السبت، 22 أبريل 2023

 مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (6):

صلاةُ الشيعةِ أم صلاة السنّة !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

سألني أحد الإخوة عن صفةِ صلاة أهل البيت؟

وسألني أخ ثانٍ عن حكمِ صلاةِ الشيعةِ المعروضةِ على مواقع التواصل الاجتماعيّ؟

وسألني أخٌ آخرُ عن صفةِ صلاتي أنا؟

وسألني عدد من الإخوة قال: أيّهما أصحُّ صلاة أهل السنة، أم صلاة الشيعة؟

أقول وبالله التوفيق:

من المعلوم لدى الناس جميعاً أنّ صلاةَ الجماعةِ هي الصلاةُ التي يُشاهدها المراقب، فيحكم لها أو عليها.

وإذا كان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ هو الذي حثَّ إمامَ الصلاةِ على تخفيفِ صلاته، بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ؛ فَلْيُخَفّف؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ) أخرجه البخاري في العلم (90) ومسلم في الصلاة (466) من حديثِ أبي مسعودٍ الأنصاريّ، وأخرج البخاريّ (703) ومسلم (467) من حديثِ أبي هريرة مرفوعاً: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ؛ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ؛ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ) فلا يكون تخفيفُ الصلاةِ بحدِّ ذاته مدعاةً للّوم والانتقاص!

ومن المعلوم لدى طلبةِ العلم؛ أنّ جمهورَ العلماءِ يذهبون إلى أنّ قراءةَ الفاتحةِ وحدَها، وأنّ تسبيحةً واحدةً في الركوع والسجود؛ تجزئ في الصلاة، ومن اقتصر على الحدّ الأدنى هذا؛ فصلاته صحيحة.

إذا كان هذا واضحاً؛ فلا يُعابُ أحدٌ بسُرعةِ صلاتِه!

لكنْ هل هذه الصلاةُ هي الصلاةُ الكملى؟

لا ريبَ في أنّ صلاةَ الجماعةِ على هذه الصورةِ؛ ليست هي الصلاةَ الكملى، إنما هي صلاةُ تراعي أوضاعَ كِبارِ السنّ والمرضى وأصحاب الحاجات وعوامّ الناسِ الذين لا يعنيهم سوى إجزاءِ فريضة الصلاة!

لكنها ليست هي الصلاةَ التي قال الله تعالى في وصفها:

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) [البقرة].

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) [المؤمنون].

وأنا الفقير صلّيت مرّاتٍ عديدةً في مساجد الشيعة الإماميّة في العراق، وفي مساجد الزيديّة في صنعاء، وصلّيت صلواتٍ كثيرةً جدّاً في مساجد تركيّا؛ فمن النادرِ أن تَتِمَّ لي صلاةٌ وراءَ إمام منهم!

إذْ إنني أنا الفقير أذهبُ إلى رُكنيّةِ قراءة الفاتحةِ، منفرداً ووراءَ الإمامِ على حدٍّ سواء. وهيهاتَ هيهاتَ أن يستطيع مأمومٌ أن يقرأ الفاتحةَ وراءَ هؤلاء الأئمة، خاصّة في ركعة المغربِ الثالثة، والثالثة والرابعة من الصلوات الرباعيّة.

ولأجل هذا؛ فقد تركتُ صلاةَ الجماعةِ في مساجدِ تركيّا منذ سنوات، إنما أحرصُ على أداء صلاة الجمعةِ، مع ذهابي إلى ضرورة عدالةِ الإمامِ والخطيب!

ولأجلِ هذا وأمورٍ أخرى؛ ذهبَ عددٌ من علماءِ الشافعيّةِ إلى أنّ صلاةَ المَرْءِ مُنفرداً؛ أفضلُ من صلاته جماعةً وراء إمامٍ حنفيٍّ!

والإشكالُ القائم لديّ حقّاً؛ هو: إذا كانت (صَلاةُ الجماعةِ تفضُلُ على صلاةَ الرجلِ وحدَه بسبع وعشرين درجةً) أخرجه البخاريّ (645) ومسلم (650) والترمذيّ في الصلاة (215) من حديثِ عبدالله بن عمر، وهذا لفظه، ثمّ قال: «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَكَذَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) وَعَامَّةُ مَنْ رَوَى هذا الحديثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالُوا: (بخَمْسٍ وَعِشْرِينَ) إِلَّا ابْنَ عُمَرَ، فَإِنَّهُ قَالَ: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ).

أقول: إذا كانت (صَلاةُ الجماعةِ تفضُلُ على صلاةَ الرجلِ وحده بسبع وعشرين درجةً) وهي سنّةُ مؤكّدةٌ عند جمهور الفقهاء، بينما هي فرضُ عينٍ، عندَ الحنابلةِ وأكثرِ أهل الحديث، فكيف سيكون التوفيق بين صلاةِ الجماعةِ التي أمرنا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بتخفيفها، وبين الأحاديث الصحيحةِ الواردةِ بإتمامِ الركوع والسجود؟

وهل تسبيحةٌ واحدةٌ تنسجم مع قول الرسول: (أقيموا الركوع والسجود) ؟

أخرجه البخاري (742) ومسلم (425) ومع قوله الآخر: (إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: وَكَيْفَ يَسْرِقُ من صَلاتِه؟

قَالَ: (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا) أخرجه أحمد والدارميّ مرفوعاً، وأخرجه مالك مرسلاً.

وكم بين قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وبين الأحاديثِ الواردةِ بتخفيف صلاة الجماعةِ من تفاوت؟

وهل أداءُ صلاةِ الجماعةِ على النحو الذي وصفتُه؛ يجعلُ صلاةَ الجماعةِ هذه صلةً بين العبد وربّه تبارك وتعالى؟

إذا صحّتْ أحاديثُ التخفيفِ هذه؛ فما عليّ سوى التسليم، ويكون هدفُ صلاةِ الجماعة في الإسلامُ هو إظهارَ عظمةِ الإسلام، وهيبةِ أهله باجتماعهم، مثلما تكون سبيلاً إلى التعارفِ، الذي يقود إلى التكافل، وتكون صلاةُ النوافلِ هي التي تُربّي شخصيّةَ المسلم وتهذّبها، وهي التي تكون صلةً بين العبدِ وربّه، وإليها أشار الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله الشريف (إنّ أفضلَ الصلاةِ؛ صلاةُ أحدكم في بيته، إلّا الصلاةَ المكتوبة) أخرجه البخاريّ (731) ومسلم (781).

بيد أنّ ما يُعابُ على كثيرٍ من أئمّة الرافضة في صلاة جماعتهم؛ البِدَعَ التي يبتدعونها فيها، ويستحسنونها عقليّأ، بَدْءاً من الأذان والإقامةِ، وانتهاء بأدعيةِ ما بعد التشهّد الأخير!

وسبب ذلك في نظري؛ هو هل يمكن للعقل أن يستقلَّ بإدراكِ بعضِ الأحكامِ الإلهيّةِ التي لم يَرِدْ فيها عن الشارعِ نصٌّ من كتابٍ أو سنّة؟

قال الدكتور الشيخ أحمد كاظم البهادليّ في كتابه مفتاح الوصولِ إلى علم الأصول (1: 97) وهو يَعرِض اختلاف المذاهب في هذه المسألة: «إنّ إدراك العقلِ للحكمِ الشرعيّ - إذا لم يكن هناك نصٌّ يعارض هذا الإدراك - يُعامَلُ معاملةَ ما دلَّ عليه الدليلُ القطعيُّ من الأحكام، ويترتّب على إدراك العقل هذا حُجّيتُه على المكلَّفِ، حجيّةً، يترتّب على امتثالها مَدْحُ العقلاءِ لمن امتثل، وذمّهم لمن خالف، كما يترتّب عليها ثوابُ الله وعقابه.

وهذا الرأيُ لمعظم الأصوليين من الإماميّةِ، ورأيُ جميع المعتزلةِ».

وبمعزلٍ عن رأيِ الشيخِ البهادليّ، الذي رجّحه بعد مناقشةٍ مستفيضة (1: 102 - 111) فمَن عمل بما تقدّمَ؛ فليس بمذمومٍ ولا مُلامٍ عند علماء الإماميّة!

إنّ أئمةَ الإماميّة الأوائل يقولون: إنّ الشهادة الثالثة في الأذان (أشهد أنّ عليّاً وليّ الله) بدعة!

بعد أن ساق الشيخ الصدوق جُمَلَ الأذان في كتابه «من لا يحضره الفقيه» (1: 290) قال: «هذا هو الأذانُ الصحيحُ، لا يُزاد فيه، ولا يُنقَص منه، والمفوّضةُ لعنهم الله قد وضعوا أخباراً، وزادوا في الأذان: «محمد وآل محمد خير البرية» مرّتين، وفي بعض رواياتهم، بعد (أشهد أن محمداً رسولُ اللهِ): أشهد أن عليّاً وليُّ الله مرّتين، ومنهم مَن روى بدلَ ذلك: أشهد أنّ عليّاً أميرُ المؤمنين حقّاً، مرتين!

ولا شكَّ في أنَّ عليّاً وليُّ اللهِ، وأنّه أميرُ المؤمنين حقّاً، وأن محمداً وآلَه صلواتُ الله عليهم خيرُ البَريّةِ، ولكنْ ليس ذلك في أصل الأذان، وإنما ذكرتُ ذلك ليُعرَف بهذه الزيادةِ المُتّهمونَ بالتفويضِ، المدلّسون أنفُسَهم في جُملتنا».

وحين عدّ المحقّق الحليّ جُملَ الأذان في كتابه شرائع الإسلام (1: 65) لم يذكر فيها الشهادةَ الثالثة!

لكنّ محقّق الكتاب السيّد صادق الحسينيّ الشيرازيّ في الحاشية (7) من (ص: 65) استحبّ الشهادةَ الثالثةَ، مع عدم ورود روايةٍ صحيحةٍ بذلك؛ لكفاية مثل ذلك في الاندراج تحت عمومات «التسامح في أدلّةِ السنن».

والشيخ باقر الإيروانيّ في كتابه «دروس تمهيدية في الفقه الإسلاميّ» (1: 171) قال:

«وأمّا أنّ الشهادةَ الثالثةَ ليست جزءاً - من الأذان والإقامة - فلاتّفاق أرباب المذهب على ذلك».

لكنّه مع ذلك رجّح اعتمادَها في الأذان والإقامة، فقال: «أجل هي لا بقصد الجزئيّة؛ راجحةٌ، وشعارٌ للشيعةِ».

وهذا من دون شكٍّ استحبابٌ عقليّ، يجدون له مسوّغاته الواقعيّة!

وبناءً على ما تقدّم من استقلال العقل في التشريع، عند سكوتِ الشارعِ عن المعارض؛ تجد إحدَ المؤذّنين والمقيمين الرافضةَ يستظرف أن يقول: «أشهد أنّ أمير المؤمنين عليّاً وليّ الله .. أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والمعصومين من ذريتهما حُججُ الله».

وتجد أحدَ الأئمة يقول في قنوته: «والعن أعداءهم وخصوصاً أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة» فما دام جاء في الروايات أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلم دعا على بعض قبائل العرب؛ فهو يستحسن عقليّاً أن يقنت على أبي بكر وبقيّة الصحابة باللعن!

وهكذا شأنهم في كلّ الزياداتِ والإضافات التي يخترعونها في صلواتهم، تسويغ القيام بها لديهم؛ أنّ الشارعَ سكتَ ولم يرد عنه نهيٌ عنها.

وقد صلّيتُ خلفَ شيخي العالم السيّد محمد مهدي الخرسان غيرَ مرّةٍ، فلم ألحظ في صلاته مخالفاتٍ ولا أحقاداً، بيد أنني ما صليّت خلفَ شيعيّ إماميّ يتجاوز سورة (والضحى) وليس فيهم أحدٌ يجيد تلاوةَ القرآن العظيم بالتجويد على الإطلاق!

أمّا عن صلاتي أنا؛ فقد كتبت كلاماً بهذا الخصوص، بيد أنني وجدت عرضَه عليكم تزكيةً لنفسي، والله تعالى يقول: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).  

وما أستطيع قولَه إجمالاً: إنّ معالمَ صلاتي الظاهريّة أفضلُ بما لا يقاس من صلاة جميع مَن صلّيت خلفهم من الحنفية والزيدية والإماميّة، ولم أصلِّ في حياتي كلّها، حتى عندما كنت طفلاً صلاةً تشبه هذه الصلوات العجلى، التي ليس فيها خشوعٌ ولا طمأنينةٌ ولا خشوع!

أمّا عن قبولِ الله تعالى ذلك مني؛ فأسأله بأسماءِ الحسنى أن يقبلها.

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الخميس، 20 أبريل 2023

  شِعْرُ عَدابٍ بِمناسبةِ عيدِ الفِطْرِ (1444 هـ):

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تحية طيبة من عند الله مباركة.

تقبّل الله طاعاتكم، وغفر سيئاتكم، ورفع درجاتكم.

وكلُّ عامٍ وأنتم بخير، وكلّ ساعةٍ وأنتم إلى الله أقرب.

تحيّتي هذه ومباركتي موجّهة إلى كلّ فردٍ منكم، فلا ترهقوني بتهانيكم على الخاصّ، لم يعد لديّ المقدرةُ على النفس الطويل... أحبابي!

يا عيدُ عُدْتَ، ولم تَعُدْ بِحنانِ

أَغواكَ - يا عيدَ الهدى - أحزاني

تأتي وتَبْرَحُ، والمصائب جمّةٌ

في الشامِ، في يَمنٍ، وفي السودانِ

في كلّ أرضِ المسلمين نوائبٌ

والناسُ في سِنَةٍ عن الرحمانِ

يا أيها الناسُ الذين أُحِبُّهم:

إنّ الخلاصَ بِشِرْعَةِ العدنانِ

ما مِن خلاصٍ دونَ دينٍ قيّمٍ

وتَديُّنٍ بحقائقِ القرآنِ

واللهِ لو جَرّبْتُمُ سُبُلَ الهَوى

في شرقها والغرب واليابانِ

لَنْ تَسعدوا، أو تهنأوا، أو تأمَنوا

ما لَمْ تكونوا عُصبَةَ الإيمانِ

الغَربُ فرّخَ، ثمّ عشّشَ في الدنى

بمذاهبٍ شتّى، ومن أديانِ

أوَليسَ أيقنتم بأنّ الغربَ لا

يحظى بأمنٍ راشِدٍ وأمانِ؟

فرِجالُه كَدُّ طويلٌ رَنْقُه

ونساؤه في الطَيشِ والخذلان!

الحقُّ في الإسلامِ، ليس بغيره

والأمنُ والطُهُر المنيفُ الداني

لا تجعلوا الشيطانَ راجحَ ظنّكم

وتيقّنوا بالله والفُرقانِ

إسلامُنا عِزٌّ، ونبلٌ ظاهرٌ

وتوازنُ الأرواح والأبدانِ

وعقيدةٌ سمحاءُ، يَقبلُها الحِجى

وشريعةٌ غَرّاءُ في غفرانِ

أوَتَشردون عن الكرامةِ والهدى

لِعَمايَةٍ ولجاجةٍ وحِرانِ؟

الموتُ في دار الكرامَةِ مَقصِدٌ

والعيشُ ثمّةَ ظاهرُ الخُسران.

أمضيتُمُ شهرَ الصيامِ بطاعةٍ

فتيقّنوا بالأجرِ والإحسانِ

وتحقّقوا أنّا، وإنْ حادَ الورى

أنقى وأطهرُ من بني الإنسان

في كلّ يومٍ أرتجي لكم الهدى

ورخاءَ عيشٍ ناعمٍ يقظانِ

ثمّ الصلاة على الشفيع محمّد

والآلِ والأصحابِ والإخوان.     

   والحمد لله على كلّ حال. 

الجمعة، 14 أبريل 2023

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ (22):

حَجْمُ الأفرادِ المُطْلَقَةِ في الصَحيحَيْن !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).

ربّ كلامٍ أطلقُه، ويتعذّر ذكر أدلّته في المنشور؛ لطول تلك الأدلة وتكاليفها.

لكنني لا أكتُبه إلّا وأنا متحقّق تماماً مما أقول؛ لأنّ الأمر دينٌ، وليس خصومةً مع الصحيحين!

فيأتي أحد المتابعين، ويتفلسف، فيشكك بكلامي، أو يرفضه، من دون أن يأتي بدليل، والقارئ الآخر قد يظنّ هذا المشكّك من أهل الاستقراء التامّ في نقد الحديث، أو الرجال، فربما حدثَ لديه تضارب.

وأنا أحذّر أيّ واحدٍ، يتفلسف بمثل هذا أن أحظره، وأحرمه الفائدة من صفحتي، المحرّر جميع ما فيها علمياً.

قلت في منشور سابق: «إنّ (90%) من الأحاديث المروية؛ هي أحاديث أفراد مطلقة، لم يرو أحدَها عن الصحابيّ المعروف، سوى واحدٍ من التابعين (وهذا تعريف الفرد المطلق).
وقد تكون مشتهرةً في عصر التابعين، عن ذاك التابعيّ، وقد تكون غريبة في طبقة، أو طبقتين أدنى!).

فانبرى أحد المعلقين يقول:

(ثم إن القول بأن أكثر الأحاديث مفاريد؛ دعوى عريضة لا يُسلّم بها!

 ولو تَطّلعُ على صَحيح مُسلمٍ؛ سَترى عَكْسَ ذلك!

فتراه يخرّج في الباب الفقهي المعين أحاديثَ متضافرة، من رواية عدة من الصحابة.

وعن كل واحد منهم عِدّةٌ من التابعين، فيكون الحديث مشهوراً «باب الرضاع مثال».

وأنا بالطبع لا أنفي وجود المفاريد، لكنها ليست بهذه الكثرة المزعومة).

هذا الكلام بهذه الصيغة التقريريّة؛ يشكّك أكثر القرّاء بكلامي، ويظنّ كثيرون منهم أنّ الرجل محقّق فاهم، ويتحدّث عن علم وثيق!

ولذلك رأيت أن أنقل مدارات الأحاديث العشرة الأوائل من تخريجاتي على صحيح البخاريّ، وأنقل مدارات الأحاديث العشرة الأوائل من مفاريد مسلم، إذ لا حاجة بنا إلى تكرار المتفق عليه، إذ وافق مسلمٌ البخاريّ على (70%) من أحاديث كتابه الصحيح تقريباً.

أوّلاً: تخريج الأحاديث العشرة الأوَل من صحيح البخاري.

الحديث الأول:

مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثيّ، عن عمر، فهو حديث فرد مطلق غريب  في أربع طبقات.

الحديث الثاني:

مداره على هشام بن عروة، يرويه عن أبيه، عن عائشة، فهو حديث فرد مطلق غريب  في ثلاث طبقات!

الحديث الثالث:

مداره على الزهريّ: يرويه عن عروة، عن عائشة، فهو حديث فرد مطلق غريب  في ثلاث طبقات.

الحديث الرابع:

مداره على أبي سلمة بن عبدالرحمن، يرويه عن جابر بن عَبد اللهِ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في طبقتين.

الحديث الخامس:

مداره على أبي موسى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، يرويه عن سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في أربع طبقات.

الحديث السادس:

مداره على الزهري، يرويه عن عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ عبدالله المسعوديّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في أربع طبقات.

الحديث السابع:

مداره عن الزهري، يرويه عن عُبَيْدِاللهِ بْنُ عبدالله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عن عبدالله بْنَ عَبَّاسٍ، عن أَبي سُفْيَانَ، فهو فرد غريب في أربع طبقات.

الحديث الثامن:

إسناده صحيح مشهور عن عَبد اللهِ بن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

يرويه عن عَبد اللهِ ستة من التابعين.

الحديث التاسع:

مداره على عَبْدِاللهِ بنِ دينارٍ، يرويه عَنْ أبي صالِحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في ثلاثِ طبقات.

الحديث العاشر:

مداره على عَبد اللهِ بن عمر بن العاص.

رواه عنه ستّة من التابعين، فهو مشهور عن عبدالله بن عمرو.

 ثانياً: تخريج الأحاديث العشرة الأوَل من أفراد صحيح مسلمٍ.

الحديث الأول:

مداره على كَهْمَس بن الحسن، يرويه عَنِ عَبد اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيى بنِ يَعْمَرَ، عن عَبد اللهِ بن عمر، فهو حديث فرد مطلق غريب  في أربع طبقات.

الحديث الثاني:

مداره على حمّادُ بن زَيْدٍ، يرويه عَنْ مَطَرٍ الوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيى بنِ يَعْمَرَ، عن عَبد اللهِ بن عمر، فهو حديث فرد مطلق غريب  في خمس طبقات.

الحديث الثالث:

مداره على مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، يرويه عن عَنْ أَبي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ،  عن طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللهِ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في أربع طبقات.

الحديث الرابع:

مداره على سُلَيْمَانَ بن المُغِيرَةِ، يرويه عَنْ ثَابِتٍ البنانيّ، أَنَسٌ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في ثلاث طبقات.

الحديث الخامس:

مداره على عَمْرُو بنِ عُثْمَانَ الطلحي، يرويه عن موسَى بن طَلْحَةَ، عن أَبُي أَيُّوبَ الأنصاريّ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في ثلاث طبقات.

الحديث السادس:

مداره على عُبَيْدِاللهِ بنُ مُوسَى، يرويه عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في خمس طبقات.

الحديث السابع:

مداره على سُلَيْمَانَ بنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ، يرويه عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في أربع طبقات.

الحديث الثامن:

مداره على حَنظلةَ بْنِ أَبي سُفيانَ الجُمَحيِّ، يرويه عن  عِكْرِمَةَ بنَ خَالِدٍ، عن  عبدِاللهِ بنِ عُمَرَ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في ثلاث طبقات.

الحديث التاسع:

مداره على سَعيدِ بْنِ أَبي عَروبةَ، يرويه عَنْ قَتادةَ، عَنْ أَبي نَضرةَ، عَنْ أَبي سَعيدٍ؛ فهو حديث فرد مطلق غريب  في أربع طبقات.

الحديث العاشر:

مداره على يَزِيدَ بنِ كَيْسَانَ، يرويه عَنْ أَبي حَازِمٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، فهو حديث فرد مطلق غريب  في ثلاث طبقات!

أيها الأخ المتابع الكريم:

ليس كلامي وحياً، إنما هو علم نظريّ استدلاليّ، فقد أخطئ، وقد أسهو، وقد أعتمد على الذاكرة، فتخونني، فمن حقّك أن تسأل، ومن حقك أن تتحقّق، ثم تخطّئني.

لكن ليس من حقّك أن تتواقح وتتفلسف في صفحتي، وأنت لست في العير ولا في النفير!

هذه عشرون حديثاً من الصحيحين، ليس فيها سوى حديثين مشهورين عن الصحابيّ، وبقيّتها أفراد مطلقة في طبقتين وثلاث وأربع وخمس طبقات!

هذا علمنا، فمن جاءنا بأحسن منه؛ تركناه إلى علمه!

لكنْ من يشكّك بكلامي، ويطعن في صدقي؛ فهو أهون عليّ من خَيطِ عنكبوت!

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

واللهُ تَعالى أعْلمُ.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

        مَسائِلُ حَديثيّةٌ (21):

حَديثٌ مَتنه جميل، وإسناده ضعيف!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).

نشر أحدُ الإخوةِ على صفحته الحديثَ الضعيفَ (اغتنم خمساً قبلَ خمس) وقال: ينبغي أن يُكتبَ بخطٍّ كبيرٍ، ويوعى وعياً تامّاً، ويُنشر في كلّ مكان... إلخ.

وإذْ إنني لا أجوّز نشرَ الحديثِ الضعيفِ إلّا مع بيانِ ضعفه، وعدمِ جواز نسبته إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ رأيتُ أن أكتبَ هذه الإضاءةَ المفيدة!

بإسنادي إلى الإمام أبي بكرِ بن أبي الدنيا (ت: 281 هـ) في كتابه قِصَرِ الأمل (111) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ:  (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ).

وأخرجه الحاكم النيسابوريّ في المستدرك (7846) من طريق عبدان عن عبدالله ابن أبي هندٍ، به مثلَه، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ».

وأخرجه البيهقيّ في شُعَبِ الإيمان (9767) من طريق عبدالله بن المبارك به، وقال: «هَكَذَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ قِصَرِ الْأَمَلِ , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ: نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَابَجِرْدِيُّ: نَا عَبْدُاللهِ بْنُ عُثْمَانَ (عبدان): أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أبي هِنْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ).

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ (6412) عَنْ مَكِّي بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ» به مثلَه.

قال عداب: وليس في الصحيحين بهذا الإسنادِ، سوى هذا الحديث الفرد.

ومن المعلوم أنّ الراوي الصدوقَ صاحب الأوهام، إذا تفرّدَ بحديثٍ؛ عُدّ حديثه منكراً.

توضيحُ ذلك أنّ عبدالله بن سعيد بن أبي هندٍ، وإنْ وثّقه عددٌ من الحفّاظ، إلّا أنّ المزيّ عندما ترجمه في تهذيبه (15: 39) قال: «قَال أَبُو بَكْر بن خلاد الباهليّ: سألت يَحْيَى بن سَعِيد القطّان عَنْهُ، فَقَالَ: كَانَ صالحاً، تَعرِفُ وتُنْكِرُ.

وَقَال أبو حاتم الرازيّ: ضَعيفُ الحَديثِ».

وترجمه ابن حبّان في المشاهير (1084) وقال: «كان يهم في الشيءِ بعد الشيْ».

وقال ابن حجر في التقريب (3358): «صدوقٌ ربما وهم».

 قال الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».

ومعنى هذا الكلام: مهما كان الكلامُ حسناً جميلاً؛ فلا يجوز نسبته إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلّا إذا كان إسناده صحيحاً متّصلاً، ورواته ثقات.

 وقد رُوي متنُ هذا الحديثِ الضعيف عن عمرو بن ميمون الأودي، عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم مرسلاً، والمرسل من الحديث ضعيف!

واللهُ تَعالى أعْلمُ.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 9 أبريل 2023

مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (5):

مِقْدارُ زكاةِ الفِطْرِ ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

سألني عددٌ من الإخوةِ عن مقدار زكاةِ الفطر، وعن إخراج قيمتها، وعن موعد إخراجها.

أقول وبالله التوفيق:

أخرج البخاريّ (1503) واللفظ له، ومسلم (986) من حديث عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما قال: (فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ).

وأخرج البخاريّ (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيدٍ الخدريّ قال:

«كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ» وقد اختلف العلماء في تقدير الصاع بالغرامات المعاصرةِ، بما لا فائدة من سرده في نظري، والذي أميل إليه قولُ من قال:

إنّ الصاعَ يساوي ثلاثةَ كيلو غرام من قوت البلد.

فإذا كان غالب قوتِ البلد القمحَ؛ فيفضل إخراج القمح، ويجوز إخراج البرغل والرزّ والشعير واللبن المجفّف «الأقط» ونحن في بلدنا نسمّيه «الهقط» وفي الأردنّ وفلسطين يسمّونه «الجميد» كما يجوز إخراج التمر والزبيب.

بيد أنّ مما ينبغي ملاحظتُه؛ أنّ قِيَمَ هذه الأطعمةِ كانت متقاربةً في زمان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، أمّا اليوم؛ فالوضع يختلف تماماً.

فصاع البرّ (3 كيلو غرام) قيمته في استانبول اليوم في حدود (45) ليرة تركية في الحدّ الأعلى، بينما قيمة (3 كيلو غرام) من التمر الجيد أو الرطب؛ قد تزيد على (200) ليرة تركية، وأنا الفقير معتادٌ على تناول الرطب السعوديّ في رمضان، فاشتريت علبةً فيها (500 غ) بخمسٍ وستّين ليرة تركيّة، وعلى المزكّي أن يراعيَ الوسطَ ممّا يأكلُ ويطعم أهله.

كما أنّ عليه الموازنة بين إخراج زكاةِ فطره إن كان في المدن الحاضرة، أوالأرياف، أوالبوادي!

فأنت إذا أعطيت زكاة فطرك من القمح أو الشعير لفقير في استانبول؛ فلن يكون لديه امرأة تحسن صناعةَ الخبز في معظم الأحيان.

وإذا كنت ترغب بإخراج البدل النقديّ في بلدك؛ فعليك أن تراعي مصلحةَ الفقيرِ في ذلك، بمعزلٍ عن تقديرِ وزارة الأوقاف لمقدار زكاة الفطر.

وخروجاً من الخلافِ بين الأحزابِ المتطاحنة أمسِ واليومَ وغداً؛ فأنصحك أخي المسلم أن تخرج زكاة فطرك من الأرزّ الفاخر، أو التمر، وقيمتها من النقدِ معاً، فهذان الصنفان يحتاجهما جميع المسلمين اليوم!

وكلّي أملٌ بمن وسّع الله تعالى عليه؛ أن يوسّع على فقراء أمتّه، خاصّةً في ظلّ ظروفِ تركيّا وسوريّا، بعد الزلازل الكارثيّة التي أصابتنا. 

ومن باب القُدوةِ بالفعل، ومن باب التحدّث بنعمة الله تعالى؛ أقول لكم: إنني أخرجت زكاة فطري لهذا العام (200) دولار، طلبت من ولدي أن يحوّلها إلى محافظة إدلب ليشترى بها هناك أرزّاً وتمراً، وتوزّع على المعوزين هناك، صباح يوم السابع والعشرين من رمضان، وهذه قدرتي الآن، والحمد لله ربّ العالمين.

بيد أنني أحبُّ أن أرويَ لكم قصّةَ أكبرِ زكاة فطرٍ أخرجتها في حياتي، كانت في أواخر عام (1995) أو في الشهر الأوّل من عام (1996) عقب رفضِ اللجنةِ الناصبيّة الجاهلةِ أطروحتي للدكتوراه!

كان رفضُ أطروحتي عاراً على لجنة المناقشةِ بأكملها، من دون شكٍّ، لكنه كان عقوبةً لي من وجهٍ آخر!

عَقِبَ طردي من السعودية - بسبب موقفي الرافضِ لاستقدام القوات الأجنبية لحرب العراق - أكرمني الله تعالى بكراماتٍ، لم أكنْ أنتظرها، ولم يكن يخطر على بالي أنني أهل لها، والله!

بيد أنّ سيّدي وجدّي عزّ الدين أحمد بن نُعيم - جدّ السادة النعيم - أمرني بأنْ لا أتكلَّم لأحدٍ بشيءٍ مما يفتح الله به عليّ، لكنّني لم ألتزم ، فحذّرني، فلم ألتزم، ثمّ في بداية عام (1995) انقطع عني تماماً، وغاب الكشف والفتح الذي أكرمني الله تعالى به، فتيقّنتُ أنني سأعاقب، وكان العقابُ المدوّي رفضَ أطروحتي للدكتوراه!

تَكفيراً عن هذا الذنب الروحانيّ الكبيرِ جدّاً جدّاً؛ رغبتُ أن أتوب توبةً تطبيقيّة!

فاشتريت ثلاثة أطنان (3000) كيلو من الرزّ، وطِنّاً واحداً من السكّر، وأربعين تنكةً من الدهن الحيواني الفرنسيّ - في غالب الظنّ - وذبحتُ أربعين خروفاً قرباناً صالحاً للأضحيةِ، وقمتُ وقام معي طلّابي العراقيون، وبعض طلّابي السوريين، ووزّعناها في أحياء بغداد الفقيرة!

والذي أختاره في إخراج زكاة الفطر أن يكون في ليلة العيد، ولا بأس في تقديم إخراجها يوماً أو يومين، ولا أرى سوى ذلك!

في ليلة عيد الفطر؛ زارني كثيرٌ من الناس، فلم يتسنّ لي أن أنام في الليل أبداً، وعليّ في الصباح أن أصلي الفجر بالناس، وأصلي بهم صلاةَ العيد، لكنني ضعفت، وصلّيت الفجر في البيت!

غفوتُ بعد صلاة الفجر عدّة دقائق؛ فرأيت في المنام أنني أركب بجوار سائقِ سيّارة «ونيت» وهو ذاهب بي إلى مزرعتي!

ما أن دخلنا شارع المزارع - كذا في المنام - حتى قرأت على يميني لوحةً خشبيّة صغيرة مكتوباً عليها مزرعة عداب الحمش، وكانت المزرعة جميعها شجرَ لوزٍ وزهره أبيضَ!

وقفت في الونيت أنظر إلى آخر المزرعةِ، والسائق يسير بي، حتى قطع مسافةً طويلةً، ولم أستطع رؤية آخر المزرعة إلى جهة يميني، ولا وصلنا إلى آخرها من جهة الشارع العام، واستيقظت!

توضّأت سريعاً، وغادرتُ إلى جامع المثنّى المبارك، وعندما علوتُ المنبر؛ جاءني بكاءٌ شديدٌ من دون سببٍ ظاهر، فقصصت على المصلّين الرؤيا، فنزلت السكينة على المسجد والمصلّين، وفاحت روائحُ العطور، وكثر الباكون في ذلك اليوم!

ختاماً: أرجو أن توطّنوا أنفسكم إخواني الأكارم؛ على أن لا تحاسبوا الله تعالى بالمكيال والميزان، وكونوا على يقينٍ من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما نقص مال عبدٍ من صدقة، وما ظُلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبر عليها؛ إلّا زاده الله عزّاً) حديث صحيح.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال. 

 اجتماعيات (47)

مراجعة البحوثِ والدراسات العلميّة !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أرسل إليّ أحد إخواني كتاباً يقع في (465) صفحةً طباعيّة، وقال: «إنّ مؤلّف الكتاب حريص على أن تقرأ الكتاب، وتزوّده بملاحظاتك العلمية» فلم أجد لديَّ دافعاً إلى الاطّلاع على الكتابِ، ولا وقتاً أصرفه على كتابٍ طبعه كاتبه قبل أن يأخذ رأيي فيه!

ولو كان رأيي وتقويمي يعنيه حقيقةً؛ كان طلب مني مراجعته قبل طباعته!

أما وقد طبعه قبل عرضه عليّ؛ فرأيي نافلة لديه في حقيقة الأمر، ومن كان رأيي نافلةً لديه؛ لا أجدني مشدوداً إلى صرفِ وقتي من أجل كتابه، كائناً من كان!

لكنّ صديقي هذا أصرَّ على أن أقرأ الكتابَ وأعلّق عليه وقال: (لما لرأيكم من قيمةٍ ومكانة علميّة).

وأنا أستغرب غايةَ الغرابةِ عندما يُطلَب مني مثل هذا الطلب، وأنا في هذه السنة المتقدّمة، ويقع الكتاب في أكثر من (460) صفحة!

إنّ قراءةَ مثلِ هذا الكتاب وتقويمه؛ هي مثل قراءةِ رسالة دكتوراه، تحتاج إلى شهرٍ من الزمانِ في الحدّ الأدنى!

فلماذا تفترضون أنْ ليس لديّ عملٌ أقوم به، سوى أن أنتظر رغباتكم لتحقيقها؟

ولماذا تفترضون أنّني قادرٌ على تفريغ شهرٍ من وقتي مجّاناً، ولديّ مسؤوليّاتٌ ماليّة، ربما كانت أضعافَ مسؤولياتكم!

وأمثالي يقعون في «حيص بيص» لا يدرون ما يقولون لكم، ولا ما يفعلون!

إنْ قال أحدنا: ما دمتَ تريد مني تفرّغَ شهرٍ لكتابك هذا، أو بحثك؛ فأريد منك مُرتّبَ شهرٍ؛ لأسدّ العجزَ المالي الذي سيترتّب على تفرّغي شهراً من أجلك؛ تنقّصوك وعيّروك بأنك تتاجر بالدين، وتطلب على العلم أجراً، وهذا يخلّ بمروءة العالم!

في الوقت الذي يرون ذلك حقّاً لكلِّ عاملٍ: طبيب، مهندس، حمّال، إلّا أنت!؟

وإن سكت أحدُنا، وقام بالمطلوب منه؛ صرفَ وقتَه في غير ما هو مأجورٌ عليه، من المؤسسة التي يعمل بها، فهو إمّا أن يعتذر عن قبول مرتّبه ذلك الشهر، فيبقى من دون مصروفٍ، ولا سدادٍ لنفقاته العامة والخاصّة، أو يُغلّس، ويكون وقع في خيانة الأمانة!

وقد ذهب الشبابُ، الذي كان فيه عداب يستطيع قراءةَ مثل هذا الكتاب في يوم واحدٍ ويقوم بنقده وتقويمه في يومين، أو ثلاثةِ أيّام!

ويعلم القريبون مني أنني منذ سنواتٍ؛ لا أقبل مناقشةَ رسالةٍ علميّة، حتى أعطَى شهراً كاملاً لقراءتها.

أرجو من الإخوة الكرام، الحريصين على مراجعة كتبهم وأبحاثهم أن يعلموا أنني مريض وكبير في السنّ وفقير، وأن مصدر دخلي الوحيد - أجل الوحيد - هو البحثُ العلميّ، ومراجعة الأبحاث العلميّة!

فمن كان حريصاً على أن أراجع له أطروحته، أو رسالته، أو بحثه؛ عليه أن يتنبّه إلى هذه المسألة، من دون خجلٍ ولا مواربة.

والله المستعان

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 7 أبريل 2023

  مَسائل من التفسير وعلوم القرآن (3):

اختلافُ القرّاء في عدِّ الآيِ القرآنيّة !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب إليّ أحد الإخوة يقول: ذكرتَ في إحدى تعليقاتك أنّ الاختلافَ في عدّ رؤوس الآي القرآنيّة لا يتجاوز (2%) ألا يشكّك هذا في أنّ القرآن في بعض القراءات أنقصُ أو أزيدُ من بعض القراءات الأخرى؟

أقول وبالله التوفيق: إذْ لم أكملْ القراءاتِ السبع على أحدٍ من شيوخي الذين قرأت عليهم القرآن الكريم كاملاً، أو قرأت بعضَه؛ فأنا الفقير لست بمقرئٍ ولا قارئ!

وما دمتُ لست مقرئاً ولا قارئاً؛ فلا بدّ لي من متابعةِ أهل الاختصاص، في كلّ ما من شأنه التخصّص الدقيق.

ومن المعلوم لدى المجازينَ أنّ الإجازةَ بروايةٍ حفصٍ الكبرى؛ يستلزم إتقان التجويد والتلاوة والوقف والابتداء ورسم المصاحف، وعدِّ آي القرآن الكريم.

وقد كانت عمدةَ شيخنا الشريف محمد بن سليمان بن أحمد الحسنيّ الشندويليّ في عدّ آي القرآن الكريم قصيدةُ «ناظمة الزُهرِ» للإمام الشاطبيّ رحمهما الله تعالى، صاحب القصيدة العصماء «حرز الأماني ووجه التهاني» المشهور بالشاطبيّة في القراءات السبع.

ومطلع ناظمة الزهر:

بدأْتُ بحمدِ اللهِ ناظمةَ الزُهْرِ

لتَجني بعونِ الله عيناً من الزَهرِ

وعُذْتُ بربي من شرور قضائِهِ

ولُذْتُ به في السرِّ والجهرِ من أمري

وخواتمها تبدأ بقول الشاطبيّ:

(295) وأبياتها تسعون معْ مائتينِ قُلْ

وزِدْ سبعةً تحكي اللُجَينَ معَ الدُرِّ

(296) وأُهدي صلاةَ اللهِ ثمّ سلامَه

على المصطفى والآلِ، معْ صحبِه الغُرِّ

(297) والَاتْباعِ أهلِ العلمِ والزُهْدِ والتُقى

معَ الفضلِ والإحسانِ والعَفْوِ والصَبْرِ

وقد سبقَ الإمامَ الشاطبيَّ إلى عدّ آي القرآن الكريم الإمامُ أبو عَمرٍو الدانيُّ (ت: 444 هـ) في كتابِه «البيانُ في عدّ آي القرآن» بل هو عمدة الشاطبيِّ في ذلك!

وقد نصّ في طليعة قصيدته ناظمة الزهر على ذلك، فقال:

(32) ولكنني لم أَسْرِ ألّا مُظاهِراً

بجَمْعِ ابن عمّار، وجَمْعِ أبي عَمرِو

وابن عمّار: هو هشام بن عمّارِ بنِ نُصيرٍ السلمي الدمشقيّ المقرئ.

وأبو عمرو: هو عثمان بن سعيد الداني.

وسببُ اختلافِ القرّاءِ في عدّ آيِ القرآن الكريم؛ يرجع أمرين:

الأوّل: إلى وُقوفِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقد كان يقفُ على رؤوس الآي متى كان المعنى تامّاً، لكنّه قد لا يقف على رؤوس الآي أحياناً.

وكلُّ واحدٍ من الصحابة القرّاءِ نقلَ إلى تلامذته ما قرأ على الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

والسبب الثاني: أنّ أكثرَ القرّاءِ يَعُدّون (بسم الله الرحمن الرحيم) آيةً في أوّل كلّ سورةٍ، ما عدا سورةَ براءة، بينما بعضهم يعُدّها آية واحدةً من سورة النمل (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) وحسب!

قال المقرئُ الشيخ عبدالفتّاح القاضي، رحمه الله تعالى في كتابه «الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن»:

«علماءُ العَدَدِ: هم سبعةٌ على المشهور:

(1) المدني الأول (2) المدني الأخير (3) المكيّ (4) البصري (5) الدمشقي (6) الحمصي (7) الكوفي.

قال الفقير عداب: سأرتّب الأعداد بَدْءاً بالعدِّ الأدنى صعوداً إلى الأعلى.

(1) العدُّ البصري: هو ما يرويه عطاء بن يسار وعاصم الجحدريُّ، وهو ما ينسب بعد إلى أيوب بن المتوكل. وعدد آي القرآن عنده (6204).

(2) العدُّ المكي: هو ما رواه الإمام الداني بسنده إلى عبد الله بن كثير القارئ عن مجاهد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعدد الآي عنده (6210).

(3) العدُّ المدني الأخير: هو ما يرويه إسماعيل بن جعفر عن يزيد وشيبة بواسطة نقله عن سليمان بن جماز. فيكون المدني الأخير هو المروي عن إسماعيل بن جعفر عن سليمان بن جماز عن شيبة ويزيد، وعدد آي القرآن عنده (6214)

(4) العدُّ المدنيُّ الأوّل، رواية الكوفيين عن أهل المدينة، وعدد آي القرآن فيها (6217).

(5) العدُّ الدمشقي: هو ما رواه يحيى الذماري عن عبد الله بن عامر، اليحصبي عن أبي الدرداء وينسب هذا العدد إلى عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وعدد الآي فيه (6226) وقيل: (6227).

(6) العدُّ الحمصي: هو ما أضيف إلى شريح بن يزيد الحمصي الحضرميّ، وعدد الآي فيه (6232).

(7) العدد الكوفي: هو ما يروونَه عن علي بن أبي طالبٍ، رضي الله عنه، بواسطة ذوي علم وخبرة، وهذا العدُّ اشتهر بالعدد الكوفي، وعَدَدُ آي القرآن فيه (6236) آية.

ولزيادةِ البيان والاطمئنان؛ انظر معجم علوم القرآن للدكتور إبراهيم بن محمد الجرميّ (ص: 190 - 192) وإتقان البرهان للدكتور فضل حسن عباس (1: 429 - 433).

وإليكَ أخي القارئ بعضَ الأمثلةِ من كتاب البيان لأبي عمرٍو الدانيِّ:

قال رحمه الله تعالى (ص: 139): «سورة الحمدُ: عددُ كَلِمِاتها خمسٌ وَعِشْرُونَ كلمةً، وحُروفها مئة وَعِشْرُونَ حَرفاً، وَهِي سبع آيَات فِي جَمِيع الْعدَد» يقصد عند جميع القرّاء، واختلافُ أهل العدد في آيتين منها:

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) عَدّهَا الْمَكِّيّ والكوفيّ آيةً، وَلم يعدّها الْبَاقُونَ.

(أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) لم يَعُدّها الْمَكِّيّ والكوفي رأسَ آية، وعَدّها الْبَاقُونَ».

مثال آخر (ص: 169): «سورة الرعد، كَلِماتُها ثَمَانِي مئة وَخمْس وَخَمْسُونَ كلمةً، وحروفها ثَلَاثَة آلَاف وَخمْس مئة وَسِتَّة أحرف.

وَهِي ثَلَاثٌ وأَرْبَعُونَ آيَةً فِي العدِّالْكُوفِي، وَأَرْبع وأَرْبَعُونَ فِي العدّين الْمَدَنِيّينِ وفي العدّالمكي، وَخمْس وأَرْبَعُونَ في العدّ البَصرِيّ، وَسبع وأَرْبَعُونَ في العدّ الشَاميّ.

اختلافُها في خمسِ آيَات:

قوله تعالى في سورة الرعد:

-(لفي خلق جَدِيد (5) لم يَعدَّها الْكُوفِيُّ رأسَ آيةٍ، وعدها الْبَاقُونَ.

- (قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير (16) عدّهَا الشَّامي رأسَ آيةٍ، وَلم يَعدّها الْبَاقُونَ.

- (أم هَل تستوي الظُّلُمَات والنور (16) لم يعدها الْكُوفِي رأسَ آية، وعدّها الْبَاقُونَ.

- (أُولَئِكَ لَهُم سوء الْحساب (18) عدّهَا الشَّامي رأسَ آيةٍ، وَلم يعدها الْبَاقُونَ.

- (من كل بَاب (23) لم يَعّدَوها في العدّين المدنيّين وفي العدِّ المكيِّ رأس آية، وعدّها الْبَاقُونَ» انتهى.

أخيراً: وضحَ لديكَ أخي القارئ الكريم؛ أنّ علماءَ عدِّ القرآن الكريم؛ لم يختلفوا في عَددِ كلماتِ القرآن الكريم، ولا في عدد حروفه، إنما اختلفوا في تعيين رؤوس بعضِ الآيات.

وعدد آياتِ القرآن الكريم، حسب عدّ الكوفيين «رواية حفص» الذي طبعت عليه مصاحفُ المشارقةِ من المسلمين (6236).

فتكون الآيات التي اختلف عليها أهلّ العَدّ بين عدّ البصريين (2204) وعدّ الكوفيين (6236) هو (32) آيةً فحسب!

ومن المعلوم لدى طلّاب علم القراءاتِ؛ أنّ الصحابةَ الذين تدورُ عليهم أسانيدُ القراءات؛ هم سبعةٌ من الصحابة، فحسب، وهم:

- الإمام عليٌّ عليه السلام.

- الخليفة عثمان بن عفّان.

- عبدالله بن مسعودٍ الهذليّ.

- أُبيُّ بن كعبٍ الأنصاريُّ.

- زيدُ بن ثابتٍ الأنصاريّ.

- عُويمر بن زيدٍ أبو الدرداء الأنصاريّ.

- أبو موسى الأشعريّ.

قال الإمام الذهبيّ في طبقات القرّاء (1: 20): «هؤلاء الذين بلغنا أنهم حفظوا القرآن في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأُخِذَ عنهم عَرضاً، وعليهم دارتْ أسانيدُ قِراءاتِ الأئمّة العشرةِ.

وقد جَمع القرآنَ غيرُهم من الصحابةِ، كمعاذِ بن جبلٍ وأبي زَيدٍ وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وعبدِالله بن عمر، وعتبةَ بنِ عامر، ولكن لم تَتّصل بنا قِراءتُهم، فلهذا اقتصرت على هؤلاء السبعةِ، رضي الله عنهم، واختصرت أخبارهم».

خِتاماً: لا ريبَ عندي في أنّ الراجح هو العدُّ الكوفيّ، المُسنَد إلى الإمامِ عليٍّ عليه السلام، وليس في قرّاء الصحابةِ السبعةِ من يوزن علمه بعلم عليّ عليه السلام!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الخميس، 6 أبريل 2023

   مَسائل من التفسير وعلوم القرآن (2):

الوَقفُ على رؤوسِ الآيِ القرآنيّة؛ ليس بسنّةٍ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أرسل إليّ أحد الإخوة مقطعاً صوتيّاً لأحد علماء الوهابيّة، غير المتخصصين في التفسير وعلوم القرآن، يؤكّد فيه على ضرورة الوقف على رؤوس الآي، سواء تمّ المعنى، أم كان تمامه في الآية التالية، محتجّاً بحديث أمّ سلمة الذي أخرجه أصحاب السنن، وفي إحدى رواياته، قَالَتْ أمّ سلمة: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، يَقْرَأُ: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ثُمَّ يَقِفُ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثُمَّ يَقِفُ». أخرجه جمع غفيرٌ من المصنّفين، منهم الحاكم في المستدرك (2910) وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ».

وأخرجه الترمذيّ في جامعه (2927) وقال: «هذا حديثٌ غريبٌ، وليس إسناده بمتّصل».

أقول وبالله التوفيق:

بإسنادي إلى الإمام أحمد في مسنده الكبير (26451) قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ - وَهُوَ الْجُمَحِيُّ - عَنِ «عبدالله» ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَعْلَمُهَا إِلَّا حَفْصَةَ - سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: «إِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَهَا».

قَالَتْ: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تَعْنِي التَّرْتِيلَ».

وأعاده الإمام أحمد في المسند (26470) من طريق وكيعِ بن الجرّاح وأبي عامر العَقَديّ كلاهما عن نَافِعِ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، به.

قال الفقير عداب: مدار حديث الباب على عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة التيميّ، رواه عنه:

(1) نافع بن عمر الجمحيّ، عند أحمد في المسند، فجعله عن ابن أبي مليكةَ، عن بعض أزواج الرسول، وظنّ نافعٌ أنها حفصة.

إسناد هذا الحديث رواته ثقات، بيد أنّ ظنّ نافع بن عمر؛ ليس بصحيح، فإنّ جميع الرواة سوى نافعٍ، رووه من حديث أمّ سلمة، وليس من حديث حفصة!

ولم يذكر المزي في ترجمة ابن أبي مليكةَ أنّه يروي عن حفصة أمّ المؤمنين، كما لم أجد أيَّ روايةٍ له عنها، سوى هذه الرواية المظنونة.

وإذ هو يروي هذا الحديثَ عن ابن أبي مليكة؛ فنجعل نافعاً أحدَ رواة حديثِ أمّ سلمة عنه، وقد أحسن ابن سعدٍ، عندما قال في ترجمة نافع هذا (5: 494) وهو في تهذيب الكمال (29: 289): «كَانَ ثقةً قليلَ الحديثِ، فِيهِ شيء».

(2) وعبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج، وجعله عن ابن أبي مليكةَ عن أمّ سلمة، قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ثُمَّ يَقِفُ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَؤُهَا (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)

وهذه الرواية أخرجها كثيرون أيضاً، منهم الترمذيّ في الجامع (2927) وضعّفها بقوله: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهَكَذَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، عَنْ أُمِّ سَلمَةَ؛ أَنَّهَا وَصَفَتْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرْفًا حَرْفًا، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ».

(3) والليث بن سعدٍ المصريّ، فجعله عن ابن أبي مليكةَ، عن يَعلى بن مَمْلَك، عن أمّ سلمة.

وأخرجه جماعة من المصنّفين هكذا، منهم الترمذيّ في جامعه (2923) مختصراً، مقتصراً على لفظ (وَصَفَتْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرْفًا حَرْفًا) ثم قال الترمذيّ «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، وَحَدِيثُ لَيْثٍ أَصَحُّ».

قال الفقير عداب: حكم الإمامُ الترمذيّ على رواية ابن أبي مليكة عن أمّ سلمةَ أنها ضعيفةٌ «غريبة» منقطعة؛ فلا نطوّل بالكلام عليها، لكنْ لا بدّ من الإشارةِ إلى رواية ابن جريجٍ لها بالعنعنة، من جميع طرقها عنه، فصار في الحديث علّتان: الانقطاع والتدليس.

أمّا تصحيحُ الترمذيّ رواية ابن أبي مليكةَ عن يعلى بن مملك، عن أمّ سلمةَ؛ فمشكلٌ أيضاً؛ لأنّ يعلى بن مملك ترجمه المزيّ في تهذيب الكمال (32: 401) وذكر أنه لم يرو عنه سوى عبدالله بن أبي مليكةَ، ولم يوثّقه أحدٌ من الحفّاظ المتقدّمين.

وترجمه الذهبي في الميزان (4: 458) وقال: «ما حدّث عنه سوى ابن أبي مُلَيكةَ» فهو مجهول إذن!

ولو صحّ حديثُه هذا جدلاً؛ فليس فيه ما في حديثِ ابن جريج عن أمّ سلمة «يَقِفُ - يقطّع قراءته».

فالحديثُ الوحيد الذي يحتجّ به مَن يقول: إنّ الوقفَ على رؤوس الآي سنّةٌ؛ هو حديثٌ لا يصحّ من أيٍّ من طرقه الثلاثة، فأيّ سنة هذه؟

وأين في لفظ الحديثِ ما يدلّ على التزام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بالوقف على رؤوس الآي؟

ليس في لفظ الرواية التي ضعّفها الترمذيّ، ولا في لفظ الرواية التي صحّحها - وهي ضعيفة - مثلُ هذا الالتزام المُفضي إلى السنيّة أبداً!

إنما تصف أمّ سلمةَ قراءةَ الرسولِ في بيتها، فهي واقعة حالٍ، لا عموم لها بذاتها!

هذا كلّه على افتراض أنّ الحديثَ صحيح، وهو ليس بصحيح!؟

وإليك بعض الأمثلةِ التي توضّح أنّ علماء الوقف والابتداء؛ لم يكونوا يتّخذون الوقفَ على رؤوس الآي منهجاً لهم، إنما يراعون الوقفَ التامَّ، والوقف الكافي، والوقف الحسن، ويبتعدون عن الوقف القبيح، وينبهون عليه، حتى لو كان هذا الوقف على رؤوس الآي!

قال الإمام أبو عمرو الداني، شيخ قرّاء عصره: «ومن هذا النوع من القبح أيضاً؛ الوقف على الأسماءِ التي تُبيّن نُعوتُها حقوقَها، نحو قوله تعالى: (فويلٌ للمصلين) وشبهه لأن (المُصلّين) اسمٌ ممدوحٌ مَحمودٌ، لا يليق به كلمة (وَيلٌ) وإنما خرج من جملة الممدوحين بنعته المتصل به وهو قوله (الذين هم عن صلاتهم ساهون)».

وكقوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) فلو وقف القارئ على يعرجون؛ لكان الكلام غيرُ مفيدٍ مقصود الآية الكريمة، إنما يتمّ المعنى بعد جواب «لو» في قوله تعالى: (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ).

ومن ذلك قوله تعالى: (قَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) وتمام المعنى بعد قوله تعالى: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) إذ العمومُ في قوله تعالى (أَجْمَعِينَ) غير مقصودٍ أبداً.

ومن ذلك قوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) واضح أنّ الله تعالى وصف القرآن بأنه مصدق لما بين يديه، بينما بقيت التوراة والإنجيل، من دون وصف، فيبقى المعنى ناقصاً، حتى تقرأَ قوله تعالى في الآية التالية (مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ).

بل إنّ الآية الواحدة، يعسُر فهمها أحياناً، ما لم تقطّعها إلى مقاطع توضيحية، من مثل قوله تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) [سورة الحديد].  

كيف سيفهم القارئ غيرُ المتخصّص هذه الآيةَ الكريمةَ، إلّا إذا وضعنا له علاقاتِ وقف تساعده في ذلك، على النحو الآتي:

(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا [وقف كاف] وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [وقف كاف] وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ [وقف تام].

(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) [وقف تام] لا يصح وصلها بما بعدها بتاتاً، إذ الرهبانية سلوك ظاهر، وليست شيئاً قلبياً باطنيّاً.

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا، مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) [وقف تام].

«هم لم يبتدعوها» (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ الله [وقف كافٍ] فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [وقف تامّ].

(فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [وقف كافٍ] وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [وقف تامّ].

ختاماً: جميع مشايخي الذين قرأت عليهم القرآن العظيم، وأبرزهم المقرئ الشريف عارف النوشيّ السبسبيّ الحمويّ، والمقرئ الشريف محمد بن سليمان بن أحمد الحسنيّ الشندويليّ، والمقرئ الشيخ سعيد بن عبدالله الخالديّ الحمويّ، والمقرئ الشيخ سليمان الصغير، ووالدتي، رحمة الله عليهم أجمعين، قرأت على جميعهم بالوقف الذي يراعي تمام المعنى وكفايته، وليس على رؤوس الآي.

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.