واحَةُ الشِعْرِ وَالأَدَبِ:
واحاتٌ وظِلالٌ!؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ
مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ،
وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، وَسَيَعْلَمُ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) [سورة الشعراء].
وقال الرسولُ محمّدٌ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنّ
مِن الشِعْرِ حِكمةً) أخرجه البخاريّ.
أمّا بَعدُ: يَعلمُ إخواني القرّاء؛ أنني أنظم
الشِعرَ، وأكتب المقالَ الأدبيّ، بيد أنني لا أعدّ نفسي شاعراً، إلّا على مبدأ
«شِعرُ الفقهاء» مع أنني كنت شاعرَ «جامعة أمّ القرى» الأوّلَ خمسَ سنواتٍ (1399 -
1404 هـ).
وبعدها منعني عميد شؤون الطلّاب، الدكتور «شرف الشريف»
من الاشتراك بمسابقاتِ الجامعةِ بدعوى أنّ المسابقة الثقافية التي أسجّل فيها؛
يمتنعُ الطلّاب عن المشاركةِ بها.
«أوجّه إلى الشريف شَرَف التحية المباركة، حيّاً
كانَ أم مُتَوفّى» ونعم الأخ والصديق كان!
وربما كان الفقير عدابٌ ناقداً أدبيّاً؛ أكثرَ منه
شاعراً فنيّاً، وهو يروق له شعر كثيرين من الشباب المعاصرين، ويرى نفسَه بعدَهم
بمراحل:
الشاعر عبدالحقّ الهوّاس.
الشاعر أنس الدُغيم.
الشاعر عبدالقادر الحدّاد الجيلانيّ الحمويّ.
الشاعر عبدالغني الحدّاد الجيلانيّ الحمويّ.
الشاعر أحمد الخاني «النابغة الخاني» الحمويّ.
الشاعر عبدالغني بن أحمد الحدّاد الجيلانيّ
الحمويّ، من مواليد عام (1946) - أطال الله تعالى بقاءَه في عافية وسعادة - أتحفني
وأسعدني أمسِ بإهدائي ديوانه الشعريّ (واحاتٌ وظِلال) المطبوع منذ ربعِ قرن!
وهذا يعني أننا لم نلتقِ في غربتنا القسريّةِ، منذ
أكثرَ من ربع قرن، والحمد لله الذي أسعدني بلقائه أمس، في جامع خالد بن الوليد -
رضي الله عنه - في مدينة حماة.
وإذْ إنّكم - معاشرَ الأصدقاء - تحبّون قراءةَ
المذكّرات؛ فلا أجدُ حرجاً بأنْ أقدّم إليكم نبذةً طريفةً قصيرة عن الشاعر
عبدالغنيّ، ثمّ أعرّج على ديوانه (واحاتٌ وظِلال).
كنت أعرفُ شقيقَه الأديب الشاعر عبدالقادر أحمد
الحدّاد، قبل معرفته بستّ سنواتٍ، أو أكثر، إذ كان يحضرُ معنا دروسَ شيخِنا محمد
الحامد - رحمهما الله تعالى - ورأيتُه مرّات عديدةً في مجلسِ الفقه الخاصّ لشيخنا
محمد علي المراد - رحمه الله تعالى - بعد انتقال شيخنا الحامد إلى دار البقاء.
في بدايةِ العامِ الدراسيّ (70 - 1971) كلّفني مدير
التربية في مدينة حماة، أستاذي «عبدالكريم العِطريّ» بتعليمِ مادّةِ اللغةِ
العربية، في «إعدادية حلفايا» وعندما وصلتُ إلى المدرسةِ؛ وجدتُ الأستاذ عبدالغنيّ
قد سبقني إلى التعليم في تلك المدرسة.
نزلتُ ضيفاً عليه - ولم أكن أعرفه من قبل - فأكرمني
غايةَ الإكرامِ، وساعدني في استئجار منزلٍ صغيرٍ لي، قريباً من منزله المبارك!
لا أذكرُ أنّ ليلةً مرّت علينا، بعد تلك المعرفة
المباركةِ؛ لم نسهَرْها في بيتي الصغير، أو في بيته العامر، إلى وقت متأخّر من
الليل.
وكان الشاعر عبدالغنيّ، وكنت معه مغرمَين كثيراً
بارتشاف الشاي «العَقيقيّ» والقهوةِ العربيّة الحمويّة.
كان الفقير عداب بارعاً بصنع الشاي والقهوة وعرق
السوس وطبخ الأرزّ، فكان تحضير هذه الأمورِ على الدوام من اختصاصي، وكان الشاعر
عبدالغنيّ ذوّاقةً مميّزاً للغاية بين طبخة شاي وأخرى!
كنّا نشربُ الشاي كثيراً، وربما كنت أتناوله أكثرَ
من أخي عبدالغني!
عرضتُ عليه ارتشاف كأسٍ رابعٍ أو خامسٍ من الشاي -
لا أتذكّر - فضحك وقال ارتجالاً على سبيلِ الممازحة والتلطّف:
شَربتَ الشايَ حتى قبّ باطي
فلمّا قبّ باطي.. قبّ باطي، وضحكنا في تلك الأيام،
يغفر الله تعالى لنا.
لم أكُن دَرَستُ اللغةَ العربية «النحو والصرف» في
مؤسسة علمية رسميّةٍ، إنّما درستُ على الأستاذين الجليلين: وليد قنباز وتوفيق
كُليب في المدرسة الثانويّة ذاتها.
كنتُ في الصفّ العاشر الأوّل على الصفّ، في اللغة
والشعر، وكان أستاذي في هذه المرحلة وليد قنباز، وكنت أقرأ عليه في «مغني اللبيب»
في أوقات ساعاتِ انتظاره ساعات تدريسه التالية، داخل مدرسة «دار العلم والتربية»
القريبة من بيتِ أهلي في حيّ الفرّاية.
قرأتُ عليه من بدايةِ الكتاب، حتى نهاية حروف
المعاني «الياء» في سنة دراسية كاملة.
وقرأت على أستاذي محمد توفيق كليب بقيّة الكتاب، من
بداية الباب الثاني في أقسام الجملةِ حتى نهاية الكتابِ، في الصفّ الحادي عشر
وبعضِ الثاني عشرَ، على المنوال ذاته.
طلبتُ من الأستاذ محمد توفيق كليب أن أقرأ عليه من
بداية الكتاب، فأجرى لي اختباراً شفوياً طويلاً في قسم حروف المعاني، ثم تابعنا
كما أسلفت.
كُنتُ شابّاً صغيراً، وكنت مُعتدّاً بنفسي، وأعدّ
نفسي في تلك الأيّام شاعراً مُجيداً!
فحين عرض عليّ أستاذي «العِطريّ» تدريسَ اللغة
العربية في إعداديّة حلفايا؛ لم أتردّدْ أبداً!
وحين تعرفت إلى أخي الشاعر عبدالغنيّ؛ كنتُ أعرض
عليه بعض المشكلاتِ التي اعترضتني في أثناء التدريس، إذْ لم يكن لديّ خبرةٌ
بالتدريس النظاميّ من سابق، فكان يحاورني ويساعدني ويوضح لي ما كان أشكلَ عليّ.
كنتُ في تلك الأيّام غزيرَ الإنتاجِ الشعريّ، فكنت
أنظم في كلّ يومٍ قصيدةً تقريباً!
أعرضها على الأستاذ عبدالغنيّ، وكان بلطفه وأدبه
وذوقه الشعريّ؛ يوجهني إلى استبدالِ لفظة بلفظة، واستبدالِ بيتٍ شعريّ قاسٍ ببيت
شعريٍّ حازم مثلاً.
وربما كان يتحدّث كلاماً عابراً، أو يروي حدثاً،
فأستفيد منه فائدةً لا أعرفها، أو أكثر.
قرأ لي قصيدةً طويلةً ذات ليلة، فقال لي بعد
قراءتها: «يقول مالك بن الأخطل: عُنيت بشعر جريرٍ والفرزدق الشاعرين الأمويين،
فوجدتُ جريراً يَغرفُ من بحر، ووجدت الفرزدق ينحِتُ من صخر» بمعنى أنّ جريراً غزير
الإنتاج الشعريّ، بينما الفرزدق أقلّ إنتاجاً شعريّا منه، وأنت يا
أخي عداب تغرف من بحر، ما شاء الله تعالى.
إنّما عليك أن تقوّي جانب الألفاظ الشعرية
الرقيقةَ، وتبتعد قدر الإمكان عن حوشيّ الكلام والألفاظِ الغريبةِ غير المتداولةِ
بين الناس اليوم؛ لأنّ الفصاحة والبلاغة؛ أن توصلَ المعنى المراد توصيله إلى
المتلقّي بأقلّ كلماتٍ، وأوضح أسلوبٍ، من دون أن يرجع إلى معجم لغويّ توضيحيّ!
خطبتُ خطبةَ جمعةٍ في جامع حلفايا الكبير، حرّمتُ
فيها انتخابَ المجرم الظالم «حافظ الأسد» واستعرتُ فتوى شيخنا محمّد الحامد في
انتخاب أكرم الحوراني، وقلت: إنّ كلّ من
ينتخب «حافظ الأسد» تَطلُق منه زوجتُه، وعليه تجديدُ إسلامه، وإنشاء عقد نكاح
جديد!
لاحقتني مخابرات النظامِ المجرم يومها، فتخفّيتُ،
ونزلت إلى مدينة حماة ليلاً، وبتُّ عند شيخي الشهيد مروان حديد، الذي حملني معه بسيّارة
أحدِ إخواننا إلى دمشقَ، لنلتقي بشيخنا الشجاع «حسن حبنكة الميداني» الذي أفتاني
وألزمني بالمقام في الباديةِ، أو السفر إلى لبنان، ورجّح سفري إلى لبنان، وتواصل
مع سائقٍ يخصّه، فحملني في الليلة ذاتها إلى بيروت لبنان!
وإلى اللقاء في حلقة تاليةٍ نعرّف فيها بديوان
الأديب الشاعر عبدالغني الحدّاد «واحاتٌ وظِلال».
والله تعالى أعلم
والحمدُ لله على كلّ حال.