الاثنين، 8 مايو 2023

      ضرائب النسب الشريف [2023 [1]:

تَوثيقُ أنسابِ أشراف العراق!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب إليَّ أحدُ الإخوةِ يقول: سمعتُ من أحدِ تلامذتك يقول: إنّكَ أنتَ مَن سعيتَ في توثيق أنساب أشرافِ العراق، فهل تحدّثنا عن هذه القصّة رجاءً، ولكم الشكر ؟!

أقول وبالله التوفيق:

آليتُ على نفسي أنْ لا أتحدّث عن شيءٍ من حياتي التي قضيتها في العراقِ، فإن وُجد لديّ وقتٌ؛ سجّلت أبرز أحداثِ عشر سنواتٍ (1992 - 2002) في كتاب!

لأنّ العراقيَّ لا يتقبّل أن يكون أحدٌ أعلى يداً منه، ويأبى أن يكون لأحدٍ عليه فضلٌ أو منّة، ومن النادر أن تجد فيهم شاكرين!

كنت أعطي عميدَ كليّتنا الدكتور عبدالحكيم السعديّ مبلغاً شهريّاً؛ ليساعد به الأساتذةَ الذين يقبلون المساعدةَ، فغضب مني مرّةً وقال لي: «أفهمني لخاطر الله، لماذا تصنع أنت هذا الشيء، لماذا هذه الأموال تنفقها في رأس كلِّ شهر»؟

قلت له: سبحان الله العظيم!

الناس كادت تكفُر من الفقر، وتسألني لماذا؟!

ألم تحدّثني أنت أنّ أكثر الناس عوناً للناس وصدقاتٍ؛ هم الكبيسات «آل الكبيسيّ» فما الفرق بيني وبينهم؟

قال: آل الكبيسي عراقيّون، أمّا أنت فغريب، والعراقي لا يقبل أن يمُنّ عليه غريب!

والله يمكن العراقيون يَقتلونك غداً يا شيخ عداب... إلخ!

قلت له وأنا أضحك: إذا قتلني أهل العراق؛ فدمي في عنقك يا حكيم، أنا قلتُ لك مراراً وتكراراً: أنا لا أرغب أن تقول لهم: «هذه هدية من الشيخ عداب» فالله يعلم من صاحب الهدية!

قال: تماما تمام، من أين لي أنا المال حتى أعطيهم، لا والله أخلّص رقبتي، وشوف خلاصك أنت بينك وبينهم!

هذه هي الحقيقة المرّةُ، التي انطبعت في قلبي عن هذا الشعبِ الفريدِ العجيب!

بدأ الحصار الدولي على العراق ، في عام (1990) وكلما طالُ أمدُه؛ ازدادت قسوة الحياة على الناس، وساءتْ أخلاق كثيرين منهم، أو بعضهم!

حتى إنّ بعض أساتذةِ الجامعاتِ؛ باعوا مكتباتهم، وبعض الناس باعوا أبواب بيوتهم ليطعموا أولادهم، والرئيس يبني القصورَ الفارهةَ والمساجدَ الجوامع العظيمة، كما يقول أهل العراق!

كان الرئيس صدّام حسين؛ يخصّ بعضَ وجهاء العراقِ ببعضِ الامتيازات الاقتصادية، ويخصُّ بعضاً منهم بعددٍ معلومٍ من براميل النفط المخفّضة الأسعار، في كلِّ شهر؛ لينتفعوا منها في تغطية نفقاتهم الكبيرة!

كان واحدٌ من هؤلاء الوجهاءِ من أشراف العراق، وكان يقوم على عملِه في النفطِ بعضُ تلامذته، وهو من الأشرافِ أيضاً!

اتُّهم هذا التلميذُ - أقول: اتُّهِمَ، ولا أقول: فَعَلَ! - بتزويرِ عددِ براميلِ النفطِ الممنوحة لشيخه، كما اتُّهم بتزوير توقيع الرئيس صدّام حسين!

اعتقلت الأجهزةُ الأمنيّةُ هذا التلميذَ الشريف، ووجّهت إليه هذه التهمة، وشاع خبرُ في بغداد؛ بأنّ الرئيس صدّام حسين سيحكم على هذا التلميذ بالإعدام!

اتّصل بي الشريف الوجيهُ - رحمه الله تعالى - فحضرت إليه، فوجدته يبكي، ويقول: تلميذُنا هذا بريء، إنّما وَجّهوا إليه هذه التهمة؛ لينالوا مني!

قلت له: ماذا تريد مني؟

قال: افعل ما تستطيع لعلّك تنقذ رقبة أخيك من حبلِ المشنقة!

ذهبتُ إلي بيتي، وكتبت رسالةً قاسيةً إلى الرئيس صدّام حسين، ثمّ صليت ركعتين ثمّ قرأتها، فعدّلْتُ فيها!

ثمّ قرأتُها بعد التعديل، فوجدتها قاسيةً، فقلت أزورُ سادتي أولياءَ بغداد!

قمت بزيارة جديّ عبدالقادر الجيلاني، وقرأت عليه الرسالةَ، فلم يُجبني بشيءٍ!

ثم زرتُ سيّدي أبا حنيفةَ، وقرأت عليه الرسالةَ، فلم يجبني بشيء!

ثم زرت جدّي موسى الكاظم - باب الجوائج - وقرأت عليه الرسالةَ، فلم يجبني بشيءٍ، رحمهم الله تعالى!

رجعتُ إلى بيتي حزيناً؛ لأنني لن أستطيعَ إرسالَ الرسالة، إذ إننا نحن الصوفيةَ لا نتصرّف إلّا بإذنٍ من أحدِ أولياء الله تعالى، الأحياء أو الأموات؛ لأنهم عندنا أحياء!

ولا يحسبّن أحدٌ هذا الإذنَ أكثرَ من انشراحٍ قلبيٍّ، وشعورٍ بالرضا!

صلّيت العشاءَ في البيت، ثمّ صليتُ الاستخارةَ ثلاثَ مرّاتٍ، أو أربع!

نُمتُ بعد حينٍ من الوقت، فرأيت في منامي أحد الصالحين - سوى من ذكرتُ - يقول لي: احذف الكلمةَ الخشنةَ، وأوصل الرسالةَ غداً باكراً!

راجعتُ الرسالةَ، فوجدتُ فيها جملةَ «وربَّ مُتَّهَمٍ أولى بالنفطِ والثروات ممّن اتّهمه ويُريد معاقبته» فعدّلتُها، ثمّ صليت ركعتين، ثمّ أوصلتها إلى اللواء «عبد حمود» ليسلمها إلى الرئيس صدّام.

مرّ ثلاثةُ أيّام؛ لم يُرسل إليَّ الرئيسُ أحداً موافقاً أو معاتباً، كما جرت عادته عقب كلّ رسالةٍ أرسلُها إليه.

فقرّرتُ أن أبلّغَ الرئيس رسالتي من على المنبر!

خطبت خطبةً طويلةً، جاهرتُ فيها برفضي أيَّ عقوبةٍ توقعها المحكمة العسكرية على هذا التلميذ، وكان ممّا قلته: يا سيادةَ الرئيس: إنّ الله تعالى ابتلاكَ بحُكمنا وابتلانا بحكمك!

ابتلاك بحكمنا؛ ليُظهر لنا حكمتك وعدلك واجتهادك في توصيل الحقوق إلى أصحابها!

وإذا كان المسؤولون عن أمنِ البلادِ، يوصلون إليكَ أنّنا بخير ونعمة وسعادةٍ؛ فإنهم كاذبون» وشرحت له أوضاع الناس، وكان فيما قلت: إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقطع يدَ السارقِ في عامِ الرمادة، بشبهة الحاجة (ودَرْءُ الحدود بالشبهات) مقصدٍ من مقاصد التشريع!

ثمّ يجب أنْ لا نغفلَ بأنّ للأشرافِ آل محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم حقوقاً في النفط والغاز والذهب واليورانيوم وسائر المعادنِ، غصباً عمّن يأبى ذلك من أدعياء العلم.

وإنني أناشدُ الرئيس صدّام حسينٍ الهاشميّ الحسينيّ أن يرفع هذه الظلاماتِ عن كواهلنا - نحن آل البيت - إذ هو ليس مطالباً أن يبقى متحمّلاً إثماً مضى عليه أربعة عشر قرناً، بسبب حرمان الولاة والسلاطين آلَ البيت من حقوقهم!

أناشدك يا سيادةَ الرئيس أن توثّق أنسابَ الأشراف، وأن تدفع إليهم حقوقَهم التي كتبها لهم الله تعالى في كتابه، ومضى عليها عمل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم طيلةَ حياته!

إذا أدّيتم إلينا حقوقنا، ثم غدر أحدٌ منّا بهذه الأمةِ، بخيانةٍ أو نهبٍ أو سرقةٍ؛ فأقيموا عليه الحدَّ الشرعيّ، أو ما ترونهم أنتم من عقوبةٍ حسب قوانينكم الثورية!

تصوّر يا سيادةَ الرئيسَ أن يأتي مقتدرٌ قويٌّ يغصبِ مِن قريبك مزرعةً له تبلغ مائةَ دونم، ويزرعها ويأكل خيراتها ويطرد صاحبها منها، فيضطرّ صاحب المزرعة الأصليّ أن يعمل عاملاً في مزرعة غيرها، وإذا كان عجوزاً كبيراً؛ يذهب فيتسوّل أصحاب الإحسان!

فإذا ما مضى العجوز صاحب الحقِّ إلى مزرعته، وقطف منها سلّةً من الثمار؛ طالب مغتصب المزرعة بإنزال عقوبة النُهبَةِ عليه!

هذا هو حالنا مع حكّام الأمّة، طيلةَ تاريخها يا سيادةَ الرئيس، فإلى متى ولماذا؟

وإذا لم تقم أنت برفع هذا الحيفِ والظلم والجور، بل والغصب عنهم، وأنت سيّدهم وكبيرهم وقائدهم، فمن سيقوم بذلك يا ترى؟

[جميع هذا الكلام بالمعنى من الذاكرة، والخطبة مع أكثر من (450) خطبةً أخرى، لدى الشريف المقرئ محمد المعموريّ، حفظه الله تعالى]!

كانت الخطبةُ طويلةً وشديدةً - وكان الرئيس صدّام يستمع إلى خطبتي مباشرةً، كما حدّثني رجاله الذين يرسلهم إليّ!

قٌبيلَ صلاة المغربِ بقليل؛ جاءني وفدٌ من قِبَل الرئيس إلى البيت، وقال لي كبيرهم بغضبٍ وحنَقٍ: ما هذا الذي تصنعه يا شيخ عداب؟

قلت له: ماذا صنعت؟

قال: صنعتُ ما لم يصنعه أحدٌ غيرك، ما هذا الكلام الذي لم نسمعه في حياتنا؟

خمس إيه ونفط إيه ويورانيوم، ليش هو ربنا تعالى خلقكم غير البشر؟!

المواطنون كلّهم شيء واحدٌ، والمؤمنون كلهم سواسية كأسنان المشط!

قلت له: هذا الكلام من عندك، أم من عند الرئيس صدام؟

قال: كلامي وكلامه واحد!

قلت له: إذا كان هذا كلامَك؛ فهو باطلٌ، ولا يساوي قليلاً ولا كثيراً!

وإن كان الرئيس أوصاك أن توصل إليّ هذا الكلام؛ فأبلغوه أن يستمع إلى الخطبةَ فالجواب هناك!

قال أحدُ الثلاثةِ الذين معه: لا لا، السيد الرئيس القائد لم يقل شيئاً من هذا الكلام!

السيّد الرئيس كتب إليك هذه الأسئلة، فأجبه عليها مشكوراً!

قرأت الأسئلةَ الثلاثةَ، وأجبت عليها، واعتذرت إليه عن توصيل كلامي إليه، من على المنبر؛ لأنّه مضى أيّامٌ ولم يردّ عليّ، وأنا خشيت أن يُقتَل الرجل المتّهم المسجون!؟

ثمّ كتبت إلى السيّد الرئيس برنامج عملٍ لتوثيق أنساب السادة الأشراف، على حسب ما أفهم، من سنّة وشيعة، عربٍ وأكرادٍ؛ لأنّ ربع أكراد العراق - على الأقلّ - ليسوا عرباً فحسب، بل هم هاشميّون، عاشوا بين الأكراد، فاقتبسوا لغتهم وطبائعهم.

ومضى الأمر عدّةَ سنواتٍ، وخرجت من العراق، في شهر تمّوز، أو آب (2002) وما تزال لجانُ التوثيق مستمرّةً في أعمالِها!

أمّا أنا فلم أقم بتوثيق نسبي، ولا بحصولي على بطاقة شريفٍ، مع أنّ أهلي في الموصلِ أكثرُ منهم في حماة بكثير!

هذه هي قصّةُ توثيقِ أنسابِ أشرافِ العراقِ، من أوّلها إلى آخرِها.

وأيِّ إنسانٍ عِراقيٍّ أو غير عراقيٍّ، يدّعي أنّ له يداً في لفتِ نظر الرئيس صدّام إلى هذه المسألةِ؛ فهو مفتر كذّاب، وربّ الأرضِ والسماءِ والسحاب!

والله المستعان.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

    والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 7 مايو 2023

  قَريباً مِن السياسةِ (10):

ماذا عن الانتخاباتِ التركيّة ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

منذ شهرٍ وحتى اليوم، وبعضِ الإخوة الأصدقاء يسألونني عن الموقف الشرعيّ من الانتخابات التركيّة؟

أقول وبالله التوفيق: سأجيب على هذا السؤال الصعب بفقراتٍ مختصرة جدّاً!

أوّلاً: الأمّة الإسلاميّة واحدة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) يستوي في ذلك العربيّ والتركيّ والكرديّ والأذريّ والهنديّ، والإفريقيّ، وسائر الأعراق الأخرى!

لكنّ هذا المعنى ضعُفَ في نفوسِ الناسِ، وغلبت القوميّة والإقليميّة عليهم؛ لسهولة مخادعة الإعلام المضلِّلِ لعوام الأمة، الذي يكوّنون (90%) من نسيجها الاجتماعيّ!

تجاهَ هذا؛ يتعيّن عليَّ أن أقول: ليس من حقّنا نحن اللاجئين والمقيمين أن نتدخّل في شؤون تركيّا الداخليّة بتاتاً، سواءٌ كنّا معجبين بسياسة الدولةِ التركيّة، أم كنّا منتقدين لها!

ثانياً: لعلّكم أصدقائي الكرام تعرفون رأيي بالديمقراطيّةِ، فأنا لست ديمقراطيّاً، ولا أؤمن بالديمقراطيّة، إنما أقول: الديمقراطيّة خير من الانقلابات العسكريّة، وخير من الاستبداد وتوريث السلطة!

ثالثاً: بعيداً عن الانتخاباتِ وعن الوصول إلى الرئاسةِ أو البرلمان، أنت أخي القارئ عزمتَ على تأسيس شركةٍ اقتصاديّة، في أيّ نوعٍ من أنواع التجارة، لا بدّ لك من مديرٍ لهذه الشركة، والخيارات بين يديك أسود أو أبيض، وليس هناك خيارٌ ثالث!

- مدير يحمل درجة البكالوريوس في أيّ تخصّصٍ كان، هو طاهرٌ، يحافظُ على طهارةِ بدنه وطهارة عرضه وطهارةِ قلبه!

يقيم الصلاة ويؤدي الزكاة ويصوم رمضان ويعتقد بوجوب الحجّ والعمرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو يجيد تلاوة القرآن الكريم ويقرؤه، ويفتتح مراكزَ لتعليمه وتعليم السيرة النبوية، وتحت إدارته مئات المدارس الدينية الشرعية.

- ومدير آخر أكبرُ همّه أن يرضى عنه الغرب الملحد، وهو لا يعرف عن الإسلام شيئاً، ولا يفرّق بين قول الله تعالى وقول البشر، ولا يُعرف عنه أنّه يقيم الصلاةَ أو يؤدي الزكاة، أو يصوم رمضان!

وهو فوق هذا؛ يجاهر بأنه سيغلق المدارس الدينية، ويغلق مراكز تحفيظ القرآن الكريم، ويأمر برفع الأذان بغير اللغة العربيّة، ويصرّح ويجاهر بأنّه علماني!

وفوق هذا كلّه، ففي مذهبه الدينيّ الذي صرّح بانتمائه إليه؛ مالُ الأمّة كلّه مجهولُ المالك، يحقّ لكلّ فردٍ في الأمة أن ينهبَه ويسرقه، وليس عليه إثمُ، إنّما عليه أن يتصالح مع المرجع الدينيّ على نسبةٍ يدفعها إليه؛ ليغدو ما نهبه من مال الأمّة حلالاً له!

فأيَّ المديرين تختار لشركتك؟

أمّا أنا الفقير عداب؛ فأشترط أن يكون رئيس الدولة ملتزماً بجميع أركان الإيمان وأركان الإسلام، وكذلك في مجلس التشريع «البرلمان» والوزارات، ولا يجوز أن يكون ثمّةَ علمانيٌّ واحد!

ولا أجوّز أن يكون في الوزارات والبلديات والدوائر الحكوميّة تاركُ صلاةٍ واحدٍ؛ لأنّ تارك الصلاة غير مؤتمن على دينه، فكيف آمنه على أديان الناس وأوطانهم، وأموالهم ودمائهم وأعراضهم؟

هذا ما لديّ في هذا الشأن، ونحن ضيوف على تركيّا، لا نتدخّل في شؤونها الداخليّة كلّها.

إنما نسأل الله تعالى أن ينصرَ الحقَّ وأهلَه، وأن يخذلَ الباطل وأهلَه، وأن يختار لتركيّا الخير والعدلَ والسعادة.

قولوا: آمين آمين!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

 اجتماعيات (54)

حدّثنا عن الذوقيّات !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عددٌ من الإخوة والأخوات؛ طلبوا مني أنْ أحدّثهم عن الذوقيّات في المأكل والمشرب والملبس والتخاطب الاجتماعيّ ...إلخ!

أقول وبالله التوفيق:

يجب عليَّ أنْ أقرّر ابتداءً أنني لست مثالَ الذوقيّاتِ، في خطابي وحواري، أو في مأكلي ومشربي، أو في ملبسي وانتعالي، أو في ترتيب بيتي.

وأكثرُ الذوقيّاتِ التي أتمسّك بها؛ نوعان: أحدهما فطريٌّ فيما يبدو لي، والثاني اكتسبته من والدتي، ومن شيخي الشهيد مروان حديد، رحمة الله عليهما، وبعضُ هذا من القراءةِ ومعايشةِ الناس.

وعليّ ابتداءً أن أقرّر بأنّ الأذواق تنبثق في الأصلِ مما يتعارفه الناس، ويشيع قَبولُهم له.

يضافُ إلى هذا أنّ ممارسةَ ذوقيّات الحياة الاجتماعيّة؛ تحتاج إلى مالٍ، وإلى توفّر لوازمها في الأسواق.

وقبل الاسترسالِ في التفريعِ على ما تقدّم؛ علينا أن نؤصّل لمسألة الأذواق، فنعرف موضعَها من دين الله تعالى.

يقسم علماء أصولِ الفقه مقاصدَ الشريعةِ إلى ثلاثِ شُعَبٍ كبرى:

الضروريّات - الحاجيات - التحسينات.

الضروريّات: هي ما يتحتّم وجوده لبقاء الحياة واستمرار الوجود.

والحاجيات: هي ما تتكامَل معه معيشَةُ الناس، وفقدانُها يسبّب لهم حرجاً شديداً.

والتحسينات: هي الكماليّات والتزينات.

ومسألة الذوق تدخل في إطار التحسينات الماديّة والمعنويّة واللغويّة وسائر مفاصل الحياة.

انظر إلى قول الله تبارك وتعالى، وهو يتحدّث عن ممارسة العلاقة الزوجيّة، التي لا يجد الناس أدنى حرجٍ من نطقها «الجماع» ماذا قال؟

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) [الأعراف ] فقد كنّى بالغِشيانِ عن الجماع، تلطّفاً وتعليماً.

وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى، وهو يتحدّث عن أضرار دم الحيضِ، ما ذا قال؟

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) [البقرة] فاعتزلوا النساء: اعتزالَ معاشرةٍ حسيّاً، وليس معناه اعتزالَهنّ أو عزلهنّ في غرفةٍ مستقلّة، ولا تقربوهنّ حتى يطهرن: أي: لا تَغشونهنّ حتى يغتسلن من دم المحيض الأذى!

عودٌ على بَدْءٍ:

عندما تخاطب أيّ إنسان؛ ليكن الرسول بينك وبينه نظرَة رحمةٍ وكلمةَ تلطّف!

انظر إلى جملة هذه الكمالاتِ التي قالها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في حديثٍ واحدٍ:

- (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ؛ لَكَ صَدَقَةٌ!

- وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ!

- وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ؛ لَكَ صَدَقَةٌ!

- وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ؛ لَكَ صَدَقَةٌ!

- وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ؛ لَكَ صَدَقَةٌ!

- وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ؛ لَكَ صَدَقَةٌ)!

أخرجه الترمذي في كتاب البرّ والصلة (1956) وقال: «حسن غريب».

ليس المقصودُ بالصدقة هنا؛ جنسَ الزكاةِ والإنفاق الماليّ، إنما المقصود بالصدقة الإحسانَ المعنويَّ الذي تؤجَر عليه، مثلما تؤجَر على البذل والإنفاق في سبيل الله تعالى.

ومن هذا الجنسِ من الصدقاتِ؛ قولُ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: (الكلمةُ الطيّبةُ صدقةٌ) أخرجه البخاري (2891) ومسلم (1009).

لست أدري أتأثّرت بأحدٍ، أم إنها الفطرة؟

مذ نشأتُ وعرفتُ تمييز الألوان والذوقيّات؛ أحبُّ أن يكون لون ثيابي الخارجيّة الأسودَ القاتمَ والبُنيَّ المحروق في الشتاء، واللون الأبيض والكريمي الفاتح جدّاً في الصيف!

ولو أردتُ أن أشتريَ لنفسي ثوباً؛ فلا أختار سوى هذه الألوان الأربعة.

ومن لوازم هذا؛ أن يكون غِطاء رأسي «الطاقية الباكستانيّة» من لون الثوب تماماً، وأن تكون الجواربُ والحذاء من لونٍ مطابق أيضاً، وأن تكون محفظتي وقلمي ومنديل جيبي كذلك!

هذا إنْ وجدت بغيتي في السوق، وكنت أمتلك المالَ اللازم لذلك!

عندما كَبُرْتُ، وغدوتُ شيخاً لديَّ تلامذةٌ كثيرون؛ غابت ذوقيّاتي تماماً حتى في ثيابي، وصارت خليطاً غيرَ متجانسٍ من اختيارات طلّابي، ولا أقول: من ذوقيّاتهم!

فصار في خزانةِ ثيابي: الأبيضَ والأسودَ والأزرقَ والأخضر والرمادي، وما شئتُ، وألبسُ أكثرها احتراماً لمُهديها، و شكراً لله تعالى على رزقه.

منذ أقمتُ تركيّا، عام (2015) وحتى هذا اليومِ، أبحث عن كؤوسِ شايٍ وفناجينَ قهوةٍ تروق لي؛ فلم أجد!

ولذلك فإنك لا تجد في بيتي كأساً أو فنجاناً يروق لي، بل قد تجد على طاولتي أنواعاً متعدّدةً من الكؤوس والفناجين، غير المنسجمة أصلاً!

أنا أحبَّ أن تكون ساريةُ صبّابِ القهوةِ يساريّةً؛ لتصبَّ القهوة بيسارك، وتمسك الفنجانَ بيمينك!

وقد وجدتُ مثل هذا الصبّاب «الدلّة - الدولة» لكنّه من معدنٍ خفيفٍ جدّاً، يتفاعل مع الماء المغليّ، إضافةً إلى غلاء سعره!

فلا أنا أجنيه لضرره، ولا أنا أستجيز دفع ثمنه الغالي، من أجل أن أشربَ القهوةَ على مزاجي!

لا يَروق لي أبداً أن يكون على طاولةِ القهوة والشايِ كؤوس متعددة الألوان والأشكالِ، بل إنّ ذلك يسبّب لي كدَراً نفسيّاً.

مع أنك قد تجد ذلك على طاولةِ شرابي فعلاً!

لكنْ لماذا؟

لأنني أضطر أن أشتري فناجينَ أو كؤوساً لا تروق لي، من سوق الحيِّ الذي أقيم فيه، ثمّ أجدُ ما هو أفضل قليلاً، فأشتريه، ثمّ أجد ما يقاربُ ذوقي فأشتريه!

ثم يكسر الأولادَ بعضَ هذا وذاكَ وذليّاك، فما يبقى لدينا يكون خليطاً غير متجانسٍ، يظهرنا بمظهر قلّةِ الذوقِ، والسبب هو ما تقدّم!

والأمرُ ذاتُه ينطبق على أدوات المطبخ كلّها، وعلى لوازم الحمّام، وعلى صالةِ الضيوفِ، وعلى غرفة المعيشةِ، وغرفة النوم!

المالُ والسعة!

لا تسألْ عن الذوقيّات لدى الفقير!

عندما غادرت العراقَ، أوّل مرّةٍ، عام (1999) اقترضتُ أجورَ الطريقِ من تلميذي الدكتور «عمر خير الدين الأيّوبي» حفظه الله تعالى، وأخذت معي زوجتي أمّ سعيد وأولادَها الثلاثةَ: سعيداً وحسناً، وحسيناً رحمه الله تعالى!

وتركت عشرةً من أولادي وأمَّهم في العراق، وليس في جيبي، سوى ثلاثةِ دنانير أردنيّة!

وصلنا عمّان الأردنّ، ونزلنا ضيوفاً على الدكتور محمد بن سعيد حوّى، شقيق زوجتي وخال أولادي.

اتّصلت بوالدي، وقلت له: إنني لا أملك أنا وأسرتي المتراميةَ ثمن الخبز، فأنجدني والدي بعدّةِ آلافٍ من الدولارات في اليوم الثاني!

استأجرتُ شقّةً مكوّنةً من غرفةٍ ومطبخٍ وحمّام، ريثما أجد عملاً!

لكنّ الأمنَ الأردنيّ - لا جزاهم الله خيراً ولا أحسنَ إليهم - اشترطوا عليَّ التعاملَ معهم، أو الجلوسَ في بيتي، وهم يشترطون ذلك مع كلِّ أحدٍ، فانتبهوا!

فعشت في الأردن حتى بداياتِ عام (2015) لم يُسمَحْ لي بالعملِ حتى في مدرسةٍ ابتدائيّة، إي والله، كان لي صديقٌ من أيّام الجهادِ في فلسطين (1969) أسّس مدرسةً ابتدائيّة خاصّةً، وطلبَ الموافقةَ على أن أكون مدرّساً فيها؛ فرفضَ الأمن الهاشميُّ الشامخ!

أين ستضع الذوقيّاتِ في غرفةٍ هي للنومِ والمعيشةِ والضيوف؟

وأنا أعيشُ في تركيا منذ آذار (2015) حتى اليوم، من دون أيّ عملٍ، وهذه المرّةُ ليس بسبب الأمنِ التركيّ، إنّما بسببِ المشايخِ الجُهّال، حُماةِ المذهب السنيّ، لا جزاهم الله خيراً، ولا وفقّهم إلى خير!

ختاماً: لا تسألْ فقيراً ولا مريضاً ولا عجوزاً ولا ضعيفاً عن الذوقيّات؛ فالذوقيّات كماليّات، وهؤلاء المساكين لا يستطيعون الوصولَ إليها ولا الاستمتاع بها غالباً.

اختصرتُ الكلامَ؛ لأنّ أعصابي توفّزت بتذّكر المعاناةِ والآلام، فأعتذر!

ولا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله العليّ العظيم!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 5 مايو 2023

 في سبيل العلم (5):

مع الشيخ البوطي - شخصيّته ومواقفه !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

ليس هذا العُنوانُ من عندي، بل هو عنوان كتابٍ، ألّفه الدكتور محمد خير موسى، أحدُ تلامذةِ الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، رحمه الله تعالى وغفر له، في جامعة دمشق، وفي مسجد «تنكز» الذي اعتاد شيخنا الدكتور محمّد سعيد على إلقاءِ دروسه فيه، ربما من قَبلِ تعرّفي عليه، سنة (1970م).

عرّف الكاتب بنفسِه على غلاف كتابه بأنه «محمد خير موسى» كاتب وباحثٌ من فلسطين، ولد في سوريا، عام (1979) وعاش فيها، ويقيم الآن في استانبول، كما هو في كتابه هذا.

وكتب الدكتور محمد خير موسى في كتابه أنّه حصل على درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله، وتخصّصه الدقيق في السياسة الشرعيّة.

قرأتُ له قبلَ هذا الكتابِ، كتابه عن «القبيسيّات» وعدداً من مقالاتِه على «الفيس بوك» وكان لي موقفٌ من هذا الكتاب، ومن هذا أيضاً.

لم يَسبقْ لي أن التقيتُ بالكاتب، وليس لي به أيّ صلةٍ اجتماعيّة أو سياسيّة!

قرأتُ كتابه عن شخصيّة شيخي وابن شيخي الدكتور محمد سعيد بن رمضان الكرديّ البوطيّ بهدوءٍ؛ لأنّه يتناول الجانب السياسيَّ من حياةِ رجلٍ عالمٍ متنوّع الثقافةِ، فُرضَ عليه الاقترابُ من ساحةِ السياسة السوريّة، وهو من أبعد الخلق عن السلوك السياسيّ، وأخلاق الساسةِ الوسخة القذرة - إلّا النادر - سواءٌ في سلوكهم السياسيّ، أو في مواقفهم من الإسلامِ السياسي على وجه الخصوص.

إنّ الكاتبَ الدكتور محمد خير؛ لم يشهد قيامَ دولةِ البعث، ولم يشهد الصراع السياسيّ والعسكريّ الطويل بين نظام البعث النصيريّ وبين فصيلٍ من جماعة الإخوان المسلمين، منذ العام (1963) وحتى العام (1982) حيث انتصر النظامُ على هذا الفصيلِ المعروف بجماعةِ الشهيد مروان حديد، والذي عُرف فيما بعد بالطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، بينما كان الصراع السياسيّ بين الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة على أشدّه.

أنا الفقير أسنّ من الدكتور محمّد خير بثلاثين سنةً، وكنت في جماعة الإخوان المسلمين، ثمّ في جماعة الشهيد مروان حديد، منذ العام (1962) حتى أواخرِ العام (1974م) ثمّ اعتزلتُ السياسةَ والحزبيّةَ، منذ ذلك التاريخ، وحتى هذا اليوم!

والشيخُ ملّا رمضان وولده الدكتور محمدّ سعيد البوطيّ؛ شيخاي منذ بواكير عام (1970م) حيث كنت أحضر على الوالدِ في مسجد الرفاعي، وأحضر على الولد في جامعة دمشق، وفي جامع «تنكز» وكان يحضر معنا دروسَ والده بعد صلاة الفجر في بعضِ الأحيان!

العلاقة بيني وبين شيخي محمد سعيد؛ بدأتْ بخطأ غير مقصودٍ مني في أوّل يومٍ أداوم فيه بجامعة دمشق (14/ 1/ 1970) والله الشاهد، وقد اعتذرت في اللحظة التي تبيّن لي خطئي فيها من شيخي الدكتور «محمد سعيد» في القاعة نفسها، وفي المحاضرة ذاتها، لكنه لم يقبلْ عذري حتى آخرِ مرّةٍ التقيتُه بها في الحرم المكي الشريف، في منتصف الثمانينات (1984 - 1986) شأنه في ذلك شأن والدتي الكرديّةِ أيضاً، التي قالت لي: إنها لا تنسى من أخطأ في حقّها، حتى لو صارت تحتَ الترابِ.

وشأنهما شأن شيخ ٍثالثٍ من صغار شيوخي في السنّ، أوصلَ إليه أحدُ الوشاةِ كلاماً على لساني، فزارني في بيتي وأنّبني، فلم أردّ عليه بغير ابتسامةٍ هاشميّة، وكلمة: سامحك الله يا شيخي، ولو أردتُ أنْ أعصره يومئذٍ كنصف ليمونةٍ؛ لاستطعت!

تبيّن له بعد أيّامٍ أنّ ماوصله على لساني كان كذباً، فجاء إليّ واعتذر مني، وقال لي: أنت أفضل مني وأكرم، لكنْ اعتبرْ العلاقةَ بيني وبينك منتهيةً مدى الحياة!

أنا لا أستطيعُ أن أتقبّل صداقةَ مَن تعكّر عليه قلبي أبداً، حتى إذا كنتُ أنا الذي أخطأتُ في حقّه، ثمّ استأذن وانصرف!

وفي هذا المرّةِ لم أزد على ابتسامةٍ هاشميّة، ونظرةِ تعجّبٍ من هكذا أخلاقٍ وخْشَةٍ!

ما أريد أن أقولَه: كاتب الكتاب الدكتور محمد خير الموسى، ليس صديقي، ولا أعرفه!

وشيخي الدكتور البوطي؛ ليس صديقي أيضاً، ولم يكن يحبّني، بل كان يرفض لقائي طيلةَ سنواتِ سكنايَ في مكّة المكرّمة، على الرغم من محاولاتي المتكرّرة لقاءَه وإكرامَه، وسؤالَه الدعاءَ والمغفرةَ؛ لأنني كنت وما زلتُ أعدّه من الصالحين، وليس من شرطِ الصلاحِ أن يكون الصالح معصوماً.

ويحسن أن أتناولَ التعريف بجملةِ الكتابِ ومضامينه في فقراتٍ متسلسلة، قائمة على الاختصار الشديد!

أوّلاً: نشرَتْ كتابَ «د. موسى» مكتبةُ الأسرة العربيّة، في عامنا هذا (1444 هـ) - (2023م) ولم أتبيّن البلدَ الذي تكون فيه هذه المكتبة!

يقعُ الكتابُ في (256) صفحة طباعيّة، من القطع المتوسّط، قياس (17× 24).

لم يُدِرْ «د. موسى» كتابَه على أبوابٍ تحتها فصولٌ، ولا على فصولٍ تحتها مباحث، مع أنّه أكاديميٌّ وكتابُه وثيقةٌ تاريخيّة مهمّةٌ غيرَ معصومة!

إنما أدارَ الكتابَ على عنواناتٍ واضحة، على النحو الآتي:

(1) فهوس الموضوعات.

(2) الساكن في جلباب أبيه.

(3) طباعٌ وسماتٌ نفسيّة.

(4) التناقض بين النقاش العلميّ ومخرجاته السلوكيّة.

(5) المواقف السياسية إلى ما قبلَ انقلابِ حافظ الأسد.

(6) من معركة الدستور إلى مجزرة المدفعية.

(7) نقطة التحول في العلاقةِ مع حافظ الأسد.
(8) منهجيّة حافظ الأسد في احتواء الدكتور البوطيّ.

(9) أعطيات حافظ الأسد.

(10)  اللواء محمد ناصيف .. آلية التأثير ولعب الوثائق.

(11) مع جماعة الإخوان المسلمين، هل كان البوطي عضواً في التنظيم؟

(12) العلاقة الفكرية بمدرسة الإخوان المسلمين.

(13) انتقادات ومآخذ البوطي على العمل الدعوي والتربويّ عند الإخوان.

(14) توصيف البوطي الثائرين في الثمانينات ضدّ حافظ الأسد.

(15) الاشتباك مع الفلسطينيين بداية التسعينات.

(16) البوطي وحركة حماس.. سياق العلاقة وتحوّلاتها.

(17) البوطي عند وفاةِ ناعسةٍ وباسل الأسد.

(18) بكاءٌ على حافظ الأسد وبيعة استباقيّة لابنه بشار.

(19) المعركة مع الأكراد.

(20) موقف البوطي من الشيعةِ ومشاريع التشيّع في سوريّا.

(21) مسلسل ما ملكت أيمانكم.

(22) وصف الثورة بالفتنة وخلفياته وآثاره.

(23) جباههم التي لا تعرف السجود.

(24) من فتوى السجود على صورة بشار إلى إحراق الكتب.

(25) قراءةٌ في فتاوى تعامل الجيش مع المتظاهرين السلميين والمدنيين.

(26) اتّحاد علماء بلاد الشام

(27) الصراع مع د. القرضاوي في ميدان الثورة ودلالالته.

(28) البوطي وجيش الأسد.. توصيفات وأمنيات ودعوات.

(29) البوطي وعلاقته بعلماء سوريا قبل الثورة وبعدها.

(30) سؤال النهاية المؤرّق: مَن قتل البوطيّ؟

(31) فهرس المراجع (ص: 253).

ثانياً: هذا ثَبَتُ كتاب الدكتور محمّد خير موسى في تحليل شخصيّة شيخه الدكتور محمد سعيد بن رمضان البوطي، ومواقفه من الحكام والقضايا والثورات.

ثالثاً: كان ظاهرُ عمل «د. موسى» أكاديميّاً توثيقيّاً، لكنّني كنت أحسّ اقتصاراً على بعض النصّ، وإغفالاً لبعضٍ مهمٍ منه في بعض المواضع.

وإذ ليس لديَّ في مكتبتي التركيّة المتواضعةِ أيُّ كتابٍ لأستاذنا الدكتور «محمد سعيد» فليس من المنطقيّ ولا العلميّ أنْ أقومَ بالردِّ على ما لم يَرُقْ لي من مباحثَ، أو تحليلاتٍ في الكتاب!

رابعاً: بيد أنّني على يقينٍ من أمورٍ أخطأ فيها «د. موسى» لا بدّ من بيانها؛ لأنني أنا مَن عاصرتها وعشتها، يوم لم يكن «د. موسى» قد وُلد بعدُ، أو كان ما زال طفلاً في الثالثةِ من عمره، في بعضها!

(1) البوطي شخصيته ومواقفه!

كان الأولى بالدكتور موسى أن يترجم كتابه «شيخنا البوطي - الدكتور البوطي - الشيخ البوطي» فالدكتور بوطي شيخُه وشيخنا، وفضله علينا باقٍ لا يلغيه اختلافنا معه أبداً، رحمه الله تعالى.

(2)وضع على صفحة الغلاف، وفي مواضع كثيرةٍ من الكتاب صورةً يبدو فيها شيخنا «د. محمد سعيد» كأنه هَرمٌ أعمى، وإن لم يكن «د. موسى» يقصد دلالةَ الصورةِ الهرمة العمياء؛ فهو غير موفّقٍ أبداً في هذا الاختيار المريب!

وفي الصفحة السادسةِ من الكتاب؛ وضع صورةً لشيخنا د. محمد سعيد في عنفوان شبابه، صورة معبّرةٌ عن حيويّةٍ ونشاطٍ وشبابٍ وجمال!

كان حريّاً بالدكتور موسى أن يجعلها هي «لازمة» الكتاب الموسيقيّة، لا تلك!

(3) مِثلُ كتاب «د. موسى» أقرؤه في ساعتين إلى أربع ساعاتٍ عادةً، لكننّي قرأته بهدوءٍ وتروٍّ لأنني عددته بحثاً علميّا ووثيقةً تاريخيّةً، يؤرّخ فيها رجل عالمٌ لشيخه وشيخنا العالم، فأعطيت الكتابَ من وقتي ثلاثةَ أيّام تقريباً!

في صفحات الكتاب التي بلغت (256) صفحةً، لم أقفْ على صفحةٍ واحدةٍ، ذكرَ فيها الدكتور محمدَ سعيداً، أو والده ملّا رمضان قال فيها «د. موسى» رحمه الله تعالى، أو رضي الله عنه، أو حتى غفر الله له، وأرجو أن أكون مخطئاً!

خاصّةً وقد أقرَّ بعظمة لسانه باحترام وتقدير شيخنا د. محمد سعيد، وولده د. محمد توفيق له، وأنه كان يعبّر عن حبّه له (ص: 16).

فما هذا الجفاءُ، وما ذاك الإعراض عمّن أحبّوك، ولا أدري إن كان «د. موسى» كرديّاً أيضاً!؟

(4) في (ص: 52) قال «د. موسى»: وهو يتحدث عن أحداث الدستور عام (1973): «واعتُقل في تلكم المظاهراتِ الشيخ سعيد حوّى ومروان حديد الذي انشقّ عن الإخوان المسلمين؛ ليشكّل الطليعة المقاتلة» رحمهما الله تعالى.

أقول: كانت حادثة الدستور قبل ولادة «د. موسى» بستّ سنواتٍ، ومع هذا فقد قرّر هذه المعلوماتِ، من دون الرجوع إلى أيّ مصدرٍ، وهو يعلم أنّ شهادةَ التسامع «الإشاعة» لا قيمة لها عند الفقهاء!

- الشيخ سعيد حوى عام (1973) لم يكن يخرج في مظاهراتٍ، بل أنا تلميذه لم أخرج في مظاهرةٍ البتّةَ!

إنما خرج طلّاب المدارس بمظاهراتٍ، بتوجيه الشيخ سعيد حوّى، الذي تبنى فكرةَ مقاومةِ الدستور بكلِّ ما أوتي من قوّة!

أمّا الشهيد مروان حديد؛ فقد خالفه في الرأيِ، ولم يرَ مسألةَ التنصيصِ على دين الدولة ودينِ رئيسها المتغلّبِ أمراً مهمّاً، وقال له بحضوري: يا شيخ سعيد، هل أنتَ مقرٌّ بمشروعيّةِ رئاسة حافظ أسد وحزب البعث العلماني الملحد للبلاد؟

قال له شيخنا سعيد: طبعاً لا شرعيّةَ له ولا لحزبه!

قال الشهيد مروان: إذا لماذا نشغلُ أنفسنا بالفرع عن الأصل؟

وهبْ أنّه كتب في الدستور شرطَ أن يكون رئيس الدولة مسلماً؛ فهل نستطيع أن نجهر بقولنا: العلويون ليسوا مسلمين؟

وإذا قلنا: ليسوا مسلمين، ماذا بأيدينا أن نفعل، ما داموا حاكمين، ومسيطرين على البلادِ طولاً وعرضاً!

كان الشهيد مروان إذن معارضاً لشيخنا سعيد حوى بيقينٍ، وكان رأيي موافقاً لرأي شيخي الشهيد مروان.

والشهيد مروان وشبابُه؛ لم يشاركوا في أحداثِ الدستور هذه، ولم يُعتَقلْ الشهيد مروان في تلك المعركة الخاسرة، لكنّه توارى عن الأنظار؛ لأنه كان مطلوباً بشدّةٍ، مع أنّه لم يَقُمْ بأيِّ مناهضةٍ في تلك الأيام، وهذا مظهرٌ من مظاهر ظلم أجهزة الأمن المجرمة في بلادنا وغبائها!

والشهيد مروان؛ لم ينشقَّ عن جماعةِ الإخوان المسلمين قطُّ، حتى يوم (29) حزيران (1975م) يومَ زاره المهندس فاروق طيفور بعد صلاةِ العصرِ، وكنتُ عند الشهيد مروان في بيتِه، وأبلغه بأنّ الجماعةَ قرّرت فصلَه من صفوفها، وتخلّت عن مساعدته حتى بالراتب الزهيد الذي كانت تصرفه له!

والشهيد مروان؛ لم يُسمّ جماعتَه بالطليعة المقاتلة جزماً، إنما قادةُ مجموعاتِ الشيخ مَروان بعد استشهاده؛ هم الذين أسموا مجموعاتهم «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين» كما حدّثني بذلك الشهيد عدنان عقلة في مكة المكرمة، عام (1982م).

- لا علاقةَ للإخوان المسلمين السوريين - من قريبٍ ولا بعيدٍ - بحادثة المدفعيّة هذه بيقين!

إنّما كانت تصرّفاً من قبل مجموعة المهندس عدنان عقلة، وهو كان على صلةٍ وثيقة بالنقيب إبراهيم اليوسف!

ولم يكن عدنان عقلة ولا إبراهيم اليوسف من جماعة الإخوان المسلمين قطّ!

وأنا سألتُ عدنان عقلة قلت: هل التقيتَ شيخنا الشهيد مروان؟ قال: لا لم ألتقه، ولكنّ الأخ حسني عابو التقاه، وأنا انضممتُ إلى مجموعة حسني عابو.

وأؤكّد مرّة أخرى على ظلمِ الأجهزةِ الأمنية عندنا، إذ تأخذ بأسلوب العنف الثوريّ الحقير، فتقتل وتعتقل وتعذّب على الشبهة والظنّ!

(5) في (ص: 95) تحت ترجمةِ «هل كان البوطي عضواً في التنظيم» يقصد تنظيم الإخوان.

ذكر كلاماً تمهيداً لما في الصفحة التالية (96) إذ قال: «على الرغم مما يذكره الدكتور البوطي من تحذيراتِ والده من الانتماءِ لأيّةِ جماعةٍ، لا سيما جماعةُ الإخوان المسلمين، وحرصه على عدم تسرّب أبنائه إليها، إلّا أنّ المعلومات تؤكّد بأنّ الدكتور البوطي كان عضواً في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين...» وذكر عدداً من الذين أكّدوا هذه المعلومة، ومنهم الشيخ عبدالرحمن الباني، والأستاذ فاروق بطل!

أقول: كان على «د. موسى» أن يذكر لنا مصدرَ هذه المعلومةِ العجيبة الغريبةِ.

 وظاهر كلامه الواضح أنّه لم يسمع هذا الكلام من عبدالرحمن الباني ولا من فاروق بطل!

وحتى لو كان سمع منهما؛ فهذا كلامٌ غير دقيقٍ، بل غير صحيح!

فأنا سألتُ شيوخي محمّد أديب الصالح، وسعيد حوّى ومروان حديد، رحمهم الله تعالى: هل كان شيخنا الدكتور البوطيّ من الإخوان المسلمين؟

جميعاً قالوا - كلٌّ على حِدَتِه - لا ليس من الإخوان المسلمين!

قلت لشيخنا مروان: ما دامَ ليس من الإخوان المسلمين، فلماذا تأمرنا بالسفر إلى دمشق لنحضرَ خُطبتَه، بل وتسافر أنتَ أيضاً، إذا لم تكن مطلوباً أمنيّاً؟

فنظر إليّ بامتعاضٍ وتغيّر وجهه وقال: «هو الإسلام الإخوانُ المسلمون» هذا الكلام عيب، بل لا يجوز!

ثم دَخْلَك مَن مِن شيوخ الإخوان المسلمين في حماة؛ تستسيغُ أن تحضرَ له خطبةَ جمعة؟

الإسلام أعظم وأكبر من أن ينحصر في جماعة الإخوان المسلمين، هذه حزبيّة ضيّقة تقود إلى جعل المسلمين منازل وطبقاتٍ، وهم طبقةٌ واحدةٌ وأمّةً واحدة، استغفرِ الله تعالى، ولا تَعُدْ إلى مثلها!

وأمّا الدكتور أديب الصالح، فعندما كان شيخنا البوطي حريصاً على فصلي من جامعةِ دمشقَ، عام (1973) وكان وكيل العميد آنئذٍ؛ سألتُ الدكتور محمد أديب الصالح، وكنّا نعدّه مسؤول الإخوان المسلمين في الجامعة: لماذا يُصرّ الدكتور محمد سعيد البوطيّ على فصلي من الجامعةِ، أليس المفترض العكس؟ أليس هو من الإخوان المسلمين؟

فقال لي كلاماً كثيراً، لا أستحسن ذكرَه، ومنه: أبداً أبداً ليس من الإخوان المسلمين، ولا كان يوماً من الإخوان المسلمين!

أمّا شيخي وعمّي سعيد حوّى، فدار حوارٌ طويلٌ بيني وبينه حِيالَ خروجِه من سوريّا عام (1978) وكنت معارضاً لخروجه هذا!

قلت له فيما قلت: أوليس بقاؤك في سوريّا بعد الإفراج عنك ولقائك بحافظ الأسد؛ كان أنفعَ للأمة، من مطاوعتك للإخوان المسلمين، الذين لا يحبّونك أصلاً؟

ألا ترى كيف استطاع شيخنا البوطي أن يتألّف قلبَ حافظ الأسد، وينشئ في كلّ مدينةٍ، بل في كلّ قريةٍ مدرسةً أو معهداً للقرآن الكريم؟

هل الشيخ البوطي أقدرُ منك علميّاً، أو أقدر منك سياسيّاً، والله لأنت أقدر منه سياسيّاً بألف مرّةٍ على الأقلّ، ولا أظنّك دونه علميّاً بأيّ فرعٍ من فروع المعرفة!

أطرقَ شيخُنا سعيد، وهزّ رأسَه عدّةَ مرّاتٍ وقال: إخوانُك أجبروني يا أبا محمود، إخوانُك أجبروني، والتوفيق من الله تعالى (ليقضيَ الله أمراً كان مفعولاً)!

قلتُ له: ولماذا لم يجبروا الشيخ محمد سعيد رمضان - وأنا قصدتُ هذا قصداً - فقال:

ليس للإخوانِ سلطان على الدكتور البوطي، حتى يلزموه أو يجبروه!

قلت: أليس هو من الإخوان المسلمين؟

قال: لا لا أبداً أبداً، الدكتور البوطي لم يكن يوماً في جماعة الإخوان، وهو في غاية الخضوع والانقيادِ والطاعةِ لوالده شيخنا ملّا رمضان، وقد كان ينهانا رحمه الله تعالى عن الانتساب لأيّ حزبٍ، فكنّا نقول في أنفسنا: مشايخنا لا يزالون على عقليتهم أيّام تركيّا، يخافون من شرطيّ في مخفر الحيِّ القريب، والحقيقةُ أنهم كانوا ينظرون بنور الله تعالى.

(6) وفي (ص: 97 - 98) قال «د. موسى»: «وأمّا فيما يتعلق بأبنائه؛ فلا يمكن تأكيد انتماء أحدٍ منهم إلى جماعةِ الإخوان المسلمين، غير أنّ ممّا يمكن تأكيدُه هو أنّ ابنه الأكبر «محمد توفيق» ... كان معجباً بشدّةٍ في شبابه بالشيخ مروان حديد، أحد أبرز الشخصيات الإخوانية في سوريا، وكان كثيرَ الزيارةِ له، مواظباً على لقائه، وغالباً ما كانت هذه اللقاءات تتمُّ خُفيةً عن أبيه الدكتور البوطي»!؟

أقول وبالله التوفيق: صحبتُ شيخنا الشهيد مروان صحبةَ مداومةٍ، وأعدّه أكبرَ الشيوخ الذين أثّروا في تربيتي وتكويني، وهو أكثر من قرأتُ عليه من الشيوخ في حماة، إذ قرأت عليه سبعةَ كتبٍ منها كفايةُ الأخيار في الفقه الشافعيّ!

ودامت صحبتي له، والتزامي بالتلمذة عليه من بداية شهر نيسان (1964) حتى تاريخ (3/ 11/ 1974م) في ليلة الرابع من هذا الشهر؛ صاح عليّ، ورفعت صوتي في حضرتِه، واختلفنا، وتركت العملَ معه تماماً.

بيدَ أنّ زياراتي له وتفقّدي إيّاه لم ينقطع أبداً، حتى غادرت سوريّا إلى ليبيا في مطلع (1975).

وفي (27) حزيران، عام (1975) طلبَ أن أزورَه أنا وزوجتي، إذ كانت زميلةَ زوجتِه في الدراسةِ، وقال لي: مضى عليها ثلاثةُ أشهر، أو أربعةُ أشهر لم تر امرأةً - أو كلاماً كهذا - فتفضّلوا عندنا، ولمّا يحين موعدُ سفركم إلى ليبيا؛ تغادرون من بيتنا إلى المطار!

قدمنا من حماة عقب صلاة العصر من يوم الجمعةِ، وبقينا معهم في بيتهم حتى صباح الإثنين (30) حزيران، حيثُ داهمت قوّة أمنيّةٌ الشقّةَ، واعتقلت الشهيد مروان، ومَن في البيت، وكنت خارجَ البيت أحضر لوازم الفطور، فأنجاني الله تعالى من الاعتقال.

طيلة هذه السنوات؛ لم أشاهدْ الدكتور محمد توفيق مع الشهيد مروان قطّ، ولم أسمع شيخنا مروان ذكرَه على لسانه أبداً!

بل إنّه في يوم الجمعة ذاته؛ شكا لي كثيراً من الدكتور محمد سعيد، وحدّثني بقصّة طويلةٍ جرت بين شيخنا الدكتور محمد سعيد وأخينا الشهيد عربي جوهر!

وحدّثني أن شيخنا البوطي شتمَ وانتقص من قدر شيخنا مروان، وقال عنه: متسرع وجاهل و و و!

وختم كلامه بقوله: سبحان الله العظيم، تجد الإنسان عالماً وخطيباً وأديباً، وإنّه ليخاف من خيالِه، بل كلّ مشايخنا كذلك وللأسف!

أنا أتكلّم عن تجربة دامت أحدَ عشر عاماً مع الشهيد مروان رحمه الله تعالى، وكلّها قبلَ أن يولد «د. موسى» بسنواتٍ، فليتَه وثّق كلامَه بمصدر، وإلّا فكلامه ههنا قبض الريح!  

(7) في (ص: 99) قال «د. موسى»: «كانت خصومةُ الدكتور البوطي لجماعة الإخوان المسلمين في مرحلة ما بعدَ الثمانينات؛ أشدّ من خصومته للسلفيّة «الوهّابية» ولكنّ انفصام عرى العلاقة التنظيميّة وتحوّلها إلى حالةٍ من العداءِ المتبادَل؛ لا ينفي أنّ هناك علاقةً فكريّةً وتداخلاً منهجيّاً قويّاً بين الدكتور البوطي وجماعة الإخوان المسلمين» وفي الصفحة التالية (100) ترجم «د. موسى» (العلاقة الفكرية بمدرسة الإخوان المسلمين).

أقول: هذه الفقرة تستحقّ توضيحاً على وجهٍ خاصٍّ:

(أ) لم يكنْ أحدٌ من الإخوان المسلمين يخاصم الدكتور محمد سعيد، قبل إعلانِ الإخوان المسلمين مناهضتهم المسلحة للنظام في عام (1979) وهو العام الذي ولد فيه «د. موسى».

كما لم يكن الدكتور محمد سعيد قبل هذا الإعلان يخاصم الإخوان المسلمين البتّة، إنما كان له عتبٌ على بعض شخصيّاتهم!

والدكتور محمد سعيد كان يفرّق تماماً بين الإخوان المسلمين المسالمة، وبين جماعة الشيخ مروان التي كان يحذّر من شيخها منذ العام (1964).

حدّثني شيخي مروان أنّ الدكتور البوطي التقى به عقب جنازة شيخنا محمد الحامد، عام (1969) وحذّره تحذيراً شديدَ اللهجة، وقال له ما معناه: «اتّقِ الله تعالى بشبابك والشباب الصغار الذين حولك من أن يكون خراب سوريّا على أيديكم!

الحكام على مدى تاريخِنا؛ لا يخافون الله تعالى، ولا يعرفون لغةً سوى لغة البطش والقتل»!

هذا يعني أنّ أوّل خطأٍ ارتكبه الإخوان - في نظر شيخنا الدكتور محمد سعيد، وفي نظري أيضاً - هو إعلانهم مناهضةَ النظامِ عسكريّا، وهم ليسوا في العير ولا في النفير، وليس لديهم مشروعٌ عسكريٌّ مطلقاً، إنما هم حركة دينية سياسيّة، تؤمن بالديمقراطيّة وصناديق الاقتراع!

وهم حتى عندما أعلنوا هذا الإعلانَ المشؤوم عليهم؛ لم يكن لهم أثرٌ في الصراع، سوى الإعلام!

ولقد التقيت الأستاذ عدنان سعد الدين في الكويت، في آب (1978) وجرى بيننا مشادّةٌ حاميةٌ، انبرى أحد كبارِ الإخوانِ السوريين المقيمين في الكويت مدافعاً عن الأستاذ عدنان قائلاً: يا أبا محمود الله يرضى عنك، جماعةُ الإخوان ليست حركةً عسكريّة، بل نحن لم نضع فكرةَ الجهاد والصراع في بالنا أبداً، لا اليوم ولا أمس ولا غداً.

فاستوقفه الأستاذ عدنان قائلاً: لا لا يا فلان، الأمر ليس كذلك، فكرة الجهاد لا يجوز أن تغيب عن بال المسلم، لكن ليس هذا وقتها، حماةُ ليست خارجَ سوريّا، وسوريّا ليست خارج العالم، نحن كجماعة نؤمن بأنّ الجهاد فريضةٌ، لكنْ توقيت الجهاد، وتوجيهه لم يحن بعد!

قلت له أنا: متى يحين موعده إذن؟

قال: ربما بعد خمسة عشر عاماً، وربما بعد عشرين، الله تعالى أعلم!

هذا يعني أنّ النظام في سوريّا؛ هو الذي عمّمَ صفةَ العسكرةِ على جماعة الشهيد مروان وعلى جماعة الإخوان المسلمين، وعاملهم بأقسى ما تكون معاملة الأنظمة الفاشيّة لرعاياها؛ ما اضطرّهم إلى إعلان الجهادِ ضدّه، وليس لديهم أدنى استعدادٍ لذلك أصلاً، سوى الجعجعة الإعلاميّة!

أنا لا أدري ربما يُغضب كلامي هذا الإخوانَ السوريين، لكنْ هذه هي الحقيقةُ التي ألقى الله تعالى عليها.

والدكتور البوطي؛ لم يكن من الإخوان ساعةً واحدةً في حياته، فيكون كلامه «لكنّ انفصام عرى العلاقة التنظيميّة وتحوّلها إلى حالةٍ من العداءِ المتبادَل...» كلامٌ لا صحّة له على الإطلاق، وعدم خصومة الدكتور البوطي للإخوان قبل هذا التاريخ؛ لأنّ أكثرهم - وأنا منهم - كانوا تلامذتَه، ومنهم من يأتي من دير الزور ومن حلب ومن حماة وغيرها؛ ليحضر خطبةَ الجمعةِ له، أو ليحضر دروسه، حتى الشهيد مروان نفسه!

وليست علاقته الفكريّة بالإخوان المسلمين ناتجةً عن انتظامه في الإخوان، لا أبداً أبداً!

إنما فكره وفكر قيادات الإخوان وفكري وفكرك أنت؛ منبثقٌ من العقائد السنيّة والفكر السنيّ!

إذْ لا يختلف فكر الإخوان المسلمين عن فكر الأشعريّة والماتريدية بشيءٍ البتّةَ، باستثناء مسألة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم.

ختاماً: ثمّة نقاطٌ عديدةٌ، كنت أرغب أن أوضحها تعقيباً على كتاب الدكتور محمد خير موسى!

لكنّ المنشورَ طال، وصرفُ وقتي إلى ما أنا منشغلٌ فيه أولى!

ولعلَّ لي عودةً ثانيةً بعد حينٍ، والله المستعان.

رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
هذا.. وصلّى اللهُ على سَيّدنا محمّدِ بن عبدِالله، وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ تَسْليماً.
والحَمْدُ للهِ عَلى كُلِّ حالٍ.

الأحد، 30 أبريل 2023

اجتماعيات (53)

تمايزُ الأعراقِ في الأخلاق!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

ذات يوم اشتبكتُ في نزالٍ مع أحد أولاد حيّنا «الفرّاية» صوّب إليّ سكّينَه «الموسى» وطعنني في بطني يريد قتلي، كما كان ظاهراً!

لكنني بفضلٍ من الله تعالى استطعت أن أتّقي الطعنة بيدي اليسرى، فانهمر الدم غزيراً من عضدي، مما أغضبني، فتمكّنت من تخليص خصمي الموسى وطيّه ووضعه في جيبي.

ثم رُحتُ أبطش بالمعتدي حتى كسرت ذراعه التي ضربني بها، وهشمت رأسَه بحائطٍ كان في شارع بيتنا... إلخ.

تحسّبتُ أن يغضبَ أهله لما فعلتُ به، خصوصاً وأنّ الخصومة كانت بيني وبينه، ولم يكن في شارع بيتنا أحدٌ سوانا، فيسعه أن يكذب كما يريد!

تركته يئنّ ويتوجّع ويبكي في الشارع، وذهبت إلى بيتنا، فضمّدت لي والدتي الجرح، وهي تبكي!

غسلت يديّ من الدماء، ووضعت مسدّسي على جنبي، وخنجري على الجنب الآخر، وخرجتُ ناوياً الشرَّ كلّه!

وقفت على باب منزلنا أتأمّل ماذا سيحدث، بعد رفعه وحمله إلى المشفى، وإذا بعمّي شيخ الأسرة «محمّد الحمش» قد ظهر من بيته غاضباً، فصرخ عليّ عندما رآني: تعال لأرى!

دخلنا بيتَه، وقصصتُ عليه القصّةَ، وأقسمت له أنني لا أعرف لماذا هجم عليّ وطعنني يريد قتلي!

قال: أين الموسى؟

أخرجته له من جيبي، ففتحه، فلم يجد عليه أثراً من دمي، فاستحلفني أنّ الموسى هو هذا، فحلفت له أيضاً.

فكّ ضمادَ يدي، وأزال القطن والقهوةَ عن الجرح، وضغط على الجرح، وملأ الموسى بالدم، وتركه عنده ليجفّ، وقال لي: اذهب وضمّد جرحَك من جديد، وانتبه لنفسك «ألف أمّ تبكي ولا أمّي»!

ذهبت أنا إلى البيت، وأصلحت شأن جرحي الذي كان يحتاج إلى خياطةٍ في الحقيقة، ثمّ توضّأت وصلّيت وتغديت، ففتر جسمي ونمت!

يبدو أنّ أهل الشابِّ الخصم عرفوا أنه المعتدي، فجاء وفدٌ منهم إلى بيت عمي، وتفاوضوا معه على المصالحة، فأرسل إليّ عمّي ولده عبدالكريم يستدعيني.

بلّغني عبدالكريم بالحضور، وقال لي: احذر يا أخي، رأيتُ شرر النار في عيونهم!

لقّمتُ مسدّسي، ووضعته على جنبي ظاهراً لكلّ أحدٍ، وأظهرت خنجري الذي كان يزيد طوله على نصف متر أيضاً، ودخلتُ مضافةَ عمّي.

قلت السلام عليكم، وظللت واقفاً!

كان خصمي قد عالجوه في المشفى، وجبروا يده اليمنى بالجبس، وحزموا رأسَه بشاشٍ أبيضَ مملوءٍ بالدماء، فأشفقت عليه!

قال عمّي: لماذا تخاصمتما يا عداب، أنت شابٌّ متديّن، لا تستهويك مشاكل السفهاء والزعران، لماذا كسرت ذراع أخيك، وشججتَ رأسَه؟

قلت له: أنا والله إلى هذه اللحظة لا أدري، اسألوا هذا السفيه الأرعن عمّا فعل !

استغرب أهلُ خصمي، وسأله والده قائلاً: لا شكّ أنّ ما يقوله عداب صحيح، عداب صاحب دين، لا يعتدي ولا يكذب!

لم يردّ الخصم شيئاً!

قال له عمّي: قم صالح أخاك عداباً، فصرخت: لا لا أبداً يا عمّ، حتى أعرفَ لماذا أراد قتلي!

انتهره والدُه، وطلب منه أن يقول السبب، فتلجلج ثم قال: تخاصمت البارحة مع عبدالمنعم الحمش، فأوجعني ضرباً وأهانني، ولم أستطع أن آخذ ثأريّ، وعداب شيخ، لا يحمل سلاحاً أبداً، فقلت: أعلّم عليه، حتى أردَّ اعتباري!       

قاطعته وقلت لهم: أتشهدون أنه كان يريد قتلي، وطعنني ليقتلني، أم لا تشهدون؟

قال والده: نشهد والله، ثم التفت إلى ولده، وبصق في وجهه ولعنه!

أشهرت مسدّسي عندئذٍ وقلت لهم: هل عليّ لومٌ الآن لو قتلتُه؟

وقف والده في وجهي وقال: يا شيخ عداب، أنت والله زهرة هذا الحيّ، ويبقى هذا أخاك، ونحن أهل، والحمد لله جرحك يسير بالنسبة إلى ما فعلتَ به، أرجع مسدسك إلى خصرك، وسامحه لأجلي أنا، وقبّلَ رأسي!

قلت لهم: أنا ابن الحمش، ونحن لسنا أصحابَ غلٍّ ولا حقدٍ، وأنا أسامحه شَرطَ أن يقبّل رأسي ويدي، ويكتب تعهّداً خطيّا بأنّ دمَه مهدورٌ، إذا تعرّض لأيّ فردٍ في هذا الحيّ، من آلِ الحمش، وغيرهم.

حاولوا أن أُسقِطَ هذا الشرطَ، لكنني أصررت عليه، وقد حصل!

قام خصمي، فقبّل رأسي، وتلكّأ بتقبيل يدي، فصرخت به: قبّل، وقدمي فوق رأسك!

قبّل يدي ثلاث مرّات، ثمّ صافحتُ الباقين، وشربنا القهوة والشايَ معاً عند عمّي!

عقب صلاة المغرب خرجنا من منزل عمّي، فدعوت خصمي إلى تناول طعامِ العشاءِ معي وقلت في نفسي: أدعوه إلى الله تعالى، وأحثّه على الالتزام بالصلاةِ والأخلاق!

عندما علمت والدتي بأنّ الضيف الذي دخل دارها، هو الذي أراد قتلي؛ راحت تلطم على وجهها، وتقول: يا الله يا الله، ما هذا الولد الذي جعلتَه ابني، هذا ولد ما عنده قلبٌ أصلاً!

سمعت صوتها، فخرجت من غرفتي، وأومأت إليها أن تخفض صوتها، فراحت تبكي بكاءً مرّاً وتقول: شيطانٌ أراد قتلك، وشرع بقتلك، تحضره إلى بيتي لأعدّ له عشاءً؟

لا والله لا عشاء، ولا شاي، ولا قهوة، ولا حتّى ماء، اطرده من البيت قبل أن أفقد عقلي!

كنت أضحك من تصرّفها لتضحك، وقلت لها: ماما كرديّة، ماما كرديّة!

قالت: إي والله أنا كردّية وجدي الملك المظفّر، أنتم يا بيتَ الحمشِ ليس لديكم قلوب أبداً، بسطاء حدَّ الموت!

واحد شرع بقتلك، تحضره لتعشّيه!

إي والله والله، الذي ينظر إليّ نظرةَ إهانة؛ لا أصفح عنه حتى أصيرَ تحت التراب!

والله لأدعونّ عليه في صلاة العشاء!

سألتها بالله تعالى، وبكرامة جدّها المظفّر عندها أن لا تفعل؛ لأنّها إن دعت عليه؛ ستدمّره بمشيئة الله تعالى.

قامت أختي الكبرى، فحضّرت لنا العشاءَ والضيافةَ، وظلّ يسهر معي إلى صلاة الفجر!

علّمتُه الوضوءِ والصلاةَ، فتوضّأ عندي، وذهبت وإيّاه إلى جامع المرابط، حيث فوجئ شيخي السيّد نايف النوشي السبسبيّ بما رأى، وهزّ رأسَه عجباً!

احتسبتُ طعنتي في سبيلِ الله تعالى، وكنت أتمنّى لو أنّ خصمي اتّقى الله تعالى، وداوم على صلاته، لكنه رجع شيطاناً يشرب الخمرةَ والحشيشَ ويعمل موبقاتٍ كثيرة، ولا أدري إن كان ما يزال حيّاً، أم فارق الحياة !

وأنا لا أجد في قلبي حقداً عليه، أو رغبةً في الانتقام، لا والله!

إنما أحزن عليه أن يكون ماتَ، وهو يمارس المعاصي، ويغضب الله تعالى!

رحم الله جميع من ذكرنا في هذا المنشور، فجميعهم قضى ومضى، وصار في ذمّة الله تعالى.

والله المستعان وعليه التكلان

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

 والحمد لله على كلّ حال.