الاثنين، 15 يوليو 2024

 بعيداً عن السياسة اللعينة:

إلى رحابِ كربلاء!

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمين.. الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين.

وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على نبيّنا محمّدٍ رسول ربّ العالمين.

اللهم صلّ على محمّدٍ وآله وأزواجه وذريّته، وبارك وسلّم تسليماً كثيراً.

اللهم صلّ على سيّدنا محمد الوصفِ والوحيِ والرسالة والحكمة، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

أمّا بعدُ: ليس تجديدُ الأحزانِ من شعائر الدينِ، وليس عقدُ مواسمَ للنواحِ والعويلِ من سنّةِ سيّد المرسلين، صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ونحن إذ نحيي ذكرى كربلاءَ الفاجعةَ؛ لا نحثُّ أحبابَ الحسينِ على محادّةِ شعائرِ الله تعالى، ولا نهديهم إلى الندبِ والنواحِ والتطبير!

إنّما نحيي هذه الذكرى الحزينة؛ لنتعلّمَ منها أنّ الحقَّ يحتاجُ إلى قوّةٍ تحميه، وأنّ العدلَ لا يقيمه بين الناسِ الظالمونُ ولا الفجّارُ، ولا المنافقونَ!

قال الذهبيّ في ترجمة الطاغية يزيدَ بنِ مُعاوية من النبلاء (4: 35):

يَزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب الأمويّ، كان ناصبيّاً، فظّاً، غليظاً، جِلفاً، يَتناول المُسكرَ، ويَفعلُ المُنكرَ.

افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يُبارك في عُمره.

وقال الذهبيّ أيضاً: عن محمّدِ بنِ أحمدَ ابنِ مِسْمَعٍ قال: سَكرَ يزيدُ، فقام يَرقُص، فسقط على رأسه فانشقَّ، وبدا دماغُه.

قال عداب: نهنّئ أحباب هذا الطاغية،  بخليفتهم الشرعيّ الذي تجب طاعته، ويحرُم الخروج عليه، وقد أخطأ الحسين في خروجه على هذا الوغد السافل عندهم!

وقال الذهبيّ في ترجمة الحسين بن عليّ عليهما السلام، من النبلاء (2: 280):

الامامُ الشريف الكامل، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته من الدنيا، ومحبوبه، أبو عبدِالله الحسينُ بن أميرِ المؤمنينَ أبي الحسنِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ القُرشيُّ الهاشميّ.

قال الفقير عداب: لَنا هذا الإمامُ الشريف الكامل، وللنواصبِ ذلك الفظُّ الغليظُ، الجِلفُ، الناصبيُّ، الذي يَتناولُ المُسكرَ، ويَفعل المنكرَ، ومعه الدنيا كلّها (فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

إلى رحاب كربلاء.. رحابِ الفداء

يَمِّمْ رحالَك نحو الحقِّ مُقترِبا

تلْقَ الفداءَ بسوحِ الطاهرينَ إبَا

الحرُّ يأبى خضوعَ الصاغرينَ رضاً

ويَمتطي صهوةَ الأقدارِ مُحتسبا

إمّا حياةٌ بظلِّ الحقِّ يَصْحَبها

أو في الشهادةِ سوحُ المخْبتين ربى

يا أرضَ مكّةَ مِن قُدسِ المكان حَبا

فيك الهواشمُ أشبالاً، سمَوا رُتبا

فيكِ السيادةُ، دانُ العرب واصطلحوا

أنّ الهواشمَ منها في الذرى نَسبا

سادوا، فكانوا ليوثاً في الوغى رَهَباً

وفي السلام تراهُمْ - كلَّهم - نُجَبا

حتى اصطفى الله منهم، دون غيرهم

هادي الورى منقذاً، أحيا به العَربا

هذا الرسولُ الذي سوّى بِشرعَتِه

بين الظواهرِ والبَطحاءِ، فاصطحبَا

إنّ الظواهِرَ من «تَيمٍ» وإخوتِهم

بني عديّ غدَوا في دينِه أُدَبا

حتى إذا قامَت البطْحاءُ هادرةً

في وَجْه أحمدَ إكذاباً ومحتَرَبا

وأجمعوا أمرَهم في كيدِه زُمراً

أورى الهواشمُ في ساداتِهم حَطَبا

ما كانَ أردى عديٌّ فارساً أبداً

ولا بنو تيمَ صدّوا في الوغى وَشَبا

وفَتحُ مكّةَ أَعْرى كلَّ ذي شمَمٍ

حتى الأباطِح أمسَوا أَعْبداً شُحُبا

لكنّ أحمدَ من نُبلٍ ومن كَرَم

قد أعتقَ الطُلقا طرّاً، وما رَغِبا

كادوا له، حاربوه الدهرَ، وانصرموا

واستبْطَنوا حقدَ موتور، إذا اضطربا

حلَّ الرسولُ جنانَ الخلدِ، فاجتمعوا

وقرّروا جعلَ حقِّ الآل مَحتَجِبا

وزادهم رغبةً في الملك، إذ وجدوا

الأوسَ والخزرجَ الأنصار قد نَكَبا

لولا تدارُك فاروقٍ ببيعتِه

وبيعةِ السادةِ الأنصار مَنْ نُصِبا

كانتْ قريشٌ تريدُ الملكَ قاهرةً

والصادقونَ قليلُ، رأيُهم حُجِبا

 الصادقون: هم المهاجرون، وهذه صفتهم في القرآن.

قال الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).

إنّ الضَرورةَ فلّتْ من عزائمهم

واستسلمُ الآلُ، لا ميناً ولا كَذِبا

عزُّ العقيدةِ، أم عزّ القَبيلِ تُرَى

أم قلّةُ الدينِ، أمْ خوفُ المماتِ رَبا

سادَ الأكابرَ فُجارٌ، فما اتّعظوا

وأخضعوهم، فعاشوا دهرَهم رَهَبا

حتى تربّع عرشَ المسلمين فتىً

لا يعرفُ الدينَ والأخلاقَ والكُتبا

كلُّ الصحابةِ صافاه وبايعَه

إلّا الحسينَ رآه فاجراً خَرِبا

ما كان للدين أن يحدوه مُفتقرٌ

للدين والأدبِ المعروفِ، مُنَتَجَبا   

قال الحسينُ: أبَى الرحمنُ بيعَتَه

ما كان مثلي بأهلِ العُهرِ مقتربا

الفاسقُ الخَبُّ قوّاطاً، يُباعِده                        = القوّاط راعي قطيع من الغنم.

أهلُ الكرامةِ، لا يرضونَه غَبَبا

ونرتضي نحن فَجّاراً ليحكُمَنا

بالقارعاتِ، فلا كُنّا إذنْ شُهُبا

نحنُ الهواشمُ كان الحقُّ قائدَنا

في الجاهليةِ، لا نألوه محتَسَبا

فكيف نرضى أميرَ المؤمنين بنا

من أفجر الخلقِ أخلاقاً إذا نُسبا

لا دينَ يردعه عند الخصام، ولا

مكارمُ الدين تُعلي عنده الرتبا

يأبَى الحسينُ لهذا الوغدِ بيعتَه

ويرفضُُ الأمسِ جعلَ  البيتِ مُحترَبا

وفضّلَ السفرَ المضني بأسرتِه

عمّا يؤول إليه البغيُ محترِبا

واستقبلَ الفارسُ الصِنديدُ جَحفَلَهم

وبعضهم من قريشٍ قادَهم بِدَداً

عضَّ النواجذَ، واستبقى لعترتِه

ثوبَ الشهادةِ نبراساً، وليس عَبا

الحقُّ أنتَ حسينٌ في مصارِعه

وأنتِ للحقّ دونَ الخلقِ زِدْتَ إبا

الحقُّ ينصره عِلمٌ ومعتقدٌ

وقوّةٌ تدفَعُ الأغيارَ عنه هَبا

وأنتَ يا سيّد الأحرار كنتَ هدىً

وفارساً أنفاً لا ترتضي وَشَبا

ونحنُ آلُك - آلَ البيتِ - في زمنٍ

أضحَى الدنيءُ لنا نِدّاً ومنتَجبا

لكنّ فينا بقايا من أرومتكم

فيها النقاءُ سما، والعزّ ما نضبا

وسوف نَسعى لنحيا مثلَكم أُنُفاً

ولا نبيحُ لأيٍّ كانَ مغتصَبا

عليك منّا سلامٌ ليس يحمله

إلّا الغرام بكم، والحبّ مُختَضِبا

ثمّ الصلاةُ على المختار أحمدنا

خيرِ البريّة عُجماً كانَ أم عَربا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

مِن أوجاعِ كربلاء!؟

                                                                  قبل أنْ تقرأَ المنشور: لا يمثّلُ عداباً غيرُ عدابٍ، وهو لا يُمثّلُ غير نفسه!

إنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ؛ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ؛ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وصَفيُّه من خَلْقِهِ وخَليلُهُ.

صلّى اللهُ تعالى عَلَيهِ، وعلى آلِه الأطهارِ، وصحابتِه الأخيارِ، وزوجاتِه المنزّهاتِ عن الأغيارِ، وعلى ذرّيتِه الصالحينَ الأبرار، الصائمينَ في النهار، القائمينَ بكتابِ اللهِ تعالى في الليل والأَسْحارِ.

اللهمّ أحسن إلى مَن أحسنَ إلينا، وسامِحنا وسامِحْ من أساء إلينا من المسلمين.

أما بعد:

يحسن أن ننقلَ وَصفَ الإمامِ الحسينِ بن عليّ عليهما السلام، عن رجلٍ لا يُتّهم في ولائه لبني أمية!

قال الإمام الذهبي في النبلاء (3: 280):

(الحُسَيْنُ الشَّهِيْدُ أَبُو عَبْدِاللهِ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، الإِمَامُ، الشَّرِيْفُ، الكَامِلُ، سِبْطُ رَسُوْلِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وَرَيْحَانتُهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَحبُوْبُهُ) ولم يصف الذهبي أيّ متَرجَم بمثلِ هذه الأوصافِ، سوى الحُسينِ عليه السلام؟!!

لم تكن نَهضةُ الحسين بن عليّ عليهما السلام؛ نزوةً في نفس الحسين، ولم تكن شهوةَ حكم وسلطان، إنما كانت واجباً شرعيّاً، وتكليفاً دينيّاً، كما كان يفهمه هو حينئذٍ، وكما يفهمه آل البيت وأحبابُهم قديماً وحديثاً.

وحتى نصل إلى هذا الحكم؛ فلا بدّ من استعراض سريع لحياة الإمام الحسين في ظلّ الأحداث المتباينة التي عَصفَت بالأمّة، منذ لحظة وفاة الرسول صلّى اللهُ عَليه وآلِهِ وسلَّمَِ.

وسأشير إلى المحطّات الرئيسةِ إشاراتٍ عَجلى، تفصيلُها في موضع آخر يحتملها، في معالم رئيسة:

المَعْلَم الأوّل: لمحة تاريخية حتى وقت خروجه إلى العراق.

حين انتقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم إلى جنان ربه تعالى في بداية عام (11 هـ) كان عمر الحسين (6- 7) سنوات، وهي سنّ يحفظ مثلُ الحسين فيها أشياءَ كثيرة، وكلّنا يتذكر في هذه السنّ وما قبلها عَشراتِ الحوادثِ، وخصوصاً الحوادثَ الحزينة.

عاصر الإمامُ الحسينُ وفاة جدّه المصطفى صلّى اللهُ عَليه وآلِهِ وسلَّمَ، وافتقد حنانه ودلاله ورعايته المتميزة.

عاصر الإمام الحسينُ بكاء ونَدَبةَ والدته سيدة نساء العالمين والدَها الرسولَ الأعظم، وقد أثّر في نفسه ذاك البكاءُ والحزنُ العميق.

عاصر الإمام الحسينُ انزعاج والديه من التصرفات الاضطرارية التي حصلت في سقيفة بني ساعدة، ما أدى إلى حدوث خلافٍ بين مَن بايعَ أبا بكرٍ، وبين الإمامِ عليّ.

عاصر الإمام الحسين هجومَ عمر وبعض من معه على بيت فاطمة، وتهديد عليّ والزبير ومن معهما بالقتلِ وإحراقِ البيتِ «وهذا أمر ثابتٌ من طرق عديدة» أمّا ضربُ فاطمةَ وإسقاطَ جنينها؛ فغير ثابتٍ البتّة.

عاصر الإمام الحسينُ صرف أمّه فاطمة عن حقوقها في ميراث الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم، ووالداه يعتقدان أنّها حقوق مشروعة لهم، مُنعوا منها باجتهادٍ خطأ.

عاصر الإمام الحسين وفاةَ والدته، التي أوصت ألا يحضر دفنها أبو بكر ولا عمر، فدُفنَتْ ليلاً، ولم يخبرهما الإمامُ بوفاتها.

عاصر الإمام الحسين الفَلتةَ التي حَصلت في سقيفة بني ساعدة، ما أدّى إلى صرفِ الخلافة عن والده، ووالداه وسائر بني هاشم في ذلك التاريخ؛ يعتقدون أنهم أحقّ الناس بها.

عاصر الإمامُ حروب الردّة، وشاهدَ إحجام والده عن المشاركة في أيّ معركة خارج المدينة فيها.

ولا ريب في أنه سأل والده: لماذا لمْ تُشارك يا أبتاه؟ فعلم جواب والده المكتوم؟!

عاصر الإمام الحسينُ انتقالَ السلطة من أبي بكر إلى عمر بولاية العهد، وعلم رأيَ والده بهذه المسألة.

في عهد عمر، وربما بعدَ العاشرةِ من عُمر الحُسين؛ حضر مع والده إلى صلاة الجمعة في المسجد، فرأى عمر يخطب، فصعد إليه على المنبر، وقال له: انزل عن مِنبر أبي، واذهبْ إلى منبر أبيك!

فأخذه عمر معه إلى بيته، وقرّره إن كان أبوه علّمه أن يقول هذا؟

فلما حلف له الحسين أنْ لم يعلّمه أحد؛ علم عمر أنّ بني هاشم يرون أنفسهم الأحق في قيادة الأمة، فاجتهدَ في صرفها عنهم، حتى لا يكون الحكم في الإسلامِ وراثيّاً، أو ينحصر في أسرةٍ واحدةٍ، لكنه مهّد لقريشٍ عامّةً ولبني أميّة خاصّةً، فجعل منهم ولاةً على الأقاليم المهمة.

وعمرُ يعلم علم اليقين أنّ الخلافةَ إن وصلت إلى قريشٍ برضا الناس؛ فلن يتنازلوا عنها برضاهم، وجميعهم من الطلقاء الذين لا يعلم إلا الله وحده مدى استقرار الإيمان في قلوبهم، وقناعتهم بهذا الدين!

وعاصر الحسين هذه المرة وهو شاب جلْدٌ، حين فُتحت المدائن، وجاءت أحمال الذهب والفضة إلى المدينة (عام: 18 هـ) كيف أرسل عمر لعليّ حذوةً من المال قائلاً له: واسِ به فقراء بني هاشم، فجاء إليه عليّ يحمل المالَ، فقال: أهذا حَقّنا يا أميرَ المؤمنين؟

قال: هذه مواساةٌ يا أبا الحسن!

قال عليّ: إن لم يكن حقَّنا يا أمير المؤمنين؛ فلا حاجة بنا إليه!

فأخذه منه عمر، ورماه في بيت المال.

قال عليّ: ثم لم يراجعني في الخُمس، هو ولا مَن جاء بعده!

قال عداب: مَذهب أبي بكر وعمر وعثمان أنّ الخمس للخليفة بعد الرسول وليس لآل البيت «طعمة للقائم بالأمر من بعد الرسول صلّى اللهُ عَليه وآلِهِ وسلَّمَ، يتصرّف به حسبَ اجتهادِه»!

وقد قال عمر قولته التي غدت قاعدة اقتصادية كبرى: «أحقّ الناس بهذا المال أحوجهم إليه، وأكثرهم عدداً».

ومن فَضل الله تعالى أنّ المذاهب الأربعة السنيّة على خلاف أبي بكر وعمر وعثمان في هذه المسألة، وإن اختلفوا في التفاصيل، بيد أنّ الواقعَ التطبيقيَّ ماضٍ على مذهبِ الخلفاء، فآل البيت على مدار تاريخنا الإسلاميّ؛ يم يعطَوا حقّهم من الخمس قطّ، إنما كان بعض الملوكِ والسلاطين يخصّهم ببعضِ حقوقهم!

وعاصر الإمامُ الحسين مسألةَ ترتيب عمرَ للشورى بحيث يؤول الأمر إلى عثمان، ويُصرف عن أبيه عليّ.

وعاصر الإمام الحسين ظهور نجم الطلقاء، واستيلاءهم على الأقطار، وشاهدَ جميعَ أعمال عثمان التي أنكرها عليه المسلمون، والتي أودت بحياته غفر الله له.

غير أنه كوالده؛ كان يعرف قدرَ عثمان ومنزلتَه في بني عبد مناف، وأنه قد كبر وضَعُف «جاوز الثمانين» لذلك كان من أشدّ المدافعين عنه في وجه المتمردين عليه، فالاجتهاد الخطأ؛ لا يبيحُ عند أهل البيت سفكَ دم المخطئ.

وعاصر الإمام الحسين استشهادَ سيدنا عثمان، وإصرارَ المسلمين على بيعة والده، وتردُّدَ والده الإمام في ذلك طويلاً.

وعاصر نُكثَ الزُبيرِ بن العوامِ وطلحةَ بن خُويلد؛ لأنّ عليّاً رفض توليتهما البصرة والكوفة، بعد وعدِهِ إيّاهما بذلك، وليس لشيء آخر كما تذكر بعضُ كتبنا.

عقب إلحاحهما الشديد على إنفاذِ وعدِه؛ قال لهما: «إني والله أجدُ من حرصكما على الإمارةِ ما يمنعني من تأميركما، غفرَ الله لهما.

فاستأذناه من الغد في العمرة؛ فأذن لهما، وقال: ما العمرةَ تريدان يا زبير!

وعاصر الإمام الحسين حروبَ والده منذ توليه الإمامةَ وإلى لحظة استشهاده.

وعاصر الإمام الحسين انتقال السلطةِ إلى أخيه الحسنِ، وبايعه، وأخلص له، وكان في جيشه الخارجِ إلى قتال معاوية وعمرو، وكان متشوّقاً إلى قتال البغاةِ الظالمين.

ولم يكن راضياً قطّ عن الصلح الذي أبرمه الحسن مع معاوية، وقال في هذا ما هو معروف: «إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه الكفّ، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهادَ الظالمين».

ولم يكن الحسينُ يَعلم بهذا الحديث الذي نقله أبو بكرةَ الثقفيّ بشأن الإمامِ الحسنِ بن عليٍّ عليهما السلام: (إنّ ابني هذا سيّد، ولعلَّ الله تعالى أن يُصلح به بين طائفتين من المسلمين) أخرجه البخاريّ والترمذيّ وقال: حسن صحيح.

ولم يكنْ هذا الحديثُ معروفاً بين أهل البيت، وإلا لما أنكر الحسينَ على أخيه الحسنِ تنازلَه عن السلطة لمعاوية الباغي.

كان الحسينُ بن عليّ بعد استشهاد الحسن؛ يتوقع منزلته عند الله، ويحسن الظنّ به تعالى، ويَعرفُ مَنزلته عند المسلمين، وعند البغاةِ الظالمين أيضاً.

أخرج الإمام عبدالله بن المباركِ في كتاب الزهد له (1446) وابن أبي شيبة في مصنّفه (6: 200) والرامهرمزيّ في المحدّث الفاصل (ص: 348) عن عمرو بن العاصِ قال عن الحسين: «هَذَا أَحَبُّ أَهْلُ الْأَرْضِ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ»  

وأخرج ابن الأعرابيّ في معجمه (2205) والطبرانيّ في الأوسط (3917) والبزار في مسنده (2632- كشف) وأورده الهيثميّ في مجمع الزوائد (9: 177) وقال: «رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، غَيْرَ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، وَهُوَ ثِقَةٌ» بإسانيدهم إلى إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: كنت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في حلقة فيها أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو، فمَرّ بنا حُسين بن عليٍّ، فسلّم، فرد القوم السلامَ.

فسكت عبد الله بنُ عمرٍو حتى فرغوا؛ رفع صوته وقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته!

ثم أقبل على القوم فقال: ألا أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قالوا: بلى!

قال: هو هذا الماشي، ما كلمني كلمةً منذ ليالي صِفّين، ولأَنْ يَرضى عني؛ أحبُّ إلي من أن يكون لي حُمْرُ النَعَم .

فقال أبو سعيد: ألا تعتذرُ إليه؟ قال: بلى!

قال رجاء: فتواعَدا أن يَغْدُوَا إليه، فغدوت معهما، فاستأذن أبو سعيد: فأُذِن له فدخل إلى منزل الحسين.

ثم استأذن عبدُاللهِ بنُ عمرو، فلم يزل أبو سعيدٍ بالحسين حتى أذِن له.

فلما دخل؛ قال أبو سعيد: يا ابنَ رسول الله إنّك لما مررت بنا أمسِ؛ قال عبدالله بن عمرو: ألا أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟

فقال حسين: أعلمتَ يا عبدَالله أني أحبُّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟

قال: إي وربِّ الكعبة!

قال: فما حملك على أن قاتلتني وأبي يومَ صفين؟ فوالله لأَبي كان خيراً مني؟

قال: أجل! ولكنّ عَمْراً ـ يريد أباه ـ شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن عبدَالله يقوم الليل، ويصوم النهار!

فقال الرسول صلّى اللهُ عَليه وآلِهِ وسلَّمَ: (أطع أباك يا عبدَالله!).

قال عداب: فهم عبدُالله بنُ عمرٍو طاعةَ أباه مطلقةً حتى في الظلمِ والبغي!

 سبحان الله على عظمة هذا الفهم الراقي لابن عَمرو؟!

وعاصر الإمام الحسين تعقّب معاويةَ لأنصار عليّ، وقتلَ أشرافهم، من أمثال حجر بن عدي الكندي وأصحابه.

وعاصر الحسين حرمانَ بني هاشمٍ من حقوقهم المشروعة، المالية وغيرها.

وعاصر تهديدَ معاوية له، إن هو فكّر بنقض بيعتِه إيّاه، فكتب إليه الحسين:

«أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك عني جديرٌ، والحسناتُ لا يَهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربةً، ولا عليك خلافاً.

وما أظنّ لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعلم فتنةً أعظمَ من ولايتِكَ أمرَ هذه الأمّةَ».

فالحسين يرى ولايةَ معاويةَ فتنة كبرى، ويرى جهاده واجباً شرعياً، سواء وافقه ابن عَمْرِو بن العاص، أم خالفه عبدُالله بن عُمر.

وعاصر الإمام الحسين معركة أخذ البيعة ليزيد بالترغيب والترهيب، ثم أخذها تحت شفار السيوف، وبالتالي لم يرَ بيعتَه ملزمةً لأحد!

إنّ الحسينَ، شأنه شأن عليّ؛ لم يكن راضياً تمام الرضا عن عصور الراشدين الثلاثةِ، على فضلِهم وصلاحِهم واجتهادهم في مصالح الأمة...

فكيف يرضى عن معاويةَ الطليقِ ابن الطليقِ الذي ساهم في مقتل عشرات الألوف من المسلمين؛ ليكون ملكاً عليهم؟

لكنّ مثل الحسين، بل مَن هو دون الحسين في الدين والفضل والعلم؛ لا يمكن أنْ يَنكُثَ بعهدٍ قطعه على نفسه، كما لم يكن ليهيئ نفسه لما سيحدث بعد وفاة معاويةَ؛ لأنه كان يرى ذلك نقضاً للعهدِ والبيعةِ!

لمات مات معاوية، وطُلب لمبايعة يزيدَ الفاسقِ الفاجر، صاحب الأخبار الساقطة المشهورة؛ رأى أنه لا يحلّ له شرعاً مبايعةُ هذا الفاجر الفاسق!

وغدا تكليفُه الشرعيّ أن يقوم بواجب الإصلاح، وإعادةِ الأمور إلى مسارها الشرعيّ الصحيح.

في مكّة المكّرمة، قبل مغادرة الحسين إلى العراق؛ كان الوضعُ العامّ على النحو الآتي:

أوّلاً: لم يكن لدى الحسينِ في مكّة قوّةٌ تحميه، وكان والي مكة يلحّ عليه بالبيعة أو اتّخاذِ إجراءاتٍ في حقِّه «البيعةَ أو القتلَ»!

ثانياً: لم يكن الحسينُ يجوّز لمن كان في موقعه الدينيّ والاحتماعيّ أن يبايع فاسقاً فاجراً جاهلاً، خليفةً على أمة الإسلام.

ثالثاً: لم يكن الحسين واثقاً تماماً من أهل الكوفةِ، في تلك الأيّام، ولم يكن مَخدوعاً بهم قط، لكنه كان في موقف لا يحسد عليه:

فهو لن يبايع ليزيدَ؛ لأنه لا يجوز له ذلك في اجتهاده.

وهو يرفض الإلحادَ في الحرم، كما فعل ابن الزبير فيما بعد.

وهو لا يقوى على مُقاتَلةِ جَيشِ والي مكة، إذا هو خرج إلى الحِلّ!

فلم يكن أمامه سبيلٌ سوى الخروجِ إلى العراق، فلربما صدق أهل الكوفةِ معه، بعد أن تيقنوا بفساد يزيدَ؟!

فإنْ تحقّق له ما أرادَ، وإلا فهو لا يستبعِدُ الشهادةَ ولا يأباها أبداً!؟

مَن كان يظنّ الحسينَ ساذجاً، لا يَعرف جميعَ ما يعرفه عبدُالله بن عباس وعبدُالله بن عُمَر، وعبدُالله بن الزبير، ومن معهم من صغار الصحابة وكبار التابعين؛ فهو لا يعرف الحسينَ «الشريفَ الكامل»!! كما وصفه الذهبيّ.

وقد كُنتُ إلى فترةٍ قريبة أقول: إذا كنتَ خارجاً إلى مصرعك في العراق، فلم تُعرّضُ أهلَ بيتك وصغارَك إلى تلك الفاجعة المحزنة، بل المرعبة؟

لماذا لا تَخرجُ وحدَك، بعد أن تحقّق لديك أنْ لا مناص من الخروج؟

أقول: كأنّ الحسينَ كان يتصوّر أنه سيصل إلى الموضع المناسب لسكنى أهله وأمنِهم في العراقِ، ولم يكن يتصور لدى أهل الكوفة كلَّ تلك الحقارة والسقاطة.

إنّ الحسينَ؛ لم يُمكّن من دخولِ الكوفة، وإنما فوجئ بجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص يَقطع عليه الطريق في أربعة آلاف فارس!

وحتى في تلك الحال؛ كان الحسين يَفهم أنه مطلوبٌ ليزيدَ الأعرابيّ الفاسق، ولابن مَرجانَةَ الوَغْد.

لكنْ لا أظنّ فارساً في مثل موقع الحسين؛ يتبادر إلى ذهنه أن هؤلاء الفجرة قد مرقوا من الدين مُروقاً تامّاً، أو ربما لم يكن لهم دين أصلاً!

وهبْ أنهم كذلك، لكنّ مِن أدنى أخلاقِ الفروسية وقيمها؛ ألا يتطاول الفارس على النساء والأطفال الصغار.

وكوكبة يسيرة العدد لا تصل إلى (100) إنسان، ليس من أخلاق الفروسية أن تُحرم حتى من ماءٍ للشرب، ومن ماءٍ للوضوء.

جيش عمر بن سعد النواصب؛ شراذم من المتوحشين الأنذال، ابتُلي بهم الحسينُ وأهلُ بيته عليهم السلامُ، فكانت فاجعةُ كربلاء.

أجلْ كانت فاجعةُ كربلاءَ مصيبةً من أعظمِ مصائبِ أهل الإسلام، ونحن عندما نحيي ذكراها الحزينة؛ إنّما نفعل ذلك لتذكير بعضنا بعضاً بأنّ الحقَّ يحتاجٍ إلى قوّةٍ مؤمنة به، ويحتاجُ إلى قدراتٍ تستطيعُ أن تطيحَ بالظالمين ذوي الأهواء، وتستطيعُ أن تمكّن لدين الله تعالى بين المسلمين.  

ختاماً: ليس تَجديدُ اﻷحزانِ من معالم اﻹسلام، وﻻ من شريعة سيد اﻷنام، وﻻ كان مما يفعلُه اﻹمامُ عليُّ بن أبي طالب والإمام الحسين، عليهما أزكى السلام.

ليست هذه المواكب (الحسينية) تدل على شيء سوى الفوضى والتخلف العقلي والسلوكي.

ليس هذا التطبيرُ المجنون، سوى ظلم للنفس، وتحميلها من العذابات واﻵﻻم ما ﻻ تطيقه، وإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ﻻ يرضى بهذا، وقد بيّن لنا أوضحَ بيانٍ أنّ تعذيبَ النفسِ منهيّ عنه.

فقد أخرج البخاريّ (1865) ومسلم (1642) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ!

قَالَ الرسولe: (إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ).

ربما كانت هذه المظاهر توظف توظيفاً سياسيّاً؛ لتتماسك الطائفة، وتظهر قدرتَها على الدفاع عن نفسها، ولم يعد لها اليوم من حاجة البتة.

لو أنّ المسلمين صاموا «تاسوعاء وعاشوراء» وتذكروا عطشَ الحسين، وظلمَ الظالمين السفلة الذين حكموا اﻷمة قروناً، فكانت تلك الذكرى تصميماً وعهداً منهم ومنّا أنْ ﻻ نركن إلى الظالمين، أليس هو اﻷولى واﻷكرم؟

لو جلسنا في يوم عاشوراء وقرأ كلُّ واحد منّا (100) آيةٍ، وأهدى ثوابها إلى الرسول وأهل بيته عليهم السلام والبركات، أليس ذاكَ هو الدينَ والعقلَ والحكمة؟

أرجو أن تُعرضوا عن هذه الظواهر والمظاهر، وأن تستبدلوها بخير منها.

كما أرجو أن تتفهّموا أسبابَ نهضة الحسين، وأن تكون نبراساً للنهضة ضد الظلم، سواء كان سنيّاً، أم كان شيعيّا، أم كان علمانيا وضيعاً.

والله يحفظنا وإياكم وسائر المسلمين، وعظّم الله أجورَكم بكلِّ مصابٍ أصيبَتْ أو تُصابُ به الأمةُ.

والحمد لله على كل حال.

 


الاثنين، 8 يوليو 2024

  بعيداً عن السياسة اللعينة:

مُناسباتُ محرّم الحرام!؟

قال الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) [سورة التوبة].

وقال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) حديث صحيح، أخرجه البخاريّ ومسلم.

وقال الله تبارك وتعالى:

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) [سورة يوسف].

وقال لنا الله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ).

«الاعتبار: هُوَ النّظر فِي الثَّابِتِ أَنّه لأيِّ مَعنىً ثَبت، وإلحاقُ نَظِيره بِهِ...

بَيَانُ ذَلِك أَنّ اللهَ تَعَالَى ذكرَ هَلَاكَ قومٍ بِنَاءً على سَبَبٍ، ثمَّ قَالَ: (فاعتبروا) بِالْفَاءِ الَّتِي هِيَ للتَّعْلِيلِ، أَي: اجتنبوا عَن مِثلِ هَذَا السَّبَب، لأنّكم إِنْ أتيتم بِمثلِهِ؛ يَتَرَتَّب عَلَيْكُم مثل ذَلِك الْجَزَاء، إِذْ الِاشْتِرَاك فِي الْعلَّة يُوجب الِاشْتِرَاك فِي الْمَعْلُول، فالنظر والتأمل فِيمَا أصَاب من قبلنَا بِأَسْبَاب نقلت عَنْهُم» يجب أن يقودَنا إلى أخذِ العِظَة من أنْ نقعَ بمثلِ ما وقعوا به!

وفي شهرِ محرّم الحرامِ، من عام إحدى وستين من هجرة الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمسينَ سنّةً فحسب؛ قتلَ المسلمونَ ابنَ بنت الرسولِ وريحانتَه من الدنيا، الحسينَ بنَ عليِّ بن أبي طالبٍ عليهم السلام، بدعوى خروجِه على إمامِ الوقتِ الفاسق الفاجرِ يزيدَ بنِ معاويةَ، عليهما من الله تعالى سخَطُه وأليمُ عقابه!

وإنّ أهمّ ما يجبُ علينا تذكُّره في شهرِ الله المحرّم هذا، أنّ الحقَّ الموكَلَ إلى الأمّةِ إقامتُه؛ لا ينتصر ولا يتحقّق إلّا بالقوّةِ المكافئةِ للباطلِ وأهله.

وأنّ تقويمَنا لحِقبةٍ زمنيّةٍ من تاريخِنا، قريبةٍ من عهد النبوّةِ؛ لا يعني الإساءَةَ إلى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا يعني الإساءَةَ إلى الجيلِ الذي بلّغه الرسولُ رسالةَ ربّ العالمين.

قال الله تعالى:

(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) [القصص].

(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (272) [البقرة].

(إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) [النحل].

(يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) [المائدة].

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) [يوسف].

فإذا كانت الهدايةُ توفيقاً من الله تعالى، والرسولُ قد بلّغ رسالته إلى الناس؛ فلا يلحقه أدنى لومٍ إذا هم انحرفوا، أو انحرف بعضهم عن سواء السبيل!

والصحابةُ بشرٌ من البشر، ينطبق عليهم ما ينطبق على سائر البشر!

(وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً) [الجنّ]. 

(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) [فاطر].

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) [التغابن].

والذي يتتبّع جملة (يا أيّها الذين آمنوا) في القرآن الكريم؛ يظهر له جيلُ الصحابة جيلاً بشريّاً، لا يختلف عن أيّ جيلٍ بشريٍّ آخر!

قال الله تعالى:

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) هذا يعني أنّ توقّع حصولِ المنّ والأذى من بعضِ الصحابةِ واردٌ، وممكن!

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر).

وهذا يعني أنّ بعضَ الصحابةِ قد اتّخذوا بطانةً من المنافقين وغير المنافقين!

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِيناً).

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ).

(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

(حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ).

(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

وعن جابر بن عبدالله الأنصاريّ قال: (أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ، إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً؛ انْفَضُّوا إِلَيْهَا، وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة: 11] وهي سورةٌ مدنيّة باتّفاق!

إنّ ما حدثَ في واقعةِ كربلاءَ، وما حدث بعدها في وقعةِ الحرّةِ؛ يدلُّ دلالةً واضحةً لا لبس فيها؛ أنّ الكثرةَ الكاثرةَ من المسلمين؛ كانت تتبع صاحبَ السلطةِ والثروةِ!

وأنّ خِيارِ الأمّة - بعد نصف قرنٍ من عمر الإسلام - كانوا ضعفاءَ، لاحولَ لهم ولا قوّة، يقبلون أن يحكُمهم فاسقٌ فاجر ماجن!

وهذا يعني أنّ العلمانيّةَ كانت مبكّرةً جدّاً في تاريخنا الإسلاميّ، ولعُمقِها في تاريخنا الإسلاميّ؛ فإنّ أهلَ السنّة يقبلون بولايةِ أيّ فاسقٍ فاجرٍ، يحقق لهم مصالحهم الدنيويّة، ويرفضون أيّ حكومةٍ دينيّة، حتى لو كان تديّنها ظواهرَ يسيرةً، كتديُّن الإخوان المسلمين المصريّين، قبل عشر سنواتٍ من اليوم!

وإذْ كان الأمرُ كذلك؛ فإنّ قتلَ الإمامِ الحسينِ وأولادِه وأولاد إخوانِه وبني عمومته؛ لم يُحدِثْ ردودَ فعلٍ كبيرةً، تزلزلُ الأرضَ تحت أقدام الطغاةِ الفاسدين!

لكنْ هل من الدينِ؛ أن نجعلَ من ذكر استشهادِ سيّد الشهداءِ موسماً للنحيبِ والعويلِ وضربِ الصدور وشقّ الجيوبِ والتطبير والمسيراتِ الطائفيّةِ المثيرةِ للأحقادِ والخصومات؟

وما الذي يجنيه الإمامُ الحسينُ وشهداءُ كربلاءَ من مظاهرِ الأسى والحزن، التي تملأ أيّامَ شهرِ محرّم الحرام من كلّ عام؟

إنّ الله تعالى عابَ على أقوامٍ(قَالُوا: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)!

(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)؟

أجلْ واللهِ، إنّ لديّ خيراً ممّا وجدتم عليه آباءَكم، المتعصّبين لتقاليدَ ما أنزلَ الله بها من سلطانٍ، وليس لها أيّ فائدةٍ دينيّةٍ ولا دنيويّة البتّة!

أنا لا أقول: لا تحيوا مأساةَ كربلاء، ولا أقول: لا تلعنوا يزيدَ وأنصارَ يزيد في السابق والحاضر، بل عليهم لعنة الله أجمعين!

إنّما أقول لكم ما يأتي:

- النفقاتُ الماليّةُ الهائلةُ التي تنفقونها في كلّ عام؛ يمكن أن نبني منها في كلّ عامٍ مصنعاً في كلّ مدينةٍ من مدن العراقِ، يعمل به العاطلون عن العملِ وما أكثرهم!

وفي ظروفِ أهلنا الحاليّةِ في غزّةَ؛ دفعُ هذه النفقات إلى أهل غزّةَ الذين لا يجدون ما يأكلون، أليس أولى من إهدار هذه النفقاتِ في أمور مشكوكٍ في مشروعيتها، في الحدّ الأدنى؟

- بدلاً من مسيراتِ التطبير وإثارة النعرات؛ نجتمع في مساجدنا، نتلوا القرآن الكريمَ، ونذكرَ الله تعالى، ونتدارس سيرةَ آل البيت عليهم السلام، ونقوّم مسيرتهم العلميّة والسياسيّة، ونبيّن ما أصابوا فيه فنتّبعه، وما أخطأوا فيه فنجتنبه، ثم نهدي ثواب ذلك إلى الإمامِ الحسين وشهداء كربلاء، أوليس هذا أحبَّ إلى الله تعالى، وأحبَّ إلى الحسين عليه السلام؟

في هذا القدر كفايةٌ، فقد تعبت، والله المستعان.

والحمد لله على كلّ حال.