الأربعاء، 12 أغسطس 2026

  مِنْ عِبَرِ التاريخِ:

الصحابةُ العلماء!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ  وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ؛ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9).

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)

 أمّا بعد: طلب عددٍ من الإخوةِ؛ أن أسردَ أسماءَ العلماء من الصحابةِ رضي الله عنهم، مع أنّ هذا ميسورٌ لكلّ أحدٍ، إذ يمكن طلبُ ذلك من الإنترنيت» فيأتي الجواب سريعاً.

بيد أنّ الإمام أبا محمّد ابن حزم رحمه الله تعالى؛ سرد في كتابه الإحكام في أصول الإحكام  أسماء الصحابةِ المكثرين من الفتوى، وأسماء المتوسّطين، وأسماء المقلّين، وسأقتصر على بعضِ كلامه، إذ إنّ الذين جاؤوا من بعده؛ اعتمدوه ونقلوه في كتبهم.

بيد أنّني أودُّ أن أقدّم بمقدمة يسيرةٍ قبل ذلك، فأقول:

اختلف المؤرخون والعلماء، في عدد الصحابة عند انتقال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ومعنى اختلفوا؛ أنّه ليس بين أيدينا نصّ ثابتٍ، يمكن الاعتماد عليه، إنّما هي تقديراتٌ يَشوب بعضَها كثيرٌ من المبالغات.

فعندما يقول الإمام أحمد: إنه انتقى كتابه من سَبعمائة ألف حديث!

وعندما يقول: كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف حديث!

وعندما يقولون: عدد أحاديث مسند أحمد؛ أربعون ألف حديث!

جميع هذه الأرقام خاضعة لمنطق المبالغة، التي كانت سائدةً في ذلك الزمان، على ما أُقدّر!

وماقيل: من أنّهم كانوا يعدّون طرق الحديثِ الواحدِ أحاديثَ..إلخ؛ لا ينسجم مطلقاً مع الموجود في كتبِ التخريج، وكتب العلل القديمة، مثل علل عليّ ابن المدينيّ، وعلل أحمد ابن حنبل، وعلل الدارقطنيّ، فهذا مصنفات قديمة جدّاً، قبل الغزو المغولي الذي أضاع كثيراً من الكتب بقرون!

وتوضيح ذلك بمثالٍ تطبيقيّ؛ أولى:

جاء في علل الدارقطني (1: 181- 182) ما نصّه:

(9) وَسُئِلَ «الدارقطنيّ» عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ:« ثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا:

وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ: فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ، فَلَا يُنَازَعُهُ أَهْلُهُ.

وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ: هَلْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الأمر شيء.

وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ: عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَابْنَةِ الْأُخْتِ».

فَقَالَ الدارقطنيّ رحمه اللهُ تعالى: هُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ شَيْخٌ لِأَهْلِ مِصْرَ، يُقَالُ لَهُ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ:

فَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ عَنْهُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بكر الصديق.

وَخَالَفَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ سَعِيدَ بْنَ عُفَيْرٍ، فَرَوَاهُ عَنْ عُلْوَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ عُلْوَانَ وَبَيْنَ صَالِحِ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ضَبَطَهُ عَنْ عُلْوَانَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهِ رَجُلًا، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ».

كلام الدارقطنيّ يفيد أنّ مدار الحديث على عُلوان بن داودَ المصريّ، رواه عنه اثنان.

فلا سبيلَ إلى قبول هذه المبالغات العدديّة المذهلة!

نعودُ إلى مثالنا الحاضر بين أيدينا بشحمه ولحمه وطرقه وزياداته، عن عدد أحاديث مسند أحمد؛ أربعون ألف حديث!

قال السيوطيّ في تدريب الراوي (1: 189): «قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ: مُسْنَدُ أَحْمَدَ أَصَحُّ صَحِيحاً مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَا يُوَازِي مُسْنَدَ أَحْمَدَ كِتَابٌ مُسْنَدٌ فِي كَثْرَتِهِ وَحُسْنِ سِيَاقَاتِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ حَديثُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْنِ.

قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا فِيهِ صَحِيحًا، بَلْ هُوَ أَمْثَلُهُ، بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَرَكَهُ، وَفِيهِ الضَّعِيفُ».

وَقَالَ الْحُسَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ فِي رِجَالِ الْعَشَرَةِ: عِدَّةُ أَحَادِيثِ الْمُسْنَدِ أَرْبَعُونَ أَلْفًا بِالْمُكَرَّرِ».

وقال الشيخ طاهر الجزائريّ في كتابه «توجيه النظر» (1: 374): « وَجُمْلَة مَا فِي الْمسند من الْأَحَادِيث أَرْبَعُونَ ألفاً، تكَرر مِنْهَا عشرَة آلَاف، فَيبقى ثَلَاثُونَ ألفاً.

وَقَالَ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِأبي شامة الدمشقيّ، فِي كتابه «الْبَاعِث على إِنْكَار الْبدع والحوادث» (ص: 76): قَالَ أَبُو الْخطاب بن دِحيةَ الأندلسيُّ:

«وَأَصْحَاب الإِمَام أَحْمدَ؛ يحتجون بالأحاديثِ الَّتِي رَوَاهَا فِي مُسْنده، وأكثرها لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاج بها، وَإِنَّمَا أخرجهَا الإِمَام أَحْمد حَتَّى يُعرفَ الحَدِيثُ مِن أَيْن مخرجُه، وَالْمُنْفَرد بِهِ عَدلٌ، أَم مَجْرُوح، وَلَا يحل الْآن لمُسلمٍ عَالم أَن يَذكرَ إِلَّا مَا صَحَّ، لِئَلَّا يشقى فِي الدَّاريْنِ».

إذن جملة أحاديث المسند؛ أربعون ألفاً، وهي من دون تكرار؛ ثلاثون ألفَ حديث!

وقد كلّفت الحكومةُ السعوديّة مكتبةَ دار الرسالة بتحقيق مسند أحمد، وسهّلت لها أحسنَ الظروف، فأخرجت مؤسسة الرسالة مسند أحمد بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط وفريق البحث في الدارِ، في خمسين مجلّداً، منها خمسة مجلّداتٍ من الفهارس المفيدة جدّاً.

فكان عددُ أحاديث مسند أحمد بالمكرّرات، في هذه الطبعة (27647) حديثاً.

فهذه (12353) حديثاً إضافية على العدد الصحيح !

وأحاديث المسند من دون تكرار؛ هي ثلاثون ألف حديثٍ، على ما ذكره الشيخ طاهر الجزائريّ.

وكانت جملةُ أحاديث مسند أحمد بالمكرّرات، حسب ترقيم دارِ إحياء التراث (27100) حديث، وكانت جملةُ أحاديث المسند من دون تكرار (9339).

إذا انتقى الإمام أحمد (9339) غيرَ مكرّرة، من سبعمائة ألفِ حديث مسموعة، وهذا يعني أنّه كان لكلّ حديثٍ ثمانون طريقاً، فهل تعقلون مثلَ هذا الكلام؟

مقصودي أنّ إطلاقاتِ الأرقامِ لدى أكثر المتقدّمين؛ لا يُعوّل عليها بتاتاً.

بعد هذا أقول: قال الحافظ ابن في كثير في كتابه اختصار علوم الحديث (ص: 185):

«قال الشافعي: رَوَى عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ورآه من المسلمين؛ نَحوٌ من ستين ألفاً.

وقال أبو زرعة الرازي: شهد معه صلى الله عليه وسلم حجةَ الوداع؛ أربعون ألفاً.

وكان معه بتبوك؛ سبعون ألفاً، وقُبض عليه الصلاة والسلام عن مائةِ ألفٍ وأربعةَ عَشرَ ألفاً من الصحابة» انتهى.

وجملةُ ما أودعه الحافظُ أبو عمر بن عبدِ البَرِّ في كتابه الاستيعاب (4225) قال في خاتمته (4: 1965) ما نصّه: «هذا مَا انتهى إلينا من الأسماء والكنى فِي الرجال والنساءِ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن رآه، أوجاءت عنه رواية، أَوانتظم ذِكرُه فِي حكايةٍ، تدلّ عَلَى أنه رأى رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانَ مَولوداً بين أبوين مُسلمين، أَوْ قَدِم عَلَيْهِ، أَوْ أدّى الصدقةَ إليه» انتهى.

انظُر أخي القارئ كم الفارق بين (114000) و(4225)؟

ولو نحن سلّمنا بأنّ رقم ابن عبدالبرّ هذا (4225) يعني أنّ جميع هؤلاء كانوا معروفين بشيءٍ مما ذكره هو؛ فيبقى معنا (775، 109) صحابياً مجهولاً جهالةً مُطبقة.

وقد يكون بعضُ هؤلاء شارك في معارك ووقائع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكنْ هل تثبت العدالةُ والثقة بالقياس مثلاً؟

في لقائنا مع الرئيس صدام حسين، عام (1996) قال لأستاذنا الدكتور هاشم جميل الأنباري: «تفضّل يا دكتور هاشم، اعرض لنا أسباب رفضكم لرسالة الدكتور عداب؟

قال أستاذنا هاشم: سيّدي الرئيس، هناك من العلم؛ ما هو متّفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه.

فمن المتّفق عليه الذي لا يجوز خلافه؛ أنّ جميع أحاديث الصحيحين؛ صحيحة!

وأنّ جميع الصحابة عدولٌ، من لابس الفتنة ومن اجتنبها، والمعروف منهم والمجهول»!

استوقَفه الرئيس صدّام قائلاً: «زين بالله، المعروف من الصحابة عدل، لكن المجهول كيف هو عدل، إذا كان لنا مجهولاً، كيف يكون عدلاً» قال الدكتور هاشم: «هكذا قال العلماء».

أليس هذا المنطق التلقائيّ الحاضر؛ أحقَّ بالاتّباع من الجمود على التقليدِ المحض؟

قال الإمام أبو محمّد بن حزم في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» (5: 92):

«وهذا حينَ نَذكرُ - إن شاء الله تعالى - اسمَ كلّ مَن رُوِيَ عنه مسألةٌ، فما فوقها من الفتيا من الصحابة رضي الله عنهم، وبالله تعالى التوفيق:

أوّلاً: المكثرون من الصحابةِ، فيما رُوي عنهم من الفُتيا: عائشةُ أمّ المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وابنه عبدُالله، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن العبّاس، وعبدُالله بن مسعود وزيد بن ثابت، فهم سبعةٌ يُمكن أن يجمع من فُتيا كلّ واحدٍ منهم سفر ضَخم.

ثانياً: والمتوسطون منهم، ممّن رُويَ عنهم من الفُتيا: أم سلمة أمّ المؤمنين، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسيّ، وجابر بن عبدالله، ومعاذ بن جبل، وأبو بكر الصديق.

فهم ثلاثةَ عشرَ فقط، يُمكن أن يُجمع مِن فتيا كلِّ امرىءٍ منهم؛ جُزء صغير جداً.

ويُضاف إليهم أيضاً: طلحةُ، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن الحصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.

ثالثاً: والباقون منهم رضي الله عنهم؛ مُقلّون في الفُتيا، لا يُروَى عن الواحدِ منهم، إلا المسألةُ، والمسألتانِ، والزيادة اليسيرة على ذلك فقط!

ويمكن أن يُجمع من فُتيا جميعهم؛ جُزءٌ صَغيرٌ فقط، بعد التَقصي والبَحث».

وذكر أسماءَ كثيرين من الصحابة المقلّين، منهم فاطمةُ بنت رسول الله، والحسنُ والحسينُ والعباسُ بن عبدالمطّلب، وجعفر بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين.

ومن وراء التتبّعِ والنظرِ؛ كانت العلوم في عصر الصحابة ثلاثةَ علومٍ فحسب، وقد تقدّم ذكر الفقهاء من الصحابة!

(2) علوم التفسير والقراءات: وأبرز الصحابة في هذا الجانب هم:

عثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعبٍ، وعبدالله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعريّ، وأبو الدرداء الأنصاري.

هؤلاء الطبقة الأولى الذين قرؤوا على الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإليهم ترجع أسانيد القراءات العشر، كما يقول الذهبي في طبقات القرّاء (ص: 20) ويضاف إليهم البحرُ عبدالله بن العبّاس.

(3) المكثرون من الرواية: مسندُ بقيّ بن مَخلدٍ هو أكبر موسوعة حديثية قديمة، ومنه أخذ العلماءُ أسماءَ المكثرين من رواية الحديث من الصحابةِ، وعددَ أحاديث كلّ واحدٍ منهم، وهم على التوالي:

(1) أَبُو هُرَيْرَةَ الدوسيّ، هُوَ أَكْثَرُهُمْ حَدِيثًا، رَوَى خَمْسَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَسَبْعِينَ حَدِيثًا.

(2) عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ: رَوَى أَلْفَيْ حَدِيثٍ وَسِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا.

(3) ابْنُ عَبَّاسٍ: رَوَى أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا.

(4) جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَوَى أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا.

(5) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: رَوَى أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَسِتًّا وَثَمَانِينَ حَدِيثًا.

(6) عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: رَوَتْ أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَعَشَرَةً.

(7) أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ: رَوَى أَلْفًا وَمِائَةً وَسَبْعِينَ حَدِيثًا

وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَزِيدُ حَدِيثُهُ عَلَى أَلْفِ حَديثٍ غَيْرُ هَؤُلَاءِ» كذا في تدريب الراوي (2: 677).

قال عداب: لو أنّ علماءَ التابعين اكتفَوا بأخذ العلم عن هؤلاء فحسب؛ لكانوا أَسدَوا إلى الأمّة خيراً كثيراً!

أكثر من (100) صحابيّ، ليس للواحد منهم سوى مسألة فقهية أو مسألتين!

أوَ عالمٌ هذا، أوَ محدّثٌ هو، أم هو فقيه؟ ولماذا يجب عليّ أن أعتدَّ بمسألتِه تلك، وأتديّنَ الله تعالى بها، ولماذا أتشنّجُ وأغضب، إذا قيل: هؤلاء الصحابة ليسوا علماء ولا فقهاء؟

هؤلاء هم صحابة الرسول صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، قال الله تعالى لهم، وللأمة من بعدهم: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) [فاطر]. 

فالعقلُ والعدلُ والعلمُ؛ أن يُعطَى كلُّ صحابيٍّ حقَّه، ويوضع في المنزلة التي يستحقّها.

وأنْ يُحكَم لكلِّ واحدٍ منهم، أو يُحكَم عليه، مع الأدب والتوقير والغِبطةِ العظيمة لهم برؤيتهم ومجالستهم وتلقّيهم عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، من غير وَكسٍ ولا شطط!

أمّا مَن كانت له صحبةٌ، ولم تكن له استقامةٌ بعد الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فيجب - نعم يجب وجوباً شرعيّاً - أن نبيّن لأجيال المسلمين جانبَ انحرافِ هذا الصحابيّ أو ذاك، وسببُ ذلك، من دون سبٍّ أو لعنٍ أو تنقيص!

وهل كان خروج الزبير وابنه عبدالله وطلحة ومن تبعهم، على إمام الأمة وعالمها وفارسها، إلّا من قلّة فقههم السياسيّ، وعدمِ إدراك مآلات صنيعهم، مع تغليب جانبِ الاجتهاد الميدانيّ العاطفيّ، على القواعد الشرعية المحكمة، في حرمة دم المسلم، وعدم الخروج على حاكم، هو أحقّ جميع الأمة بحكمها، بعد الرسول مباشرة ؟ 

الله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ الحديثُ النبويُّ، ضروريٌّ في حياتِنا الدينيّةِ !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

أرسل إليَّ أحدُ علماءِ الحديثِ الأفاضل رسالةً، ممّا قال فيها:

«أود أن اطرح هذا السؤالَ، لعلّكم تقدمون إجابةً يُفيد منها الجميعُ.

لا يَخفى عليكم وُجودُ فئةٍ من الناس، تُبطِلُ العَمَل بالسُنّة؛ بدعوى أنّها ليست مِن الوَحي وأنّ الوَحيَ؛ هو القرآنُ وحسب، مُعزّزين مَوقفَهم هذا، ببعضِ الآياتِ الكريمةِ، التي تُوجّه المسلمينَ نَحوَ القُرآنِ وحسب، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم،  إذا تكلم بغير القرآنِ، فإنّه يتكلم بالحكمةِ؛ لأنّه إنسانٌ عَظيمٌ، وليس لأنّه مِن الوَحي.

ثُمّ يُؤيدون مَوقفَهم ذاكَ، بأنّ السُنّة «أغلبها» أحاديثُ آحادٍ،  فهي إذنْ مِن بابِ الظَنّ ويَختلطُ فيها الصحيحُ مَع الحَسن، مع الضعيف، مع الموضوع، فكيف نكون مطالبين بالظن؟

ثمّ قد يَستحضرون شواهدَ من الصَحيحين وقعَ فيها إشكالٌ ما؛ ليُسوّغوا الطعن بكلّ السنة، ويَقولوا: لا حُجّة فيها، فحسبنا القرآنُ وما تَواتر عَمَليّاً، مِن كيفيّة أداءِ الصلاةِ ونحوِ ذلك، ممّا هو مُجمَع عَليه.

راغباً أن تَكون الإجابةُ على صَفحة «الفيس» لِيَعُمّ النَفعُ؛ إنْ رَأيتم ذلك» انتهى.

أقول وبالله التوفيق:

الإجابةُ على هذه الأسئلةِ؛ قد تحتاجُ عدّةَ حلقاتٍ، وسأحاول الاختصار ما استطعتُ.

أوّلاً: ليست الدعوةُ إلى الاقتصار على القرآن الكريم، والمنقولِ بالتواتر العمليّ من السنّة النبويّة بغريبةٍ على تراثنا الإسلاميّ.

فقد أخرج البخاريُّ (4432) ومسلم (1637) من حديث عبدالله بن عبّاسٍ؛ أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرضه الأخير الذي سبق انتقالَه إلى جنان النعيم، قال لعُوّادِه الحاضرين: (هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ) وكان في الحاضرين عمر بن الخطّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ».

وربما كان قولُ عمرَ هذا من أقوى ما يستدلّ به هؤلاء المنكرون للحديثِ النبويّ!

بَيد أنّ من المقطوع به تاريخيّاً؛ أنّ كلّ نازلةٍ تنزل بالمسلمين، أو كلَّ واقعةٍ لا يستحضر عُمرُ فيها عن الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ حُكْماً؛ كان يجمع مَن يتيسّر له من الصحابة رضي الله عنهم، ويسألهم: هل سمع أحدٌ منكم من الرسول بخصوص هذه الواقعة شيئاً؟ وهذا يعني أنّ عمر - حتماً - كان يأخذ بالقرآن والسنّة.

ثانياً: من المهمّ جدّاً أن نُفرّق بين السنّة «خبر العامّة» وبين الحديث «خبر الخاصّة» كما هو تعبير الإمام الشافعيّ.

فما جاء بنقلِ عددٍ من الرواة الثقات عن عددٍ مثلهم أو أكثر، ولا يُعلَم له مخالفٌ من العلماءُ؛ فهو السنّة.

وما جاء النقل فيه عن واحدٍ من الصحابة، لا يرويه عنه إلّا واحدٌ من التابعين، ثمّ لا يرويه عن التابعيّ إلّا واحدٌ من تلامذته؛ فهذا هو خبر الخاصّة وهو الحديث.

والشافعيّ يأخذ بخبر العامّة مطلقاً، ويأخذ من خبر الخاصّة؛ ما يترجّح ثبوته لديه، ويَقول ما معناه: نحن لا نُهمل خبرَ الخاصّة، لكنّنا لا نعمل به كما نعلم بخبر العامّة!

إذا رواه أهلُ الصدقِ «نقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله وَليّ ما غاب عنّا منهم» كما في الرسالة (ص: 461).

ثالثاً: إنّ مذاهب المسلمينَ التي هي في دائرة الإسلام، من السنّة والشيعةِ والخوارج اليوم، هي: الحنفيّة والمالكية، والشافعية والحنبلية والظاهرية والزيدية والإمامية والإباضيّة.

وهي المذاهب التي اعتمدتْها مؤسّسةُ الأزهر، عند الشروع بكتابة موسوعة الفقه الإسلاميّ، المعروفة بموسوعة «جمال عبدالناصر» والتي صدر منها خمسة وأربعون جُزءاً، ثم توقّف العملُ فيها.

فإذا اتّفقت هذه المذاهبُ على حكمٍ من الأحكام؛ فهو إجماعٌ توافقيّ، يترجّح لديّ أنّه مراد الله تعالى من عباده، وهذا يقربُ في معناه من مفهوم «خبر العامّة» عند الإمام الشافعيّ.

رابعاً: أخبارُ الآحادِ - عند العلماء - تشمل الخبرَ المشهورَ، والخبرَ المستفيض، والخبر العزيز - وهو نادر - وخبر الواحد الغريبِ، وهو الذي لا يرويه عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى صحابيّ واحدٍ، وأكثرُ الأحاديثِ المرويّة عن الرسولِ، بإسانيدَ مقبولة؛ هي من هذا الغريب!

بيد أنّ هذا الغريب نفسَه مراتبَ عديدة:

فمنه الغريبُ المتواتر عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه  الغريبُ المشهورُ عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه الغريبُ المستفيضُ عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه الغريبُ العزيز عن الصحابيّ الواحدِ.

ومنه الغريبُ الفردُ المطلقُ، الذي لا يرويه عن الصحابيّ المنفرد به، سوى تابعيٍّ واحد!

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ مجتهد.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ عالم.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ مكثر.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ طويل الصحبة من أهل العلم.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ ظاهريّ، مثل عبدالله بن عُمَر، وعبدالله بن عَمرو بن العاص.

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ باغٍ من أجل الدنيا، مثل معاوية وعمرو وبسر وهذه الفئة التي قاتلت من أجل الملك والسيادة، بشهادة سعد بن أبي وقّاص، وعبدالله بن عُمَر، وأسامة بن زيدٍ، وغيرهم .

ومنه الغريبُ الذي يرويه صحابيّ صغير.

ومنه الغريبُ الذي يرويه معاصرٌ له صحبة.

فهل يجوزُ أن نُعطي حكماً واحداً لهذه المراتب الحديثيّة والمتباينة؟

خامساً: إنّ كلّ مُصنّف من مصنّفاتِ الحديثِ النبويّ، يحتوي على كتبٍ وأبواب كثيرة جدّاً، ولو أخذنا «صحيح البخاريّ» نموذجاً؛ فإنّه قد احتوى على (97 - 100) كتاب!

فهناك كتاب الإيمان، والتوحيد، والعلم، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتفسير، والعبادات، والأخلاق والآداب، والسيرة والمغازي، والفرائض، والجهاد، وفضائل الأمكنة والأزمنة  والأشخاص...إلخ.

ومن وراء عَملنا في المركز الهاشميّ للبحث العلميّ، على تخريج صحاح البخاريّ ومسلمٍ وابن حبّان؛ تبيّن لنا بوضوحٍ تامٍّ؛ أنّ للبخاريّ منهجاً متميّزاً في كلّ كتابٍ من كتب صحيحِهِ المائة!

وشروطه في كتب الإيمان والتوحيد والاعتصام؛ ليست هي شروطَه في الآداب والأخلاق والزهد والرقاق والتفسير والفضائل والمناقبِ!

ومَن لا يَستيقنُ هذه الحقائقَ العلميّة؛ سيتعامل مع كتب الحديثِ، تعاملَ أولئك الجهّالِ الذين يقولون: إنّ كتبَ الحديث مظنونة الصحّة، ونحن لسنا مطالبين أن نتديّنَ بالظنّ!

سادساً: إنّ جميعَ القائلين برفضِ الاحتجاج بالمظنونِ؛ يحتجّون به في حياتهم اليوميّة حتماً!

فإذا أخبرَ أحدَهم ثقةٌ لديه؛ بنى على قولِه إثباتاً أو نفياً، من دون أن يتذكّر أنّ هذا خبرُ واحدٍ مَظنونٍ، يَحتملُ الخطأ!

ذلك أنّ الخطأَ في حديثِ الثقةِ؛ احترازٌ، وليس أمراً واقعاً محتّماً.

والذي يدرسُ القواعدَ الحديثيّة دراسةَ متعلّمٍ؛ يتوضّح لديه جوانبُ الاحتياطِ الشديدةِ، التي عمل بها المحدّثون، احتياطاً في قبولِ الحديثِ أو ردّه!

نعم جميع المحدّثين حصل منهم تساهلٌ في قَبولِ بعضِ  روايات صغار الصحابة ومجهولي الصحبة والوحدان، ورواياتِ المتقدّمين من التابعين، من غير المشهورين بالعلم؛ لاحتفافِ رواياتهم بقرائنَ رجّحت حفظَهم لها، في نظر أولئك المحدثين.

في هذه الزاوية يمكن للناقد الحديثيّ أن يكون له نظرٌ خاصٌّ في قبول بعض تلك الرواياتِ، أو رفضها، ولا تَثريبَ عليه!

أمّا الاحتمالُ العقليّ غيرُ الناشئ عن دليلٍ ملزمٍ؛ فلا يجوز اعتماده في طرحِ الرواياتِ الحديثيّة كلّها.

سابعاً: من المعروف لدى المشتغلين بعلوم الحديثِ النبويّ؛ أنّ البخاريّ احتجَّ برواةٍ في بعض كُتبِ صحيحه، واعتبرَ رواياتِ بعضهم في بعض الكتب!

وهناك دراسةٌ علميّة موسّعة قام بها الباحثُ الدكتور «الدمَراني عبدالله عبدالغنيّ» المصريّ، تناولتِ «الرواةَ الذين أخرج لهم البخاريّ في المتابعات، وأحاديثُهم في جامعه الصحيح» وجاءت في مجلّدين، عدد صفحاتهما (1260) صفحة، وكان عددُ الرواة الذين شملتهم هذه الدراسة الماتعةُ (186) راوياً.

وهناك دراساتٌ علميّة كثيرةٌ، تناولتِ «الوحدان ومروياتهم في الصحيحين» و«المضعّفون ومروياتهم في الصحيحين» و«المقبولون ومروياتهم في الصحيحين» و«المجهولون ومروياتهم في الصحيحين» ودراساتٌ تناولت مسألة «الاتّصال في السند المعنعن» ودراسات تناولت «المدلّسون ومروياتهم في الصحيحين».

وجميعُ هذا الدراساتِ وغيرها؛ أثبتت أنّ صنيعَ البخاريّ ومسلمٍ في صحيحيهما؛ من أفضل وأدقّ ما يمكن أن يَصلَ إليه جهدٌ بشريّ!

وأثبتت تلك الدراساتُ أنّ البخاريّ ومسلماً كانا أحرصَ على سنن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ من جميع أولئك العابثينَ، الذين يريدون إحداثَ فوضى علميّةً جديدةً، ليس لديهم بدائلُ عنها يُقدمونها للناس!

ثامناً: إنّ الآياتِ القرآنيةَ التي يتمسّك بها هؤلاء، في ضرورة الاقتصار على القرآن الكريم؛ لا يجوز أن تُقتطع من سياقها، كما لا يجوز أن تُفهم بعيداً عن التفسير الموضوعيّ العلميّ للقرآن الكريم؛ لأنّ القرآن كتابُ هداية، وهو مجموعة سوَرٍ، تتناول كلّ سورةٍ موضوعاً أو موضوعاتٍ، هي نفسها، أو بعضُها يَرِد في موضعٍ أو مواضع أخرى من القرآن الكريم، مرّةً باختصارٍ شديدٍ، ومرّة باختصارٍ وإجمال، ومرّة ثالثة بتوسّعٍ وإيضاح، سواءٌ كان من أجل «تلوين الخطاب» بيانيّاً، أو بسبب وظيفة الموضوع ذاته في هذه السورة أو تلك!

(1) قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ؟ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً

وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) [العنكبوت].

هذه الآية الكريمة جاءت في سياق متكاملٍ، متى قرأه الإنسان بتمامه؛ علم أنْ ليس مقصودُ الآية الاقتصار على القرآن الكريم، في حياة الإنسان الدينية، وإليك ذلك:

(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ، فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52).

طلب المشركون من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إفحامَهم بمعجزاتٍ، من جنسِ ناقة صالح، ومائدة عيسى عليهما السلام؛ فأجابهم الله تعالى بأنّ محتوى القرآن العظيم ومقاصدَه أعظمَ من هذه الآياتِ التي انتهت بانتهاء وقوعها، بينما معجزة القرآن الكريم البيانية والعلمية والكونية؛ باقيةٌ بقاءَ حياةِ بني الإنسان على الأرض!

(2) وقال الله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام].

وهذه الآية جاءت في سياقٍ، يجب فهمها في ضوئه.

(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؟ قُلْ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ؛ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) [الأنعام].

ومِن مقصودِ الآية السابقة على موطن الشاهد: هم يريدون إظهار آية كونية؟ الله قادر على ذلك، بيد أنّ تحتَ أبصارهم أممٌ من المخلوقات التي تتعذّر على الحصر، أليست هذه آياتٍ تدلّ على وجود الخالق وقدرته وحكمته؟

كلّ شيءٍ في هذا الكون مسجّل في أمّ الكتاب، الذي هو اللوح المحفوظ، وليس المقصودُ القرآن الكريم!

إذْ ليس في القرآن الكريم ذِكرُ ألف نوع من الطيور، وألف نوع من الحشرات، وألف نوعٍ من النباتات، فإذ ليس في القرآن العظيم هذه التفاصيل؛ فليس المقصود بقوله تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ما ظَنّوه من حصرِ أدلّة الشرع بالقرآن الكريم.

ختاماً: طال المنشور كثيراً، وفي منشور قادم؛ سأوضح الاستدلالَ الصحيح بالآيات القرآنية التي ظنّوها تطلبُ من الناس الاقتصار على دلائل القرآن الكريم وحده.

إن شاء الله تعالى وأعان.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 25 يوليو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

حديثُ (كان اللهُ ولم يكن شيءٌ) 

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) [الإسراء].

أمّا بعد: قال لي صاحبي: «بصفتك من أهل الحديثِ، الذين لا يقدّسون صحيح البخاريّ، وصحيح مسلم، واطّلعت على جرأتِك في تضعيف بعض أحاديثهما.

فما رأيك بحديث عمران بن حصين (كان الله ولا شيء معه) أصحيح هو، وما معناه المختار لديك، وشكراً»

أقول وبالله التوفيق:

أوّلاً: ورد معنى هذا الحديث من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما.

وقد ورد هذا الحديث بألفاظٍ متعدّدةٍ، على حسب ضبط رواتِه عن عمران، أو عمّن دونه.

ثانياً: مدار حديثِ الباب على جامعِ بن شدّاد، رواه عنه الإمامُ سفيان بن سعيد الثوريّ، وإليك من أخرجه من حديثه:

فأخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في مصنفه (6: 32502) من طريق وكيعٍ عن سفيانَ.

وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1466) من طريق وكيعٍ وعبدالرحمن المعنيّ عن سفيان.

وأخرجه أحمد في مسنده الكبير (33: (19822) من طريق شيخيه وكيعٍ وعبدالرحمن ابن مهدي عن سفيان.

وأعاده أحمد في مسنده (33: 19886) من طريق شيخه عبدالرزاق الصنعاني عن سفيان.

وأعاده أحمد في مسنده (33: 19910) من طريق شيخه وكيع عن سفيان.

وأخرجه البخاريّ في صحيحه (3190) من طريق شيخه محمّد بن كثير عن سفيان.

وأخرجه البخاريّ في صحيحه (4386) من طريق شيخه عمرو بن عليّ الصيرفيّ عن أبي عاصم النبيل، عن سفيان.

وأخرجه الترمذيّ في جامعه (3951) من طريق شيخه محمّد بن بشّار العبديّ عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن سفيان، وقال: حديث حسن صحيح.

وأخرجه البزار في مسنده المعلل (3598) من طريق شيخه عمرو بن عليّ الصيرفيّ عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن سفيان، وقال: (وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَداً يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِلَّا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ) ورواه جماعةٌ آخرون عديدون.

جميعهم عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ [ص:70] رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ) قَالُوا: إِذْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ) قَالُوا: «قَدْ قَبِلْنَاهَا يَا رَسُولَ اللَّه».

وليس في حديثِ سفيانَ عن جامع بن شدّادٍ كلمةٌ واحدةٌ، عن مسألة بدءِ الخلقِ الذي انفرد بها الأعمش.

ثالثاً: وإليك أبرزُ مَن أخرجه من حديثِ سليمان بن مهران الأعمش عن جامع بن شدّاد:

فأخرجه الإمام أحمد في مسنده الكبير (19876) من طريق شيخه أبي معاوية محمّد بن خازم عن الأعمش، عن جامع بن شدّاد.

وأخرجه البخاريّ في صحيحه (3191) قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ.

وأعاده البخاري في صحيحه (7418) قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ محمد بن ميمون عَنِ الأَعْمَشِ.

وأخرجه أبو سعيدٍ الدارميّ في كتابه «الردّ على الجهميّة» (40) قال: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْأَنْطَاكِيُّ: أَنْبَأَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأخرجه أبو بكر الفريابيّ في كتابه «القدَر» قال: حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُالْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأعاده الفريابيّ برقم (83) قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضريرُ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ.

وأخرجه أبو بكر الروياني في مسنده (140) قال: حدّثنا محمد بنُ إِسْحَاقَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأخرجه ابن حبان في صحيحه (6140) قال: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِشْكَابٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ.

وأخرجه كثيرون غيرُ هؤلاء، جميعهم عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ).

وفي بعض الروايات السابقة (ولم يكن شيءٌ غيرُه).

وفي بعضها (ولم يكن شيٌ قبله).

وفي بعضها (كان الله عزّ وجلَّ قبل كلّ شيء).

وقال الشيخ ابن تيمية: وفي بعضها عند البخاريّ (ولم يكن شيءٌ معه).

ومتى اختلفت ألفاظ الحديث؛ فاعلم أنّ القدرَ المشترك بين ألفاظه؛ هو الذي يترجّح أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

رابعاً: النقدُ التطبيقيّ لحديث الباب:

(1) انفرد الإمام البخاريّ بحديث عمران بن حصينٍ هذا كلّه، فلم يخرّجه مسلمٌ أبداً، لا من رواية سفيانَ المختصرة، ولا من رواية الأعمش المطوّلة!

ولم يروِ هذا الحديثَ بهذه الألفاظ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى عمرانَ بن حُصينٍ، رضي الله عنه، ولم يروه عن عمران، سوى صفوانَ بن محرز، ولم يروه عن صفوان سوى جامع بن شدّاد، ثم رواه عن جامعٍ سفيان الثوريّ وسليمان الأعمش،  فالحديث فرد غريبٌ مطلقٌ في أربع طبقات!

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (13: 410): «لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، الَّتِي ذَكَرَهَا عِمْرَانُ، وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ؛ لَأَمْكَنَ أَنْ يُعْرَفَ مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ عِمْرَانُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اتّفِقَ أَنَّ الْحَدِيثَ انْتَهَى عِنْدَ قِيَامِه»

(2) لا يوجد بهذا الإسنادِ، في الكتب التسعة - على الأقلّ - سوى هذا الحديثِ الواحد، وهذا يعني أنّه إسنادٌ غريب مطلقاً، ومعنى قول البزّار «وهذا إسنادٌ حسن» يعني: هو إسنادٌ غريب، وليس يقصدَ «الحسنَ» الاصطلاحيّ، في نظري!

(3) اختلف سفيان الثوريّ والأعمش في متن هذا الحديث اختلافاً كبيراً جدّاً.

فسفيان روى مسألةَ عدم قبول بني تميم البشرى، بينما قبلها أهل اليمن، فحسب!

والأعمش وافقَ سفيانَ الثوريّ على مسألة البشرى، لكنه زاد جميع ألفاظِ بدءِ الخلق!

(كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ) ورواه عنه تلامذتُه بالمعنى مختَلِفينَ.

قال الشيخ أحمد ابن تيمية في رسالته «الصفدية» (1: 15): «وذكرنا أن حديث عمران رواه البخاريُّ في ثلاثةِ مواضع بثلاثة ألفاظ:

رواه في موضع (7418) بلفظ (كان الله، ولم يكن شيء قبله).

ورواه في موضعٍ آخرَ (ولم يكن شيء معه).

ورواه في موضع آخر (3191) بلفظ (ولم يكن شيء غيره).

وبينّا أنّ المجلسَ كان واحداً، لم يَقُل النبيُّ صلى الله عليه وسلم، إلا لفظاً واحداً من الثلاثة.

وقد ثبت من حديث أبي هريرة عند مسلم (2713)أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (اللهم أنتَ الأوّل، فليس قبلك شيءٌ) واللفطان الآخران رُوِيا بالمعنى» وأكّد هذا المعنى في الصفدية (2: 224).

قال الفقير عداب: وهم الشيخ ابن تيميةَ ههنا في نسبة لفظ (ولم يكن شيء معه) إلى صحيح البخاريّ، إذ ليس هذا اللفظ عنده مطلقاً، وقد قال الشيخ ابن تيمة نفسه في مجموع الفتاوى (6: 551): «وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِغَيْرِ البخاريّ: (كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ).

قال الإمام بدر الدين العيني في عمدة القاري (15: 109): « (كَانَ اللهُ وَلم يكن شَيْء غَيره) وَفِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ (وَلم يكن شَيْء مَعَه) وَوَقع هَذَا الحَدِيث فِي بعض الْمَوَاضِع بلفظ: (كَانَ الله وَلَا شَيْء مَعَه، وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ) وَهِي زِيَادَة لَيست فِي شَيْء من كتب الحَدِيثِ، نَبّه عَلَيْهِ الإِمَام تَقِيّ الدّين ابن تَيْمِية».

قال عداب: قال الشيخ ابن تيمية في الصفدية (2: 223): «ثم إنّ هذا الحديث يحتج به نفاة الصفات على أنّ القرآنَ مخلوق، وأنّ اللهَ لا علم له ولا قدرة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: (كان اللهُ ولا شيء معه) ثم زاد فيه كثيرٌ من المتأخرين (وهو الآن على ما

عليه كان).

ومنهم من يظنّ أنّ هذا من كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع أنّ هذا لم يَروِه أحدٌ عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف».

قال الفقير عداب: هذا وهمٌ كبيرٌ وقع فيه الشيخ ابن تيمية، وتابعه عليه عددٌ من العلماء بعده، منهم تلميذه ابن قيّم الجوزيّة في مدارج السالكين (3: 363).

وقد احتفى الشيخ الألباني بهذه الجملة (كان اللهُ ولا شيء معه) احتفاء شديداً في دروسه ومحاضرته، مع أنّه لم يخرّجها في شيءٍ من كتبه، وللأسف!

ففي كتاب «موسوعة الشيخ الألباني في العقيدة» (6: 157) قال: «كما جاء في حديث عمران بن حصين في صحيح البخاري: (كان الله ولا شيء معه) ثم خلق هذا الكون» وأعاده فيه (7: 600، 651).

وقال في الكتاب نفسه (6: 475): «لأن في الحديث الصحيح: (كان الله ولا شيء معه) وأعاده في (7: 596، 690).

وممن غفلَ عن وهمِ الشيخ ابن تيمية ؛ الحافظُ ابن حجرٍ أيضاً، فقد قال في فتح الباري (6: 289): «ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ «البخاريّ» فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

 أَحَدُها: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ:

قَوْلُهُ: (كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ وَلَمْ (يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ (وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ) وَالْقِصَّةُ مُتَّحِدَةٌ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ بِالْمَعْنَى!

وَلَعَلَّ رَاوِيهَا أَخَذَهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ فِي صَلَاة اللَّيْل كَمَا تقدم من حَدِيث بن عَبَّاسٍ: (أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ) لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ أَصْرَحُ فِي الْعَدَمِ.

وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، لَا الْمَاءُ وَلَا الْعَرْشُ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِك؛ غير الله تَعَالَى».

وقال ابن حجر في موضع آخر من فتح الباري (13: 410): «قَوْلُهُ: (كانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) تَقَدَّمَ فِي «بَدْءِ الْخَلْقِ» بِلَفْظِ: (لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) َفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: (كانَ اللهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ) وهُيَ فِي مَعْنَى (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) وَهِيَ أَصَرْحُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ، وَهِيَ مِنْ مُسْتَشْنَعِ الْمَسَائِلِ الْمَنْسُوبَةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ!

وَوَقَفْتُ فِي كَلَامٍ لَهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ يُرَجِّحُ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ (7418) ولفظُها (كانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) عَلَى غَيْرِهَا  (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) مَعَ أَنَّ قَضِيَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ تَقْتَضِي حَمْلَ هَذِهِ عَلَى الَّتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، لَا الْعَكْسَ، وَالْجَمْعُ يُقَدَّمُ عَلَى التَّرْجِيحِ بِالِاتِّفَاقِ».

وكلام الحافظ ابن حجر في مسألة الجمع والترجيح؛ تعني أنّه لم ينتبه إلى أنّ جملة (كان الله ولا شيءَ معه) أو (ليس معه شيء) ليست من حديث عمران بن حصين، ولا غيره، إنّما هي وهمٌ من لدن الشيخ أحمدَ ابن تيمية، تابعوه عليه!

وابن تيمية لا يحبّ جملة (كان الله ولا شيءَ معه) ويرجّح رواية (ليس قبله شيءٌ) لأنه يناضل عن فكرة وجود حوادث لا أوّل لها!

قال الشيخ ناصر الألباني في صحيحته (1: 258): «وفي هذا الحديثِ (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلمُ، وأمره أن يكتب كل شيء يكون) ردٌّ أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق، إلا هومسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى مالا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق.

فهذا الحديث يُبطل هذا القولَ، ويعيّن أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعا أي

مخلوق.

ولقد أطال ابن تيمية رحمه الله الكلامَ في ردّه على الفلاسفةِ، مُحاولاً إثباتَ «حوادث لا أول لها» وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتّهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمةٌ، لا أول لها، مع أنه يقول ويصرّح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسلِ الحوادثِ إلى ما لا بداية له، كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوضٌ بهذا الحديث، وكم كنّا نودُّ أنْ لا يَلجَ ابن تيمية رحمه الله هذا المِولجِ؛ لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام، الذي تعلمنا منه التحذيرَ والتَنفير عنه».

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (2: 272): « وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ، الْمُدَّعُونَ لِلتَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ؛ مَا يَأْثُرُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ) عِنْدَ الِاتِّحَادِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ) كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ لَا كِبَارِهَا وَلَا صِغَارِهَا، وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي مُتَكَلِّمَةِ الْجَهْمِيَّة، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى آخِرِ التَّجَهُّمِ، وَهُوَ التَّعْطِيلُ وَالْإِلْحَادُ».

انظُر أخي القارئ إلى نضال الشخ ابن تيمية عن رأيِه، ورميِه مخالفيه بما هو ظاهر، وانظر إلى دعواه العريضة «اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ... وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ».

أينَ اتّفق العلماء على أنّ هذه الجملة موضوعة، ومن الذي سبقَ ابنَ تيمية في الكلام عليها، لكنّها هي الأخرى، لا تروى بإسنادٍ صحيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ».

وعندما أقول هذا الكلامَ؛ لا أضعّف الكلام ذاتَه، إنما أنفي نسبتَه إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

نعم أعتقد أنّ الله تعالى (كان ولم يكن شيءٌ قبله) و(كان ولم يكن شيءٌ غيرُه) و(كان ولم يكن شيءٌ غيره) لكنّ هذا شيٌ، ونسبةُ ذلك إلى الرسول؛ شيءٌ آخر مختلف!

ختاماً: حديثُ (كان اللهُ ولا شيء معه) وما زاده فيه كثيرٌ من المتأخرين (وهو الآن على ما عليه كان) كلاهما لم يَروِه عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدٌ، لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف»!

وحديث عمران كلّه من أوّله إلى آخره؛ فردٌ غريب مطلقٌ، لايصلح لبناء عقيدة عليه، وهو من مفاريدِ الأعمش عن جامع بن شدّاد.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 13 يوليو 2026

  مَسائِلُ مِنَ التَفسيرِ وعُلومِ القُرآنِ:

الوُقوف على «ما» الاستفهاميّة !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) [سورةُ القيامة].

أمّا بعدُ: يعلم القريبون مني، والذين قرؤوا عليَّ؛ أنّ لي منهجاً خاصّاً في الوقف والابتداء، لا يخضع أحياناً للمتعارفِ عليه بين علماء القراءة!

وربَما رجّحت وَقفاً انفرد به واحدٌ من القرّاء، أو اللغويين؛ لمعنىً إضافيٍّ، أو صورةٍ بيانيّة ظهرت لي.

وأوّلَ مِن أمسِ؛ كنت جالساً في إحدى حدائق استانبول، مع وَلديَّ محمّد وفاطمة، وطلبت من فاطمة أن تقرأ عليّ سورة النازعاتِ.

فقرأتْ، حتى وصلت إلى قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) فقلت لها: قفي على (فيمَ) فوقفَتْ بالفتحِ (فيمَ)!

قلت لها: بل تقفين عليها ساكنةً، وتبتدئين بقوله تعالى (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) ففيها صورةٌ بيانيّة، ومعنىً إضافيّ!

اعترض ولدي محمّدٌ، وقال: «علماء الوقف يقولون: معنى الآية: ليسَ إليكَ ذِكْرُها؛ لأنّك لم تَعرِفْ وَقْتَها».

قلت له: صحيح هم يقولون ذلك، بيد أنني أرى الوقفَ على (فيمْ) والابتداء بقوله تعالى (أَنْتَ مِنْ ذِكْراهَا) أجملُ؛ لأنّك تقدّر محذوفاً من جنس السباق (يَسألونك) «فيمَ سؤالُهم هذا»؟ وجودُك أنت في هذا الزمان مِنْ ذِكْرَاهَا، استئناساً بقوله تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).

وانفصلنا على غيرِ وِفاق، وبدا لي أنّ الوقف على (فيمْ) يجعل الاستفهام غامضاً جدّاً، فقلت: أراجعُ المسألةَ في مظانّها؛ لأتذكّر ما قد نسيتُه، أو أتعلّمَ جديداً !  
قال جمال الدين ابن هشام في المغني (ص: 393):

«يَجبُ حَذفُ ألفِ (ما) الاستفهاميةِ، إِذا جُرّتْ، وإبقاءُ الفَتحةِ دَلِيلاً عَلَيْها، نَحْوُ: «فيمَ وإلامَ وعَلامَ وَبِمَ».

وَعِلّةُ حَذفِ الْألفِ؛ الفَرْقُ بَين الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: (فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا) و(فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ) و(لمَ تَقولُونَ ما لا تَفعَونَ).

وَثَبتَتْ فِي نحوِ: (لَمَسّكُم فِيما أَفَضْتُم فِيهِ، عَذَابٌ عَظِيمٌ) و(يُؤمنُونَ بِما أنزل إِلَيْك) و(ما مَنعك أَن تسْجد لما خلقتُ بِيَديَّ).

وقال أبو جعفر النحّاس، في إعراب القرآن (5: 93):

«سورة النازعات: 43» (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها): أَيْ: ليسَ إليكَ ذِكْرُها؛ لأنّك لم تَعرِفْ وَقْتَها، والأصلُ في «ما» حَذْفُ الألفِ، فَرقاً بين الاستفهامِ والخبرِ.

فإنّ قَبلَ «ما» حَرفٌ خافِضٌ «في».

والوُقوفُ عليه (فيمَهْ) لا يَجوز غيرُه؛ لئلّا تَذهبَ الألفُ وحَركَةُ الميم.

[انتبه جيّداً جوّز الجمهور الوقف عليه بالسكون، وهو يقول: لا يجوز الوقف بالسكون]

والصوابُ أنْ لا يُوقفَ عليه؛ لئلّا يُخالفَ السَوادَ «جُمهورَ القُرّاء في عَدَمِ زيادَتِهم هاءَ السَكْتِ» أو يَلْحَنَ، إنْ وَقَفَ عليه بِغيرِ الهاء (فيمْ)».

وقال أبو عَمرُو الداني، في كتابه «التيسير في القراءات السبع» (ص: 61): «وَتفرّدَ «أبو الحسن أحمد بن محمّد» البَزِيّ «أحدُ الرواةِ عن ابن كثيرٍ المكيّ» بِزِيَادَةِ هَاءِ السَكْتِ، عِنْدَ الوَقْفِ على (ما) إذا كَانَت استفهاماً، ووَلِيَتْ حَرْفَ جَرٍّ، نَحْوُ قَوْلِه تعالى: (فَلِمَ تَقَتُلونَ) و (لِمَ تَقولُونَ) و (فيمَ أَنْت مِنْ ذِكراها) و (فَبِمَ تُبَشّرون) و (بِمَ يَرجِعُ المُرْسلون) و (عَمَّ يَتساءلون).

وقال أبو جعفر ابنُ الباذِش في كتابه «الإقناعُ في القراءات السبع (ص: 260): «وقفَ البَزيُّ مِن طِريق ابنِ غَلبونَ عليه بالهاء، فيقول في الوقفِ: (فَلِمَهْ) و(فِيمَهْ) و(فَبِمَهْ) و(عَمّهْ) ووقفَ الباقونَ بِغيرِ هاء، ويُسكّنونَ الحَرفَ المَوقوفَ عَليهِ (فيمْ).

وما رُوِيَ عن البَزيّ؛ أجودُ في العَربيّةِ، وأكثرُ في كَلامِ العَرب».

خلاصةُ ما تقدّمَ: أنّ قراءةَ قولِه تعالى (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) وصلةً واحدةً، على رأي أبي جعفر النحاس؛ سيكون معناه: مالك وذكراها، فأنت لا تعرف عن ميقاتها شيئاً؟

أمّا إذا وقفنا على (فيمَهْ) على رأي البَزيّ؛ فيتوضّح لنا معنىً إضافيّ، هو أنّ الرسولَ وبعثتَه صلّى الله عليه وآله وسلّم، من علاماتِ الساعة.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

طَهارةُ الأمّ تنجي ذرّيتها من النار !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

أرسل إليّ أحد السادةِ الحسينيين يقول: ما صِحّةُ حَديثِ ( إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار ).

وحَديثِ (إنما سُميت فاطمةَ؛ لأنّ اللهَ فطَم محبيها من النار) عند أهل السنة؟

أقول وبالله التوفيق: هذان حديثان باطلان، سنداً ومتناً.

) أمّا الحديث الأوّل؛ فقد قال الإمام أبو بكر البزار في مسنده المعلل (1829): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ غِيَاثٍ الحضرميُّ عَنْ عَاصِمِ بن أبي النَجود المقرئ، عَنْ زِرِّ بن حُبيشٍ المقرئ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعودٍ الصحابي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنْتَ فَرْجَهَا فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَتَهَا عَلَى النَّارِ) وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ، إِلَّا عَمْرُو بْنُ غِيَاثٍ، وَعَمْرٌو هَذَا كُوفِيُّ لَمْ يُتَابِعْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.

وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ مُرْسَل.

ومن حديث عمرو بن غياثٍ عن زرٍّ به مرفوعاً؛ أخرجه ابن شاهين في مذاهب أهل السنة (181) والحاكم في المستدرك (4726) وقال: صحيح الإسناد، وتمّام الرازي في فوائده (356، 357) وأبو نعيم في الحلية (4: 188) وقال: «هَذَا غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ، تَفَرَّدَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بن هشام».

والحديث أخرجه العقيليّ في الضعفاء (1179) ونقل عن البخاري قوله: «عُمَرُ بْنُ غِيَاثٍ كُوفِيٌّ وَيُقَالُ: عَمْرٌو، فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ».

وأخرجه ابن حبان في كتاب المجروحين (648) وقال: «عُمَر بن غياثٍ، ويقال: عَمرُو: مُنكر الحَدِيث جدّاً، على قلَّة رِوَايَته.

يَروي عَن عَاصِم مَا لَيْسَ من حَدِيثه، إِن سمع من عَاصِم مَا روى عَنه».

وأخرجه ابن عديّ في الضعفاء (1234) ونقل كلام البخاريّ السابق في عمرو، وقال: مُعضَل الحديث.

وفي بعض هذا الكلام؛ كفايةٌ لضعف إسناد الحديث ووهائه.

أمّا عن متن الحديثِ؛ فلا يكفي حِفظُ المرأةِ فرجها؛ لدخولها هي الجنّةَ، فضلاً عن ذريتها التي تعدّ بالملايين!

فإنْ قيل: هذه خصوصيّةٌ وتكرمةٌ للسيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام؟

قيل: هذا مخالف لآياتٍ كثيرة في القرآن الكريم، ثمّ إنّ الخصوصيّة عقيدةٌ، لا تثبت إلّا بالمتواتر والمشهور.

قال الله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) [البقرة].

) وأمّا الحديث الثاني: (إنما سُميت فاطمةَ؛ لأنّ اللهَ فطَم محبيها من النار) فهو حديث موضوع، أخرجه ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» (1: 421) وقال: «قَالَ الْخَطِيبُ: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من المجهولين غير وَاحِد، وَلَيْسَ بِثَابِت» وقال أيضاً: «وهذا من عَمَلِ الْمُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانَ الْغَلَابِيّ.

قال الدارقطنيّ: «كَانَ يَضَعُ الحَدِيث».

وأورده الذهبيّ في تلخيص الموضوعات (326) وقال: «الغَلابِيُّ مُتَّهم، وَبِشرُ بن إِبْرَاهِيم الْأنْصَاريِّ كَذَّاب».

وفي هذا كفايةٌ، لمن كان له قلبٌ، أو ألقى السمعَ وهو شهيد.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 27 يونيو 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَل محمّد بن كرّام من علماء الحديث !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) [المائدة].

أمّا بعد: أرسل إليّ أحد الأحبابِ الرسالة الآتيةَ، ووجدت بجوابِها، ثمّ نسيتُ، فأعتذر منه.

قال في رسالته: «ابنُ تيميةَ، كانَ يرى في محمدِ بنِ كرامٍ السجستانيِّ المبتدعِ، شيخِ الفرقةِ الكراميَّةِ إحدى فرقِ المجسمةِ المرجئةِ، أنهُ منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ!

معَ أنَّ ابنَ كرامٍ هذا يَروي الواهياتِ، ويجالسُ الوضاعينَ، ويأخذُ عنْهُمْ!

قالَ الإمامُ ابنُ حبانَ رحمهُ اللهُ تعالى في كتابهِ «المجروحينَ منَ المحدثينَ والضعفاءِ والمتروكينَ» رقم (1013): «خذلَ حتى التقطَ منَ المذاهبِ أردأها، ومنَ الأحاديثِ أوهاها، ثمَّ جالسَ الجويباريَّ، ومحمد بنَ تميمٍ السعديّ، ولعلَّهُما قدْ وضعا مائةَ ألفِ حديثٍ».

ونقلَهُ الحافظُ الذهبيُّ في «سيرِ أعلامِ النبلاءِ» في ترجمةِ ابنِ كرامٍ.

والجويباريُّ كانَ كذاباً وضاعاً ساقطاً، مضربَ المثلِ في الكذبِ، وكانَ يروي عنْ ابنِ عيينةَ وطبقتِهِ. ذكرَهُ ابنُ ماكولا في «الإكمالِ»، وقدْ ترجمَ لهُ الذهبيُّ في كتابهِ «ميزانِ الاعتدالِ في نقدِ الرجالِ»، وقالَ: «ممنْ يضربُ المثلَ بكذبِهِ».

وقالَ ابنُ كثيرٍ في ترجمةِ ابنِ كرامٍ هذا في «البدايةِ والنهايةِ» (14: 515): «وقدْ روى ابنُ كرامٍ عنْ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الجويباريِّ، ومحمدِ بنِ تميمٍ الفاريانيِّ، وكانا كذابينِ وضاعينِ».

قال صاحب الرسالة: «ما رأيكم بهذا الكلام».

أقول وبالله التوفيق: مَقصَدُ الرسالةِ؛ الحملُ على الشيخِ أحمدَ ابن تيمية؛ أنّه كان يثني على رجلٍ ضالٍّ مضلّ، ويقول: إنّه من كبار علماء الحديث.

وقد ذكر ابن تيمية محمّدَ بن كرّام (20) مرّةً في كتبه، وذكر الكرّامية (282) وقد تتبعت هذه المواضع كلّها، فما وجدت الشيخ ابن تيميةَ أثنى على محمّد بن كرّام، أو على الكرّامية أبداً، حبّذا لو أنّ الأخ صاحب هذه الجملة «ابنُ تيميةَ، كانَ يرى في محمدِ بنِ كرامٍ السجستانيِّ المبتدعِ، شيخِ الفرقةِ الكراميَّةِ إحدى فرقِ المجسمةِ المرجئةِ، أنهُ منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ» أن يدلّنا على الموضع الذي قال فيه ابن تيمية: « محمّد بن كرّام منْ أكابرِ أهلِ الحديثِ»!

ويبدو لي أنّ الهوى لعب بعقل وعينِ صاحب هذا الكلام؛ فزيّن له الشيطان ونفسُه أن يقول ما قال، عندما قرأ قول الشيخ ابن تيمية في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (5: 342): «إنّ محمد بن كرّام إنما ظهر في أثناء المائة الثالثة، وهو قرين أبي سعيد بن كُلاّب، وهما أقدم من الأشعريِّ، وإن كان الأشعري قد أدرك ذلك الزمانَ، لكن ابن كرّام كان بسجستان وتلك النواحي وابن كلاب كان بالبصرة وكذلك الأشعريّ.

وعَصرهما هو عصر أئمة أهل السنن المصنفة كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

ومع هذا فلم يذكر الأشعري في مقالاته عن الكرامية شيئاً خصهم به، إلا أنه عدهم في فرق المرجئة؛ قال: «اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم اثنتا عشرة فرقةً» انتهى.                      

الشيخ ابنُ تيمية انتقد محمد بن كرام والكرامية في مواضع كثيرة من كتبه، وفي حدود علمي لم يثن على ابن كرّام ثناءً خالصاً قطّ.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.