 27 يناير 2026

قَريباً مِن السياسةِ:

دولةُ إيرانَ كافرَةٌ.. وأمريكا مؤمنة!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ، يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.

قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا.

بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْراً).

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ).

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)

(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوها، مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.

«ما ابتدعوها» إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.

فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا؛ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما.

فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى؛ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي، حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ.

فَإِنْ فَاءَتْ؛ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9).

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

أمّا بعد: في الإعادةِ؛ إفادةٌ - كما يقولون - خاصّةً أنني أرى بعضَ أصدقاء صفحتي، يرغبون - في كلّ يومٍ - أنْ أقدّم إليهم الإسلام كاملاً، وما أقدّمه اليومَ؛ عليَّ أن أُعيدَه غداً؛ لأنهم ينسونَ ما قرؤوه بالأمس، أو لعلّهم لم يقرؤوه من الأساس.

أوّلاً: هذه الآياتُ الكريماتُ؛ تُشيرُ إلى أنّ اليهودَ والنصارى؛ كانوا في زمانِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم كافرين، مع أنّه لم يُنقَلْ إلينا أنّ جماهيرَهم كانوا ملحدين أو علمانيين، فهم اليومَ أشدّ كفراً ونفاقاً وإلحاداً.

ثانياً: لا يجوزُ موالاةُ اليهود والنصارى مطلقاً، وموالاتُهم كفرٌ بالله تعالى، وخروجٌ عن دينِ الإسلام.

ثالثاً: جميعُ الكافرين - بشتّى مللهم ونِحلهم ومذاهبهم - لا يريدون للمسلمين أدنى خير!

رابعاً: إنّ المؤمنَ العالمَ الذي يبتدعُ بدعةً يظنّها صواباً (ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) لا تكونُ بدعتُه هذه بدعةَ ضلالةٍ، تقوده إلى النار، بل على العكس تماماً!

إذا لم تكن تلك البدعةُ مصادمةً مصادمةً تامّة لأصولِ الدين؛ فمُبتدعُها مثابٌ عليها ومأجور (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ).

وإنَّ (100) حديثِ آحادٍ، مثل حديثِ (كلُّ بدعةٍ ضلالةٍ، وكلُّ ضلالةٍ في النّار) لا يجوزَ أن نعارضَ بها هذه الآيةَ الكريمةَ أبداً!

فإنْ قلتَ: قال السلفُ، وقال الخلفُ، وقال النوويّ، وقال ابن حجرٍ؛ فليس قولٍ أحدٍ من هؤلاء جميعاً حجّةً عليَّ، وفهمي هو الراجح!

خامساً: نشرت منشوراتٍ تزيدُ على (100) منشورٍ، أنتقدُ فيها النظامَ الإيرانيّ، ووصفتُه بالمجرم القاتل، وأوضحتُ أنّ مذهبَ الشيعةِ الإماميّة السياسيَّ «الروافضِ» باطلٌ عندي، فلا يوجد في تاريخ الإسلام السياسيّ «نصّ، ولا تعيين، ولا إمامةُ ممتدّةٌ منحصرةٌ، ولا عصمةٌ لغير الرسلِ الكرام عليهم السلام، ولا بداءٌ، ولا رجعةٌ، ولا مهديٌّ».

عقائدُ الإماميّة «الروافض» هذه جميعها عندي باطلة، ومع ذلك ثمّةَ بهائمُ وحقراءُ ونواصبُ أنذال يقولون: إنّ عداب الحمش؛ شيعيٌّ إماميّ.

الخصلةُ الوحيدةُ الصحيحةُ في مذهب الروافضِ السياسيّ؛ هي ولايةُ الإمام عليٍّ عليه السلام؛ لقول الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم (مَن كنت مولاه؛ فعليٌّ مولاه).

وهذا الحديثُ متواترٌ عندي، ثلاثَ مرّاتٍ:

المرّةُ الأولى: على منهاجِ الأصوليين والفقهاء.

والمرّةُ الثانية: على منهاجِ المحدّثينَ أهل الأسانيدِ.

والمرّةُ الثالثة: متواترٌ عن الإمام عليٍّ عليه أزكى الصلاةِ والسلامِ حديثيّاً أيضاً.

والذي يذهب إلى تضعيفِ هذا الحديثِ أصوليّاً أو حديثيّاً؛ ناصبيّ خبيثٌ، أو جاهلٌ بعلمِ نقدِ الحديث جهلاً مطبقاً، حتى لو كان ابنَ تيميةَ نفسَه؛ فليس ابن تيميةَ بناقدٍ حديثيٍّ البتّة، وابنُ عبدِ الوهّاب جاهلٌ أصلاً!

سادساً: إنّ مذهبَ أهل السنّة العقديَّ والفقهيَّ؛ هو أكثرُ مذاهب المسلمين صواباً!

وفيه أخطاءُ كثيرةٌ، من وجهة نظري، والذين ينتفشونَ وينتفخون بمقولة «أهل السنّة والجماعة؛ هم أهلُ الحقّ، وهم الطائفة المنصورةُ، وهم الفرقةٌ الناجيةُ؛ جاهلون، أو كاذبون»!

سابعاً: لا يختلفُ اثنانِ من أهل السنّةِ؛ أنّ جيلَ الصحابة رضي الله عنهم؛ أفضلُ من جيلِنا، ومع فضلهم الذي لا يدانيهم فيه أحدٌ، لصحبتهم رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فقد قتل بعضهم بعضاً، وطعنَ بعضُهم ببعضٍ، وفارق بعضهم بعضاً، وحُجَجُ بعضِهم في تجويزه قتلَ أخيه الصحابيّ؛ باردةٌ سخيفةٌ، يضحك منها الصِغار!

بيد أنّ الإمامَ عليّاً، صاحبَ الحقّ الأكبرِ في كلِّ شيءٍ؛ لم يكفّر أبا بكرٍ وعمرَ وعثمان والزبير وطلحة وعائشة - رضي الله عنهم - بل أطاعَ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، ونصح لعثمان رضي الله عنه، حتى نفَرَ منه عثمان، وأومأ إليه بأن يغادرَ المدينةَ المنوّرةَ، فسكن «ينبع» ولزمَ قطعة أرضٍ، أقطعه إيّاها عمرُ رضي الله عنه أثناء خلافته.

ونحن اليوم - أجمعون أكتعون - لا نساوي أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ، عند أهل السنة، في الحدّ الأدنى!

فلماذا يُكفّر بعضنا بعضاً إذا اختلفنا، ولماذا يستحلُّ بعضنا دماءَ بعضٍ، وقد ظهر لنا أشدَّ الظهور أنّ الصحابةَ كانوا فريقين: فريق على حقٍّ، وفريقٌ على باطل!

  ثامناً: لستُ أدري بماذا يختلفُ النظامُ الإيرانيُّ عن أيّ نظامٍ سياسيٍّ عربيّ؟

أليس جميع حكّام العربِ، من مضيق طارقٍ، حتى مضيق هرمزَ؛ موظّفين عند العمِّ «سام» الأمريكيّ، لا يحرّكون ساكناً ولا يُسكّنون متحرّكا إلّا بتفضّلِه بالإذنِ؟

النظامُ الإيراني مبتدعٌ ضالٌّ - هذا صحيح - لكنّه بيقينٍ عندي؛ ليس تابعاً لأمريكا، أو الاتّحاد الأوربيّ، أو لدولةِ الكيانِ اللقيطِ المسخ!

فأيّهما أفضل - أو أيُّ الفريقين أقلَّ ضلالاً وخَوَراً وضعفاً - النظامُ الإيرانيّ المبتدع الضالُّ المجرم، أم النظامُ العلمانيّ الملحدُ - الكافرُ بنصِّ القرآن الكريم؟

أنا لا أقول لك: انتصرْ لإيرانَ، أو قِفْ بجانب إيران، أو زوّدها بالمال والدواء والغذاء، فأنا إنْ قلت ذلك؛ سأكون أكثرَ جهلاً وغباءً منكَ، ومن النظام الإيرانيّ ذاته.

إنّما أريد لكَ - أخي المسلم - أنْ لا تكسبَ إثماً، أو تقترف جريمةً عقديّةً، قد تخرجك من الإسلام.

أمّا أنا فأقول بأعلى صوتي: مَن كان يؤمن باللهِ وملائكتهِ وكتبهِ ورسلِه واليومِ الآخر.

ويؤمن بوجوبِ الطهارةِ والصلاة والصيام والزكاة والحجّ والجهاد، من أهل السنّة أو الزيديّة أو الإماميّة «الروافض» أو الإسماعيليّة، أو الإباضيّة؛ فهو مؤمن مسلمٌ، ولو كان لديَّ قُدرةٌ على نُصرتِه في مقابلِ الكافر الأصليّ؛ فلن أتوانى أبداً - واللهِ - حتى بمالي ونفسي!

هذا المؤمن المسلم، إذا اجتهدَ بأنه يحقُّ له قتلي أو نهبي أو طردي من بلادي؛ فإني سأقاتِلُه، وإن استطعتُ قتلَه؛ فسأقتُله من دون أدنى تأثّم، لكنني لا أكفرّه، ولا أُبغِضه بغضي للكافر الأصليّ؟

قال الله تبارك وتعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ! كَفَرْنَا بِكُمْ، وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه).

والحمدُ لله على كلِّ حال. 

السبت، 24 يناير 2026

  اجتماعيات:

السيرةُ الذاتيّةُ السياسيّةُ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عِبادِه الذين اصطفى).

أمّا بعدُ: طلبَ عددٌ من الإخوةِ الأفاضلِ؛ أن أكتب منشوراً موسّعاً عن مسيرتي السياسيّة، والحقُّ أنّ صحّتي لا تسمح لي بتطويلِ المنشورات، إضافةً إلى أنّني لست سياسيّاً، ولم يكن لي أيُّ أثرٍ سياسيٍّ في موطني سوريّا، فَضلاً عن غيرها من البلدان، رَغْمَ بلوغي الثامنةَ والسبعينَ سنةً هجريّةً من عُمُري!

وَسأختصر حياتي السياسيّةَ بفقراتٍ وجيزاتٍ، وأشهِد الله تعالى على صدقِ ما أكتب، إذْ ليس لديّ شهودٌ عدولٌ محايدون، أستدعيهم للشهادةِ، وما لا أتذكّرُه؛ أُغفله.

أوّلاً: ذكرتُ مرّاتٍ كثيرةً أنّ مَن عُني بتربيتي المباشرةِ؛ سيّدتي الوالدة «أمُّ عداب» بإشرافٍ مباشرٍ من جدّي الفارس السيّد إبراهيم بن «محمّد الحَمش» ومن شيخي عارف النوشي، ولا أعيه إلّا بعدما اشترى حصّة زوجة عمّي «مريم هبابة» وهي أمي من الرضاع.

فكان بيتُه مقابلَ بيتنا تماماً، وكان محترماً من أهلي، ومن سائر أهالي الحيّ، رحمهم الله تعالى.

بيد أنّ والدتي حدّثتني أنني كنتُ أحضر عندَه قبلَ انتقالِه إلى بيته المقابل لبيتنا، لكنني لا أتذكّر ذلك.

كان آل كنعان عامّةً - وآل الشيخ خالد شيخ الهبطة خاصّة - اشتراكيّون مؤيّدون للأستاذ أكرم بن رشيد الحورانيّ الرفاعيّ، ولم يكن أهلنا يفهمون عن الاشتراكيّة شيئاً البتّةَ، سوى أنّ الاشتراكيين ضدّ «الإقطاع» الظالمِ بوجهٍ عام، ومن أبناء الإقطاع لديّ إخوةٌ أكارم!

وسيأتي دليلُ هذا الكلام بعد قليل!

ثانياً: كنت صبيّاً متديّناً، مُنشغلاً بين لقاءِ الشيخ عارف النوشيّ اليوميّ، وبين الدوام في المركز الثقافي بتوجيه خالي سعيد بن محيي الدين النشتر، وبين تلبية رغبات جدّي، ولا أظنّ صبيّاً في العاشرةِ من عمره، يَعي أحداثاً سياسيّة مهمة!

ثالثاً: أوّل حدثٍ قريبٍ من السياسةِ أتذكّره؛ أنّ عمّي السيّد خالد بن إبراهيم الحمش؛ ترشّح لانتخابات ما بعدَ الانفصال عن مصر، عام (1961م) وكان رئيسَ الكادر الإعلاميّ والدعائيّ له؛ قريبُنا السيّدُ سعيد بن محمّد بلقيس الحوراني، يعاونه ابنُ عمّي المرشّحِ، السيّدُ عدنان بن خالد!

كان يجمعنا - نحن الصغار - «عداب - محمد سعيد - نصر - عبدالمنعم الحمش» وابنَ عمّتي محمّد رجب الجندلي، ورضيعي السيّد أحمد بن محمّد بلقيس - وهو شقيق السيّد سعيد، ويعطي كلَّ واحدٍ منّاً رُزمةً من أوراق الدعاية الانتخابيّة، عليها صورة عمّي السيّد خالد، وكتب تحتها في غالب ظنّي: «مرشّح الطبقة الكادحة - مرشّح العمّال والفلاحين».

بيد أنّ الاشتراكيين من أهلنا غضبوا من عمّي، وحزنوا لهذه الخطوةِ التي ستفرّق أنصار «أكرم الحوراني».

فضغطوا على عمّي خالد، فسحب ترشيحَه قبلَ موعدِ الانتخابات بأيّام يسيرة، فيما أحسب!

رابعاً: لم ينعقد مجلس الشعب كثيراً، حتى قام البعثيّون بانقلاب الثامن من آذار، عام (1963م).

خامساً: في الصفّ السابعِ كنّا طلّاباً في إعداديّة أبي الفداء، وكان موقعها جوارَ مسجد الحسنين، جِوارَ قلعةِ حماةَ، في مَدخل حيّ المدينة.

في الأسبوع الأوّلِ من هذا العام الدراسيّ، أنا وعددٌ من أبناءِ حيّ الفرّايةِ، وحيّ العليليّات، وأذكر منهم أخي السيّد أحمد رياض كزكز، كنّا نتشاجر مع أبناء الإقطاعِ، وربما نتضارب!

كان الإخوانُ المسلمونَ خارجَ حلبةِ هذا الصراعِ الطفوليّ ظاهراً، لكنهم كانوا مؤيّدين مُناصرين للإقطاع في حقيقةِ الأمر؛ لأنّ أقصى ما لدى الإقطاعِ من الذنوب؛ ظلمٌ وفسادٌ وخمرة ونساء، وهي معاصٍ - كما كانوا يقولون لنا فيما بعد - بينما الفكرُ الإشتراكيُّ فكرٌ إلحاديٌّ كافر!

حتى إنّ شيخنا محمّداً الحامد رحمه الله تعالى؛ حكم بطلاقِ زوجة من ينتخب أكرمَ الحوراني، أو أحداً من النوّاب الاشتراكيين!

سادساً: كان معي في الصفّ السابعِ اثنان من الإخوان المسلمين، هما الأخوان «هاني الزين» و«مخلص عمّار» عاتباني من أجل الخصامِ مع أبناء الإقطاع، من أجل رجلٍ لا يستحقّ الانتصارَ له.

قال لي أحدهما، ولا أتذكّر أيّهما الذي بدأ: يا أخ عداب: أنت أخ متديّن، تجيد تلاوةَ القرآن الكريم، وأخلاقُك عالية، كيف تدافع عن رجلٍ لا يصلّي، وتخرج زوجتُه سافرةً وتصافحُ الرجال؟

قلت لهما: أمّا الصلاة، فالرجل يُصلّي، وأنا شاهدته بنفسي يصلّي، في ساحة الزاوية الحريريّة، وليس بيني وبينه سوى جدّي السيّد إبراهيم.

فما دمتما كذبتما في هذه؛ فمسألةُ سفورِ زوجته، ومصافحتها للرجال الأجانب؛ هي الأخرى كذبةٌ أيضاً.

سابعاً: في الليلة ذاتها - فيما أتذكّر - زار الشاعرُ السيّد عبدالله بن حُسين الجندليّ - والدته بنت أختِ جدّي إبراهيم - جدّي في مضافته.

قصصتُ على جدّي ما قاله لي «هاني ومخلص» فتوجّه جدّي بالسؤالِ إلى عبدالله الجندليّ؛ لأنه كان مرافقاً لأكرم الحوراني، في تلك الأيام، وكان اشتراكيّاً صلباً، وهو شجاعٌ للغاية، فأجاب السيّد الجندلي: الأستاذ أكرم الحوراني لا يصلّي، ويدخّن كثيراً، هذا صحيح!

وزوجته مثقّفة، أو قال: أستاذة جامعية، تريدونها أن تلبس الملاية وتتخمّر يعني؟

نعم هي على الموضة، شأنها شأن جميع بناتِ العائلات الراقية!

غضب جدي إبراهيم بشدّة، وشتمَ ابنَ أخته الجندليّ وقبّحَ، ولعن أكرم الحوراني وزوجتَه وجميعَ أنصاره!

كان في مضافة عمّي «محمد حمشو» صورةٌ كبيرة لأكرم الحوراني، معلّقةً في صدر المضافةِ، ربما يبلغ طولها (70 سم) وعرضها أكثر من (50 سم) فأمر ولده «حمدو» بأن ينزلها من على الحائط، ويَهشمها بقدميه، ففعل ذلك أمامَ عينيّ!

وهذا يؤكّد ما قلتُه سابقاً، من أنّ الاشتراكيين من أهلي؛ لا يعرفون عن الاشتراكيّة، سوى أنها ثورة على ظلمِ الإقطاع وفسادِهم!

ثامناً: في اليوم الدراسي التالي؛ التقيتُ الأخوين «هانئاً ومُخلصاً» وأنا منكسر؛ لأنّهما كانا صادقين، وكذّبتُهما.

هممتُ بأن أعتذر منهما، لكنّ أحدهما أخرج من جيبه ورقة طبع عليها صورةُ أكرم الحوراني وزوجته وهي تصافح رجلاً أوربيّاً!

فقلت لهما: كلامكما صحيح، وأعتذر منكما!

فرحا كثيرا بهذا الموقفِ الجديدِ، ودعواني إلى حضورِ مجلس تربويّ بعد الظهر، في جامع الحسنين المجاور لمدرستنا.

صلّينا الظهر في مسجدِ «الحسنين» واستمعنا إلى محاضرة الأخ الدكتور غسّان عبدالسلام حمدون، وكان يومها طالباً بكلية الشريعة، في جامعة دمشق!

وإلى منشورٍ قادمٍ إنْ شاء الله تعالى.

والحمدُ لله على كلّ حال.

الأربعاء، 14 يناير 2026

في سَبيلِ العِلْمِ:

أسلوبُ السؤالِ والجواب في الكتابة!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحَمدُ للهِ، وسَلامٌ على عِبادِه الذين اصْطَفَى).

أمّا بعد: قيلَ لي: لو أنّك تكتبُ المنشورَ، من دون أن تجعلَه جواباً لسؤال سائلٍ؛ يكون أقربَ إلى المباحثِ العلميّةِ، وأَوْقعَ في نفوسِ القرّاء!

إذ انبعاثُ المنشورِ منك إلينا، من دون وساطةِ سائلٍ؛ يُشعرنا بأنّك صدّرتَ المنشورَ من بناتِ أفكارك، اهتماماً بموضوعه، وحاجتنا إليه!

أقول وبالله التوفيق: إنّ الأساليبَ الأدبيّةَ التي حملت إلينا علومَ وآدابَ أسلافِنا وشيوخِنا ومعاصرينا؛ كثيرةٌ جدّاً، ومَن قرأ البلاغةَ؛ يَعلَم أنّ أجملَ أساليب البيان العربيّ؛ حملت إلينا كلامَ الله تعالى «القرآنَ الكريم».

والذي قرأ القرآن الكريم؛ يوقن أنّه ليس على نمطٍ واحدٍ في كلِّ سورةٍ، فضلاً عن أن يكونَ أسلوباً واحداً في جميع سُوَر القرآن العظيم!

وأصدقاء الفقير عداب - كما يقول العمّ فيسٌ - اقتربوا من خمسة آلاف، وهناك أكثرُ من ألفٍ ينتظرون قَبولِ صداقتهم، إلى جانب عشرةِ آلاف من المتابعين!

ومن البدَهيِّ أنّ هؤلاء جميعَهم؛ لا يمكن أن يكونوا على رغبةٍ واحدةٍ، ومزاجٍ واحدٍ حِيالَ أسلوبي في تناولِ المسائلِ العلمية وغير العلميّة.

ومُذْ غدا «الفيس» يُظهر لي عددَ قرّاء مَنشوراتي؛ لم أجدْ منشوراً واحداً قرأه ألفُ متابعٍ و صديقٍ، إنّما قرأه أكثرُ من ألف!

فإذا أفادَ كلُّ قارئٍ من هؤلاء الأفاضلِ فائدةً واحدةً من كلّ منشور؛ فقد كسبتُ ألفَ حسنةٍ، والحسنة بعشر أمثالِها - في الحدّ الأدنى - فيكون الفقير عدابٌ يكسبُ في كلّ  يومٍ عشرةَ آلافِ حسنة!

ولا أظنّ واحداً منكم يظنّ بأنني أقترفُ مائةَ سيّئة، في كلّ يوم!

فلو وقعتُ بهذه الآثام - لا سمح الله تعالى - يبقى لي ممّا يرفعه الملكان إلى صحيفتي الخاصّة (9900) حسنة، وهذا فضل عظيمٌ من الله تعالى، أظنّه ينجيني في ساحةِ الحسابِ، بين يدي الحقّ تبارك وتعالى.

بناءً على ما تقدّم؛ عليك - أخي القارئ الكريم - أن تَشطبَ من ذهنك أنت السطرَ الأوّلَ، الذي ضايقك من المنشور، وأنا أتوقّع أنك لن تَنفُرَ من أسلوبي البيانيّ فيما تبقّى منه، هذا إذا لم تستمتع ببعضِه على الأقلّ!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.


الخميس، 8 يناير 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ والِدَةُ الرسولِ محمّد في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعد: إنّ إطلاقَ القولِ: «إنّ كلّ ما في الصحيحين من الأحاديث؛ صحيح».

والقولِ: «حديث الآحاد حُجّة في العقائدِ والأحكام» قاعدتان باطلتان، أفسدتا على المسلمين عقائدهم وأعمالهم وأخلاقهم، وجعلتاهم فرقا ومذاهبَ وأحزاباً (كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون)!

قال الإمام الخطّابي في معالم السنن شرح سنن أبي داود (1: 6):

« اعلموا أنّ الحديثَ عند أهله على ثلاثةِ أقسامٍ:

حديثٌ صحيحٌ، وحديث حسنٌ، وحديث سقيم.

فالصَحيحُ عندَهم: ما اتّصل سندُه وعُدّلَتْ نقلتُه.

والحسنُ منه: ما عُرف مخرجُه واشْتُهِر رجالُه، وعليه مدارُ أكثرِ الحديثِ، وهو الذي يَقبلُه أكثرُ العلماءِ، ويَستعملُه عامّة الفُقهاء» [انتبهوا إلى جملة: عليه مدار أكثر الحديث]!!

قال عداب: وهذا ينطبق على صحيح البخاريّ وصحيح مسلم؛ فإنّ أكثرَ أحاديثِهما من درجة «الحسن» خلافاً للإطلاقاتِ العامّة التي لم تبنَ على تخريجٍ ونقدٍ وتمحيص!

فقد خرّجت حتى عام (2012) (1390) حديثاً من أحاديثِ الأحكام، في صحيح البخاريّ: كتب (الطهارة والصلاة والصلوات الخاصة والصيام).

فكان عددُ الأحاديثِ الضعيفةِ أربعةَ أحاديث.

وكانت نسبةُ الأحاديث الحسنة (63%) من هذه الأحاديث.

وكانت نسبة الصحيح لذاته ولغيره (37%) منها.

فالقول بأنّ جميع ما في الصحيحين؛ صحيح؛ جعل أهل الحديثِ وأهل الفقه - على حدّ سواء - يتخبطون في الاستدلال بهذه الأحاديث، على هذا النحوِ الذي صوّره لنا الخطّابي رحمه الله تعالى، إذ قال في مقدمة المعالم (1: 3):

«فأما هذه الطبقةُ، الذين هم أهل الأثر والحديث؛ فإنّ الأكثرين منهم، إنمّا وُكْدُهم الروايات وجمع الطرق، وطلبُ الغريب والشاذ من الحديثِ، الذي أكثره موضوع أو مقلوب!

لا يُراعون المتونَ، ولا يَتفهمون المعاني، ولا يَستنبطون سِيَرها، ولا يَستخرجون رِكازَها وفقهَها، وربما عابوا الفقهاءَ، وتناولوهم بالطعن، وادّعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يَعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.

وأما الطبقةُ الأخرى، وهم أهل الفِقهِ والنَظر؛ فإن أكثرهم لا يُعرّجون مِن الحديثِ، إلاّ على أقَلِّه، ولا يَكادون يميّزون صحيحَه من سقيمه، ولا يَعرفون جيّده مِن رَديئِه، ولا يَعبؤون بما بلغهم منه؛ أن يحتجوا به على خصومَهم، إذا وافقَ مَذاهبَهم، التي ينتحلونها، ووافقَ آراءَهم التي يَعتقدونَها، وقد اصطلحوا على مواضعةٍ بينهم في قبولِ الخبرِ الضَعيفِ، والحديثِ المُنقطعِ، إذا كان ذلك قد اشتُهر عندَهم، وتعاورته الألسنُ فيما بينهم، من غيرِ ثَبَتٍ فيه، أو يَقينِ عِلمٍ به، فكان ذلك ضِلّةً مِن الرأيِ وغَبْناً فيه».

ولأجل هذا الذي استَيْقَنْتُه بعملي؛ أدعو دائماً إلى إعدادِ المجتهدين، وترك التعصّبِ للماضين، فليسوا هم- والله - بالصور المضخمة التي صوّرها لنا أتباعُهم، ولا عقولهم بالعقولِ التي تَحجُبُ عن النظر والاجتهاد عقولنا.

عودٌ على بَدْءٍ:

بإسنادي إلى الإمام مسلمٍ في كتاب الجنائز، باب استئذان النبيّe ربّه عزّ وجلّ في زيارة قبر أمّه (976) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ).

مدار حديث الباب على يزيد بن كيسان اليشكريّ، رواه عنه مروان بن معاوية الفزاريّ، ومحمّد بن عبيدٍ الطنافسيّ.

ويزيد بن كيسان هذا، قال فيه ابن حجر في التقريب: «صدوق يخطئ» وترجمه ابن حبّان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، وقال يحيى بن سعيد القطّان: صالحٌ وسطٌ، ليس هو ممن يُعتمد عليه.

وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديثِ، بعضُ ما يأتي به صحيح!

وقال الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».

ويزيد بن كيسان دون مرتبة صدوق بكثير، فحديثه هذا منكر!

هذا من جهةِ الإسنادِ، أمّا من جهة المتن:

فقوله فيه (اسْتَأْذَنْتُ ربّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأُذِنَ لِي) معارض معارضةً صريحةً لقول الله تعالى:

(وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) [التوبة].

فلو كانت والدةُ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من الفاسقين والكافرين؛ لما أذن الله تعالى لرسوله أن يزور قبرها.

وقال الله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) فالذي يبكي على قبر أمّه، ويَبكي مَن حولَه تأثّرا ببكائه؛ لا يكون راضياً أبداً أن يكون والداه من أهل النار!

ختاماً: الفقير عداب لا يقول: إنّ والدي الرسول مؤمنان؛ لأنّ وصف الإيمانِ يلحقُ من آمن بالله تعالى وبرسوله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ووالدا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم توفيا قبل بعثة ولدهما الرسول.

فنحن نقول: إنهم من الناجين يوم القيامةِ؛ لأنهما وأمثالَهما يشملهم قوله تعالى: (مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 5 يناير 2026

      مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ والدا الرسول محمّد في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ تلامذتي «السلفيين» منشوراً نَقلَه عن غير مسمّى، يبثت فيه كاتبه أنّ والدي الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم في النار:

- عبدُالله بنُ عبدالمطّلبِ بن هاشم الذي توفيّ والرسولُ رضيعٌ، وقيل: بل توفي قُبيلَ ولادة ابنه الرسول.

- آمنةُ بن وَهبِ بن عبدِ منافٍ الزُهريّة، التي توفّيت، وعمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ستُّ سنواتٍ.

أقول وبالله التوفيق:

عندما قال الله تبارك وتعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) [المسد] قلنا: إنّ أبا لهبٍ عمَّ الرسول محمّدٍ؛ في النار.

وعندما سكتَ القرآن عن عبدالمطّلب وأبي طالبٍ وعبدالله وأمثالهم؛ يجب علينا البحثُ عن أدلّةٍ أخرى، تصلح للقول بنجاتهم، أو القولِ بهلاكهم!

وقبل عرضِ أدلّة نجاتهم المختلفَ في دلالتها؛ علينا أنْ نعرضَ أدلّةَ هلاكهم الواضحةِ الدلالة!

أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ؛ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَا تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ (203) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ «هو ابن مسلمٍ» حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ «البُنانيِّ» عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (فِي النَّارِ) فَلَمَّا قَفَّى؛ دَعَاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ).

قال الفقير عداب: مدار هذا الحديثِ على حمّاد بن سلمةَ، ويقول عددٌ من النقّاد: إنّه من أثبتِ الناسِ في ثابتٍ البُنانيّ!

بيد أنّ البخاريّ لم يخرّج لحمّاد بن سلمةَ أيَّ حديثٍ أصلاً، إنّما خرّج له في المتابعاتِ!

وخرّج له بإسناد حديثِ الباب «حمّاد عن ثابتٍ عن أنسٍ» أربع رواياتٍ (2845، 2872، 3805، 6439) جميعها في المتابعاتِ، وهذا يعني أنّ البخاريّ يقبلُ حمّادَ بن سلمةَ في المتابعاتِ، ولا يَقبلُ ما ينفردُ به، وحديثُ البابِ من أفرادِ حمّادٍ، وأعرض عنه البخاريّ!

وقد عابَ ابنُ حبّان على البخاريّ عدمَ احتجاجِه بحمّاد بن سلمة، فكان مما قال في مقدمة صحيحه (1: 153): فإنْ قال «المدافع عن البخاريّ»: حمادٌ قد كثر خطؤه!

قيلَ له: إنّ الكثرةَ اسمٌ يَشتمل على معانٍ شتّى، ولا يستحق الإنسانُ ترك روايته، حتى يكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه!

فإذا فَحُش ذلك منه، وغلب على صوابه؛ استحق مجانبة روايته.

وأما مَن كثر خطؤه، ولم يَغلب على صوابِه؛ فهو مقبولُ الرواية فيما لم يخطىء فيه، واستَحق مجانبةَ ما أخطأ فيه فقط»!

وفي هذا النصّ المقتطعِ من كلامٍ طويلٍ لابن حبّان في حمّاد نَخلص إلى ثلاثةِ أمورٍ:

الأوّل: أنّ حمّاداً كبيرٌ جدّاً عند ابن حبّان، إذ قال في الثناء عليه:

«كان رحمة الله ممن رحل وكتب وجمع وصنف وحفظ وذاكر ولزم الدين والورع الخفي والعبادة الدائمة والصلابة في السنة والطَبَقِ على أهل البدعِ.

ولم يشك عوام البصرة أنه كان مستجاب الدعوة، ولم يكن في البصرة في زمانه أحدٌ - ممّن نسب إلى العلم - يُعَدُّ من البدلاء غيره، فمن اجتمع فيه هذه الخصالُ، لم استحق مُجانبَة روايتِه»؟

الأمر الثاني: حديثُ أنسٍ الذي يجعل والدَ الرسولِ في النار؛ أخرجه ابنُ حبّان في صحيحه، فيكون ممّا لم يخطئ فيه حمّادٌ، في نظرِ ابنِ حبّانَ!

الأمر الثالث: أقرّ ابن حبّان بأنّ حمّاداً يخطئ كثيراً، وما دام يخطئ كثيراً، وقد تفرّد بهذا الحديث؛ فلا ينبغي أن يخرّج هذا الحديثُ وأمثالُه في كتب الصحاح، وقد أصاب البخاريّ في ذلك!

يضافُ إلى ما تقدّم أنّ هوى حمّاد بن سلمةَ هوى البصريين، وفيهم ميلٍ عن آل البيت، ورواية فضائلهم.

ومما يؤكّد هذا، ما أسنده ابن عديٍّ في ترجمة حمّادَ بن سلمةَ (3: 44)  قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سَمعتُ هدبةَ بنَ خالدٍ يقول: صَلّيتُ على شُعْبَة «يريد: دعوتُ له» فقيل له: رأيتَه؟ فغضب وقال: رأيت حماد بن سلمة، وَهو خير منه، كان شُعْبَة سيّئاً، وكان رأيُه رأي الكوفيين.

والحديثُ يَحتمل من النقدِ أكثرَ ممّا ذكرتُ، وفي هذا القدر كفاية!

لننتقل بعد ذلك إلى موقفِ القرآن الكريم، ممّن أطلق عليهم علماؤنا «أهلَ الفترة» فأقول: يقول الله تبارك وتعالى:

1 (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) [النساء].

2 (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) [المائدة].

3 (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) [الإسراء].

4 (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43).

وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) [سبأ].

6 (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) [القصص].

7 (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) [السجدة].

قال الفقير عداب: يقول الله تبارك وتعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

ويقول عن قريشٍ: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا، وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ).

أليس هذا نصّاً صريحَ الدلالةِ بأنّ قريشاً لم يأتهم رسولٌ قبلَ رسولِ الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم، إنما جاء بعد فتورٍ من إرسالِ الرسل إليهم (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)؟

أفنتركُ هذه الآياتِ القرآنيةَ كلّها لنتشبّث بحديثٍ فردٍ مطلقٍ غريب، لم يروه عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى أنس بن مالك، ولم يكن من علماء الصحابةِ ولا فقهائهم!

ولم يروه عن أنسٍ، سوى ثابتٍ البُنانيّ، تفرّد به عنه حمّاد بن سلمة كثير الخطأ؟

لما سبق أقرّر مطمئنّاً أنّ حديثَ حمّاد بن سلمة هذا منكرٌ، مخالفٌ صراحةً للقرآن الكريم.

 والله تعالى أعلم

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 2 يناير 2026

      في سبيل العلم:

بين توقير العالم وتقليده!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحَمدُ للهِ، وسَلامٌ على عِبادِه الذين اصْطَفَى).

أما بعد: قال لي صاحبي: تعلمنا منكم أن من حق الإنسان إذا أشكل عليه شيء من كلام أخيه؛ أن يستفهم منه، قبل أن يتهمه ويشنع عليه، أليس كذلك؟

قلت: بلى هذا صحيحٌ، وأدبٌ عال.

قال: سمعتك مرات تثني على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

وقرأت لك منشورا قلت فيه: إنني أحبه أكثر من الأئمة الثلاثة الآخرين المتبوعين: مالك والشافعي وأحمد.

ثم قرأت لك منشوراً أو أكثر تعيب فيه التقليد، وترفض أن يكون التزام واحدٍ من المذاهب الأربعة واجباً أو حتى مندوباً.

وفي الوقت ذاته أنت ترفض الفوضى العلمية لدى الحركة السلفية التي تشاركك فكرة (اللامذهبية).

أرجو أن تشرح لنا هذين الموقفين بمنشور موسع، فأنا لست وحدي من يستشكل صدور هذه المواقف عنك.

أقول وبالله التوفيق:

يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:

«هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، الناس ثلاثةٌ:

فعالمٌ ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريحٍ، لم يستضيؤوا بنورِ العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق» نهج البلاغة.

قال الفقير عداب:

العلماءُ الربّانيون؛ هم العلماء المتحقّقون بالفهم والعلم والتقوى.

والمتعلّمون على سبيل النجاةِ؛ هم طلّاب العلم الشرعيّ.

والعوامُّ والجهّال؛ هم الهمج الرعاع، الذين يتقلّبون يمنةً ويسرةً، على حسب المزاج والرغبةِ ووُجهةِ المجتمع الفكريّة والعاطفيّة، التي يمكن تسميتها «العَقل الجمعيّ»!

إذْ ليست لدى هؤلاء ملكةٌ علميّةٌ راسخةٌ، ولا تربية إيمانية عالية، وهم الغالبية العظمى في كلّ أمّة (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)!

قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [التوبة].

والعلم نور يَهَبُه الله تعالى لبعضِ عبادِه، ومَن يظنُّ حضورَ مجالسِ العلم يجعلُ من الحاضرِ عالماً؛ فقد ظنّ باطلاً!

كنّا في مجلس شيخنا محمّد الحامد رحمه الله تعالى أكثرَ من ثلاثِ مائةِ طالبِ علمٍ، تخرّج عددٌ كبيرٌ منهم في كليّة الشريعة، وليس في تلامذة الشيخِ محمّد الحامد خمسةُ علماءَ مذهب، وليس فيهم مجتهدٌ واحد!

وهناك طائفة كبيرةٌ مُتعلّمون على سبيل النجاة، يدعوهم الناس علماءَ، وما هم بعلماء حتماً!

أنا الفقير عداب أحبّ المسلمين جميعاً السنيّ والشيعيّ والإباضيّ، وأُبغِضُ التعصّبَ لدى الجميع، وأمقتُ سوءَ ظنّ بعض المسلمين ببعضٍ، وأرفض رفضاً قاطعاً خضوعَ العلماء لأهواء الجماهير الجاهلة الرعاع!

وممّا لا ارتياب لديّ فيه؛ أنني أحبُّ العلماءَ أكثرَ من بقية شرائح المجتمع، حتى أكثرَ من المجاهدينَ والشهداءِ!

ويَتفاوت حبّي للعلماءِ بمقدار تحقّق بعضهم في التزكية أكثرَ من الآخرين.

أنا أحبّ علماءَ آل البيت أكثرَ من غيرهم، هذا صحيح؛ لأنّ هؤلاء علماء أتقياء، ولهم على الأمة كلّها (المودّة في القربى).

وأحبُّ العلماءَ الشجعانَ أكثرَ من غيرهم، حتى لو كان غيرُ الشجعان أعلمَ!

الإمام محمّد الباقر جدّي، والإمام زيد بن عليّ أخوه، الإمام زيد بن عليّ؛ أحبُّ إليّ من جدّي الباقر، رضي الله عنهم أجمعين!

الأئمة علي زين العابدين، وسعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمّد بن أبي بكر، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، جميعهم علماء، وجميعهم أحبّهم.

بيد أنّ محبّتي لهم؛ لا تستلزم تقليدَهم، ولو استلزمَتْ؛ للزم اتّباع المتناقِضات، إذ إنّ هؤلاء اختلفوا، كما اختلف الذين مِنْ قبلهم، ومَن بَعدَهم!

فاعترافي بأنّ هؤلاء علماء؛ يستلزم أن أوقّرهم وأحبّهم، وكونهم بشراً يخطؤون ويصيبون؛ فأنا أتخيّر من اجتهاداتهم ما أراه أقرب إلى الصواب، وهذا هو تكليفي الشرعيّ.

نأتي إلى الأئمة الأربعة (النعمان ومالك والشافعي وأحمد) رحمهم الله تعالى.

من وراء قراءتي تاريخ العلم الإسلاميّ في مصادر كثيرةٍ؛ لم يتوضّح لديّ أنّ أبا حنيفةَ أعلمُ أهل عصره، ولم يكن مالك أعلم أهل عصره، وكثيرون في عصر أحمد ابن حنبلٍ أعلم منه.

الشافعيُّ وحدَه كان أعلمَ أهلِ عصره، من وجهة نظري، ومع هذا لا أرى وجوبَ تقليدِه!

عندما أنجزتُ كتابي «القرآن الكريم ودعاوى النسخ فيه» عام (1977م) خالفتُ الشافعيّ في أربعَ عشرةَ دعوى نسخٍ، ادّعاها في القرآن الكريم!

أحبّ الشافعيَّ بالتأكيد، وأراه أعلمَ الأربعةِ يقيناً، لكنني لا أرى على أحدٍ وجوبَ تقليدِه!

تاريخنا العلميّ كلّه فرديّ، لم تؤسس له الدول الإسلامية، ولم ترعَه رعايةً مؤسّسيّة قطّ!

ويَجب على الأمّة أن تخرجَ من هذه الفردانيّة، إلى العمل المؤسسي الجماعيّ.

ويجب على الأمّة ممثّلةً بحكّامها؛ الاهتمامُ الأعلى بتخريج المجتهدين!

ويجب على الحكوماتِ المسلمةِ؛ أنْ لا تنظر إلى موافقة «اليونسكو» على البرامج والمناهج الدراسية، التي تتبنّاها، خاصّة في التخصصات الشرعيّة!

وعلى الحكومات المسلمةِ؛ أن ترعى المتفوّقين النابهين وكفايتهم من بداية طلبهم العلم، حتى يحصلوا على درجة الاجتهاد.

وحتى يتحقّق العالمُ بمرتبة الاجتهادِ حقيقةً؛ على الجهاتِ المنظّمة لإعداد المجتهدين الأخذُ بأقسى شروط الاجتهاد، الذي رواها الخطيب البغدادي في كتابه «الفقيه والمتفقه» عن الإمام الشافعيّ إذْ قال: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللهِ ، إِلَّا رَجُلاً عَارِفاً بِكِتَابِ اللهِ :

بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ.

وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ.

وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ.

وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ.

وَمَا أُرِيدَ بِهِ, وَفِيمَا أُنْزِلَ.

ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيراً بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ  صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ, بَصِيرًا بِالشِّعْرِ, وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنه لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ.

وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ, وَقِلَّةَ الْكَلَامِ.

وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفاً عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.

وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا.

فَإِذَا كَانَ هَذَا «العالمُ» هَكَذَا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا؛ فَليس له أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي».

إنّ بلوغَ درجةِ الاجتهادِ؛ ليس محالاً، ومن ظنّ الأقدمين أذكى منّا؛ فقد ظنّ باطلاً!

وبين أيدينا من التِقنياتِ والوسائل الميسّرة لتحصيل العلم؛ ما لم تكن تَعرفه البشريةُ قبل خمسين عاماً، فضلاً عن ألف عام مضت وانقضت!

والذي يقرأ تراجمَ كبار العلماءِ، ويطّلع على تراثهم العلميّ؛ قلّما يجدُ لأحدهم ذلك التميّز الصارخ لديهم.

طلبةُ العلم يعرفون منزلةَ الإمام مالكٍ، عند علماء الأمّة عامّةً، وعندَ المحدّثين خاصّة!

وموطّأ الإمام مالكٍ - وهو الأثر العلميّ الوحيدُ له - إذا وَزنتَه بمسندِ الإمامِ أحمدَ مثلاً؛ فلا يساوي أكثرَ من جُزءٍ من عشرين جزءاً منه!

جملة رواياتِ موطّأ مالك - حسب موسوعة صخر - (1594) روايةً!

الأحاديثُ المرفوعةُ المنسوبةُ إلى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم (736) حديثاً، منها الصحيحُ، ومنها الضعيف!

والآثار الموقوفة على الصحابة رضي الله عنهم (599) أثراً.

والأخبارُ المقطوعةُ على التابعين، فمن دونهم، رحمهم الله تعالى (248) خبراً.

ولم يدّعِ مالكٌ، ولم يُدَّعَ له؛ أنّه كان يحفظ الأحاديثَ المرفوعةَ في كتابه!

بدليلِ أنّه كان يمسك بكتابه، ويعرضُ عليه الطلبةُ ما جاءَ فيه!

ومع هذا يُصرّ المالكيّة وكثيرٌ من أهل الحديثِ؛ على أنّ مالكاً أعلمُ أو من أعلمِ الأئمّة بالحديث!

إنّ العلومَ كلّها تراكميّةٌ، إلّا علومَنا الإسلاميّة، وعلماءَنا المسلمين؛ فإنّ الأقدَمَ هو الأعلمُ والأتقى والأذكى!

إنّ هذا الواقعَ غدا أقربَ إلى المسلّماتِ المتصالَحِ عليها، وليكن ذلك كذلك لدى العامّة وصغار طلبةِ العلمِ.

أمّا أن ينشأَ طالب العلم، فيصبح عالماً، كما يظنّ نفسَه ويظنّه الناس، وهو يعتقد بهذه العقيدةِ، ويذهب هذا المذهب؛ فهذا تخلّف علميٌّ، وجمودٌ هادم!

كوّن رئيسُ جامعة صدّام للعلوم الإسلامية لجنةً أسماها «لجنة مراجعة المناهج الدراسيّة» وجعلني عضواً فيها، بصفتي رئيس اللجنة العلمية في كليّة أصول الدين يومئذٍ!

تبادلنا الحديثَ حيالَ الاجتهادِ والتقليد، ونبّهتُ إلى ضرورةِ إعداد المجتهدين؛ فقال أحدُ أعضاء اللجنة، وهو بروفيسور «أ د»: «يا شيخ عداب: أين نحن من علم أبي حنيفةَ مثلاً؟ أنا واللهِ لا أفهمُ كلامَه» أو قال: «لا أفهم بعضَ كلامه»!

قلت له: يا أستاذي، أنا أفهم كلامَ الله تعالى من الفاتحة إلى الناس، فهل كلام أبي حنيفةَ أعمقُ من كلام الله تعالى، أو هو أكثرُ غموضاً وتعقيداً؟

حتماً هو ليس أعمقَ من كتاب الله تعالى، ولم يُعْرَفْ عن أبي حنيفةَ البلاغةَ أصلاً!

فلو سلّمنا بأنّك لا تفهم كلام أبي حنيفةَ؛ فهذا يعني أنّ كلامه غامضٌ ومعقّد، فهل تَرى هذه مزيّةً لكلام أبي حنيفةَ، ولماذا يجعلُ كلامَه غامضاً إذا كان قاصداً، وهذا نقيضُ البلاغةِ والفصاحة!

فبكى الأستاذ الدكتور خشوعاً وخضوعاً بين يدي قداسةِ كلام أبي حنيفةَ، المنقولِ عنه شفويّاً، ولم يخطّ منه بيراعِه صفحةً واحدة!

هذه المواقفُ - من وجهةِ نظري - قصورٌ في التأهيلِ العلميّ، أو إنّها حِفاظٌ على المنزلةِ العلميّةِ التي يحتلّها كل «بروفيسور» أمثال أستاذنا هذا؛ لأنّه إذا تجاوزها إلى ما فوقها؛ لم يجدْ نفسَه متأهّلاً للتربّعِ على كرسيٍّ «فوقَ»!

ختاماً: أدعو حكومة «الجمهورية العربية السوريّة» خاصّةً، إلى الاهتمام الحقيقيّ بتأهيلِ العلماء ورعايتهم وتطوير إمكاناتهم ومهاراتهم، حتى يكون لدينا مؤسساتٌ علميّةٌ تُوَحّد المجتمعَ السوريّ، وتلزمه بنتائجِ اجتهاداتِ تلك المؤسساتِ، بعد أن تكونَ حوَتْ علماءَ حقيقيّين مؤهّلين، يمتلكون أدوات الاجتهاد.

والله تعالى أعلم.

    والحمد لله على كلّ حال.