الخميس، 26 فبراير 2026

  مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

هل تَعرفُ مُجتهداً في هذا العصر ؟!

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(الحمدُ للهِ، وسَلامٌ على عبادِه الذين اصْطَفى).

أمّا بعد: عَقب وفاة العالم الفقيه الشافعيّ الدكتور «محمّد حسن هيتو» رحمه الله تعالى؛ كَثُرَ وصفُه بالإمام والعلّامة والمجتهد، وذكر بعضُ مترجميه أنّه وضع خطّةً لموسوعةٍ في الفقه الشافعيّ، تصلُ إلى (150) مُجلّداً، صَنّف منها قُرابةَ ثمانين مجلّداً.

فتواصل معي عددٌ من الإخوةِ، يسألونني عن منزلةِ الدكتور «محمّد حسن هيتو» العلمية، وعن قيمة المجلّداتِ الثمانين، التي كتبها، إذْ لم يُتمَّ مشروعَه في حياةِ، وهل هو مجتهدٌ فعلاً، وهل تعرف عالماً من علماء عصرنا بلغ مرتبة الاجتهاد حقيقةً؟

أقول وبالله التوفيق:

رحم الله الدكتور «محمد حسن هيتو» رحمةً واسعةً، وأعلى مقامَه بين العلماء، فهو إنْ لم يكُن من المجتهدين في مذهب الشافعيّةِ؛ فإنّه رائد مدرسة علميّة تربويّة، أسّسها وسهر عليها في إمارة «الكُويت» أكثرَ من أربعين عاماً، وكانت مدرسته مهتمّة بالعلم والتربية والتزكية، في آنٍ واحد.

بعدَ تركنا تقويمَ الدكتور «محمد حسن هيتو» علميّاً جانباً؛ وانتقالنا إلى إمكانيّةِ بلوغِ أحدِ علماءِ عصرنا مرتبةَ الاجتهاد؛ أقول:

الأصلُ أنّ كلَّ باحثٍ في مرحلة «الماجستير» ومرحلةِ «الدكتوراه» موقعُه أن يكون مجتهداً في حدودِ بحثِه، ويُمكن إطلاقُ مصطلح «الاجتهاد الجزئيّ» العامِّ، على بحثِه هذا.

ولو تفرّغ متخصّص في «علوم الحديثِ» وتتبّع الدراسات العلميّة التخصّصيةَ، المكتوبة في هذا التخصّص، وأفادَ منها في تصنيف موسوعة متراميةٍ في «علوم الحديثِ» لأفادَنا في ألوف الصفحات العلميّة المحرّرة في هذا العلم.

والأمرُ ذاتُه يقال عن «علم أصول الدين» و«علم أصول الفقه» و«علوم القرآن وتفسيرِ آياتِ الأحكام» و«علم أسباب اختلاف العلماء» و«علم الفقه المقارن» وغيرها من العلومِ التي يحتاجها المجتهدِ المطلق، متى وُجد!

هذا من جانبٍ!

ومن جانبٍ آخر؛ فإنّ العلومَ الرئيسةَ التي يحتاجها «المجتهد المطلق» ليكون مجتهداً حقّاً؛ هي:

(1) مجموعة علوم العربية: من متن اللغةِ، والفروق اللغوية، وحروف المعاني، والنحو والصرف والبلاغة وفقه اللغة، ولدينا في كلّ جانبٍ من هذه الجوانب علماءُ كبار، يمكن أن يكون كلّ واحدٍ منهم مجتهداً في تخصّصه.

(2) مجموع الأصول والقواعد: وتشمل أصول الفقه العامّ، والقواعدَ الفقهيّةَ، وفقه النوازل، والمصالح الشرعية، ومقاصد الشريعة المعتبرة في الاجتهاد، ولدينا في كلّ جانبٍ من هذه الجوانب علماءُ كبار، يمكن أن يكون كلّ واحدٍ منهم مجتهداً في تخصّصه.

(3) مجموعة التفسير الموضوعي: لآيات الأحكامِ بمفهومها العامّ، ولدينا في كلّ جانبٍ من هذه الجوانب علماءُ كبار، يمكن أن يكون كلّ واحدٍ منهم مجتهداً في تخصّصه.

(4) مجموعة علوم الحديث: ويشتمل على علمين رئيسين: علم رواية الحديث، وعلم درايته.

وأنا أعني بعلومِ الدرايةِ علمَ نقدِ الحديث، ولدينا في كلّ جانبٍ من هذه الجوانب علماءُ كبار، يمكن أن يكون كلّ واحدٍ منهم مجتهداً في تخصّصه.

فنحن في عصرنا هذا؛ لدينا القدرةُ التامّةُ على ممارسةِ (الاجتهاد الجماعيّ) فوراً، ومن دون أدنى تأخير.

ويسع جميعَ علماء الفقه أن يحصروا لنا المسائل الخلافيّة الرئيسةَ في كلّ باب من أبواب الفقه، وأنْ يعهدوا إلى كلّ متميّزٍ في تخصّصه أن يساهم في عملية الاجتهاد الجماعيّ.

ريثما يقوم هؤلاء المتخصّصون الكبارُ بتخريج أوّل دفعةٍ من المجتهدين في «مدرسة تخريج المجتهدين».

إننا نحتاجُ إلى إرادةٍ سياسيّةٍ، تتبنّى مثل هذا المشروع من جهةٍ، وتنزع يدَها من التدخّل في عمل هذا المشروع من جهة أخرى؛ عندها نقترب كثيراً من إحياءِ مشروع (الاجتهادُ الجماعيّ وتخريج المجتهدين).

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حالٍ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق