الثلاثاء، 28 يوليو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ الحديثُ النبويُّ، ضروريٌّ في حياتِنا الدينيّةِ !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

أرسل إليَّ أحدُ علماءِ الحديثِ الأفاضل رسالةً، ممّا قال فيها:

«أود أن اطرح هذا السؤالَ، لعلّكم تقدمون إجابةً يُفيد منها الجميعُ.

لا يَخفى عليكم وُجودُ فئةٍ من الناس، تُبطِلُ العَمَل بالسُنّة؛ بدعوى أنّها ليست مِن الوَحي وأنّ الوَحيَ؛ هو القرآنُ وحسب، مُعزّزين مَوقفَهم هذا، ببعضِ الآياتِ الكريمةِ، التي تُوجّه المسلمينَ نَحوَ القُرآنِ وحسب، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم،  إذا تكلم بغير القرآنِ، فإنّه يتكلم بالحكمةِ؛ لأنّه إنسانٌ عَظيمٌ، وليس لأنّه مِن الوَحي.

ثُمّ يُؤيدون مَوقفَهم ذاكَ، بأنّ السُنّة «أغلبها» أحاديثُ آحادٍ،  فهي إذنْ مِن بابِ الظَنّ ويَختلطُ فيها الصحيحُ مَع الحَسن، مع الضعيف، مع الموضوع، فكيف نكون مطالبين بالظن؟

ثمّ قد يَستحضرون شواهدَ من الصَحيحين وقعَ فيها إشكالٌ ما؛ ليُسوّغوا الطعن بكلّ السنة، ويَقولوا: لا حُجّة فيها، فحسبنا القرآنُ وما تَواتر عَمَليّاً، مِن كيفيّة أداءِ الصلاةِ ونحوِ ذلك، ممّا هو مُجمَع عَليه.

راغباً أن تَكون الإجابةُ على صَفحة «الفيس» لِيَعُمّ النَفعُ؛ إنْ رَأيتم ذلك» انتهى.

أقول وبالله التوفيق:

الإجابةُ على هذه الأسئلةِ؛ قد تحتاجُ عدّةَ حلقاتٍ، وسأحاول الاختصار ما استطعتُ.

أوّلاً: ليست الدعوةُ إلى الاقتصار على القرآن الكريم، والمنقولِ بالتواتر العمليّ من السنّة النبويّة بغريبةٍ على تراثنا الإسلاميّ.

فقد أخرج البخاريُّ (4432) ومسلم (1637) من حديث عبدالله بن عبّاسٍ؛ أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرضه الأخير الذي سبق انتقالَه إلى جنان النعيم، قال لعُوّادِه الحاضرين: (هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ) وكان في الحاضرين عمر بن الخطّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ».

وربما كان قولُ عمرَ هذا من أقوى ما يستدلّ به هؤلاء المنكرون للحديثِ النبويّ!

بَيد أنّ من المقطوع به تاريخيّاً؛ أنّ كلّ نازلةٍ تنزل بالمسلمين، أو كلَّ واقعةٍ لا يستحضر عُمرُ فيها عن الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ حُكْماً؛ كان يجمع مَن يتيسّر له من الصحابة رضي الله عنهم، ويسألهم: هل سمع أحدٌ منكم من الرسول بخصوص هذه الواقعة شيئاً؟ وهذا يعني أنّ عمر - حتماً - كان يأخذ بالقرآن والسنّة.

ثانياً: من المهمّ جدّاً أن نُفرّق بين السنّة «خبر العامّة» وبين الحديث «خبر الخاصّة» كما هو تعبير الإمام الشافعيّ.

فما جاء بنقلِ عددٍ من الرواة الثقات عن عددٍ مثلهم أو أكثر، ولا يُعلَم له مخالفٌ من العلماءُ؛ فهو السنّة.

وما جاء النقل فيه عن واحدٍ من الصحابة، لا يرويه عنه إلّا واحدٌ من التابعين، ثمّ لا يرويه عن التابعيّ إلّا واحدٌ من تلامذته؛ فهذا هو خبر الخاصّة وهو الحديث.

والشافعيّ يأخذ بخبر العامّة مطلقاً، ويأخذ من خبر الخاصّة؛ ما يترجّح ثبوته لديه، ويَقول ما معناه: نحن لا نُهمل خبرَ الخاصّة، لكنّنا لا نعمل به كما نعلم بخبر العامّة!

إذا رواه أهلُ الصدقِ «نقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله وَليّ ما غاب عنّا منهم» كما في الرسالة (ص: 461).

ثالثاً: إنّ مذاهب المسلمينَ التي هي في دائرة الإسلام، من السنّة والشيعةِ والخوارج اليوم، هي: الحنفيّة والمالكية، والشافعية والحنبلية والظاهرية والزيدية والإمامية والإباضيّة.

وهي المذاهب التي اعتمدتْها مؤسّسةُ الأزهر، عند الشروع بكتابة موسوعة الفقه الإسلاميّ، المعروفة بموسوعة «جمال عبدالناصر» والتي صدر منها خمسة وأربعون جُزءاً، ثم توقّف العملُ فيها.

فإذا اتّفقت هذه المذاهبُ على حكمٍ من الأحكام؛ فهو إجماعٌ توافقيّ، يترجّح لديّ أنّه مراد الله تعالى من عباده، وهذا يقربُ في معناه من مفهوم «خبر العامّة» عند الإمام الشافعيّ.

رابعاً: أخبارُ الآحادِ - عند العلماء - تشمل الخبرَ المشهورَ، والخبرَ المستفيض، والخبر العزيز - وهو نادر - وخبر الواحد الغريبِ، وهو الذي لا يرويه عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى صحابيّ واحدٍ، وأكثرُ الأحاديثِ المرويّة عن الرسولِ، بإسانيدَ مقبولة؛ هي من هذا الغريب!

بيد أنّ هذا الغريب نفسَه مراتبَ عديدة:

فمنه الغريبُ المتواتر عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه  الغريبُ المشهورُ عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه الغريبُ المستفيضُ عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه الغريبُ العزيز عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه الغريبُ الفردُ المطلقُ، الذي لا يرويه عن الصحابيّ المنفرد به، سوى تابعيٍّ واحد!

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ مجتهد.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ عالم.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ مكثر.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ طويل الصحبة من أهل العلم.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ ظاهريّ، مثل عبدالله بن عُمَر، وعبدالله بن عَمرو بن العاص.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ باغٍ من أجل الدنيا، مثل معاوية وعمرو وبسر وهذه الفئة التي قاتلت من أجل الملك والسيادة، بشهادة سعد بن أبي وقّاص، وعبدالله بن عُمَر، وأسامة بن زيدٍ، وغيرهم .

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ صغير.

ومنه الغريبُ الذي يرويه معاصرٌ له صحبة.

فهل يجوزُ أن نُعطي حكماً واحداً لهذه المراتب الحديثيّة والمتباينة؟

خامساً: إنّ كلّ مُصنّف من مصنّفاتِ الحديثِ النبويّ، يحتوي على كتبٍ وأبواب كثيرة جدّاً، ولو أخذنا «صحيح البخاريّ» نموذجاً؛ فإنّه قد احتوى على (97 - 100) كتاب!

فهناك كتاب الإيمان، والتوحيد، والعلم، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتفسير، والعبادات، والأخلاق والآداب، والسيرة والمغازي، والفرائض، والجهاد، وفضائل الأمكنة والأزمنة  والأشخاص...إلخ.

ومن وراء عَملنا في المركز الهاشميّ للبحث العلميّ، على تخريج صحاح البخاريّ ومسلمٍ وابن حبّان؛ تبيّن لنا بوضوحٍ تامٍّ؛ أنّ للبخاريّ منهجاً متميّزاً في كلّ كتابٍ من كتب صحيحِهِ المائة!

وشروطه في كتب الإيمان والتوحيد والاعتصام؛ ليست هي شروطَه في الآداب والأخلاق والزهد والرقاق والتفسير والفضائل والمناقبِ!

ومَن لا يَستيقنُ هذه الحقائقَ العلميّة؛ سيتعامل مع كتب الحديثِ، تعاملَ أولئك الجهّالِ الذين يقولون: إنّ كتبَ الحديث مظنونة الصحّة، ونحن لسنا مطالبين أن نتديّنَ بالظنّ!

سادساً: إنّ جميعَ القائلين برفضِ الاحتجاج بالمظنونِ؛ يحتجّون به في حياتهم اليوميّة حتماً!

فإذا أخبرَ أحدَهم ثقةٌ لديه؛ بنى على قولِه إثباتاً أو نفياً، من دون أن يتذكّر أنّ هذا خبرُ واحدٍ مَظنونٍ، يَحتملُ الخطأ!

ذلك أنّ الخطأَ في حديثِ الثقةِ؛ احترازٌ، وليس أمراً واقعاً محتّماً.

والذي يدرسُ القواعدَ الحديثيّة دراسةَ متعلّمٍ؛ يتوضّح لديه جوانبُ الاحتياطِ الشديدةِ، التي عمل بها المحدّثون، احتياطاً في قبولِ الحديثِ أو ردّه!

نعم جميع المحدّثين حصل منهم تساهلٌ في قَبولِ بعضِ  روايات صغار الصحابة ومجهولي الصحبة والوحدان، ورواياتِ المتقدّمين من التابعين، من غير المشهورين بالعلم؛ لاحتفافِ رواياتهم بقرائنَ رجّحت حفظَهم لها، في نظر أولئك المحدثين.

في هذه الزاوية يمكن للناقد الحديثيّ أن يكون له نظرٌ خاصٌّ في قبول بعض تلك الرواياتِ، أو رفضها، ولا تَثريبَ عليه!

أمّا الاحتمالُ العقليّ غيرُ الناشئ عن دليلٍ ملزمٍ؛ فلا يجوز اعتماده في طرحِ الرواياتِ الحديثيّة كلّها.

سابعاً: من المعروف لدى المشتغلين بعلوم الحديثِ النبويّ؛ أنّ البخاريّ احتجَّ برواةٍ في بعض كُتبِ صحيحه، واعتبرَ رواياتِ بعضهم في بعض الكتب!

وهناك دراسةٌ علميّة موسّعة قام بها الباحثُ الدكتور «الدمَراني عبدالله عبدالغنيّ» المصريّ، تناولتِ «الرواةَ الذين أخرج لهم البخاريّ في المتابعات، وأحاديثُهم في جامعه الصحيح» وجاءت في مجلّدين، عدد صفحاتهما (1260) صفحة، وكان عددُ الرواة الذين شملتهم هذه الدراسة الماتعةُ (186) راوياً.

وهناك دراساتٌ علميّة كثيرةٌ، تناولتِ «الوحدان ومروياتهم في الصحيحين» و«المضعّفون ومروياتهم في الصحيحين» و«المقبولون ومروياتهم في الصحيحين» و«المجهولون ومروياتهم في الصحيحين» ودراساتٌ تناولت مسألة «الاتّصال في السند المعنعن» ودراسات تناولت «المدلّسون ومروياتهم في الصحيحين».

وجميعُ هذا الدراساتِ وغيرها؛ أثبتت أنّ صنيعَ البخاريّ ومسلمٍ في صحيحيهما؛ من أفضل وأدقّ ما يمكن أن يَصلَ إليه جهدٌ بشريّ!

وأثبتت تلك الدراساتُ أنّ البخاريّ ومسلماً كانا أحرصَ على سنن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ من جميع أولئك العابثينَ، الذين يريدون إحداثَ فوضى علميّةً جديدةً، ليس لديهم بدائلُ عنها يُقدمونها للناس!

ثامناً: إنّ الآياتِ القرآنيةَ التي يتمسّك بها هؤلاء، في ضرورة الاقتصار على القرآن الكريم؛ لا يجوز أن تُقتطع من سياقها، كما لا يجوز أن تُفهم بعيداً عن التفسير الموضوعيّ العلميّ للقرآن الكريم؛ لأنّ القرآن كتابُ هداية، وهو مجموعة سوَرٍ، تتناول كلّ سورةٍ موضوعاً أو موضوعاتٍ، هي نفسها، أو بعضُها يَرِد في موضعٍ أو مواضع أخرى من القرآن الكريم، مرّةً باختصارٍ شديدٍ، ومرّة باختصارٍ وإجمال، ومرّة ثالثة بتوسّعٍ وإيضاح، سواءٌ كان من أجل «تلوين الخطاب» بيانيّاً، أو بسبب وظيفة الموضوع ذاته في هذه السورة أو تلك!

(1) قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ؟ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً

وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) [العنكبوت].

هذه الآية الكريمة جاءت في سياق متكاملٍ، متى قرأه الإنسان بتمامه؛ علم أنْ ليس مقصودُ الآية الاقتصار على القرآن الكريم، في حياة الإنسان الدينية، وإليك ذلك:

(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ، فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52).

طلب المشركون من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إفحامَهم بمعجزاتٍ، من جنسِ ناقة صالح، ومائدة عيسى عليهما السلام؛ فأجابهم الله تعالى بأنّ محتوى القرآن العظيم ومقاصدَه أعظمَ من هذه الآياتِ التي انتهت بانتهاء وقوعها، بينما معجزة القرآن الكريم البيانية والعلمية والكونية؛ باقيةٌ بقاءَ حياةِ بني الإنسان على الأرض!

(2) وقال الله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام].

وهذه الآية جاءت في سياقٍ، يجب فهمها في ضوئه.

(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؟ قُلْ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ؛ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) [الأنعام].

ومِن مقصودِ الآية السابقة على موطن الشاهد: هم يريدون إظهار آية كونية؟ الله قادر على ذلك، بيد أنّ تحتَ أبصارهم أممٌ من المخلوقات التي تتعذّر على الحصر، أليست هذه آياتٍ تدلّ على وجود الخالق وقدرته وحكمته؟

كلّ شيءٍ في هذا الكون مسجّل في أمّ الكتاب، الذي هو اللوح المحفوظ، وليس المقصودُ القرآن الكريم!

إذْ ليس في القرآن الكريم ذِكرُ ألف نوع من الطيور، وألف نوع من الحشرات، وألف نوعٍ من النباتات، فإذ ليس في القرآن العظيم هذه التفاصيل؛ فليس المقصود بقوله تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ما ظَنّوه من حصرِ أدلّة الشرع بالقرآن الكريم.

ختاماً: طال المنشور كثيراً، وفي منشور قادم؛ سأوضح الاستدلالَ الصحيح بالآيات القرآنية التي ظنّوها تطلبُ من الناس الاقتصار على دلائل القرآن الكريم وحده.

إن شاء الله تعالى وأعان.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 25 يوليو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

حديثُ (كان اللهُ ولم يكن شيءٌ) 

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) [الإسراء].

أمّا بعد: قال لي صاحبي: «بصفتك من أهل الحديثِ، الذين لا يقدّسون صحيح البخاريّ، وصحيح مسلم، واطّلعت على جرأتِك في تضعيف بعض أحاديثهما.

فما رأيك بحديث عمران بن حصين (كان الله ولا شيء معه) أصحيح هو، وما معناه المختار لديك، وشكراً»

أقول وبالله التوفيق:

أوّلاً: ورد معنى هذا الحديث من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما.

وقد ورد هذا الحديث بألفاظٍ متعدّدةٍ، على حسب ضبط رواتِه عن عمران، أو عمّن دونه.

ثانياً: مدار حديثِ الباب على جامعِ بن شدّاد، رواه عنه الإمامُ سفيان بن سعيد الثوريّ، وإليك من أخرجه من حديثه:

فأخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في مصنفه (6: 32502) من طريق وكيعٍ عن سفيانَ.

وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1466) من طريق وكيعٍ وعبدالرحمن المعنيّ عن سفيان.

وأخرجه أحمد في مسنده الكبير (33: (19822) من طريق شيخيه وكيعٍ وعبدالرحمن ابن مهدي عن سفيان.

وأعاده أحمد في مسنده (33: 19886) من طريق شيخه عبدالرزاق الصنعاني عن سفيان.

وأعاده أحمد في مسنده (33: 19910) من طريق شيخه وكيع عن سفيان.

وأخرجه البخاريّ في صحيحه (3190) من طريق شيخه محمّد بن كثير عن سفيان.

وأخرجه البخاريّ في صحيحه (4386) من طريق شيخه عمرو بن عليّ الصيرفيّ عن أبي عاصم النبيل، عن سفيان.

وأخرجه الترمذيّ في جامعه (3951) من طريق شيخه محمّد بن بشّار العبديّ عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن سفيان، وقال: حديث حسن صحيح.

وأخرجه البزار في مسنده المعلل (3598) من طريق شيخه عمرو بن عليّ الصيرفيّ عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن سفيان، وقال: (وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَداً يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِلَّا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ) ورواه جماعةٌ آخرون عديدون.

جميعهم عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ [ص:70] رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ) قَالُوا: إِذْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ) قَالُوا: «قَدْ قَبِلْنَاهَا يَا رَسُولَ اللَّه».

وليس في حديثِ سفيانَ عن جامع بن شدّادٍ كلمةٌ واحدةٌ، عن مسألة بدءِ الخلقِ الذي انفرد بها الأعمش.

ثالثاً: وإليك أبرزُ مَن أخرجه من حديثِ سليمان بن مهران الأعمش عن جامع بن شدّاد:

فأخرجه الإمام أحمد في مسنده الكبير (19876) من طريق شيخه أبي معاوية محمّد بن خازم عن الأعمش، عن جامع بن شدّاد.

وأخرجه البخاريّ في صحيحه (3191) قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ.

وأعاده البخاري في صحيحه (7418) قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ محمد بن ميمون عَنِ الأَعْمَشِ.

وأخرجه أبو سعيدٍ الدارميّ في كتابه «الردّ على الجهميّة» (40) قال: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْأَنْطَاكِيُّ: أَنْبَأَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأخرجه أبو بكر الفريابيّ في كتابه «القدَر» قال: حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُالْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأعاده الفريابيّ برقم (83) قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضريرُ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ.

وأخرجه أبو بكر الروياني في مسنده (140) قال: حدّثنا محمد بنُ إِسْحَاقَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأخرجه ابن حبان في صحيحه (6140) قال: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِشْكَابٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأخرجه كثيرون غيرُ هؤلاء، جميعهم عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ).

وفي بعض الروايات السابقة (ولم يكن شيءٌ غيرُه).

وفي بعضها (ولم يكن شيٌ قبله).

وفي بعضها (كان الله عزّ وجلَّ قبل كلّ شيء).

وقال الشيخ ابن تيمية: وفي بعضها عند البخاريّ (ولم يكن شيءٌ معه).

ومتى اختلفت ألفاظ الحديث؛ فاعلم أنّ القدرَ المشترك بين ألفاظه؛ هو الذي يترجّح أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

رابعاً: النقدُ التطبيقيّ لحديث الباب:

(1) انفرد الإمام البخاريّ بحديث عمران بن حصينٍ هذا كلّه، فلم يخرّجه مسلمٌ أبداً، لا من رواية سفيانَ المختصرة، ولا من رواية الأعمش المطوّلة!

ولم يروِ هذا الحديثَ بهذه الألفاظ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى عمرانَ بن حُصينٍ، رضي الله عنه، ولم يروه عن عمران، سوى صفوانَ بن محرز، ولم يروه عن صفوان سوى جامع بن شدّاد، ثم رواه عن جامعٍ سفيان الثوريّ وسليمان الأعمش،  فالحديث فرد غريبٌ مطلقٌ في أربع طبقات!

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (13: 410): «لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، الَّتِي ذَكَرَهَا عِمْرَانُ، وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ؛ لَأَمْكَنَ أَنْ يُعْرَفَ مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عِمْرَانُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اتّفِقَ أَنَّ الْحَدِيثَ انْتَهَى عِنْدَ قِيَامِه»

(2) لا يوجد بهذا الإسنادِ، في الكتب التسعة - على الأقلّ - سوى هذا الحديثِ الواحد، وهذا يعني أنّه إسنادٌ غريب مطلقاً، ومعنى قول البزّار «وهذا إسنادٌ حسن» يعني: هو إسنادٌ غريب، وليس يقصدَ «الحسنَ» الاصطلاحيّ، في نظري!

(3) اختلف سفيان الثوريّ والأعمش في متن هذا الحديث اختلافاً كبيراً جدّاً.

فسفيان روى مسألةَ عدم قبول بني تميم البشرى، بينما قبلها أهل اليمن، فحسب!

والأعمش وافقَ سفيانَ الثوريّ على مسألة البشرى، لكنه زاد جميع ألفاظِ بدءِ الخلق!

(كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ) ورواه عنه تلامذتُه بالمعنى مختَلِفينَ.

قال الشيخ أحمد ابن تيمية في رسالته «الصفدية» (1: 15): «وذكرنا أن حديث عمران رواه البخاريُّ في ثلاثةِ مواضع بثلاثة ألفاظ:

رواه في موضع (7418) بلفظ (كان الله، ولم يكن شيء قبله).

ورواه في موضعٍ آخرَ (ولم يكن شيء معه).

ورواه في موضع آخر (3191) بلفظ (ولم يكن شيء غيره).

وبينّا أنّ المجلسَ كان واحداً، لم يَقُل النبيُّ صلى الله عليه وسلم، إلا لفظاً واحداً من الثلاثة.

وقد ثبت من حديث أبي هريرة عند مسلم (2713)أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (اللهم أنتَ الأوّل، فليس قبلك شيءٌ) واللفطان الآخران رُوِيا بالمعنى» وأكّد هذا المعنى في الصفدية (2: 224).

قال الفقير عداب: وهم الشيخ ابن تيميةَ ههنا في نسبة لفظ (ولم يكن شيء معه) إلى صحيح البخاريّ، إذ ليس هذا اللفظ عنده مطلقاً، وقد قال الشيخ ابن تيمة نفسه في مجموع الفتاوى (6: 551): «وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِغَيْرِ البخاريّ: (كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ).

قال الإمام بدر الدين العيني في عمدة القاري (15: 109): « (كَانَ اللهُ وَلم يكن شَيْء غَيره) وَفِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ (وَلم يكن شَيْء مَعَه) وَوَقع هَذَا الحَدِيث فِي بعض الْمَوَاضِع بلفظ: (كَانَ الله وَلَا شَيْء مَعَه، وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ) وَهِي زِيَادَة لَيست فِي شَيْء من كتب الحَدِيثِ، نَبّه عَلَيْهِ الإِمَام تَقِيّ الدّين ابن تَيْمِية».

قال عداب: قال الشيخ ابن تيمية في الصفدية (2: 223): «ثم إنّ هذا الحديث يحتج به نفاة الصفات على أنّ القرآنَ مخلوق، وأنّ اللهَ لا علم له ولا قدرة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: (كان اللهُ ولا شيء معه) ثم زاد فيه كثيرٌ من المتأخرين (وهو الآن على ما

عليه كان).

ومنهم من يظنّ أنّ هذا من كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع أنّ هذا لم يَروِه أحدٌ عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف».

قال الفقير عداب: هذا وهمٌ كبيرٌ وقع فيه الشيخ ابن تيمية، وتابعه عليه عددٌ من العلماء بعده، منهم تلميذه ابن قيّم الجوزيّة في مدارج السالكين (3: 363).

وقد احتفى الشيخ الألباني بهذه الجملة (كان اللهُ ولا شيء معه) احتفاء شديداً في دروسه ومحاضرته، مع أنّه لم يخرّجها في شيءٍ من كتبه، وللأسف!

ففي كتاب «موسوعة الشيخ الألباني في العقيدة» (6: 157) قال: «كما جاء في حديث عمران بن حصين في صحيح البخاري: (كان الله ولا شيء معه) ثم خلق هذا الكون» وأعاده فيه (7: 600، 651).

وقال في الكتاب نفسه (6: 475): «لأن في الحديث الصحيح: (كان الله ولا شيء معه) وأعاده في (7: 596، 690).

وممن غفلَ عن وهمِ الشيخ ابن تيمية ؛ الحافظُ ابن حجرٍ أيضاً، فقد قال في فتح الباري (6: 289): «ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ «البخاريّ» فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

 أَحَدُها: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ:

قَوْلُهُ: (كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ وَلَمْ (يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ (وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ) وَالْقِصَّةُ مُتَّحِدَةٌ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ بِالْمَعْنَى!

وَلَعَلَّ رَاوِيهَا أَخَذَهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ فِي صَلَاة اللَّيْل كَمَا تقدم من حَدِيث بن عَبَّاسٍ: (أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ) لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ أَصْرَحُ فِي الْعَدَمِ.

وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، لَا الْمَاءُ وَلَا الْعَرْشُ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِك؛ غير الله تَعَالَى».

وقال ابن حجر في موضع آخر من فتح الباري (13: 410): «قَوْلُهُ: (كانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) تَقَدَّمَ فِي «بَدْءِ الْخَلْقِ» بِلَفْظِ: (لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) َفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: (كانَ اللهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ) وهُيَ فِي مَعْنَى (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) وَهِيَ أَصَرْحُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ، وَهِيَ مِنْ مُسْتَشْنَعِ الْمَسَائِلِ الْمَنْسُوبَةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ!

وَوَقَفْتُ فِي كَلَامٍ لَهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ يُرَجِّحُ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ (7418) ولفظُها (كانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) عَلَى غَيْرِهَا  (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) مَعَ أَنَّ قَضِيَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ تَقْتَضِي حَمْلَ هَذِهِ عَلَى الَّتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، لَا الْعَكْسَ، وَالْجَمْعُ يُقَدَّمُ عَلَى التَّرْجِيحِ بِالِاتِّفَاقِ».

وكلام الحافظ ابن حجر في مسألة الجمع والترجيح؛ تعني أنّه لم ينتبه إلى أنّ جملة (كان الله ولا شيءَ معه) أو (ليس معه شيء) ليست من حديث عمران بن حصين، ولا غيره، إنّما هي وهمٌ من لدن الشيخ أحمدَ ابن تيمية، تابعوه عليه!

وابن تيمية لا يحبّ جملة (كان الله ولا شيءَ معه) ويرجّح رواية (ليس قبله شيءٌ) لأنه يناضل عن فكرة وجود حوادث لا أوّل لها!

قال الشيخ ناصر الألباني في صحيحته (1: 258): «وفي هذا الحديثِ (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلمُ، وأمره أن يكتب كل شيء يكون) ردٌّ أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق، إلا هومسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى مالا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق.

فهذا الحديث يُبطل هذا القولَ، ويعيّن أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعا أي

مخلوق.

ولقد أطال ابن تيمية رحمه الله الكلامَ في ردّه على الفلاسفةِ، مُحاولاً إثباتَ «حوادث لا أول لها» وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتّهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمةٌ، لا أول لها، مع أنه يقول ويصرّح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسلِ الحوادثِ إلى ما لا بداية له، كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوضٌ بهذا الحديث، وكم كنّا نودُّ أنْ لا يَلجَ ابن تيمية رحمه الله هذا المِولجِ؛ لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام، الذي تعلمنا منه التحذيرَ والتَنفير عنه».

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (2: 272): « وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ، الْمُدَّعُونَ لِلتَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ؛ مَا يَأْثُرُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ) عِنْدَ الِاتِّحَادِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ) كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ لَا كِبَارِهَا وَلَا صِغَارِهَا، وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي مُتَكَلِّمَةِ الْجَهْمِيَّة، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى آخِرِ التَّجَهُّمِ، وَهُوَ التَّعْطِيلُ وَالْإِلْحَادُ».

انظُر أخي القارئ إلى نضال الشخ ابن تيمية عن رأيِه، ورميِه مخالفيه بما هو ظاهر، وانظر إلى دعواه العريضة «اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ... وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ».

أينَ اتّفق العلماء على أنّ هذه الجملة موضوعة، ومن الذي سبقَ ابنَ تيمية في الكلام عليها، لكنّها هي الأخرى، لا تروى بإسنادٍ صحيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ».

وعندما أقول هذا الكلامَ؛ لا أضعّف الكلام ذاتَه، إنما أنفي نسبتَه إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

نعم أعتقد أنّ الله تعالى (كان ولم يكن شيءٌ قبله) و(كان ولم يكن شيءٌ غيرُه) و(كان ولم يكن شيءٌ غيره) لكنّ هذا شيٌ، ونسبةُ ذلك إلى الرسول؛ شيءٌ آخر مختلف!

ختاماً: حديثُ (كان اللهُ ولا شيء معه) وما زاده فيه كثيرٌ من المتأخرين (وهو الآن على ما عليه كان) كلاهما لم يَروِه عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدٌ، لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف»!

وحديث عمران كلّه من أوّله إلى آخره؛ فردٌ غريب مطلقٌ، لايصلح لبناء عقيدة عليه، وهو من مفاريدِ الأعمش عن جامع بن شدّاد.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 13 يوليو 2026

  مَسائِلُ مِنَ التَفسيرِ وعُلومِ القُرآنِ:

الوُقوف على «ما» الاستفهاميّة !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) [سورةُ القيامة].

أمّا بعدُ: يعلم القريبون مني، والذين قرؤوا عليَّ؛ أنّ لي منهجاً خاصّاً في الوقف والابتداء، لا يخضع أحياناً للمتعارفِ عليه بين علماء القراءة!

وربَما رجّحت وَقفاً انفرد به واحدٌ من القرّاء، أو اللغويين؛ لمعنىً إضافيٍّ، أو صورةٍ بيانيّة ظهرت لي.

وأوّلَ مِن أمسِ؛ كنت جالساً في إحدى حدائق استانبول، مع وَلديَّ محمّد وفاطمة، وطلبت من فاطمة أن تقرأ عليّ سورة النازعاتِ.

فقرأتْ، حتى وصلت إلى قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) فقلت لها: قفي على (فيمَ) فوقفَتْ بالفتحِ (فيمَ)!

قلت لها: بل تقفين عليها ساكنةً، وتبتدئين بقوله تعالى (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) ففيها صورةٌ بيانيّة، ومعنىً إضافيّ!

اعترض ولدي محمّدٌ، وقال: «علماء الوقف يقولون: معنى الآية: ليسَ إليكَ ذِكْرُها؛ لأنّك لم تَعرِفْ وَقْتَها».

قلت له: صحيح هم يقولون ذلك، بيد أنني أرى الوقفَ على (فيمْ) والابتداء بقوله تعالى (أَنْتَ مِنْ ذِكْراهَا) أجملُ؛ لأنّك تقدّر محذوفاً من جنس السباق (يَسألونك) «فيمَ سؤالُهم هذا»؟ وجودُك أنت في هذا الزمان مِنْ ذِكْرَاهَا، استئناساً بقوله تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).

وانفصلنا على غيرِ وِفاق، وبدا لي أنّ الوقف على (فيمْ) يجعل الاستفهام غامضاً جدّاً، فقلت: أراجعُ المسألةَ في مظانّها؛ لأتذكّر ما قد نسيتُه، أو أتعلّمَ جديداً !  
قال جمال الدين ابن هشام في المغني (ص: 393):

«يَجبُ حَذفُ ألفِ (ما) الاستفهاميةِ، إِذا جُرّتْ، وإبقاءُ الفَتحةِ دَلِيلاً عَلَيْها، نَحْوُ: «فيمَ وإلامَ وعَلامَ وَبِمَ».

وَعِلّةُ حَذفِ الْألفِ؛ الفَرْقُ بَين الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: (فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا) و(فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ) و(لمَ تَقولُونَ ما لا تَفعَونَ).

وَثَبتَتْ فِي نحوِ: (لَمَسّكُم فِيما أَفَضْتُم فِيهِ، عَذَابٌ عَظِيمٌ) و(يُؤمنُونَ بِما أنزل إِلَيْك) و(ما مَنعك أَن تسْجد لما خلقتُ بِيَديَّ).

وقال أبو جعفر النحّاس، في إعراب القرآن (5: 93):

«سورة النازعات: 43» (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها): أَيْ: ليسَ إليكَ ذِكْرُها؛ لأنّك لم تَعرِفْ وَقْتَها، والأصلُ في «ما» حَذْفُ الألفِ، فَرقاً بين الاستفهامِ والخبرِ.

فإنّ قَبلَ «ما» حَرفٌ خافِضٌ «في».

والوُقوفُ عليه (فيمَهْ) لا يَجوز غيرُه؛ لئلّا تَذهبَ الألفُ وحَركَةُ الميم.

[انتبه جيّداً جوّز الجمهور الوقف عليه بالسكون، وهو يقول: لا يجوز الوقف بالسكون]

والصوابُ أنْ لا يُوقفَ عليه؛ لئلّا يُخالفَ السَوادَ «جُمهورَ القُرّاء في عَدَمِ زيادَتِهم هاءَ السَكْتِ» أو يَلْحَنَ، إنْ وَقَفَ عليه بِغيرِ الهاء (فيمْ)».

وقال أبو عَمرُو الداني، في كتابه «التيسير في القراءات السبع» (ص: 61): «وَتفرّدَ «أبو الحسن أحمد بن محمّد» البَزِيّ «أحدُ الرواةِ عن ابن كثيرٍ المكيّ» بِزِيَادَةِ هَاءِ السَكْتِ، عِنْدَ الوَقْفِ على (ما) إذا كَانَت استفهاماً، ووَلِيَتْ حَرْفَ جَرٍّ، نَحْوُ قَوْلِه تعالى: (فَلِمَ تَقَتُلونَ) و (لِمَ تَقولُونَ) و (فيمَ أَنْت مِنْ ذِكراها) و (فَبِمَ تُبَشّرون) و (بِمَ يَرجِعُ المُرْسلون) و (عَمَّ يَتساءلون).

وقال أبو جعفر ابنُ الباذِش في كتابه «الإقناعُ في القراءات السبع (ص: 260): «وقفَ البَزيُّ مِن طِريق ابنِ غَلبونَ عليه بالهاء، فيقول في الوقفِ: (فَلِمَهْ) و(فِيمَهْ) و(فَبِمَهْ) و(عَمّهْ) ووقفَ الباقونَ بِغيرِ هاء، ويُسكّنونَ الحَرفَ المَوقوفَ عَليهِ (فيمْ).

وما رُوِيَ عن البَزيّ؛ أجودُ في العَربيّةِ، وأكثرُ في كَلامِ العَرب».

خلاصةُ ما تقدّمَ: أنّ قراءةَ قولِه تعالى (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) وصلةً واحدةً، على رأي أبي جعفر النحاس؛ سيكون معناه: مالك وذكراها، فأنت لا تعرف عن ميقاتها شيئاً؟

أمّا إذا وقفنا على (فيمَهْ) على رأي البَزيّ؛ فيتوضّح لنا معنىً إضافيّ، هو أنّ الرسولَ وبعثتَه صلّى الله عليه وآله وسلّم، من علاماتِ الساعة.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

طَهارةُ الأمّ تنجي ذرّيتها من النار !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

أرسل إليّ أحد السادةِ الحسينيين يقول: ما صِحّةُ حَديثِ ( إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار ).

وحَديثِ (إنما سُميت فاطمةَ؛ لأنّ اللهَ فطَم محبيها من النار) عند أهل السنة؟

أقول وبالله التوفيق: هذان حديثان باطلان، سنداً ومتناً.

) أمّا الحديث الأوّل؛ فقد قال الإمام أبو بكر البزار في مسنده المعلل (1829): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ غِيَاثٍ الحضرميُّ عَنْ عَاصِمِ بن أبي النَجود المقرئ، عَنْ زِرِّ بن حُبيشٍ المقرئ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعودٍ الصحابي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنْتَ فَرْجَهَا فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَتَهَا عَلَى النَّارِ) وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ، إِلَّا عَمْرُو بْنُ غِيَاثٍ، وَعَمْرٌو هَذَا كُوفِيُّ لَمْ يُتَابِعْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.

وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ مُرْسَل.

ومن حديث عمرو بن غياثٍ عن زرٍّ به مرفوعاً؛ أخرجه ابن شاهين في مذاهب أهل السنة (181) والحاكم في المستدرك (4726) وقال: صحيح الإسناد، وتمّام الرازي في فوائده (356، 357) وأبو نعيم في الحلية (4: 188) وقال: «هَذَا غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ، تَفَرَّدَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بن هشام».

والحديث أخرجه العقيليّ في الضعفاء (1179) ونقل عن البخاري قوله: «عُمَرُ بْنُ غِيَاثٍ كُوفِيٌّ وَيُقَالُ: عَمْرٌو، فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ».

وأخرجه ابن حبان في كتاب المجروحين (648) وقال: «عُمَر بن غياثٍ، ويقال: عَمرُو: مُنكر الحَدِيث جدّاً، على قلَّة رِوَايَته.

يَروي عَن عَاصِم مَا لَيْسَ من حَدِيثه، إِن سمع من عَاصِم مَا روى عَنه».

وأخرجه ابن عديّ في الضعفاء (1234) ونقل كلام البخاريّ السابق في عمرو، وقال: مُعضَل الحديث.

وفي بعض هذا الكلام؛ كفايةٌ لضعف إسناد الحديث ووهائه.

أمّا عن متن الحديثِ؛ فلا يكفي حِفظُ المرأةِ فرجها؛ لدخولها هي الجنّةَ، فضلاً عن ذريتها التي تعدّ بالملايين!

فإنْ قيل: هذه خصوصيّةٌ وتكرمةٌ للسيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام؟

قيل: هذا مخالف لآياتٍ كثيرة في القرآن الكريم، ثمّ إنّ الخصوصيّة عقيدةٌ، لا تثبت إلّا بالمتواتر والمشهور.

قال الله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) [البقرة].

) وأمّا الحديث الثاني: (إنما سُميت فاطمةَ؛ لأنّ اللهَ فطَم محبيها من النار) فهو حديث موضوع، أخرجه ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» (1: 421) وقال: «قَالَ الْخَطِيبُ: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من المجهولين غير وَاحِد، وَلَيْسَ بِثَابِت» وقال أيضاً: «وهذا من عَمَلِ الْمُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانَ الْغَلَابِيّ.

قال الدارقطنيّ: «كَانَ يَضَعُ الحَدِيث».

وأورده الذهبيّ في تلخيص الموضوعات (326) وقال: «الغَلابِيُّ مُتَّهم، وَبِشرُ بن إِبْرَاهِيم الْأنْصَاريِّ كَذَّاب».

وفي هذا كفايةٌ، لمن كان له قلبٌ، أو ألقى السمعَ وهو شهيد.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 27 يونيو 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَل محمّد بن كرّام من علماء الحديث !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) [المائدة].

أمّا بعد: أرسل إليّ أحد الأحبابِ الرسالة الآتيةَ، ووجدت بجوابِها، ثمّ نسيتُ، فأعتذر منه.

قال في رسالته: «ابنُ تيميةَ، كانَ يرى في محمدِ بنِ كرامٍ السجستانيِّ المبتدعِ، شيخِ الفرقةِ الكراميَّةِ إحدى فرقِ المجسمةِ المرجئةِ، أنهُ منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ!

معَ أنَّ ابنَ كرامٍ هذا يَروي الواهياتِ، ويجالسُ الوضاعينَ، ويأخذُ عنْهُمْ!

قالَ الإمامُ ابنُ حبانَ رحمهُ اللهُ تعالى في كتابهِ «المجروحينَ منَ المحدثينَ والضعفاءِ والمتروكينَ» رقم (1013): «خذلَ حتى التقطَ منَ المذاهبِ أردأها، ومنَ الأحاديثِ أوهاها، ثمَّ جالسَ الجويباريَّ، ومحمد بنَ تميمٍ السعديّ، ولعلَّهُما قدْ وضعا مائةَ ألفِ حديثٍ».

ونقلَهُ الحافظُ الذهبيُّ في «سيرِ أعلامِ النبلاءِ» في ترجمةِ ابنِ كرامٍ.

والجويباريُّ كانَ كذاباً وضاعاً ساقطاً، مضربَ المثلِ في الكذبِ، وكانَ يروي عنْ ابنِ عيينةَ وطبقتِهِ. ذكرَهُ ابنُ ماكولا في «الإكمالِ»، وقدْ ترجمَ لهُ الذهبيُّ في كتابهِ «ميزانِ الاعتدالِ في نقدِ الرجالِ»، وقالَ: «ممنْ يضربُ المثلَ بكذبِهِ».

وقالَ ابنُ كثيرٍ في ترجمةِ ابنِ كرامٍ هذا في «البدايةِ والنهايةِ» (14: 515): «وقدْ روى ابنُ كرامٍ عنْ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الجويباريِّ، ومحمدِ بنِ تميمٍ الفاريانيِّ، وكانا كذابينِ وضاعينِ».

قال صاحب الرسالة: «ما رأيكم بهذا الكلام».

أقول وبالله التوفيق: مَقصَدُ الرسالةِ؛ الحملُ على الشيخِ أحمدَ ابن تيمية؛ أنّه كان يثني على رجلٍ ضالٍّ مضلّ، ويقول: إنّه من كبار علماء الحديث.

وقد ذكر ابن تيمية محمّدَ بن كرّام (20) مرّةً في كتبه، وذكر الكرّامية (282) وقد تتبعت هذه المواضع كلّها، فما وجدت الشيخ ابن تيميةَ أثنى على محمّد بن كرّام، أو على الكرّامية أبداً، حبّذا لو أنّ الأخ صاحب هذه الجملة «ابنُ تيميةَ، كانَ يرى في محمدِ بنِ كرامٍ السجستانيِّ المبتدعِ، شيخِ الفرقةِ الكراميَّةِ إحدى فرقِ المجسمةِ المرجئةِ، أنهُ منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ» أن يدلّنا على الموضع الذي قال فيه ابن تيمية: « محمّد بن كرّام منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ»!

ويبدو لي أنّ الهوى لعب بعقل وعينِ صاحب هذا الكلام؛ فزيّن له الشيطان ونفسُه أن يقول ما قال، عندما قرأ قول الشيخ ابن تيمية في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (5: 342): «إنّ محمد بن كرّام إنما ظهر في أثناء المائة الثالثة، وهو قرين أبي سعيد بن كُلاّب، وهما أقدم من الأشعريِّ، وإن كان الأشعري قد أدرك ذلك الزمانَ، لكن ابن كرّام كان بسجستان وتلك النواحي وابن كلاب كان بالبصرة وكذلك الأشعريّ.

وعَصرهما هو عصر أئمة أهل السنن المصنفة كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

ومع هذا فلم يذكر الأشعري في مقالاته عن الكرامية شيئاً خصهم به، إلا أنه عدهم في فرق المرجئة؛ قال: «اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم اثنتا عشرة فرقةً» انتهى.                      

الشيخ ابنُ تيمية انتقد محمد بن كرام والكرامية في مواضع كثيرة من كتبه، وفي حدود علمي لم يثن على ابن كرّام ثناءً خالصاً قطّ.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 26 يونيو 2026

 مَسائِلُ مِنَ التَفسيرِ وعُلومِ القُرآنِ:

مَن هم خيرُ أمّة أُخرجت للناس!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ،

وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ؛ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)  [آل عمران].

أمّا بعد: قال لي أحدُ الإخوةِ القدماء: هل لك أن تشرح لي معنى هذه الآية الكريمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)!؟

الخِطابُ موجّهٌ إلى مَن؟ وما معنى الخيريّة؟ وهل واقع المسلمين منذ عصر الصحابة وإلى يومنا هذا يتوافق مع هذا التقرير القرآنيّ؟

أقول وبالله التوفيق:

وكَم من عائبٍ قولاً سديداً ... وآفتُه من الفهم السقيم.

أوّلاً: سورةُ آل عمرانَ مدنيّة نزلت بعد سورة الأنفال، وهذا يعني أنّها نزلت بعد مرور خمسةَ عشر عاماً على بِعثة الرسولِ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ثانياً: هذه الآيةُ من العامِّ الذي يرادُ به الخاصّ، ولا يصح أن تُفهم على عمومها أبداً؛ لأنّ الصحابةَ الكرامَ المتّقين؛ كانوا قِلّةً في المجتمع المدنيّ، في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

إذ كان المجتمع المدني في ذلك الوقتِ خليطاً من الصحابة الصالحين، ومن المنافقين، ومن الأعرابِ، ومن اليهود، وحولَ المدينة بعضُ المشركين أيضاً.

ثالثاً: اختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية على أقوالٍ كثيرةٍ، منها:

(1) أنّ الخيريّة مقصورةٌ على الصحابةِ الصالحين. 

(2) أنّ الخيريّة مقصورةٌ على المهاجرين من الصحابة فحسب!

(3) أنّ الخيريّة مقصورة على عددٌ يسيرٍ من الصحابة فيهم عبدالله بن مسعودٍ ومعاذ بن جبل.

(4) أنّ الخيريّة مقصورةٌ على أئمّة الشيعة الجعفريّة الاثني عشر إماماً.

(5) أن الخيريّة مقصورة على الصالحين من الصحابة العرب!

(6) ومنهم من ذهب إلى أنّ هذه الخيريّة في أمّةِ الإسلام عامّةً، بيد أنّها لأمّة منهم وليس لكلّهم، والأمّةُ تطلق على الطائفة وعلى الجماعة من الناس.

فمن اتّصف بالصفاتِ التي وُصفت بها هذه الأمّة (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) فهو من الأمّة الخيّرةِ.

رابعاً: الذي يترجّح لدى الفقير عداب؛ ما يقولُه دائماً: مَن مدح قوماً بصفات خيّرة فيهم؛ فإنّه لا يمدح القريةَ كلّها، فلا بدّ أنّ في كلّ قريّةٍ أشراراً وخصوماً للصالحين.

قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) [الأنعام].

ومَن ذمَّ قريةً أو قوماً بلفظٍ عامٍّ؛ فإنّه لا يذمُّ القرية بتمامها، إذْ لا بدّ من وجود بعض عبادِ الله من غير الفجّار فيها.

وأنا - كما تعلمون جميعاً - لست معجباً بجميع الصحابةِ؛ لأنّ في الصحابة الأولياء والأتقياء والصالحون والشهداء، وفيهم من خاطبهم الله تعالى بقوله: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة).  

بيد أنّ أمّةَ الإسلامِ من عصر الصحابة رضي الله عنهم، وإلى عصرنا هذا:

-هي الأمّة الوحيدةُ التي توحّد الله تعالى التوحيدَ الخالص.

-وهي أكثر أمم الأرض عبادةً وطاعةً لله تعالى.

-وهي أكثر الأمم نظافة وطهارةً ظاهراً وباطناً.

-وهي أقلّ أمم الأرض سفكاً للدماء، فما يُقتل في بلادِ الإسلام ظُلماً وعدواناً؛ لا يصل إلى (10%) ممّن يقتل في أمريكا وغيرها من البلدان.

-وهي أقلّ أمم الأرض قتلاً للأطفال بعمليّات «الإجهاض».

-وهي أقل أمم الأرض زناً ولواطاً وشذوذاً جنسيّاً وخيانةً زوجيّة!

-ولأضربَ مثالاً واقعيّاً صغيراً، يمكن لكلّ واحدٍ منّا أن يتحقّق منه بنفسه!

شاهد منشوري «التوسعة على العيال» على صفحتي أربعةَ عشر ألفاً من الأصدقاء، الذين انتقصوني ولم يُعجبهم المنشور؛ كانوا خمسةً فحسب!

ولا أظنّ (5/ 14000) تُشكّل أدنى نسبةٍ مئويّة، تؤثّر على التوجّه العام للأصدقاء والمتابعين!

هذا يعني أنّ حملَ الآية على العموم؛ ليس أمراً مستنكراً، وإن كان حملها على العامّ الذي يُراد به الخاصّ؛ أدقّ وأولى.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الخميس، 25 يونيو 2026

  مِنْ عِبَرِ التاريخِ:

وَلا بِشِسْعِ نَعْلِ الحُسينِ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً (57) [الأحزاب].

أمّا بعدُ: أخرج أبو بكر ابن أبي شيبةَ في المصنّف (6: 200) والرامهرمزيّ في المحدّث الفاصل (ص: 348) من حديثِ يُونُسُ بنِ أَبِي إِسْحَاقَ السبيعيّ عن أبيه، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ قَالَ: بَيْنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ إِذْ رَأَى الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ مُقْبِلاً، فَقَالَ عَمرُو: «هَذَا أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ» وهذا إسنادٌ صحيح.

وأخرج ابنُ الأعرابيّ في معجمه برقم (2205) والطبرانيّ في المعجم الأوسط (3917) والبزّار في مسنده - كما في كشف الأستار - (2632) وابنُ عساكر في تاريخ دمشق (31: 275) من حديث عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَمَرَّ بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَوْمُ، وَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى فَرَغُوا، رَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو صَوْتَهُ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟

قالَ: هذا، وأشارَ إلى الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وهذا طرفٌ من حديثٍ طويلٍ فيه قصّة، وإسناده صحيح؟

وقال الذهبيُّ في ترجمة «أمير المؤمنين» يزيدَ بن معاوية، من كتابه النبلاء (4: 37): «كانَ نَاصِبِيّاً، فَظّاً، غَلِيْظاً، جِلْفاً، يَتَنَاوَلُ المُسْكِرَ، وَيَفْعَلُ المُنْكَرَ، افْتَتَحَ دَوْلَتَهُ بِمَقْتَلِ الشَّهِيْدِ الحُسَيْنِ، وَاخْتَتَمَهَا بِوَاقِعَةِ الحَرَّةِ، فَمَقَتَهُ النَّاسُ، وَلَمْ يُبَارَكْ فِي عُمُرِه».

إلى الطَغامِ اللئامِ، الذين يدافعون عن الوغدِ الحقير يزيدَ، أَعلمتم لماذا آثرَ الإمامُ الحسينُ أن يكون تُقطّعه السيوفُ، وتتناوشَه الرماحُ؛ على أن يكونَ تحت سلطانِ أمثال «أمير مؤمنيكم» التافه هذا؟

لستُ أبكيكَ، والدموعُ دماءُ

مِن أيامَى الحسين، بعدِ البلاءِ

كيفَ أبكيك والسيوفُ المواضي

والرماحُ الطوالُ رهنُ الفناءِ؛

لم تبكّيكَ يا سليلَ المعالي

وإمامَ الهداةِ، شيخَ الإباءِ

عَلمٌ أنتَ، والترخّص ذنبٌ

لست ترضاه عَن خيارِ السَماءِ

أنتَ حِبُّ الرسولِ، حِبُّ عليّ

وحَبيبُ الزهراءِ صِنوِ ذُكاءِ

لستُ أبكيكَ والغرامُ حثيثٌ

في فؤادي، يَقودُ وِتْرَ العِداءِ

ليتني كنتُ في رحابِك، أَجلو

عن خيامِ الرسولِ كيدَ الرعاءِ

ليتني كنتُ كي أُقَطّعَ إرباً

دون عينيك، يا سميَّ العَطاءِ

حُزنُ قلبي على صِحابٍ كرامٍ

فضّلوا العيشَ في ظلالِ الجَفاء

فضّلوا العيشَ في ظلالِ يزيدٍ

واستفاقوا في «حَرّةِ» اللأواءِ

ليس قصدي من القَصيدِ مديحاً

أو ثناءً، فأنت فوق الثناءِ

أنتَ هادٍ إلى الرشادِ، شَهيدٌ

أنّ عَهدَ قريشِ؛ حِقدُ البَذاءِ

ما رعتْ حرمةَ الرسول قريشٌ

بل تناهَت في غِيّها والتنائي

فلك اللهُ يا ذبيحَ المبادي

ولك الفوزُ في رُبى الشهداءِ

ولنا الحزنُ الأسى ما حَيينا

أنْ عَجزنا عن نُصرة النبلاءِ

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

والحمدُ للهِ الذي ابتلى عبادَه بالسرّاء ليشكروا.

وابتلى أحبابَه بالضرّاء ليصبروا.

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

  مسائلُ فكريّةٌ:

وحدةُ الوجودِ والوحدةُ المطلقةُ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(قُلْ: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ (84) سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ! قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟ (85).

قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ! قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ؟ (87)

قُلْ: مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُجِيرُ، وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ! قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؟ (89)

بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) [المؤمنون].

أمّا بعد: سألني أحدُ الأصدقاء: ما الفرق بين وحدةِ الوجود، والوحدةِ المُطلقة، وما موقفك من كلٍّ منهما؟

أقول وبالله التوفيق: إنّ المسلمين، من أهلِ السُنّةِ والشيعةِ والخوارجِ؛ أثبتوا وجوداً واجباً أزليّاً أبديّاً لله ربّ العالمين (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) [الحديد].

 وأثبتوا وجوداتٍ جائزةَ الوجود مخلوقةً، خلقها الله واجبُ الوجودِ، القديرُ المقتدرُ القادرُ على كلّ شيءٍ!

وذهبَ بعضُ الصوفيّةِ من أهل السنّة والإباضيّةِ، وبعضُ العِرفانيينَ من الشيعةِ الإماميّة إلى أنّ هناك وجودٌ واحدٌ؛ هو الوجودُ الواجب لله تبارك وتعالى.

أمّا توصيفُ وجوداتِ ما سوى الله تعالى؛ فاختلفوا فيها على مذهبين:

المذهبُ الأوّلُ: وحدةُ الوجودِ، التي تعني في أيسر معانيها؛ أنّ الوجودَ الحقَّ هو وجودُ الله تبارك وتعالى، وسائر الموجوداتِ سوى اللهِ؛ وجودها نسبيٌّ، إذ هي ليست سوى مظاهرَ وتجلّياتٍ لأسماء الله تعالى وصفاته التي لا تتناهى، والإنسانُ أكمل مخلوقاتِ الله تعالى وخليفته في الأرض، خلقه الله تعالى على صورته، ومنحه من تجلّياتِ أسمائه وصفاته.

هذه خلاصة وحدةِ الوجود، عند أبي بكر ابن عربيّ الحاتميّ الأندلسيّ، صاحب الفتوحات المكيّة وفصوص الحكم. فابنُ عربيٍّ  يُفسّرُ الكثرةَ في «العالَـمِ» من خلال نظرية «التجلي» و«المرايا» إذ تكون الذات الإلهيةُ واحدةً، ولكنها تَنعكس في مَرائي الموجودات الكثيرة، فالعالم في نظرِه مِرآةٌ للحَقِّ .

أمّا ابنُ سبعين الأندلسيّ فإنّه ينفي الكثرةَ نَفياً قاطعاً، ويَعُدّها وَهماً، فاللهُ تعالى هو الوجودُ الحقيقيُّ الواحدُ الأحدُ في ذاته، ولا يَعترف بأيّ وجودٍ حقيقيٍّ أو ذاتي سواه في العالَم.

ويمثّل ابن سبعين نظريّته هذه بصخرةٍ ضخمة كبيرةٍ، تراها أنت من ظاهرها صخرةً واحدةً، بينما هي في داخلها تعجّ بالوجودات والجزيئات!

وهاتان العقيدتان باطلتان، لا يجوز لمسلمٍ أن يعتقد بهما أو بإحداهما؛ لأنهما تخالفان مخالفةً ظاهرةً عشراتِ الآياتِ القرآنيةَ، التي تثبت وجود الله الحقّ الواجبَ، وتثبت موجوداتٍ كثيرةً ومتنوعة فقيرة، خلقها الله تبارك وتعالى.

خلق الله تعالى الإنسانَ والحيوانَ والطيور والزواحفَ، وجعلَ لكلِّ مخلوقٍ من هذه المخلوقاتِ نقاطَ ضعفٍ وضروراتٍ، تكتنفه من جميع جوانبه، ومنها الموت!

فإذا كان الإنسانُ عندهم أحدَ وأعظمَ تجلّياتِ الله تعالى في الوجود، فنكون قد جوّزنا على صورةٍ من صور تجلّياتِ الله تعالى المرض والجوعَ والعطشَ والموت!

هذه عن عقيدةِ وحدة الوجود لابن عربيّ.

أمّا عن عقيدة الوحدة المطلقةِ لابن سبعين؛ فنكون جوّزنا أن تحلَّ الحوادثُ بنقائصها وضروراتها وفنائها وموتها، في ذات الله تعالى، وهذا مخالفٌ مخالفةً صريحةً لآيات كثيرات، منها:

(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) [القصص].

(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) [الصافات].

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) [الحشر].

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) [الروم].

(اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) [الزُمر].

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) [الزمر].

ختاماً: الفقير عداب لا يُجوّزُ الاعتقادَ بوحدةِ الوجودِ، ولا بالوحدةِ المطلقةِ، ولا بتجلّي الحقّ تعالى في صور مخلوقاته، وهو يرى «وَحدةَ الشُهودِ» حالاً قلبيّاً مُتخَيَّلاً، يَستولي على قلب الذاكر، فيغيبُ عن «مشاهدةِ الخلقِ بمشاهدةِ الحقِّ» هكذا يقول السادةُ الصوفيّة!

وهذا الذي يقول به كثيرٌ من الصوفيّةِ؛ لم يرِدْ عن الرسولِ فيه نفيٌ ولا إثباتٌ، ولم يُنقَل إلينا أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ انتابَتْهُ مثل هذه الأحوال.

وهم يعتمدون في ذلك على مسألةِ «الإمكان العقليّ» وعلى «التجارب الروحيّة» التي حدّث بها أولياؤهم وشيوخهم.

وأنا الفقير عداب لستُ من «الذاكرين الله تعالى كثيراً» حتماً، إذا قصد بالكثرة مثلَ قوله تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ عِنْدَهُ؛ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، لَا يَفْتُرُونَ (20) [الأنبياء].

وحتى عندما كنت مواظباً على ورد النقشبندية، بذكر الله تعالى (5000) مرّةً في مجلس واحدٍ، وعندما كنت أقرأ خمسةَ أجزاء من القرآن الكريم يوميّاً؛ كنتُ أعيش أحوالاً من اللذة الروحيّةِ والسكينة والطمأنينة، المانحةِ لليقينِ والتوفيق وإجابة الدعاء.

بيد أنّني لم أَغِبْ عن وعيي أبداً، بحيث كان النورُ الإلهيّ يحوطني، فلا أحسّ بشيءٍ سوى مشاهدةِ الحقِّ القلبيّة، يعني (ماكو هيك إشي) عندي.

وقد قلت سابقاً: إنني لا أؤمن بقالٍ وقيلٍ - مهما كان القائل صالحاً وجليلاً - وفي عالم التصوُّف خاصّةً، لا أعتقد إلّا بما وصلتُ إليه من أحوالٍ ومقامٍ، وليس مقام وحدة الشهودِ «الفناء» من تلك الأحوال، ولهذا لا أؤمن به أصلاً، ومن ظنّ أنّ على المسلم الاعتقادَ بكلّ ما يقوله العلماء والأولياء والصالحون؛ فهو جاهل!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.