الأحد، 11 يونيو 2023

  مَسائل حديثية (36):

عَمَلٌ قليلٌ وثوابٌ جزيلٌ، من علاماتِ وَضْعِ الحديث!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

طلب أحد الإخوة الأصدقاء تخريج حديثِ أنسٍ الآتي، منذ أيّام، ولم يتيسّر لي إلّا الآن، فأعتذر من ذاك الأخ الفاضل!

بإسنادي إلى الإمام الترمذيّ في الجامع المختصر - كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل التكبيرة الأولى (241) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ صَلَّى للهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً فِي جَمَاعَةٍ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى؛ كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ).

وقد ورد هذا الحديثُ عن أنسٍ بألفاظٍ متعدّدة، جمعها الإمام السيوطي في كتابه جمع الجوامع، فقال:

«مَنْ أَدْرَكَ التَّكْبيَرةَ الأُولى مَعَ الإِمَامِ أَرْبَعِين صَبَاحًا بصَلاةٍ كُتِبَتْ لَه بَرَاءَتَان: بَرَاءةٌ مِنَ النَّار، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» رواه أَبو الشيخ في كتاب الثواب عن أَنس.

- مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا صَلاةَ الفَجْرِ وَعِشَاءَ الآخِرَةِ فِي جَمَاعَةٍ، أَعْطَاهُ اللهُ بَرَاءَتَينِ: بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاق» رواه الخطيب، وابن عساكر، وابن النجار عن أَنس.

- مَنْ لَمْ تَفُتْهُ الرَّكَّعَةُ الأُولى مِنَ الصَّلاةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ. بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» رواه عبد الرزاق عن أَنس» انتهى.

فأيّ لفظٍ من هذه الألفاظ وجدتَه أخي القارئ؛ فحكمه واحدٌ، هو ما ستقرؤه في آخر هذا المنشور.

وقد أخرجه من الطريق التي أخرجها الترمذيُّ ذاتِها «طُعمةُ بن عمرو عن حبيبٍ، عن أنسٍ» البزّارُ في مسنده (7570) وقال: «هَذَا الْحَدِيثُ، لاَ نعلمُهُ يُرْوَى عَن أَنَسٍ، إلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ولاَ نَعلمُ رَوَى عَن حَبيبٍ، إلاَّ طعمةُ بنُ عَمْرو الجَعفريُّ.

وأخرجه أبو سعيدِ ابنُ الأعرابيّ في معجمه (1206) وابن عديٍّ في الكامل (3: 311) وابن شاهين في الترغيب (61) والبيهقيُّ في شعب الإيمان (2612) وقال: «فِي كِتَابِي: حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَهُوَ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْحَذَّاءُ، أَبُو عُمَيْرَةَ».

وأعاده البيهقي بعده (2613) وقال: « رَفَعَهُ طُعْمَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ طَهْمَانَ أَبُو الْعَلَاءِ، عَنْ حَبِيبٍ، فَوَقَفَهُ مَرَّةً، وَرَفَعَهُ أُخْرَى» .

 قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذيّ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفاً.

وَلَا أَعْلَمُ أَحَداً رَفَعَهُ، إِلَّا مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ.

وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَوْلَهُ.

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ هَنَّادٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.

وَرَوَى إِسْمَعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا.

وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ؛ لَمْ يُدْرِكْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ «البخاريّ» حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، يُكْنَى أَبَا الْكَشُوثَى وَيُقَالُ أَبُو عُمَيْرَةَ» انتهى كلام الترمذيّ.

وتكلّم الدارقطنيّ في العلل (12: 77) بنحو كلام الترمذيّ.

وأخرج ابن الجوزيّ في العلل المتناهية (1: 435) هذا الحديث من هذه الطريق، وساق كلام الترمذيّ بتمامه.

وأخرجه في الصفحة ذاتها، من طريق بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ تَحِيَّةَ بإسناده إلى أنسٍ، ثم قال: «هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ، وَلا يُعْلَمُ رَوَاهُ غَيْرُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ تَحِيَّةَ، وَكِلاهُمَا مَجْهُولُ الْحَالِ» وهو عند الخطيب في تاريخ بغداد (7: 583) وعند ابن عساكر في تاريخ دمشق (52: 338).

وقد ترجم الذهبيّ يعقوبَ بن إسحاق بن تحيّة في ميزان الاعتدال (4: 448) وقال: «ليس بثقة، قد اتُّهِمَ بالوضع» ومثله قال في المغني (2: 775) وفي ذيل ديوان الضعفاء (545).

وفي علل ابن أبي حاتم (387) قال: سألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ طُعْمةُ بن عَمْرو حَبِيب، عَنْ أنسٍ، عَنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ، كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ).

قلتُ لأَبِي: حبيبٌ هَذَا مَنْ هُوَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي!

وترجم ابن عديٍّ في كامله (3: 311) حبيب بن أبي حبيبٍ وأخرج حديثَه ثمّة، ثمّ قال: «لا أَدْرِي حَبِيبَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ هَذَا، هُوَ صَاحِبُ الأنماط، أو حبيب آخر»؟ يعني هو مجهولٌ لدى ابن عديٍّ، مثلما كان مجهولاً لدى أبي حاتمٍ الرازي وابنِه.

خلاصة الحكم على هذا الحديث: هو حديثٌ واهي الإسنادِ مرفوعاً وموقوفاً، مُنكر المتن!

أمّا ضعف الإسناد؛ فقد وضح بين يديك!

وأمّا نكارةُ متن الحديث؛ فمن جهة ادّعاء ثوابٍ عظيمٍ على عملٍ قليل، وهذه إحدى أماراتُ وضع الحديث!

وكم شاهدنا أناساً يحافظون على الجماعةِ سنينَ طويلةً، وليس لديهم استقامةٌ في أمور حياتهم وتعاملهم مع الناس، ومنهم من يتعامل بالربا، فكيف تكتب لهؤلاء براءة من النّار؟

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحمد لله على كلّ حال. 

  التَصَوُّفُ العَليمُ (3):

الصوفيّةُ بَينَ الاتّباعِ والابتداع !؟

بسم الله الرحمن الرحيم                                        

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أيها الصوفيّة الأحبّة:

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: اتَّقُوا اللهَ، وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ.

وَاتَّقُوا اللهَ؛ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18).

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ، فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ.

أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) [الحشر].

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ؛ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) [آل عمران].

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: أَطِيعُوا اللهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.

فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ؛ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ،إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) [النساء].

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ، شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ.

وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا.

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَاتَّقُوا اللهَ؛ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8).

وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) [المائدة].

أيها الإخوةُ المؤمنون: إنّ التصوّفَ العليمَ؛ يعني القيامَ لله تعالى في مرتبة الإحسان:

(أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنّه يراك) أخرجه البخاريّ في كتاب الإيمان (50) ومسلم في الإيمان (9).

تعبدُ الله تعالى بتوحيده، فلا تشركُ معه أحداً من خلقِه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

والأنبياء والأولياء والصالحون والشهداء، جميعهم عبيدٌ لله تعالى، وجميعهم مفتقر إلى عفوِ الله تعالى ورحمته!

تعبدُ الله تعالى بالفروض العينية التي افترضها الله تعالى عليك: من طهارة وصلوات وصيام وزكاة وحجّ وجهادٍ وأمرٍ بالمعروفِ ونهيٍ عن المنكر.

وتعبدُ الله تعالى فيما ندبك إليه، من تلاوة القرآن الكريم، وقيام الليل والأذكار المتنوعة الواردة في كتاب الله تعالى، والأدعية الواردِة في كتاب الله تعالى وصحيح السنة!

قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) [العنكبوت].

أيها الصوفيّ السالك: ليكنْ همُّك مجموعاً على عبوديّة الله تعالى، ولا تتطلّع إلى الكشف والفتح والتسخير والتصريف والعروج، وأمثالِ هذه الكلمات التي يضلّ بتخيّلها كثيرٌ من الناس!

واعلم أنّ الله تعالى طالبك بالعبادةِ، ووعدك بالثواب، ووعدُه بالثوابِ حقّ نافذ، لكنّ الأصل فيه النجاةُ يوم القيامةِ!

وقد يتلطّف الله تعالى ببعض عبادِه، فيكشف لهم أشياءَ؛ ليزدادوا إيماناً ويقيناً.

وربما كشف لبعضهم عن أشياءَ لطفاً بهم ليبعِدَ عنهم الشكّ ووساوس الشيطان!

فلا تظنّن هذا الذي كُشِفَ له؛ هو خيرٌ ممن لم يكشف له، ولا تتطلّع إلى الكشف والفتح وغيرهما مما تقدّم؛ لأنك إذا تطلّعت إلى الجزاءِ؛ افترضتَ أنّ عملك قد قُبل حتماً، ثم اعتقدتَ أنّ على الله تعالى أن يكافئك، وهذا اعتقادٌ باطل!

إذ جميع ما نستطيع القيامَ به من الطاعات طيلةَ أعمارنا؛ لا يعادل نعمةَ الحياةِ التي منحنا الله تعالى إياه؛ لنتشرّف بأن نكون فيها من عبيده!

أيها الشيخ الصوفي الكريم:

أيها السالك الصوفيّ الكريم:

إيّاك أن تتقرّب إلى الله تعالى بغير ما شرع اللهُ، وأراد منّا التزامَه!

فالتزم بما جاء في القرآن العظيم، وفق ما فهمه علماء الأمّة المتخصّصون.

والتزم بما جاء في كتاب «رياض الصالحين» وكتاب «الأذكار» للإمام النوويّ، رحمه الله تعالى.

ولا تعدوهما إلى أيّ كتابٍ آخر، من الكتب الكثيرة المتداولة بين الناس؛ فإنّ هذين الكتابين اختيار عالم محدّث أصوليٍّ فقيه صوفيٍّ ربّاني، وليتني أنا قبلَك أستطيعُ المواظبةَ على قراءةِ كتابِ الله تعالى وقراءة هذين الكتابين، والعملَ والامتثال لما فيها.

ولستَ بحاجةٍ في سلوكك إلى الله تعالى، إلى أيِّ حديثٍ خارجَ هذين الكتابين، حتى لو وجدتَ الحديثَ في كتبٍ مشهورةٍ متداولةٍ بين السادةِ الصوفيّة؛ لأنّ السادة الصوفية عُنوا بالتربية والتزكية وتقويم الأخلاق، واختاروا أن يكونوا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ومن محبّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأشغلوا ما لديهم من وقتٍ، في ليلهم ونهارهم بذكر الله تعالى، وكثرة الصلاة والسلام على الرسول، ولم يصرفوا همّتهم إلى التخصّص العلميّ في الكلام والتفسير والحديث والأصول والفقه واللغة.

ولَعَمْري إنّ ما التزموه، وأشغلوا أنفسهم به؛ خير عظيمٌ، واختيار سليم، لا يسلكه إلّا المهتدون الموفّقون!

أيها الأحباب الذاكرون: الزموا التصوّف العليم، الذي تقدّم ذكر معالمه النبيلة الكريمة!

واحذروا ثم احذروا ثم احذروا التصوّف الفلسفيّ المقيتَ، فهو بجميع مدارسه يقود إلى الضلال؛ لأنّ الصوفيّ المتفلسفَ، متى تبحّر في تصوّفه الفلسفيّ؛ يصبح يرى الوهم حقيقةً، والخيالَ واقعاً، وحديثَ النفس وأمنياتها كشفاً وفتحاً وعروجاً!

وأنا لا يسوؤني أبداً أن يكون الحلّاج والسرّاج وابن عربيّ، وابن الفارض، والسهروريّ، وابن سبعين، وأمثالهم من أرباب التصوّف الفلسفيّ... أن يُدْخِلَهم الله تعالى في رحمته، هذا لا يسوؤني أبداً!

مثلما لا يسوؤني أن يُدخل الله تعالى في رحمته سلفَكم الصالح من المجسّمة والمشبهة المهووسين بحدّثنا وأخبرنا، من دون عقلٍ ولا وعي، من أمثال عبدالله بن أحمد، والبربهاريّ، وابن بطّة، ومئاتٍ من أضر ابهم!

احذروا كتب الحلّاج، وكتب ابن عربيّ، وقصائد ابن الفارض، والوحدة المطلقة لابن سبعين، فإنّ أحسنَ أحوالها - إذا افترضنا فيها حسناً - أنّها ليست مما طالب الله تعالى عبادَه بمضامينها.

ولا تغترّوا بثناءِ مشايخ الصوفية على هؤلاء الفلاسفةِ وأمثالهم، فنحن أمّة اعتادت تقديس المتقدّم في التاريخ، والمشهورَ من الخلق، والقاتل الفاتح!

والتزموا تصوّف الإمامَ عليّاً الرضا عليه السلام، الذي ورّثه معروفاً الكرخيّ وغيره، ثمّ ورّثه معروفٌ الكرخيّ السريَّ السقطيَّ، ثمّ ورثه السريُّ الجنيدَ البغداديّ!

تصوّف اقتداء واتّباع، لا تصوّف أهواءٍ وابتداع!

وأسألُ اللهَ أنْ يوفقني وإياكم إلى طاعته وحسن عبادته.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 10 يونيو 2023

  مَسائِلُ فِكْرِيّةٌ (5):

ابن تيميةَ شيخ الضلال!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أرسل إليّ أحدُ الإخوة مقطعاً صوتيّاً للدكتور الشيخ يُسري جبر - حفظه الله تعالى - وقال: «أعرف أنّ وقتك ضيّق، وأخبرتني سابقاً بأنك لا تستمع إلى المقاطع الصوتية، لكنني أرجو أن تستمع دقيقةً واحدةً من هذا المقطع، ثم تعطي رأيك للناسِ، فأنت في موضعٍ من العلم، لا يَجهلُه منهم أحد»!

أقول وبالله التوفيق:

استمعتُ إلى كلماتِ الشيخ يسري جبر، التي يقول فيها: «يعتقدون في ابن تيمية أنه شيخ الإسلام، والحقيقةُ أنّه شيخُ الضلالِ!

فإذا رأيتَ إنساناً يوقره؛ فاعلم أنه مبتدع!

إذا وقفت في مكانٍ، ورأيت إنساناً يلبس زيّ العلماء، ويقول: ابن تيمية شيخ الإسلام؛ فاعلم أنّه من أهل البدَع»!

قال الفقير عداب: لم يسبق لي لقاءُ الدكتور يسري جبر، ولم أقرأ له شيئاً من مؤلفاته، وقد قرأت من تلامذته ثناءً  كثيراً عليه.

وهذا الكلام الذي قاله في حقّ الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ قاله كثيرون غيرُه، وما زلتُ أسمعه مذ عرفتُ طلبَ العلم!

ولا يخفى على طلبةِ العلم الصراعُ الطويلُ الذي جرى بين ابن تيمية وعلماء عصره!

ذلك الصراع الذي قادَ ابنَ تيميةَ إلى أن يموت في سجن السلطان المملوكيّ في دمشق!

الشيخ ابن تيمية ضالٌّ مضلٌّ عند الأشاعرة والماتريديّة، وهم لا يعذرون المجتهدَ المخطئَ في الاعتقاد!

وعلماءُ الأشاعرة والماتريدية؛ ضالّون مضلّون عند الحنابلةِ على مدار تاريخهم الطويل، ولا يعدّونهم من أهل السنّة والجماعة، بل يَقصرون هذا اللقبَ المقدّسَ على الحنابلة ومن يوافقهم في عقائدهم وحسب!  

في عام (1401 هـ) زار الملك فهد بن عبدالعزيز الجامعةَ الإسلامية في المدينة المنورة وخطب هناك خطبة قصيرةً، ثم أجاب على أسئلةٍ محضّرةٍ سلفاً في تقديري!

كان ممّا سئل عنه: موقفه من الشيخ ابن تيمية؟

فقال ما معناه: إنّ حكومتنا الرشيدةَ وضعت شيخ الإسلام في موقعٍ لا يبلغُه أحدٌ غيره، وهو مكان لا يستحقّه غيره!

وما دام الناس على دين ملوكهم؛ فقد غدت أقوال ابن تيمية في الجامعاتِ السعودية؛ هي المعيارَ الفارقَ بين الحقّ والباطل، وبين الصواب والخطأ!

وكان طلّابنا يحاكمون اجتهادات المتقدمين: أبا حنيفةَ ومالكاً والشافعي وغيرهم، إلى أقوال ابن تيمية!

ولم أكن أنا بعيداً عن الإعجاب بالشيخ ابن تيمية أبداً، بل إنني كنت مولعاً، نهماً في قراءةِ كتبه، وقراءةِ ما كُتب عنه، على حدٍّ سواء!

وكنتُ أظنّ نفسي أعرف بالشيخ ابن تيمية من جميع السلفيين؛ لأنني كنت أعدُّ نفسي أعلمَ وأفهمَ منهم أجمعين، وأستغفر الله العظيم من جموح الشباب!

كان شيخنا الدكتور «حسن ضياء العتر الحلبي» يبغض ابنَ تيميةَ، ويبغض الشيخَ الألبانيَّ، رحمهم الله تعالى، أكثر، ومع يقينه بأنني لست وهابيّاً، إلّا أنه كان لا يرضى مني الثناءَ على ابن تيمية، ولا على الشيخ الألبانيّ، ويراهما ضالّين بيقينٍ، ولدى كلٍّ منهما أقوالٌ مكفّرة!

طلبَ مني تخريجَ عددٍ من الأحاديثِ، وتسجيل أحكامِ ابن تيمية وابن القيم والألباني على تلك الأحاديث - إنْ وجد لأحدهم حكم - وما كنت أحسب أنه اختارها عمداً!

خرّجتُ الأحاديثَ، وكانت في حدود عشرةِ أحاديثَ، ليس أكثرَ، ونقلت أقوال هؤلاء العلماء الثلاثة في أكثرها، ثمّ درستُ الأحاديثَ بنفسي، في ضوء ما تعلّمتُ من قواعد علم الحديثِ؛ فلم تعجبني أحكامُ ابن تيمية ولا أحكام ابن القيّم، ولا أحكام الألبانيّ، إضافةً إلى اختلافهم هم فيما بينهم!

لم أعطِ تخريجَ الأحاديثِ للدكتور العتر، بل ذهبتُ إلى نجّار صديقي، من آل «الروّاس» الحمويّ، وجّه الله له الخير، إن كان حيّاً، ورحمه الله تعالى بكلّ حال، وطلبت منه أن يصنع لي مكتبةَ أدراج بحجم بطاقاتٍ متنوعة الأحجام.

ثمّ أعطيت تخريجاتي للشيخ العتر، وأخبرته أنني بصددِ قراءةٍ واعيةٍ لكتب ابن تيمية!

ورحتُ أقرأ الشيخ ابن تيمية من جديد، حتى جمعتُ أكثر من (500) بطاقةٍ مستنكرةٍ لديّ من أقواله تحتاج إلى ردّ ومناقشة، في الاعتقادات والأفكار والفلسفة والمنطق والفروع!

وأهمّ نتيجةٍ خلصت إليها من هذه القراءةِ الواعية التي استمرت أكثر من سنتين من التفرغ التامّ؛ هي أنّ ابن تيمية حافظٌ لآلاف الأحاديثِ، لكنه ليس ناقداً حديثيّاً، ولا يعتمد عليه في نقد حديثٍ واحد، لم يُسبَق إلى نقده، وأنّ تلميذه ابن القيّم أقعدُ منه في الفقه والحديث!

إنّ ابن تيميةَ عالمٌ موسوعيٌّ كبير، وإنّ ابن القيّم عالم موسوعيّ كبير، وإنّ السبكيّين عالمان موسوعيان كبيران، وإنّ علاء الدين البخاري الحنفيّ عالم أصولي وفقيه كبير!

ويسعنا أن نقول: إنّ مدرسةَ ابن تيمية في القرن الثامن الهجريّ؛ خرّجت علماءَ حنابلةً كباراً!

وإنّ مدرستي الأشاعرة والماتريدية؛ خرّجتا علماء كباراً، لا يستهان بأحدٍ منهم!

وإذْ أنا الفقير لست حنبليّاً في الاعتقادِ ولا في الفقه، كما قلت لشيخي عبدالعزيز ابن باز رحمه الله تعالى.

وإذْ لست أشعريّاً ولا ماتريديّاً أيضاً، وإن وافقتهم في كثيرٍ مما أعتقده؛ فيسعني أن أقول: ليس ابن تيميةَ ضالّاً ولا إمام الضلالِ، وليس علاء الدين البخاريّ ضالّاً ولا إمام الضلال!

وأنتم يا أتباع هذه المدارس الثلاثِ، لا يسعكم إلّا إعذارَ المجتهدين فيما يتوصّلون إليه، مهما اختلفتم معهم، وفيما بينكم، في نتائج الاجتهاد في المسائل الخلافية، سواءٌ كانت عقدية أم فكرية أم فروعيّة!

وأنا أعتقد - ولا أظنّ - أنّ جميع علماء الأمة منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم؛ ليس فيهم مجتهدٌ واحد، لا ابن تيمة، ولا ابن القيم، ولا السبكيان، ولا الذهبيّ، ولا ابن حجر!    

لماذا هذا الجنوح؟

أمّا أوّلاً: فلأنّ جميعهم مقلّدةٌ في نقد الحديث، وكلّ من يقول: جميع ما في الصحيحين صحيح؛ هو مقلّد صرف؛ لأنّ أكثر من نصف أحاديث الصحيحين (2000) حديثٍ لا تتجاوز درجة الحسن، وفيهما قرابة (500) حديثٍ ضعيف!

وجميعُ من ذكرتُ وغيرهم يفرّعون على أحاديثِ الصحيحين، كما يفرعون على القرآن الكريم!

وأمّا ثانياً: فلأنّ هؤلاء الكبار كانوا مذهبيين في الأصول، فالحنفيّ منهم ملتزم بأصول مذهبه القديمة، وكذلك المالكي والشافعيّ والحنبليّ.

وأمّا ثالثاً: فلأنّ جميعهم يطالبون الباحث بالاجتهادِ في العقائد، لكنهم يضلّلونه أو يبدّعونه وقد يكفّرونه إذا توصّل باجتهاده إلى مخالفتهم!  

فهم علماءُ كبار في مذاهبهم إذنْ، وليسوا مجتهدين!

فلا تَغترَّ بكثرةِ الألقابِ والعناوين، واجتهد لتكون صاحب رأيٍ مستقلٍّ، واعذر الآخرين باجتهادهم، أو قلْ: بتقليدهم، وإن كفّروك (ذلك مبلغهم من العلم)!

بقيت مسألة مهمةٌ لا بدّ من بيانِها، لما لها من أثرٍ كبيرٍ على كثيرٍ من علماء عصرنا وكتّابهم، وإنْ كان جميعهم أو أكثرهم يجبنون عن التصريح بها!

ارتبط الفكرُ السلفيّ القديمُ بالوهابية المعاصرة - وليس العكس - وكانت الوهابية وما تزال خادمةً للنظام الاستبداديّ الوراثيّ السعوديّ، مع إيمان كثيرين من السلفيين اليوم بأنّ عبدالعزيز آل سعود وأكثر ذريّته؛ لا علاقةَ لهم بالدين والتقوى، لكنهم يسمحون للسلفيين بممارسة دعوتهم، كما حدثني شيخي عبدالعزيز ابن باز !؟

فجميع الناقمين على آل سعود؛ يبغضونهم، ويبغضون معهم السلفيةَ والوهابيةَ الدمويّة والسلفيين!

والأشرافُ من أهلِ السنةِ، ومن غير أهل السنّة؛ يبغضون آل سعود، ويبغضون السلفية والوهابية الدمويّة؛ لأنها كانت وما تزال الخطرَ الأكبرَ عليهم!

إذا لم تفهم هذه المعادلةَ - أخي القارئ - فلن تتوصّل إلى تفسيرٍ صحيحٍ لما تراه من تطاحنٍ بين الوهابية المعاصرةِ، وبين خصومهم من الأشعرية والماتريدية!

أمّا موقفي أنا الفقير إلى الله تعالى مما سبق كلّه؟

فأنا أبغض آل سعودٍ، وأبرأ إلى الله تعالى من موالاتهم ونصرتهم، وإنّ من فضلِ الله علينا أنّ جدودي من «آل كنعان» الأشاوسَ، ممّن ردّوهم على أعقابهم خاسرين، في معركة «عين قصّارين» شرقيَّ مدينة حماة، كما حدّثني جدي السيد إبراهيم، رحمهم الله تعالى!

وأنا أبغض جميعَ حكّام العرب في الله تعالى، لا تستثن أحداً منهم، وأبرأ إلى الله تعالى من موالاتهم ونصرتهم، فهم جميعاً منافقون - نفاقاً عمليّاً في الحدّ الأدنى - وجميعهم أهل دنيا، ولا يعنيهم الإسلام في قليلٍ ولا كثير، وإن ركبوا جوادَه في بعضِ الأحايين!

لهذا تجدني لا أتحسّس من وصف الشيخ ابن تيمية بشيخ الإسلام، ووصف غيره بهذا اللقب وإنْ كان لي وقفةٌ عندَ إطلاقِه من الأساس!

رحمَ الله علماءَ الإسلام المتقدمين والمتوسطين والمتأخرين والمعاصرين، المقلّدين منهم والمرجّحين، والمجتهدين، ورحمنا الله معهم، وتجاوز عنا وعنهم أجمعين، حتى غيلان الدمشقيّ والجعد بن درهم والجهم بن صفوان، آمين أمين!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأربعاء، 7 يونيو 2023

اجتماعيات (64):

مَوقفُك من تعدّد الزوجاتِ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتبت إليّ إحدى طالباتي تقول: نحن بناتُك، نرجوك أن لا تذكر بأنك تزوّجت مرّاتٍ متعددة، فإنّ هذا يؤذينا ويخيفنا بأن يقول أزواجنا: هذا شيخكنّ وقدوتكنّ تزوّج خمسَ مرّات!؟

وإذْ إنّك من دون زوجةٍ، منذ سنواتٍ كثيرة، فما الذي استقرّ عليه موقفك من هذا المباحِ البغيضِ إلينا نحن النساء؟

أقول وبالله التوفيق:

سأجيبكنّ بكلّ وضوحٍ وصراحةٍ وواقعيّةٍ، باختصار شديد، إذ ليس لديَّ همّة لشيء!

أوّلاً: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) [النساء].

وأنا أفهم من هذه الآيةِ إباحَة تعدّد الزوجاتِ، بمعزلٍ عن سبب التعدّد!

والذين يقيّدون دلالةَ الآيةِ؛ فإنما يفعلون ذلك بدافعِ المصلحةِ، أو سدّ الذريعةِ، أو ضغطِ العُرْف، ونحو ذلك!

وليس في الآيةِ سوى قيدٍ واحدٍ (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) فإذا كان خوفُ الفقر، أو خوفُ كثرة العِيالِ، الذي يقود إلى الفقر أحياناً، يُعَدُّ قيداً قرآنيّاً، فلأن يكونَ الفقر ذاتُه مانعاً من التعدّد؛ أولى وأدلّ!

ثانياً: يتعيّنُ على الراغب بالتعدّد - في ظروفنا الحاضرة على الأقلّ - أن تكونَ أهدافُ التعدّدِ واضحةً لديه، في ضوءِ موقعِه الاجتماعيّ، وفي ضوءِ عملِه وتخصّصه، وفي ضوء قُدرتِه الجسميّة والنفسيّة والماليّة!

فليس كلُّ راغبٍ بالزواجِ قادراً نفسيّاً، أو جسميّاً، أو ماديّاً عليه!

ثالثاً: أحذّرُ طالبَ العلمِ الشرعيِّ والداعيةَ إلى الله تعالى، والشاعرَ وكثيرَ السفرِ، من التعدّد!    

إنّ التعدّد بحدّ ذاتِه مشكلةً من أصعبِ مشاكِل الحياةِ البيتيّة، وأنا أعدّ استقرار بيت الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، على الرغم من كثرة زوجاتِه؛ أحدَ دلائل نبوّته!

ليس لدى العالمِ وقتٌ يضيّعه في فضِّ خصوماتٍ صغيرة، بل تافهةٍ لديه، بينما هي مشاكل كبيرةٌ وخطيرةٌ لدى النساء!

وقلبُ الشاعر مرهفٌ، سريع التأثّر بالمواقف الإنسانيّة، فربما أحسنت إحدى زوجاتِه عرضَ ألمها النفسيّ من ضرّتها، فضخّمت في عينه الصغير، فكان هذا سبباً في طلاق زوجته الأخرى، أو الشكِّ بها، أو ظُلمها وهجرها!

والداعيةُ إلى اللهِ، الذي من مبادئ دعوتِه الخروج في سبيلِ الله شهوراً عديدةً؛ قد تصبر عليه الزوجة الواحدة لوفائها وحبّها له، لكنّ حبّ الزوجة الأولى ينخرم، بل ينهدم عندما يتزوج عليها، وتمسي مضطرّةً للبقاءِ على عصمته، من أجلِ أولادها منه غالباً!

فإذا سافر زوجها وأطال غيبته؛ ربما انتقمت منه زوجتُه الأولى بإباحةِ شرفها، خاصّةً إذا كان فقيراً أو بخيلاً، وتركها وأولادَها طمعاً بأن يهيّء الله لهم من يساعدهم!

وقد وقفتُ على شواهدَ عديدةٍ لمثل هذه الحالات المأساويّة، وللأسف!

رابعاً: على الراغب بالتعدّد أن يوقن بأنّ مصروفَه لن يتضاعف مرّةً ثانيةً، بل سيتضاعف ليصبحَ أربع مرّاتٍ في الحدّ الأدنى، ولم أعرف امرأة تخاف الله تعالى، عندما يتزوّج زوجها عليها!

كنتُ جاهلاً حقّاً بنفسيّة المرأة وطباعِها وأشواقِها، وكنتُ أحسبُ - كما يحسب أكثرُ أهل الخليج اليوم - أنّ غايةَ ما تبغيه المرأة؛ هو النفقة والجنس!

ولأنّ المرأة تظنّ أنّ الرجل يفكّر بهذه الطريقةِ؛ فهي ترهقه ماليّاً وجسديّاً قبل قيامِه بالتعدّد في واقع الأمر!

وإذا قام الرجل بالتعدد فعلاً؛ فهي تكتشفه منذ الأسبوع الأوّل!

إنّ أغلبَ رجالِ اليوم؛ لا يحتاجون إلى التعدد أبداً؛ لأنّ مجتمعاتنا أضحت كاثوليكيّةَ التوجّه في علاقة المرأة بالرجل!

وأكثر من يحتاجون إلى التعدّد؛ هم الملوك والأمراء، الذين يعنيهم توطيدُ علاقاتهم بشيوخ قبائلهم، في مجتمعاتٍ عربيّةٍ، ما تزالُ قبليّةَ الأعرافِ الاجتماعيّة!

ختاماً: حدّثني الدكتور محمّد بن عبدالقادر، وهو ممن يحبّ النساء كثيراً، وقد عدّد غيرَ مرّةٍ قال: سئل الراجحيّ - صاحب مصرف الراجحي في الرياض - عن رأيه بالتعدّد، بعد عدّةِ أشهرٍ من قيامِه به؟

فقال: التعدّد زين جويّد للقويِّ الواجدِ!

وأزيد أنا عليه: ولمن كان عقلانياً، يغلبُ عقلُه عواطفَه!

ولمن كانت له من التعدّد أهدافٌ أسمى، من متعة الجنس، أمّا مَن يعدّد من أجل متعةِ الجنسِ وحسب؛ فأنا لا أقول: جميع النساء في المتعةِ سواء، لكنّني أقول: الفوارق بينهنّ من هذه الزاوية؛ لا تستحقُّ العناءَ والإرهاق ومضاعفة الإنفاق!

ولا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله العليّ العظيم!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.


الأحد، 4 يونيو 2023

  مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (12):

أحاديثُ صحيحةٌ ليس عليها العَمَلُ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب إليَّ أحد الإخوةِ الأفاضل يقول: «أُعِدُّ تقريراً حول العبارة التي يطلقها فقهاءُ ومحدّثون، وهي (أحاديث صحيحةٌ ليس عليها العمل) وأودّ أخذَ مشاركةٍ مختصرةٍ منك؛ لتضمينها في التقرير، وفيما يلي أسئلة محددة حول الموضوع:

(1) من أوّل من أطلق تلك العبارة؟

(2) وهل يمكن إيضاحُها وشرحها والسياق الذي قيلت فيه؟

(3) ومتى يُستدلُّ بها؟

(4) وهل تلك الأحاديثُ التي توصَف بالصحةِ، وليس عليها العمل؛ معلومةُ العدد؟

(5) أو إنّها تختلف من محدّثٍ لآخر؟

(6) وما هي مناهج الفقهاء والمحدّثين في التعامل معها»؟

أقول وبالله التوفيق:

هذا موضوعٌ يستحقّ أن تُفرَد له رسالةٌ علميّةٌ «ماجستير - دكتوراه» من طالب علمٍ واعٍ مجتهدٍ حصيف!

وإذ إنّ منشوري هذا مساهمةٌ وقتيّة، مثلُ لُفافةٍ تُقدَّم إلى جائعٍ لتسكّن جوعتَه؛ فسأقصر الجواب المباشر على التساؤلات الواردةِ في الرسالة السابقةِ مباشرةً!

أوّلاً: أوّل من وقفتُ له على استعمل هذه الصيغةِ «ليس عليه العمل» من المحدّثين؛ هو الإمام مالكٌ، في الموطّأ، بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي (259، 772، 1630، 2047، 2760).

ثانيا: شَرْحُ هذا المصطلح: المالكيّة والحنفيّة يستعملون مصطلح «ليس عليه العمل» أو «العمل على خلافه» مع اختلاف الاستعمال بينهم!

فالمالكيّة يقصدون به أن يأتيَ خبرُ الواحدِ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيَعمل به مَن جاء أحدُ الخلفاءِ الثلاثةِ الفقهاء بالمدينة (أبي بكرٍ وعمر وعثمان).

بعد حوار طويلٍ بين الربيع، الذي يمثّل وُجهةَ نظر المالكيّةِ، وشيخه الشافعيّ في كتاب الأمّ (7: 276) قال الربيعُ: «قُلْت لِلشَّافِعِيِّ: إنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى أَنْ نُثْبِتَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، دُونَ الْبُلْدَانِ كُلِّهَا!

فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذِهِ طَرِيقُ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا، وَقَالُوا: نَأْخُذُ بِالْإِجْمَاعِ!

إلَّا أَنَّهُمْ ادَّعَوْا إجْمَاعَ النَّاسِ، وَادَّعَيْتُمْ أَنْتُمْ إجْمَاعَ بَلَدٍ، هُمْ يَخْتَلِفُونَ عَلَى لِسَانِكُمْ!

وَاَلَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ؛ يَدْخُلُ عَلَيْك مَعَهُمْ، لَلصَّمْتُ كَانَ أَوْلَى بِكُمْ، مِنْ هَذَا الْقَوْلِ!

قُلْت: وَلَمْ؟

قَالَ الشافعيُّ: لِأَنَّهُ كَلَامٌ تُرْسِلُونَهُ، لَا بِمَعْرِفَةٍ، فَإِذَا سُئِلْتُمْ عَنْهُ؛ لَمْ تَقِفُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْبَلَهُ!

أَرَأَيْتُمْ إذَا سُئِلْتُمْ: مَنْ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِالْمَدِينَةِ؟

أَهُمْ الَّذِينَ ثَبَتَ لَهُمْ الْحَدِيثُ، وَثَبَتَ لَهُمْ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ؛ قُلْتُ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ فِي هَذَا أَمْرَانِ:

- أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمْ إجْمَاعٌ؛ لَمْ تَكُونُوا وَصَلْتُمْ إلَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ، إلَّا مِنْ جِهَةِ خَبَرِ الِانْفِرَادِ (الواحد) الَّذِي رَدَدْتُمْ مِثْلَهُ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ.

فَإِنْ ثَبَتَ خَبَرُ الِانْفِرَادِ؛ فَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ!

- وَالْآخَرُ: أَنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ فِي قَوْلِ وَاحِدٍ غَيْرِكُمْ شَيْئًا مُتَّفَقًا «عليه» فَكَيْفَ تُسَمُّونَ إجْمَاعاً، لَا تَجِدُونَ فِيهِ عَنْ غَيْرِكُمْ قَوْلًا وَاحِدًا؟

وَكَيْفَ تَقُولُونَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ، عَلَى لِسَانِكُمْ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ؟

فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّا ذَهَبْنَا إلَى أَنَّ إجْمَاعَهُمْ «معناه» أَنْ يَحْكُمَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ أَوْ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ بِحُكْمٍ، أَوْ يَقُولَ الْقَوْلَ !؟

فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ قَدْ احْتَجَّ لَكُمْ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ «العراقيين» بِأَنْ قَالَ: مَا قُلْتُمْ: «وَكَانَ حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لَا يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ إلَّا عِلْماً ظَاهِراً، غَيْرَ مُسْتَتِرٍ، وَهُمْ يُجْمِعُونَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَطْلَبُ النَّاسِ لِمَا ذَهَبَ عِلْمُهُ عَنْهُمْ مِنْهَا، يَسْأَلُونَ عَنْهَا عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَى الْمَوَاسِمِ وَفِي الْمَسَاجِدِ وَفِي عُرَامِ النَّاسِ.

وَيُبْتَدِؤونَ فَيُخْبَرونَ بِمَا لَمْ يُسْأَلُوا عَنْهُ، فَيَقْبَلُونَ مِمَّنْ أَخْبَرَهُمْ مَا أَخْبَرَهُمْ، إذَا ثَبَتَ لَهُمْ! فَإِذَا حَكَمَ أَحَدُهُمْ الْحُكْمَ؛ لَمْ تُجَوِّزْ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ بِهِ، إلَّا وَهُوَ مُوَافِقٌ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْرُ مُخَالِفٍ لَهَا، فَإِنْ جَاءَ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَالَفَهُ مِنْ وُجْهَةِ الِانْفِرَادِ؛ اُتُّهِمَ» ... إلخ كلام الشافعيّ.

- وأمّا الحنفيّة: فيرَدّون خبرَ الواحدِ، الذي يخالفُ الكتابَ أو السنّة المشهورة «التي عليها العمل» أو «ما تعمّ به البلوى» أوالقياسَ الجليّ، ويعبّرون بقولهم: «يخالف الأصول» خاصّةً إذا جاءَ الحديثُ عن صحابيّ غير فقيه، مثل أبي هريرة وأنسٍ وأبي سعيد الخدريّ على الانفراد، وليس عليه عملُ الصحابةِ؛ فهذا الذي يردّونه، ويقولون: (ليس عليه العمل) أو نحوها من العبارات.

- وموقف الشافعيِّ من الأحاديث الصحيحةِ التي زَعم الحنفيةُ والمالكية أنّه لم يُعمَلْ بها؛ ما قاله الربيع في الأمّ للشافعيِّ (7: 211): «فَإِنْ قُلْتُ: لَمْ يَعْمَلْ بِهَذَا أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «قَدْ بَيَّنَّا لَك قَبْلَ هَذَا، مَا نَرَى أَنَّا وَأَنْتُمْ نُثْبِتُ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ بَعْدَهُ اسْتَغْنَاءً بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَمَّا سِوَاهُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِإِعَادَتِهِ».

وقال الشافعيّ في الأمّ (7: 204): « يُكْتَفَى بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يُوهِنُهُ إنْ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ عُمِلَ بِهِ بَعْدَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ قُوَّةً أَنْ يَكُونَ عُمِلَ بِهِ بَعْدَهُ وَلَوْ خُولِفَ بَعْدُ، وَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ، دُونَ مَا خَالَفَهُ...

ولَمْ نُوهِنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ؛ بِأَنْ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ وَلَا عَلِيٍّ «رضي الله عنهم» أَنَّهُمْ فَعَلُوا مِثْلَ هَذَا، وَلَا قَالُوا: مَنْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا؛ جَازَ لَهُ.

وَاكْتَفَيْنَا بِالْخَبَرِ لمّا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ نَحْتَجْ فِيهِ إلَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ بَعْدَهُ غَيْرُهُ».

وهذا يعني أنّ الشافعيَّ ومِن بَعدِه الإمامُ أحمد، وأكثر المحدّثين؛ لا يقيمون وزناً لدعوى «ليس عليه العمل» لأنّها دعوى عامّةُ الظاهر، لكنها مخصوصةٌ عند المالكية بمخالفة ما عليه العمل في المدينةِ،  كما يدّعون، وقد بيّن الشافعيّ في كتبه مخالفةَ المالكيّةِ حتى لبعضِ فقهاءِ أهل المدينة!

وهي دعوى عامّةٌ عند الحنفيّة أيضاً، وهي مخصوصة بما إذا خالف خبرُ الواحدِ ما هو أقوى منه، أو خالفَ الأصول - كما تقدّم - وخاصّة إذا كان راويه من الصحابةِ غيرَ فقيهٍ في نظرهم.

ثالثاً: قول السائل: «هل تلك الأحاديثُ التي توصَف بالصحةِ، وليس عليها العمل؛ معلومةُ العدد»؟

جوابُه: جَميعَ أحاديثِ الأحكام التي زعم الحنفيّة أو المالكية أنْ «ليس عليها العمل» مبثوثةٌ في تضاعيف كتب الفقه المدلّلة، ولا أعلم أحداً قام بإحصائها.

وأكثرُ من وجدتُه جمعَ عدداً كبيراً منها في كتاب واحدٍ؛ هو الإمام عليّ ابن حزم، في كتابه الماتع الإحكام في أصول الأحكام (2: 100) إذ قال: «نسألهم فنقول لهم:

عَمَلَ مَن تريدون؟ أعَملَ أمةِ محمد صلى الله عليه وسلم كلِّهم، أمْ عَمَلَ عَصْرٍ دون عصرٍ؟

أم عَملَ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، أم عمل أبي بكر، أم عمل عمر، أم عمل

عثمان، ولم يكن في المدينة إمامٌ غيرٌ هؤلاء؟

أم عَمل صاحبٍ من سكان المدينة بعينه، أم عملَ جميع فقهاء المدينة، أم عمل بعضهم؟ ولا سبيل إلى وجْهٍ غير ما ذكرنا!

فإن قالوا: عمل أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلّها؛ بان كذِبُهم؛ لأن الخلاف بين الأمة أشهر من ذلك، وهم دأَباً إنما يتكلمون على من يخالفهم!

فإن كانت الأمة مجمعةً على قولهم؛ فمع من يتكلمون إذنْ؟

وإن قالوا: عصراً ما دون سائر الأعصار؛ بان كذِبُهم أيضاً، إذ كل عصر فالاختلاف بين فقهائه موجود منقول مشهورٍ، ولا سبيل إلى وجودِ مسألة اتّفق عليها أهلُ عصرٍ ما، ولم يكن تقدّم فيها خلافٌ قبلَهم، ثم اختلف فيها الناس، هذا ما لا يوجد أبداً.

فإن قالوا: عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أريناهم أنهم أتركُ الناس لعَمَلِه عليه السلام، بل لآخرِ عملِه!

فإنهم رووا أن آخرَ عمله؛ كان الإفطار في رمضان في السفر، والنهي عن صيامه؛ فقالوا هم: الصوم أفضل!

وكان آخرَ عمله عليه السلام الصلاةُ بالناس جالساً وهم أصحاءُ وراءَه:

- إمّا جلوسٌ على قولنا!

- وإما قيامٌ على قول غيرنا؛ فقالوا هم: صلاة من صلى كذلك باطلة!

ورووا في الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة؛ أفاض الماء على جسده؛ فقالوا هم: طهور من تَطهّرَ كذلك؛ باطلٌ حتى يَتدلّكَ!

ورووا أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة إذا ركع وإذا رفع؛ فقالوا «ليسَ عَليهِ العَمَلُ»!

ورووا أنه صلى الله عليه وسلم صلى فقرأ بالطور في المغرب بـ]المرسلات[ وكان ذلك في آخر عمره صلى الله عليه وسلم، فقالوا: «ليسَ عَليهِ العَمَلُ»!

ورووا أنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا أم الناس فأتمَّ أُمَّ القُرآن قال آمين؛ قالوا: «ليسَ عَليهِ العَمَلُ»!

ورووا أنه عليه السلام سجد في ]إذا السمآءُ انشقّت[ فقالوا: «ليسَ عَليهِ العَمَلُ»! ورووا أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالناس جالساً وهم جلوس وراءه؛ فقالوا صلاة من صلى كذلك باطلة «ليسَ عَليهِ العَمَلُ»!

ورووا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه: ابتدأ الصلاةَ بالناس، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فدخل، فجلس إلى جنب أبي بكر رضي الله عنه، فأتم عليه الصلاة بالناس فقالوا: «ليسَ عَليهِ العَمَلُ» ومن صلى هكذا بطلت صلاتُه!

ومِن البديع أن بعضهم قال: صلاتُه عليه السلام في غزوة تبوك، خلف عبد الرحمن بن عوف ناسخةٌ لهذا العمل!

قال علي: وهذا كلامٌ لو قيل لقائله: أَسِفَّ ما شئتَ واجتَهِدْ؛ ما قدر بأن يأتي بأكثر مما أتى به «يقصد من الإسفاف!» لوجهين:

أحدهما: أن صلاتَه عليه السلام خلف عبد الرحمن بن عوف، التي ادّعوا أنها ناسخةٌ؛ كانت في تبوك، وصلاتُه عليه السلام إلى جنب أبي بكر التي ادّعوا أنها منسوخةٌ؛ كانت قبل موته عليه السلامُ بخمسِ ليالٍ فقط!

وهي آخر صلاة صلّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فكيف ينسخ أمرٌ كان قبل موته عليه السلام بأشهرٍ أمر صلاتِه عليه السلام خلف عبد الرحمن بعد صلاته خلف أبي بكر؟

ورووا أنه عليه السلام جمع بين الظهر والعصر في غير خوف ولا سفر؛ فقال مالك أرى ذلك كان من مطرٍ، فقالوا: «ليسَ عَليهِ العَمَلُ» لا في مطرٍ ولا في غيره!

ورووا أنه عليه السلام أُتِيَ بصبِيٍّ، فبال على ثوبِه، فدعا بماءٍ فأتْبَعَه إيّاه، ونضَحَه، ولم يَغسلْه؛ فقالوا: «ليسَ عَليهِ العَمَلُ» وهذا لا يطهر الثوبَ، ومن صلى بثوبٍ هذه صفتُه؛ صلّى بنَجِسٍ، فعلّموا نبيَّهم صلى الله عليه وسلم ما لم يَكُنْ في عِلمِه، وجعلوه مُصلّياً بثوب نجِسٍ، تعالى الله عما يقولون عُلوّاً كبيراً.

وأورد ابن حزمٍ عدداً آخر من الأحاديثِ الصحيحةِ التي قالوا: «ليس عليها العمل» ما لو جمعه طالب علمٍ، وحرّر مذاهبَ العلماءِ فيه؛ لجاء بحثاً قيّماً مفيداً.

ختاماً: هذا بحثٌ طويلٌ، تجِدُ مختصرَه في كتاب الأم للشافعيّ، تحت ترجمة «كتاب اختلاف مالكٍ والشافعيّ» (8: 513 - 778) إذْ كثيرٌ من مسائل الخلاف بين الإمامين؛ مردّها إلى إعراض مالكٍ عن خبر الواحد، بدعوى مخالفته عملَ أهل المدينة!

وانظر تفصيل ذلك في كتاب «مناقشات الشافعيّ للمالكيّة في موقفهم من السنّة» للدكتور إسماعيل بن رفعت فوزي عبدالمطّلب المصري.

ويبدو أنّ هذا الكتابَ؛ هو أطروحةُ الدكتور إسماعيل للدكتوراه (انظر: ص 3، 707).

وقد جاءت هذه الدراسة في مجلّد ضخمٌ، يقع في (769) صفحة طباعيّة.

والكتاب بجملته مفيدٌ للمحدّث والأصوليّ والفقيه.

وانظر أيضاً كتابَ «ردّ الحديث من جهة المتن» للدكتور معتزّ الخَطيب الدمشقيِّ، وأصل الكتاب؛ أطروحته للحصول على درجة الدكتوراه في الحديث النبويّ، من جامعة أمّ درمان الإسلامية، عام (2009).

وانظر منه خاصّةً مبحث «مخالفة الحديث للعمل المتوارث» (ص: 427 - 447) وهو آخر مبحثٍ في الكتاب قبل الخاتمة.

وفي مقدمة هذا الكتاب (ص: 17 - 25) تحت عنوان «الدرسات السابقة التي لها صلةٌ بالموضوع» أورد المؤلّف أسماءَ عددٍ وافرٍ من الكتب التي تناولت هذا الموضوع أو طرفاً منه، فانظرها ثمّة.

وانظر أيضاً كتابَ «علل الأصوليين في ردّ متن الحديثِ والاعتذار عن العمل به» للدكتور بلال بن فيصل البحر العراقيّ، والكتابُ أطروحتُه للحصول على درجة الدكتوراه، فيما يبدو (انظر ص: 597).

وخاصّة منه الفصلَ الثاني «الاعتذار في ردّ الحديث بكونه متروك الظاهر» (ص: 353 - 518).

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

  قُطوفٌ من الآلام (4):

الضابط محمّد صلاح المصريّ في ذمّة الله تعالى !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ؛ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ.

وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).

جاءنا أمسِ نبأُ استشهادِ ضابط الشرطةِ المصريّ محمد صلاح، بعد قيامِه بعمليّة جهاديّةٍ نوعيّة، على الحدود المشتركة بين مصر وفلسطين المحتلّة

فتلقيناه بغاية الحزن والأسى، وبمزيدٍ من التسليم والرضا بقضاء الله تعالى وقدره الحكيم.

وكائناً ما كان سببُ قيامِه بهذه العمليّة النوعيّة البطوليّة الحكيمة؛ فإنّه انتقل إلى جنان ربّه شهيداً كريماً، إن شاء الله تعالى.

وبهذه المناسبة الحزينةِ الجليلةِ؛ فإنني أتقدّم بخالص العزاءِ والمواساةِ إلى أسرته الصغيرةِ «عائلتِه» وإلى أسرته الوسطى «مصرَ» الحبيبةِ، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء.

سائلاً المولى تبارك وتعالى أن يلهمهم الصبر الجميلَ والاحتساب.

كما أسألكم إخواني الأكارم الدعاءَ لأخينا الشهيد، بما يفتح الله به عليكم من دعاء!

اللهم اغفر لأخينا الشهيد محمد صلاح المصري، وارحمه، وتقبّله في الشهداء!

اللهم اجعل استشهاده كفارةً لذنوبه، ورفعةً لدرجته، وسبيلاً إلى بلوغ مرضاتك، يا كريم.

اللهم اجعله قدوةً صالحةً، يأتسي بها كلُّ مَن وجدوا لديهم القدرةَ والعزم على التخطيط والتنفيذ الحكيم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

وعظّم الله تعالى لكم الأجر، إخواني.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 3 يونيو 2023

  مَسائل حديثية (35):

مِن المتشابه في الرسم !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).
وقع في حلية الأولياء لأبي نعيم (2: 212) ما نصّه: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، مِنْ أَصْلِهِ: ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ: ثنا خَالِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ: ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ: حَدَّثَنِي سَعْدٌ الطَّائِيُّ أَبُو مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ سَابِطٍ , عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وساق حديثاً.

وأعاد أبو نعيم الحديث ذاته في الحلية أيضاً (2: 269) فقال: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، مِنْ أَصْلِهِ: ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ: ثنا خَالِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ: ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، به مثلَه.

ووقع في كتاب القدر للفريابي (ص: 23) ما نصّه: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، السَّاعَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ الحديث.

قال محقّق كتاب القَدَر للفريابي في تخريج الحديث (ص: 34): «إن كان شيخ الفِريابي هو زكريا بن يحيى البلخي, ووهم الناسخ في كتابته؛ فالإسناد صحيح، وأخرجه ابن منده في: التوحيد (76).

قال الفقير عداب: أخرج أبو عبدالله بن منده هذا الحديث في كتاب التوحيد، من طريقين:

قال في الطريق الأولى (72): أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الرَّازِيُّ بِهَا , وَعَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ النَّيْسَابُورِيُّ بِهَا، وَأَبُوعُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ السَّاعَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجُمُعَةِ) الحديث، ثمّ عقّب قائلاً: « هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ».

وقال في الطريق الثانية (73): أَخْبَرَنَا عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ «الفضلُ» قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, أَوْ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ السَّاعَةُ الَّتِي تُذْكَرُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» الحديث.

ثم قال ابن منده: «رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ فِيهِ قَالَ: (خَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ كُلِّهَا أَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا وَخَبِيثِهَا وَطَيِّبِهَا) نَحْوَ الْأَوَّلِ.

ورَوَاهُ أَبُو حُصَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا» انتهى.

قال الفقير عداب: لست أدري كيف غفل محقّق الكتابِ عن نقل هذه الأسانيد، من كتاب التوحيد، وتعيين المدار العالي، الذي يَستغني بتعيينه عن خالد بن يحيى أو زكريّا بن يحيى، إذ يصبح شيخُ جعفرٍ الفريابيّ فَضْلةً دون المدار، لا يؤثّر في الحكم على الحديثِ البتّةَ، ثقةً كان أم ضعيفاً!

هذه واحدة.

والثانية: شيخ جعفر الفريابي مصنّف كتاب القدَر؛ ليس خالد بن يحيى البلخي، وليس هو زكريّا بن يحيى البلخيّ في هذا الحديث؛ لأنّ زكريا - وإن كان من كبار شيوخ جعفر الفريابي - لكنه لا يروي عن سفيانَ بن عيينة!

إنّما الذي يروي جعفر الفريابي عنه، عن سفيان بن عيينة؛ هو حامد بن يحيى البلخي.

ترجمه المزيّ في تهذيبه (5: 325) فقال: حامد بن يَحْيَى بن هانئ البلخي أَبُو عَبْدِاللهِ نزيل طرسوس.

رَوَى عَن أيّوب بْن النجار اليمامي، وبكر بْن صدقة الجدي، والحسن بْن مُحَمَّد بْن عُبَيداللهِ بْن أَبي يزيد، وحسين بن عَلِيٍّ الجعفي، وحفص بْن سالم، وسفيان بْن عُيَيْنَة (د).

وذكر في الرواة عنه (5: 326): «إسماعيل بْن مُحَمَّد العذري، وجعفر بْن مُحَمَّدِ بْنِ الحسن الفريابي، وأَبُو بكر جنيد بْن حكيم الدقاق الأثرم».

وفي ترجمة سفيان بن عيينة من تهذيب المزيّ أيضاً (11: 184) ذكر المزيّ في الرواة عن ابن عيينة: «الحارث بْن مسكين المِصْرِي (س) وحامد بْن يَحْيَى البلخي (د) وحجاج بْن منهال الأنماطي (خ).

وقال في ترجمة سفيان (11: 188): «قَال حامد بْن يَحْيَى البلخي: سمعت سُفْيَان بْن عُيَيْنَة يقول: رأيت كأن أسناني كلها سقطت، فذكرت ذلك للزهري فقَالَ: تموت أسنانك، وتبقى أنت... إلخ القصّة!

وحامد بن يحيى البلخيّ؛ أثنى عليه عليّ ابن المدينيّ، وقال أبو حاتم: صدوق، وترجمه ابن حبّان في الثقات، وأخرج له في صحيحه أحاديثَ، منها (624، 751، 781، 1254، 3573) ومواضع أخرى.

أمّا خالد بن يحيى البلخيّ؛ فلم يخلقِ الله تعالى رجلاً بهذا الاسم، حسب ما بين أيدينا من مصادر!

فيُرجى من محقّق كتاب القدر للفريابي أن يصحح هذا الخطأ في كتابِه، كما يُرجى من طابع كتاب حلية الأولياءِ تصحيح الخطأ في الموضعين، مع جزيل الشكر والتقدير.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحمد لله على كلّ حال.