مَسائِلُ فِكْريّةٌ:
أينَ علومُ آل البيت !؟
بسم الله الرحمن الرحيم
كتب إليّ معرّضاً، وربَما مستخفّاً مستهزئاً، يقول:
«قرأتُ لك مرّاتٍ؛ أنّك تَعُدُّ نفسَك من «علماء آل البيت» في الوقت الذي تُهوّنُ
من شأنِ تراث آل البيت الروائيّ عند مذاهبِ الشيعةِ كلّها، وهو لا يساوي عندك
بصلة!
فمن هم آل البيت الذين أنت فيهم عالم، ومن أيّ
المصادر الروائيّةِ تعرّفتَ إلى مذهبهم»؟
أقولُ وبالله التوفيق:
قبل سنتين من مثل هذا الشهر؛ كتبت منشوراً بعنوان «أين علوم
آل البيت الصحيحة» ويبدو أنّ السائل جديدٌ على صفحتي، أو ليس متابعاً بدقّةٍ، فسيكون
منشوري هذا مكمّلاً لذاك المنشور.
من المعلوم لدى الباحثين من طلبةِ العلمِ خاصّةً؛
أنّ الغالبية العظمى من آل البيت «علماءَ وعامّة» حتى نهاياتِ القرن الخامس
الهجريّ، كانوا يتبعون مذهب الإمام زيد بن عليّ، وبعضهم كان يتبع المذهب الجعفريّ،
وبعضٌ قليلٌ آخر كان يتبع المذهب الإسماعيليّ. وكانت النصيريّةُ فرقةً مرذولةً
مكفّرةً من جميع مذاهب أهل البيت، قبل أن يظهر المذهبُ الدُرزيّ بقرون!
وظلَّ الأشرافُ الزيودُ يحكمون مكّةَ المكرّمة، إلى
أنْ سيطرت الدولة العثمانيّة على الحجاز، فانتمى بعضُ حكّام مكّة إلى بعضِ مذاهب
أهل السنّة، إلى أنْ أسقطت بريطانيا حكومتَهم بأيدي «وهّابية نجد».
وأنا الفقير وُلدتُ شافعيّاً عام (1949) وظللتُ
شافعيّاً حتى العام (1964) عندما وجّهنا شيخُنا الدكتور غسّان حمدون الواعي -
عافاه الله تعالى وشفاه - إلى مذهب أبي حنيفة؛ لتتقاربَ آراءُ وأفكار أسرتِنا التي
يوجّهها هو من جهة، ولنفيدَ من علوم شيخنا محمّد الحامد، رحمه الله تعالى، من جهةٍ
ثانيةٍ، بصفته شيخَ الإخوان المسلمين في مدينةِ حماةَ يومئذٍ!
وفي عام (1970) قرأت على شيخي الشهيد مروان حديد «متنَ
أبي شجاع» بشرحه كفاية الأخيار، وقرأتُه على شيخي «محمّد لطفي الفيّومي الحنفيّ»
وقرأت عليه متن القُدوريّ.
وفي عام (1973) قرّرت الرجوعَ إلى الأصل، وبدأتُ
التوسّع في قراءة المذهب الشافعيّ، على نحوِ ما توسّعت في قراءة المذهب الحنفيّ من
قبلُ!
وقد ذكرتُ في كتابي عن «المَهديّ» أنني تعرّفت إلى
شابٍّ شيعيٍّ زيديّ، وشابٍّ شيعيّ جعفريّ، في صيف عام (1969) وقبل ذلك التاريخ؛ لم
أكن أتردّد في تكفير الشيعة الجعفريّة والشيعة الإسماعيليّة، وكان الزيديّة عندي
وعند مشايخي مبتدعةً ضلّالاً، فهل تتوقّعُ من مقلّدٍ غيرَ هذا «السُخام الأليَلِ»!
عندما صحبت شيخنا الكبير حقّاً، السيّد محمد الحافظ
التجّاني (1976 - 1977) رحمه الله تعالى، ورضي عنه؛ كَبحَ كثيراً من جماحي، وعدّل
من تعصّبي أكثرَ وأكثر، وأفهمني أنّ التكفير «صَنعةُ المفلسين» وكان ممّا كرّره
عليّ مرّاتٍ ومرّات، ما معناه: «يا شيخ فيصل: عندما تقول: هذا القول، أو هذا الفعل
بدعة، وهذا العالم مبتدع، ماذا تقصد؟
إذا كانت البدعةُ منسوبةً إلى رجلٍ غير عالمٍ؛ فهي
بدعةُ ضلالةٍ حقّاً؛ لأنّ العاميّ لا يحقّ له الاجتهاد، حتى يقال: اجتهد فأخطأ!
أمّا العالم القادر على الاجتهاد؛ فالحديث الشريف
يقول: إذا أصاب؛ فله أجران، وإذا أخطأ؛ فله أجرٌ واحدٌ!
كيف يكون مأجوراً على اجتهاده، ويكون مبتدعاً
ضالّاً، واجتهاده هذا سيقوده إلى النار؟
يعني جدّك علي زين العابدين، اجتهد فكان يصلّي
اثنتي عشرة ركعةً، وقيل: ستّ عشرة ركعةً بين العصرين، وقيل: أكثر من ذلك، وهذا لم
يفعله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا نُقل عن أحدٍ من الصحابةِ مواظبتُه
عليه، أهو مبتدع؟
وجدّك جعفر الصادق؛ لا يُوقع الطلاقَ البدعيَّ
كلّه، ولا يوقع طلاق الغضبان، وطلاق الثلاث في مجلسٍ واحدٍ عنده واحدة، أفكان
مبتدعاً ضالّاً، وسيذهب إلى النار؟
وأبو حنيفة عندما اجتهد بمسألة (دَرء الحدّ لمكان
العقد) وهي مسألة شنيعةٌ، كان ضالّاً، وسيدخل النار؟
والإمام الشافعيّ عندما قال: (لا حُرمةَ لماء
الزنا) وهي مسألة شنيعةٌ أيضاً، أفيكون ضالّاً أيضاً، وسيدخل النار ؟
قلت له: ما ذا نقول إذن؟
قال: إذا اجتهد العالم وأخطأ من وجهة نظرنا؛ فنقول:
اجتهد وأخطأ، ونرجو له العفو والمسامحة!
قلت له: وهؤلاء الشيعة «الزيديّة والجعفرية
والإسماعيليّة» وتاريخهم أسود مع أهل السنّة، ماذا نقول عنهم؟
قال: يجبُ التفرقة بين ثلاثةِ مستويات من المواقف:
المستوى الأدنى: هو المستوى السياسيّ، وقل عن
الساسة ما شئتَ، فكما أنّ حكام أهل السنة لا يَمثّلونهم غالباً، فكذلك هذه الطوائف
الثلاثُ؛ لا يُمثّلها حكامها، والحكم على تصرّفات الحاكم؛ مَردّه إلى القضاء، وليس
إلينا.
المستوى المتوسّط: جمهورُ الشيعة، الذين نسمّيهم
«العوامّ» فهؤلاء مقلّدة مساكين، حسنٌ منهم أنهم يصلّون ويصومون، فما مصلحتنا
بتكفيرهم؟
هؤلاء ندعو لهم بأن يرحمهم الله تعالى، فليس كلّ
مسلمٍ قادراً أن يكون من أهل العلم!
المستوى الثالث: مستوى العلماء، وطلبةِ العلم - من
أمثالنا - فهؤلا الذين يُلامون، أو يُعذرون»!
استغربت كلامَه غايةَ الاستغراب، وقلت له: يا
مولانا لم أسمع مثل هذا الكلامِ من قبلُ، وأنا أستغربُه جدّاً، أنا أعلم أنّ هذه
الفرقَ الضالّةَ عدوّةٌ لنا، وتكيد لأهل السنّة، وتستبيح دماءَهم؟
قال: الجهل منتشرٌ عند أهل السنّة وعند غيرهم،
وأتوقّع أن يكون عند غيرهم أشدَّ وأنكى!
قلت: لماذا تتوقّعون هذا التوقّع سيّدي؟
قال: لأنّ كتبهم تطفح بالروايات الباطلة والموضوعة
والغاليةِ غلوّاً فاحشاً، وتعصّبهم الشديد ضدّنا بسبب هذه الكتب المشحونة، وأنا
قرأتُ بعض كتبهم الفقهيّة، فوجدت فيها علماً، وإنما تجد الغلوّ والضلالَ في كتب
الرواية» انتهى مرادي من كلامه الطويلِ!
وأنا الفقير عداب، نشأتُ في بيئة سنيّة، متعصّبةٍ
جدّاً، وليس كما يقول بعض السوريين: إنّهم متسامحون، فهذا غير صحيح أبداً!
نعم يمكن أن يتسامح السوريّون مع المسيحيّ والفاسقِ
والفاجر والمغنّي، وبعضهم قد يَتسامحُ مع مَن يشتمَ الله تعالى والرسول والدين،
لكنْ أن يكونوا متسامحين مع طوائفِ الشيعة؛ فهذا غيرُ صحيحٍ بتاتاً!
أشهد أنني سمعتُ بعض نسائنا في حيّ «الفراية» يشتمن
أولادهّن، وغيرَ أولادهنّ أحياناً بهذه الشتائم:
ألعن أبوك نصيري!
ألعن أبوك درزيّ
ألعن أبوك سمعولي
ألعن أبوك متولّي
ألعن أبوك رافضي!
ولم أسمع واحدةً تقول تشتم طفلاً بقولها: ألعن أبوك
ناصبيّ، أو يزيدي مثلاً!
وهذه اللعناتُ أثرٌ من ثقافةٍ كانت سائدةً في
المجتمع السوريّ، تعبّر عن رفضهم لأتباع هذه المذاهب كلّها.
وممّا لا ارتياب به عندي؛ أنّ علوم «آل البيت» لم تَكنْ
من اهتماماتِ «علماء أهل السنّة» بتاتاً، وإليك البيان:
عدّ الحافظ الذهبيّ الأئمّة علي زين العابدين، وولدَه
محمّداً الباقرَ، وحفيدَه جعفراً الصادقَ من الحفّاظ.
قال في ترجمة الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ، الملقّب
بزين العابدين، في كتابه «تذكرة الحفاظ» (1: 60): « قال الزهري ما رأيت أحداً كان
أفقه من علي بن الحسين، لكنه قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته، وأحسنهم طاعة.
وقال مالكٌ: بلغني أنه كان يصلي في اليوم والليلة
ألف ركعةٍ، إلى أن مات!
قال مالكٌ: وكان يُسمّى زينَ العابدين لعبادته» أكتفي
بهاتين الجملتين.
وقال الذهبيّ في ترجمة محمّد الباقر، في تذكرة
الحفاظ (1: 94): « أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي
العلوي المدني أحد الأعلام، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم:
بَقرَ العلم: يَعني شَقّه فعَلِم أصلَه وخفيَّه.
وقيل: إنه كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين
ركعة، وعده النسائي وغيره في فقهاء التابعين بالمدينة» وأكتفي بهذا أيضاً.
وقال في ترجمة زيدِ بن عليٍّ الشهيد، في النبلاء
(5: 390): « زَيْدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ... كَانَ ذا عِلْمٍ
وَجَلاَلَةٍ وَصَلاَحٍ، هَفَا، وَخَرَجَ، فَاسْتُشْهِدَ.
قَالَ
عَبَّادٌ الرَّوَاجِنِيُّ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بنُ القَاسِمِ التمّار، قَالَ:
دَخَلتُ عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَعِنْدَهُ نَاسٌ مِنَ الرافِضَةِ، فَقُلْتُ:
إِنَّهُم يَبْرَؤُوْنَ مِنْ عَمِّكَ زَيْدٍ.
فَقَالَ: بِرَئَ اللهُ مِمَّنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ،
كَانَ وَاللهِ أَقرَأَنا لِكِتَابِ اللهِ، وَأَفْقَهَنَا فِي دِيْنِ اللهِ،
وَأَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ، مَا تَرَكَنا وَفِيْنا مِثْلُه».
وقال في ترجمة جعفر الصادق، في التذكرة (1: 125): «
جعفر بن محمد بن علي ابن الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي الإمام أبو عبد
الله العلوي المدني الصادق: أحد السادة الأعلام، وثقه الشافعي وابن معين، وقال أبو
حاتم: ثقة لا يُسأَل عن مثله. وعن صالح بن أبي الأسود قال: سمعت جعفر بن محمد
يقول: سلوني قبل أن تفقدوني؛ فإنه لا يحدثكم أحدٌ بعدي بمثل حديثي.
وقال هَيّاجُ
بن بِسطام: كان جعفر الصادق يُطْعِم حتى لا يُبقي لعياله شيئاً».
قال الفقيرُ عداب: هؤلاء بعضُ أعلامُ آل البيتِ،
بعد جيلِ الصحابة، وهم كما قرأتُم أعلامٌ وسادةٌ وعُبّاد وزهّاد وكرام وفقهاء،
فأين علومهم في كتب أهل السنّة؟
سيقولون لك: نقلَها إلينا كذّابو الشيعةِ
وضعفاؤهم!!
قل لهم: ولماذا تركتم علومَهم لينقلَها كذّابو
الشيعةِ وضعفاؤهم، ولم تنقلوها أنتم، وهم بهذه الفخامةِ من الصفاتِ النبيلةِ،
وبهذه الفَقاهةِ الفريدةِ، النادرِ مثلُها في أعلامكم؟
الفقير عدابٌ ليس وحدَه الذي يجهل مذهبَ أجداده
«علماء آل البيت» إنما يجهله جميع علماء أهل السنّة المنتسبين إلى آل البيت، بحكم
النشأةِ والبيئة التي تشمئزّ إذا ذكرت مسألة لعالم من علماء آل البيت، مما لا
يعرفونه من مذاهب أهل السنّة؛ لأنها مسائل شاذّةٌ مستنكرةٌ، لا يجوز الفتوى بها، لأنّ
الله تعالى حصرَ الخيريّة في المذاهب الأربعة!
ألم تسمع مئاتِ العلماء يقولون: «لا يجوز الخروج
على المذاهب الأربعة»؟
وقد لخّص ابن خلدون نظرةَ أهل السنّةِ إلى مذهب أهل
البيت، بهذه الجملة المختصرة الواضحةِ، فقال في مقدمة تاريخه (1: 564): «وشذّ أهلُ
البيتِ بمذاهبَ ابتدعوها، وفقهٍ انفردوا به، وبنَوه على مَذهبهم في تَناوُل بعضِ
الصّحابةِ بالقَدح، وعلى قولهم بعصمةِ الأئمّةِ، ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي
كلّها أصول واهيةٌ، وشذّ بمثل ذلك الخوارجُ، ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم، بل
أوسعوها جانبَ الإنكار والقَدح.
فلا نَعرفُ شيئاً مِن مذاهبهم، ولا نَروي كتبَهم،
ولا أثرَ لشيءٍ منها إلّا في مواطنهم».
قال عداب: جميع شذوذاتِ وأفراد أئمّة أهل السنة؛
يقال عنها: «اجتهاد فقيه، اجتهد فأخطأ» أمّا علماءُ آل البيتِ، من أمثال الأربعةِ
الذين ذكرنا؛ فأصحاب شذوذ وأفراد !
وأنا الفقير عداب، إن بحثتُ عن مذهب «أهل البيت»
فلا أبحث عنه لأقلّده، فأنا لا أقلّد في ديني سوى رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم، وإنما أبحث عن مذهب أهل البيت للعلم والمعرفةِ، والترجيح فيما لا نصّ فيه،
أو تعارضت فيه النصوصُ أمامي.
وشَطْرٌ من مذهب آل البيت مدوّنٌ محفوظ في نظري،
وهو القَدْر المتّفق عليه بين الزيديّة والجعفريّة والإسماعيليّةِ الأوائل قبل
القرن الخامس الهجريّ.
وَجْهُ ذلك عندي؛ أنّ هذه الفرقَ الثلاثَ يكفّر
بعضُها بعضاً، وثلاثتُها تزعم أنّ ما هي عليه هو «مذهب أهل البيت» فيكون القدرُ
الذي اتّفقوا عليه؛ هو مذهبُ أهل البيت.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق