وَقَفاتٌ مَعَ الأدَبِ والشِعْرِ:
واحاتٌ وظِلالٌ (2)!؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ
مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ،
وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، وَسَيَعْلَمُ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) [سورة الشعراء].
وقال الرسولُ محمّدٌ صلّى الله عليه وآله وسلّم:
(إنّ مِن الشِعْرِ حِكمةً) أخرجه البخاريّ.
أمّا بعدُ: عنوان ديوانِ الشاعر الأديب الأستاذ
عبدالغنيّ بن أحمد الحدّادِ الجيلانيّ
«واحاتٌ وظِلالٌ» يُعَدُّ في ساحةِ الأدب الملتزم،
فهو داخلٌ دخولاً أوّلياً في تعريف الأدب «دعوةُ الناسِ إلى المحامد، ونَهيُهم عن
القبائح» ولولا ذلك ما قدّمتُه إليكم، نموذجاً من الشعر الأخلاقيّ السامي الأصيل،
الذي يتميّز - في جملةِ مزاياه - باليُسر وسهولةِ الفهمِ، وبالرصانة وعدم
الإسهابِ، وبعمق المعاني ووضوح الأفكارِ، التي يبتغيها من وراء شعره الجميل هذا.
صدر الديوانُ الأوّل هذا، للشاعر الحدّاد، عام
(1999) عن دائر البشائر الإسلاميّة في بيروت وجاء في (144) صفحة طباعيّة (17/ 24)
منها ثلاثُ صفحاتٍ للفهرس التقريبي، ضمّت في حناياها خمسينَ قصيدةً ومقطوعةً
شعريّة.
وإذا كان بعضُ أهلِ الأدبِ لا يَعدّون أبياتَ شعر
المَنظومة الواحدةً قصيدةً، حتى تزيدَ على ثلاثين بيتاً، فإنني أرى كلّ مقطوعة
شعريّة، في هذا الديوان قصيدةً برأسها، أدّت مقصداً أدبيّاً متكاملاً.
وقد أدارَ الشاعر الحدّادُ ديوانَه هذا على خمسةِ
مقاصدِ أدبيةٍ رئيسة:
(1) تجلّيات: وهي قصائد إيمانية إسلاميّة.
(2) الوطن وقضايا أخرى: وهي قصائدُ في حبّ الوطنِ،
ونقد الساسة والسياسة.
(3) صُوَرٌ: وهي قصائدُ وُجدانية تأمّلية.
(4) الغُربةُ والأسرة: وهي قصائد تحكي معاناةَ
الشاعر في غربته، وحنينه إلى وطنه وأحبابه وأسرته.
(5) عواطفُ: ويُفترض أن تكون قصائدَ غزليّةً، تحكي
تجربةَ، أو تجاربَ حُبٍّ بينه وبين فتاةٍ أو فتيات، فدقّقوا فيها !
وقد كانت قصائده كلّها، دروساً مهذّبةً رائعةً، في
التربية والتوجيه، وسموّ المشاعر والعواطف.
اُنْظُر إلى القصيدة الأولى في المَقصد الأخير
(عواطف) وَسَمَها بعنوان «طُهْر» يقول فيها:
رَبيعيَ البِكْرُ في عَينيكِ مَوْلِده
أتيتُ أنهلُ من دنياه ألحاني
على شِفاهيَ من نُعْماك أُغنيةٌ
فريدةٌ، لم تَلُحْ في ظنّ إنسانِ
قَبَسْتُها من سماءِ الوَجْدِ طاهرةً
حَضَنْتُها بفؤادي الطَيّبِ الحاني!
هو الطُهرُ والسموُّ والعفاف، حتى بالكلمة!
بيد أنّ لإحدى قصائدِ هذا الديوانِ، ذكرى حبيبةً معي
أنا!
لم أعد أذكر من الذي بدأَ أخاه بالمراسلةِ،
والمسألة يسيرةٌ، فهو الحبُّ في الله تعالى، والوفاء والتواصل.
كنتُ محاضراً مكلَّفاً في إعداديةِ مدينة «السبخةِ»
الغافيةِ على ضفافِ بُحَيرةِ ماءٍ ضخمةٍ، انزلَقَت من نهر الفرات العظيم، وكأنّ
ماءَه انقطع عنها، فغدا ماؤها ملحاً أجاجاً، يشبه ماءَ البحر، تعيش فيه أنواعٌ
عديدةٌ من السمك البحريّ، كان كثيرٌ منه يبيتُ على شاطئ هذه السبخة!
وكنت كلّما اشتهيت السمكَ؛ حمَلتُ معي سلّة من
القصبِ، بعدَ صلاةِ الفجر، وملأتها من هذا السمك الطازج اللذيذ، طيلةَ السنةِ
الدراسيّة التي قضيتها في هذه المدينةِ؛ لم أدفع قرشاً واحداً ثمناً للسمك الكثير،
الذي اصطدتُه من هذه البحيرة «السبخة».
والغريبُ أنني ما شاهدتُ أحداً من أهل مدينة
«السبخةِ» يصطاد من هذا السمك الكثير!
وصلتني من أخي الشاعر الأستاذ «عبدالغنيّ» رسالةٌ -
بحسب محفوظ الذاكرة - يقول فيها: «لم أجدْ ما أرسله إليكَ، أجملَ من قصيدةٍ
وجّهتها إلى شاعرنا الكبير «عمر أبي ريشة».
وجملةُ القصيدةِ (23) بيتاً من الشعر العربيّ
العموديّ، كان منها:
طالَ الهجيرُ، يكادُ الشوقُ يقتُلنا
لِمَنهلٍ لاحَ بالأنداء ريّانا
ونحنُ في التيهِ أشباحُ السرابِ به
كَذوبةِ الرِيِّ، كم تلهو بدنياناً
يا ساحرَ الحَرفِ، دنيانا يَضِجُّ بها
شوقٌ إلى المنهلِ المسحورِ، أشقانا
ما كان شِعرُك إلّا واحةٌ سنحَتْ
يَرِفُّ، يَجْلو عن الأرواحِ أحزانا
يَنسابُ، يحلُمُ، نَبعُ الطيبُ يمنحُه
دَفْقاً من العِطرِ، من دنياهُ فتّانا
ما الشِعْرُ إلّا عطاءُ الله يمنحُه
صفوَ العبادِ أحاسيساً وإيماناً.
استمتعتُ بقراءة هذا الشعرِ الجميلِ، ونسجتُ قصيدةً
طويلةً - ضاعت مع ألوفٍ كثيرةٍ من شعري، عام (1975) وأرسلتها إليه، تعبيراً عن
الوفاءِ والحبِّ الخالصِ في الله تعالى.
منها:
القَلبُ صفّق تحناناً وعِرفاناً
والروح ترقص في الأعطاف تيهانا
والعَينُ تبسِم والأنداءُ هازجةُ
تنداحُ والهةً، تنساح ألحانا
تُرتّب اللحن موسيقى تذوب لها
كوامن الحسّ إمعاناً وإحسانا
في كوكب الشعر بتنا، فيه موطننا
وفَرقَدَ الكون قد رمناه سُكنانا
ما الشعرُ إلّا عطاء الله يمنحُه
صَفوَ الأنام أحساسيساً ووُجدانا.
ومع طول المدّة، التي فصلت بين هذه القصيدة، ولقائي
بالشاعر الحبيب؛ سألته عندما التقيته:
هذا البيت الشعريّ لي، أم لكم أستاذي؟ قال: لا فرق!
ما الشعرُ إلّا عطاء الله يمنحُه
صَفوَ الأنام أحساسيساً ووُجدانا.
ختاماً: أدعو إخواني ممّن يتذوّق الشعرَ؛ أن يتابعَ
ما ينشره أستاذي النبيل الشاعر السيّد «عبدالغنيّ بن أحمد الحدّاد الجيلانيّ
الحمويّ» فإنّ شعره تربويّ هادفٌ أمين.
وأسأل الله تبارك وتعالى؛ أن يَنسأَ في أجل شاعرنا
الملتزمِ الأصيل، وأن يمتعنا وأحبابَه بحياته، في صحّةٍ وعافيةٍ وسعادة، وأن
يجمعنا به، على حوضِ جدّه المصطفى، صلّى الله عليه وآله وسلّم.