إلى سوريّا مِن جَديدٍ:
بَكرٌ الشوّافُ
بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ
فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) [آل عمران].
أمّا بعدُ: آلُ «الشوّاف» أسرةٌ
عريقةٌ محترمةٌ في مدينة حماةَ، ترجع أصولُها النسبيّةُ إلى قبيلةِ «قيس عيلان»
العربيّة العريقةِ، وجدّكم الأعلى في مدينة حماة، هو الشيخ صالح الشوّاف النَجديّ.
حدّثني شيخنا عبدُ القادرِ بنُ
«محمّد طاهر» الشوّاف بذلك، وأطلعني على صورةٍ قديمةٍ لجدّهم صالح هذا، رحمهم الله
تعالى.
ترجعُ صلتي بالشيخ عبدالقادر
الشوّافِ إلى عام (1960م) إذْ كان ابنُ خالتي، وخالُ أولادي عبدُالرحمن بن محمّد
كُريج، يعمل كاتباً لديه في دكّانه الواقعةِ في «سوق الطويل» وكان شريكُه بها
الشيخ عليّ القطّان الباكير البرازيّ، الذي هاجر إلى الكويتِ، وتوفّي فيها، رحمه
الله تعالى.
وفي أواخر المرحلةِ الابتدائيّةِ؛
سكن شيخنا عبدالقادر في حيّ الفرّايةِ، مقابل كليّة الطبّ البيطري، وكانت آنذاك «ثانوية
دار العلم» فكان يجمع صغارَ حَيّ الفرّاية على «بَيدر النقارنة» خلف كليّة الطبّ
البيطريّ، ويعلّمهم تلاوةَ القرآن الكريم، ويشجّعهم على حفظ قصار السور.
أذكرُ أنني في تلك المرحلة، كنتُ
قريباً من خَتمِ «ربع يس» حفظاً على شيخي «عارف النوشيّ» ومع ذلك كنتُ أكثرَ طلّاب
حيِّ الفرّاية حضور مجلسه على البيدَر.
وكان يحضر معنا ولده بكرٌ وهو أصغر
مني بسنةٍ أو سنتين تقديراً، وبقية أولاده محمّد وأسامة كانا صغيرين.
كان بكرٌ صديقي، وكان من محبّي
شيخِنا وسيّدنا الشهيد مروان حديد، وقد نصحَ عدداً من تلامذته أنْ نلتحق بالكليّة
الحربيّة بعدَ حصولنا على الشهادةِ الثانويّة.
تلقّف الشهيد بكرٌ هذه الفكرةَ،
وغدا يُردّدها أمامي كثيراً.
بعد حصولنا على الشهادةِ
الإعداديّة؛ حدّثني بكرٌ أنّه سيلتحق بكلّية الطيران، ويصبح مساعدَ طيّار.
قلت له: لماذا لا تنتظر حتى نحصل
على البكالوريا، ونتقدّم إلى كليّة الطيران، فيصبح أحدنا طيّاراً حَربيّاً؟
قال: لا تعارضَ أبداً بين الأمرين،
إذْ يجوز للواحد منّا أن يحصل على البكالوريا، وهو يتدرّب في الكليّة، ومتى حصل
على البكالوريا؛ يُجرون له امتحانَ أهليّة، ويمكن أن يُرقّوه فيصبح طيّاراً
حربيّاً.
شاورنا شيخنا الشهيد مروان، فشجّعه
على فكرته، بينما أنا لم أقتنع بذلك!
في يومٍ من أيّام صيفِ عام (1968)
كنت وبكرٌ في معسكر الفتوّةِ بثانويةِ ابن رشدٍ، وكنّا مجتمعين في تجمّع الانضباطِ
الرسميّ «الطابور» إذْ ناداه واحدٌ من ضبّاطِ المعسكر، وبشّره على ملأ منّا بأنّه
تمّ قَبوله في كليّة الطيران.
وكان هذا آخر يومٍ يداوم بكرٌ معنا
فيه، إذْ ودّعنا وانصرف، وأنا الفقير وقعتُ في مشكلةٍ مع طالبٍ سبّ «الذات
الإلهية» فأدميتُ وجهه، فنقلوني مع زميلٍ آخر لي من آل العقّاد، وزميلٍ ثالثٍ،
أظنّ اسمه غسّان قصّاب باشي، إلى معسكر «سلحب» في منطقة الغاب!
غابَ عني بكرٌ سنةً أو أقلّ قليلاً،
ثمّ زارني في بيتي بحيّ الفرّايةِ، وحدّثني أنّ الحياةَ في الكليّة قاسيةٌ جدّاً،
وأظنّه قال لي: ليس في زملائي جميعهم أحدٌ يصلّي سواي!
وطلبَ مني أن أبلّغ شيخنا الشهيد
مروان بذلك، وقال لي: من المحتمل أن أكون مراقباً فلا يحسن أن أزور شيخنا مروان،
سلّم لي عليه، واسأله ماذا أصنع!
سألت شيخنا مروان، وقابلتُ بكراً في
اليوم التالي في جامع السلسلة بباب البلد، عقب صلاة العصر، وقلت له: يُسلّم عليك
شيخنا مروان ويقول لك: هذا امتحانٌ من الله تعالى، وعليك أن تصبرَ ولا تُجاهرَ
بالتديّن، ويُمكنك أن تصلي الظهرَ والعصر معاً، والمغرب والعشاءَ معاً، فأنت
مجاهدٌ في سبيلِ الله، ويحقّ للمجاهدِ الجمع بين الصلاتين.
بعد برهة من الزمانِ سنةً أو أكثر؛
زارني بكرٌ، وقال لي: يومَ أمسِ عملتُ جولةً في طائرة الهليوكوبتر فوق مَزرعتكم،
وناديت عليك «مرحباً يا أبا محمود» وضحكتُ مع زميلي الذي كان معي في غرفة القيادة!
بعدما تخرّج بكر الشوّاف من الكليّة
برتبة «مرشّح» فيما أتذكّر؛ صار يتردّد على حماة أكثر، وصرت ألتقي به أكثرَ من ذي
قبل، وكان متحمّساً كثيراً إلى قتلِ كلّ من يسبّ الله تعالى من زملائه، وكان قد
أصبح عنيفاً يغلي، وقال لي مرّةً وهو يبكي: كيف يسمع المسلم هؤلاء الحقراء يشتمون
الله تعالى، ثم لا يقتلهم ويقطّعهم قطعاً؟
عَقب حصولي على الثانوية عام (1969)
تقدّمت بطلبٍ إلى كليّة الطيران بحمص، وكان جسمي رياضيّاً، وعضلاتي مفتولةً، فلم
يفحصني طبيب الكليّة البتة، وفحص أكثرَ من ستّين شابّاً غيري، وأظنّ اسمه «جمال
الأتاسي».
استأذنت ودخلتُ غرفتَه غاضباً،
ولمّا ألبس ثيابي بعدُ، سلّمت وقلت له: دكتور أنت فحصتَ أكثرَ من ستّين شابّاً،
وكنتُ في وسطهم ولم تفحصني؟
رفع رأسَه، ونظر إليّ وقال: «يا
ابني الأبطال لا يحتاجون إلى فحصٍ، لكنّ الجماعةَ لا يرغبون بأمثالك، أنصحُك بأن
لا تقترب من سلك الجيش؛ لأنهم سيقتلونك قبلَ أن تتخرّج من الكليّة!
إنّ وطننا العزيز بأمسّ الحاجةِ إلى
أبطال مؤمنين من أمثالك.
اعتن بنفسك يا ولدي، ولا تعرّض
نفسَك إلى المخاطر، وسجّل في جامعة دمشق، فجامعة دمشق شرفٌ كبيرٌ أيضاً».
ذكرت لشيخنا الشهيد مروان هذا
الكلامَ، فسُرّ به، ودمعت عيناه، وأثنى على ذلك الطبيب، وقال لي: «سبحانَ الله!
النّاس مخبّاية بثيابها كما يقولون، سأتعرّف إلى هذا الطبيب وأشكره».
استمرّ الشهيد بكرٌ في عمله، وأظنّه
كانَ طيّار هليوكوبتر - حتى حرب أكتوبر واستُشهِد في أوائل حربِ تشرين (9/ 10/
1973) وهو صائمٌ رحمه الله تعالى.
وقد قيلَ: إنّ النظامَ النصيريَّ
الفاجرَ هو الذي ضربَ طائرتَه بصاروخٍ، فسقطت طائرتُه، وارتقى إلى رضوان الله
تعالى، ولا أزكّيه.
كان والده الشيخُ عبدُالقادر سلفيَّ
الهوى، من تلامذة الشيخ سعيد الجابي.
وأذكرُ يوم حضرَ إلى زاوية الشهيد
مروان ومعه ولده محمّد، أو حدّثني الشهيد مروان بذلك - نسيتُ - وقال له: هذا ولدي
محمّد هو أحبّ ما في هذه الدنيا إليّ، وهبته لك، فربّه كما تشاء، عسى الله تعالى
أن يجعلَه من الصالحين.
وكان الأخ محمّد الشوّاف، الذي غدا
فيما بعدُ الدكتور محمّد عبدالقادر الشوّاف من المقرّبين المخلصين للشهيد مروان
حديد.
وبعدما اعتُقِل الشهيدُ مروان،
ونزلتُ أنا إلى حماةَ؛ اختبأتُ في مواضع متعدّدة، زارني الدكتور محمّد في مخبئي،
وحملني خلفَه على «دراجة ناريّة» إلى موضع اجتماع شباب الطليعة - تلامذة الشهيد
مروان والمتحمّسين معهم - وكان قد كلّفه شيخنا محمود بن محمّد الحامد بالإشراف على
هؤلاء الشباب، ورعايتهم، والعناية بهم!
الشيخ عبدالقادر الشوّاف، وأولادُه
الثلاثة: محمّدٌ وبكرٌ وأسامةُ من أحباب الشهيد مروان حديد، والقريبين منه.
وقد كتبتُ هذه الكلماتِ عرفاناً
بفضلهم، وبياناً لمنزلتهم عند شيخنا الشهيد مروان، وشهادةً للهِ تعالى، ثمّ لتاريخ
الثورةِ الإسلاميّة والجهاد في سبيل الله تعالى.
والله تعالى أعلم.