الجمعة، 3 أبريل 2026

  مَسائلُ عَقَديّةٌ:

الابْتِداعُ في الدينِ

بسم الله الرحمنِ الرحيم

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ.

فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26).

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ.

وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً.

وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.

إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها.

فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) [سورة الحَديد].

شرحُ هذا الكلامِ الإلهيّ المقدّس:

(1) (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).

نوحٌ وإبراهيم عليهما السلام؛ رسولانِ من عند الله تبارك وتعالى.

أمّا نوحٌ؛ فقد قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) [الصافات].

وأمّا إبراهيم، فقد قال الله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) [الأنعام].

(2)(فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وأمّا أنّ أكثرَ ذريّتهما فاسقون؛ فتوضيحه في قوله تعالى:

(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ.

كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ، وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) [الأعراف].

(3) (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) تقدّم توضيحه قبل سطرين.

(4) (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ليس كلُّ منتسبٍ مُتّبِعاً، فأكثر المسلمين اليومَ غير متّبعين للرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم في جميع ما أَمَرهم به.

وكذلك هي الأمم السابقة، فمَن كان ملتزماً بدين عيسى عليه السلام، كان موصوفاً بالرأفة والرحمة، وتصديقه في قوله تعالى:

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.

وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّا نَصَارَى!

ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82).

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ؛ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) [المائدة].

(5) الآية السابقةُ تقول: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) فهل قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) معطوفٌ على ما تقدّم؟

اللهم لا؛ لأنّ الآية تقول: ابتدعوها من عند أنفسهم، ففي ذلك تقديم وتأخير، تقديره: وابتدعوا رهبانيّة ما كتبناها عليهم.

فتكون: رهبانيةً: منصوبةً على التحذير، أو على العنايةِ، أو على المدح، أو على الذّمّ، على حسبِ ما يَفهم كلُّ قارئ سياق الآية!

ثمّ يأتي السؤال: لماذا ابتدعوها إذن؟

يأتي الجواب: ما ابتدعوها

(6) (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها).

كمَنْ يَشترط على نفسه أن يستغفر الله تعالى في كلِّ يومٍ ألف مرّةٍ.

ويصلّي على الرسولِ في كلِّ يومٍ ألف مرّةٍ.

ويقرأ القرآن الكريمَ في كلِّ ثلاثةِ أيّأمٍ مثلاً!

لكنّه لم يَستطع المواظبةَ على ذلك، في جميع الأحوال، نتيجةَ الضعفِ البشريّ، فهذا معنى (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها).

وإذ هم (ما رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها) وضعُفوا عن تحمّل تبعاتِ الرهبانيةِ التي من أبرز معانيها؛ مجانبةُ النساء تماماً، فهل أدخلَهم الله تعالى النّار لابتداعهم، أو لأنهم (ما رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها) أو لأنّ ما ابتدعوه مكفّرٌ؟

قال الله تعالى:

(7) (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) معنى الآية الكريمة: مع أنّهم ابتدعوا الرهبانيّةَ التي ما كتبها اللهُ عليهم، إلّا أنّ الذين واظبوا على الانقطاعِ إلى العبادةِ المشروعةِ، ولم يقاربوا النساء في الحرام؛ فأثابهم الله تعالى على صالحِ أعمالِهم؛ لأنّ الانقطاع إلى العبادةِ أمرٌ مشروع مُثاب.

(8) (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) فالفاسقون الكثيرون، إنْ كان ما ابتدعوه مكفّراً؛ دخلوا به جهنّم وبئس المصير.

بناءً على ما سبق تأسيسه؛ فإنّ من شترط على نفسه:

أن يستغفر الله تعالى ألف مرّةٍ في اليومِ.

ويصلّي على الرسولِ ألفَ مرّةٍ في اليوم.

ويقرأ القرآن الكريمَ في كلِّ ثلاثةِ أيّأمٍ مثلاً.

هو مأجورٌ مثابٌ لأنّ ذكرَ الله تعالى والتوبةَ والاستغفارَ والصلاة على الرسول، ليست مشروعة فحسب، بل هي مأمورٌ بها في القرآن الكريم، وليس ذلك من الابتداعِ المنهيِّ عنه في شيءٍ.

 (8) الآن يأتي السؤال الأخير: كيف نفهم الأحاديث الواردةِ في ذمّ البدعةِ والزيادةِ في العبادةِ على ما صحَّ عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؟

الجواب: هي أخبارُ آحاد، مختلفة الألفاظ، دلالتها على العموم ضعيفة!

وفي فهم كلامِ الإمام الشافعيّ، والشيخ أحمد ابن تيمية، رحمهما الله تعالى، الذي أوردته في المنشور السابق؛ ما يكفي لمَن يريد الحقَّ!

أمّا الذين لا يجيدون سوى الطعنِ في علماء المسلمين، وعداوة عامّتهم؛ فأولئك لا يفقهون سوى كلماتٍ حَفظوها، وأكرهوا قلوبَهم وعقولَهم على أنّها هي الحقّ الصريح!

أسأل الله تعالى أن يهدينا وإيّاهم إلى سواء السبيلِ.

والحمد لله على كلّ حال.

     مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هل كلُّ بدعةٍ في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ، إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً؛ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) [سورةُ الأحزابِ].

أمّا بعد: قال لي صاحبي: الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلّ ضلالةٍ في النار) وأنت تقول: هذا كلامٌ غير صحيح، ولا يمكن أن يخالفَ الرسول كتابَ الله تعالى!

قال: أوضح لي هذا الكلام، فأنا لم أفهم!

أقول وبالله التوفيق:

صحّ عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله: (كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ) من حديث جابر بن عبدالله، ويوافقه حديثِ العرباض بن سارية، الذي لا أصححه.

أمّا جملةُ (وكلّ ضلالةٍ في النار) فهي مَرويّةٌ عن عمر بن الخطّاب وعبدالله بن مسعودٍ من قولهما.

وإذْ إنّ قول الصحابيّ وفعلُه ليسا حجّةً عندي، ولا يُلزمان أحداً من المسلمين؛ فالتشاغل في تخريج ذلك ونقده؛ ليس له كبير فائدة!

هذا من حيثُ الإجمالُ، وأمّا من حيثُ التفصيلُ، فأقول:

أعرضَ البخاريُّ عن تخريجِ أيِّ حديثٍ مرفوعٍ، فيه ذمٌّ للبدعة، فانتبه إلى هذا الكلام!

إنّما ترجمَ في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة باباً بعنون «بَاب إِثْمِ مَنْ دَعا إِلَى ضَلَالَةٍ، أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [النحل: 25] الْآيَةَ.

وأخرجَ تحت هذا الباب حديثَ عبدالله بن مسعود (7321) قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم: (لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْها)

أمّا حديث حديث جابر بن عبدالله (خَيْرُ الْهُدَى؛ هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) أخرجه مسلم (867) وابن خزيمة (1785) وابن حبّان (10) وهذا القدرُ من الحديث؛ إسناده صحيحٌ فردٌ غريبٌ مطلقٌ، لم يروه بهذا اللفظ صحيحاً عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم سوى جابرِ بن عبدالله (ت: 68 هـ) ولم يروه عنه سوى محمّد الباقر (ت: 114 هـ) تفرّد به جعفرٌ الصادق (ت: 148 هـ) وهو حديثٌ مشهورٌ عن الصادق، رواه عنه جمعٌ غفير!

وقد صحّح بعضُ المحدّثين زيادةَ (وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) من طريق عبدالله بن المبارك عن سفيان الثوريّ، عن جعفرٍ.

لكنْ لم يصحّحها أحدٌ من أصحاب الصحاح «مسلم، وابن حبّان » وساق ابنُ خزيمةَ هذه الزيادة من طريق ابن المبارك عن سفيان، ثم قال: «هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَلَفْظُ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ؛ مُخَالِفٌ لِهَذَا اللَّفْظِ».

 قال الفقير عداب: لم أقف حتى الآن على روايةٍ لأنسِ بن عياضٍ عن جعفرِ الصادق، في شيءٍ من كتب الحديث المشهورة، ووجدت صاحبَ المعرفة والتاريخ (1: 190): قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بن إبراهيم الدمشقيّ «دُحَيم»: «قَالَ إِنْسَانٌ لِأَبِي ضَمْرَةَ «أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ»: قَرَأْتَ حَدِيثَ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ، كَمَا قَرَأْتُ؟ قَالَ: «مَا لِي وَلَكَ؟ قَرَأَهُ عَلَيْهِ جَارٌ لَنَا».

ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ النَّصْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: «ما يَكذب الكذاب، إِلَّا مِنْ مَهَانَةِ نَفْسِهِ».

وهذا يُشيرُ إلى أنّ أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ؛ لم يسمع من جعفرٍ الصادق!

ومقتضى هذا الكلام؛ أنّ زيادة «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ليستْ ثابتةً عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لأنّ ابن المبارك خالف فيها رواةً كثيرين عن سفيان، فضلاً عن مخالفته عدداً أكثرَ منهم عن جعفرٍ!

وفي مواضعَ عديدةً صحّح الشيخ ابن تيمية زيادةَ «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» واحتجَّ بها، إلّا في موضعٍ واحدٍ، يبدو أنّه صدرَ عنه في آخرِ حياته!

فقد قال في مجموع الفتاوى (19: 191): «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) وَلَمْ يَقُلْ: (وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) بَلْ يَضِلُّ عَنْ الْحَقِّ مَنْ قَصَدَ الْحَقَّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ، فَعَجَزَ عَنْهُ، فَلَا يُعَاقَبُ، وَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَخَطَؤُهُ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ؛ مَغْفُورٌ لَهُ.

وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ قَدْ قَالُوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ:

- إمَّا لِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، ظَنُّوهَا صَحِيحَةً.

- وَإِمَّا لِآيَاتِ فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا.

- وَإِمَّا لِرَأْيٍ رَأَوْهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ.

وَإِذَا اتَّقَى الرَّجُلُ رَبَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا».

ختاماً: أنصح الإخوةَ الذين يتنطّعون في مسألة البدعةِ كثيراً؛ أن يقرؤوا كلام الشيخ ابن تيمية مرّاتٍ عديدةً، ثمّ ليتذكّروا أموراً ثلاثةً:

الأوّل: أنّ الإمامَ البخاريَّ لم يخرّج أيّ حديثٍ مرفوعٍ في «البدعة»!

والثاني: أنّ البدعةَ اجتهادُ عالمٍ قصدَ وجه الله في مسألةٍ، فأخطأ فيها - في نظر بعضهم - وتابعه عليها آخرون، وليست هي كما يظنّ أولئك المتنطّعون الإصرارِ على مخالفةِ الحقِّ والسنّة!

والثالث: أنّ الإمام الشافعيّ؛ أعلمُ علماءِ أهل السنّة من لدن التابعين إلى عصره!

وليس في العلماء حجّةٌ في اللغة العربيّة سواه!

هذا الإمامُ العبقريّ قال: «المحدَثاتُ من الأمور ضربان:

أحدهما: ما أُحدثَ يخالفُ كتاباً أو سنةً أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة.

والثاني: ما أُحدث من الخيرِ، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: «نعمتِ البدعة هذه» يَعني أنها محدثةٌ لم تكن، وإذ كانتْ؛ فليس فيها ردٌّ لما مضى».

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال.

الأربعاء، 1 أبريل 2026

       مَسائِلُ فكريّةٌ:

الظَنُّ أكذبُ الحديثِ ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ؛ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) [الأنعام].

أمّا بعد: أتأمّلُ في حالي وأحوال المسلمين في هذه الأيّام؛ فلا أرى أنّنا جديرون بحَمل رايةِ الإسلامِ، ولسنا صالحين لتمثيله اعتقاداً وشريعةً وأخلاقاً.

انظر إلى قول الله تعالى (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).

والخَرْص: هو كلّ قولٍ بناه الخرّاصُ على الاحتمالِ والتَخمين!

فهو الكذب الصريح، سواءٌ كان مطابقاً للشَيءِ أو مُخالفاً له، من حيث إنّ صاحبه لم يقله عن علم.

وفي هذا المعنى يقول الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) أخرجه البخاريّ في كتاب الأدب (6064) ومسلمٌ في البرّ والصلة (2563) والترمذي (1988) وقال: «هذا حديث حسنٌ صحيح».

أين نحن من دلالاتِ هذا الحديثِ الصحيح، وأين التزامنا بأخلاق الإسلام جملةً وتفصيلاً.

أنتَ عندما تتّهم أخاك المسلم بأيّ تهمةٍ من التُهم، وأنت لم تلتقِ به، ولم تسأله ولم تحاوره؛ فأنت كذّاب ملعونٌ حقير!

فهل يقبلُ أحدٌ أن يكون في نظر الله تعالى ونظر رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم كذّاباً خرّاصاً مفترياً؟

قال الله تبارك وتعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.

أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟ فَكَرِهْتُمُوهُ.

وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) [الحجرات].

وإنّ مما يحزن أنّ العامّةَ وبعضَ العلماء ينهجون هذا المنهج القبيح، ويكيلون التهمَ لإخوانهم من أهل العلم، من دون أن يكون لديهم مستندٌ، يصلح أن يكون حجّةً أمام القضاء!

قال الله تعالى وتعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ؛ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) [النور].

أخوك المسلم يقول لك: أنا لست شيعيّاً، تقول له: بل أنت شيعيّ غصباً عنك!

أخوك المسلم يقول لك: هناك فرق كبيرٌ بين الطعن والتنقّص، وبين الوصف المطابق للواقع!

هناك فرق بين قولك: فلانٌ باغٍ، وفلانةٌ باغية، وبين قولك: فلانةٌ بغيّ!

المرأةُ البغيّ: هي المرأة الزانية.

والمرأةُ الباغية: هي التي خرجَت مع مَن خرجَ على الإمامِ الشرعيّ!

فيذهب لحقارةٍ في نفسه وفقدانٍ للصدقِ والعلم، فيقول لك: فلانٌ يطعن بأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويقول: إنّها بغيّ!

فإذا كنت أنت جاهلاً أرعنَ، لا تفرّق بين العار والعير؛ فاستر على جهلك بالسكوت!

هل تصدّق بأنني في لحظات الغضب ممّا يتّهمني به الأوغاد الأوباش؛ أفكّر في قتلهم، وأنا ابن ثمانين سنة؟

لماذا تقودُ أخاك إلى أن يفكّر بقتلك، وإنهاء حياتِك، وربما لو واجهته؛ لقتلك؟

يقولون لك: الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا عنه أكثرَ ممّا قالوا عنك!

وهذا خطأ، فإنّ الذين اتّهموا الرسول، وقالوا: مجنونٌ وساحرٌ وشاعرٌ؛ هم المشركون أعداءُ اللهِ، وأنت تتّهم عالماً من علماءِ المسلمين - على الرغم من أنفك وأنوف عشيرتك كلّها - بتُهمٍ وافتراءاتٍ ليس لها في الحقيقةِ ونفس الأمر رصيدٌ من الواقع!

ثمّ مَن هذا الذي قال لك: إنني أقوى على ما يقوى عليه الرسول من حِلْمٍ وصبرٍ وسماح؟

أنا لا أنوي بأحدٍ من المسلمين شرّاً، مهما أساء إليّ، لكنّني لو واجهت واحداً من أولئك السفلة المجرمين؛ فلا أدري ما الذي يقودني غضبي إليه!

فكّروا أيّها المفترون الحمقى الأوباش بأنّكم تصدّون عن سبيلِ الله تعالى، وتقودون الناس إلى ارتكابِ جرائمَ، أو تقودون بعض الجهلة إلى ترك هذا الدين كلّه لكم ولأمثالكم من السفلِ!

ختاماً: عداب الحمش اليومَ في حماة، وهو يَعرف كثيرين من المفترين عليه، وهو يحذّرهم أشدّ التحذير «وقد أعذرَ مَن أنذر» ولا حولَ ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

 والحمد لله على كلّ حال.

الأربعاء، 25 مارس 2026

  التصوّف العليم:

حُبُّ اللهِ تَعالى رزق!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) [الأحزاب].

أمّا بعد: دخل أحدُ الزائرين إلى بيتي، فوجدني أستمع أنشودةً لأحد المنشدين المتقنين، فقال لي: حبّذا لو تعدّل لنا بعضَ أبياتِ هذه المقطوعة الشعريّة الجميلةِ، حتى لا يعترضُ علينا أولئك الذين ضيّقوا علينا رحابةَ ديننا الحنيف!

فقرأتُ تلك الأبيات غيرَ مرّةٍ، ثمّ عدلتُ فيها ما أظنّ الأعراب لا يستمعون إليه، ويشوّشون علينا مجالس سماعنا لأجله، فقلت:

نفَحاتُ رضاك لها أرج

تَسمو وتَرقّ بها المهجُ

وتَقودُ العبدَ لرفعته

والقَلبُ يُقوّمه اللَهَجُ

بالذِكْرِ كثيراً في آنٍ

وعلى القرآن له بزَجُ

وَفؤادُ الصبِّ به شغفٌ

شوقاً للحِبّ، ومُبتَهَجُ 

وبِذكْر اللهِ يزولُ الغَمُّ

عن الأرواح ويَندرجُ

فأدم يا ربُّ لنا حبّاً

ليكونَ لنا منه حُجَجُ

وببهجةِ نورِ جلالِ جمالِ

كمالِ صفاتك نبتهج

ما الناسُ سوى قوم عرفوك

ورقّاهم حالٌ تَرَجُ

دخلوا فقراء إلى الدنيا

وكما دخلوا منها خرجوا

قومٌ فَعلوا خيراً، فَعَلَوْا

وعلى دَرَج العليا دَرجوا

يا مدّعِياً لطَريقِهِمُ

قوّم، فطريقك مُنعَرِجُ

تَهوى المولىَ، وتنام الليلَ

لعَمْرُك ذا نَوْمٌ ثَفَجُ

يا ربُّ رَواحِلنا بَركَتْ

في بابِ الحبِّ، فهل نَلجُ

وعلى أنغام محبّتنا

طَرِبَ الأحبابُ، وقد لَهَجوا

وهمُ في الحُبِّ على رُتَبٍ

وعلى ذا الدَرب بنا نَهجوا

فهِموا المعنى، فهُم مَعنا

وبِذكر اللهِ لهم لَهُجُ

فعسى برضاكَ تُباركُنا

وبنور الحبِّ لنا فَرَجُ

واهْدِ اللهمّ عَمِيَّ القلبِ

فليس على الأعمى حرج

واجمَعْ شَمْلَ الأحبابِ هدىً

فبحبّك يَصحبُنا الفَلَجُ

 وبحبّ رسولك أحمدِنا

يَزدانُ الصبحُ وينبلجُ

يا رَبّ وأصلحْ قادَتنا

بهُداكَ، فينعدِلُ العِوَجُ

والحمد لله على كل حال.

الخميس، 19 مارس 2026

 

مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

صلاةُ العيدِ وصلاةُ الجمعةِ، في يَومِ جُمُعةٍ ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

سألني عدد من الإخوة عن إجزاء صلاة العيد عن صلاة الجمعة، إذا توافقتا في يوم واحد؟

أقول وبالله التوفيق:

لا يخفى على طالب العلم أن الحجة في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول الصحيحة.

صلى الله عليه وآله وسلم.

وإجماع علماء الأمة الإسلامية ليس دليلاً شرعياً، إنما هو كاشف عن الدليل، ظاهراً أو خفيّاً.

أما الإجماع الطائفي العاري عن دليلٍ بعينه؛ فليس بحجة من باب أولى.

إذا قرأت كلامي هذا؛ يسهل عليك استيعاب كلامي الآتي:

أولا: لم يصح أيُّ حديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المسألة، نفياً أم إثباتاً.

وقد رُويت عدّةُ أحاديث مرفوعة، جميعها ضعيفة، ورويت بعضُ آثارٍ موقوفةٍ على الصحابةِ والتابعين، بعضها صحيح الإسناد، وله محامل، كما سيأتي.

وإليك أحسن ما روي من ذلك:

بإسنادي إلى عُبيدِالله بن يحيى الليثيّ قال: أخبرني أبي في الموطأ (431) عن مالك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ في حديثٍ له: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ، وَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ؛ فَلْيَنْتَظِرْها، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ؛ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» ومن حديث الزهريّ عن أبي عُبيدٍ به موقوفاً على عثمان رضي الله عنه؛ أخرجه الشافعيّ في مسنده (501) والبخاري في صحيحه (5573).

وظاهرُ إسنادِ هذا الحديث الصحّة مع الغرابة، بيد أنّني لم أجد في الكتب التسعة بهذا الإسنادِ (الزهريّ عن أبي عُبيدٍ، عن عثمان) سوى هذا الحديث الواحد!

ولم أجد بهذا الإسناد (الزهريّ عن أبي عُبيدٍ، عن عمر رضي الله عنه) سوى طرفِ هذا الحديثِ الأوّلِ نفسه.

ولم أجد بهذا الإسناد (الزهريّ عن أبي عُبيدٍ، عن عليّ عليه السلام) سوى طرفِ هذا الحديث الأخيرِ نفسِه!

ولو صحّ هذا الحديثُ سنداً ومتناً؛ فهو مقيّدٌ بترخيص عثمان لأهل العاليةِ، الذين حضروا لصلاةِ العيد؛ لأنّ عليهم في ذلك مشقّة، فيما يبدو، ولم يرخّص بذلك، لمن كان من أهلِ المدينة، ويبقى هذا اجتهاداً من عثمان، ليس حجّةً شرعية!

وبإسنادي إلى الإمام أبي داود الطيالسيِّ في مسنده (720) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بن يونسَ السبيعيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قالَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: (مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ؛ فَلْيُصَلِّ).

ومن حديث إسرائيل عن عثمان بن المغيرة، به مرفوعاً؛ أخرجه ابن أبي شيبةَ (5846) وأحمد في مسنده (19318) والدارمي (1653) وابن ماجه (1309) وأبو داود (1070) والنسائيّ (1591) وجمع غيرُهم، وهذا إسناد ضعيفٌ؛ لجهالةِ إياس بن أبي رملةَ!

قال أبو الحسن ابن القطّان والذهبيّ وابن حجر: مجهول!

وبإسنادي إلى الإمام محمد بن يزيد ابن ماجه في كتابه السنن (1311) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، فَمَنْ شَاءَ؛ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ، إِنْ شَاءَ الله).

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَحْوَهُ.

وأخرج أبو داود في سننه حديثَ أبي هريرة (1073) من حديث بقيّة بن الوليدِ عن شعبةَ به، ولفظه: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ؛ أَجْزَأَهُ «العيدُ» مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ) قَالَ عُمَرُ بنُ حفصٍ الوصابيُّ: حدّنا بقيّةُ عَنْ شُعْبَةَ».

وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث، في كتابه «العلل» (10: 215) فسردَ أوجه الخلافِ فيه، ثم ختم بقوله: «وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَزَائِدَةُ، وَشَرِيكٌ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَأَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفِيعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُرْسَلًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ».

وأورد ابن عبدالبَرّ هذا الحديث في «التمهيد» (10: 273) وقال: «هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ فِيمَا - عَلِمْتُ - عَنْ شُعْبَةَ أَحَدٌ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ!

وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي شُعْبَةَ أَصْلاً.

وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهَا كَلَامٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُضَعِّفُونَ بَقِيَّةَ عَنِ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَهُ مَنَاكِيرُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ».

وقال ابن الجوزي في العلل (1: 473): «قَالَ أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُرْسَلاً، وَتَعَجَّبَ مِنْ بَقِيَّةَ، كَيْفَ رَفَعَهُ»؟! وَقَدْ كَانَ بَقِيَّةُ يَرْوِي عَنِ الضُّعَفَاءِ وَيُدَلِّسُ».

وأورد ابن القطّان الفاسي هذا الحديث في «الوهم والإيهام» (4: 163) مستنكراً سكوت عبدالحقّ عليه، وقال: «إِنَّمَا يرويهِ بَقِيَّة بن الْوَلِيد، وَبَقِيَّةُ مَن قَد عُلِمَتْ حَالُه ونَكارةُ حَدِيثه».

ثانيا: ليس في دين الإسلام شيء اسمه (سنة الراشدين) ولا (سنة الشيخين) ولا (قول المعصوم) فالمعصوم هو الرسول وحده، صلّى الله عليه وآله وسلم.

ثالثا: أقوال الصحابة رضي الله عنهم وأفعالهم؛ ليست حججا شرعية، إلا إذا أجمعوا.

فسواء صح عن هذا الصحابي شيء، أم لم يصح؛ فلا يدخل قوله وفعله في الدين.

ويتأكّد هذا إذا لم يكن ذاك الصحابيُّ من الفقهاء!

فأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمرو بن العاص، إذا صح عن أحدهم فتوى؛ فليست ملزمة لغيرهم.

ثالثا: إن صلاة العيد سنة مؤكدة عند جمهور العلماء.

أما صلاة الجمعة؛ فهي فرض على الأعيان، ولها خصوصيّةٌ فريدةٌ، إذ سُمّيت سورة باسمها (سورة الجمعة).

 يقول فيها الله تبارك وتعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَذَرُوا الْبَيْعَ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9).

فلا يُعقَلُ أبداً أن نُفتي من صلّى ركعتين نافلةً؛ بأنهما أجزأتاه عن فريضة عينيّة محتّمة!

رابعا: من أفتى بإجزاء صلاة العيدِ عن صلاةِ الجمعة لمن شاء، كالحنابلة؛ فلأنهم صححوا بعضَ الآثار الموقوفة عن بَعضِ الصحابة.

ومن مذهب الإمام أحمد؛ أنه لا يحب أن يخالف صحابيا، كما يقول.

 

والفقير لا يرى هذا الرأي، ولا يرى الحجة إلا بقول الرسول أو فعله الثابتينِ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.

فإذا كان يشق على البدو، أو المرضى، أو كبار السن؛ أن يُصلّوا العيدَ ضُحىً، والجمعةَ ظُهراً في يوم واحد؛ فليتخلفوا عن أداء صلاة العيد في المساجد، وليصلوها في بيوتهم، أو لا يُصلوها أصلاً، إذا كان فيها مشقة عليهم.

 وليؤدوا صلاة الجمعة في المساجد الجامعة.

 لأنّ ترك سنّةٍ - حتى لو كانت مؤكّدةً ومن الشعائر - أيسر بكثيرٍ عند الله تعالى من ترك فريضةٍ عينيّةٍ من أجل سُنّة!

قال الفقيه أبو الوليد ابن رشد، في «بداية المجتهد» (1: 230):

«اخْتَلَفُوا إِذَا اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ، هَلْ يُجْزِئُ الْعِيدُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟

فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ الْعِيدُ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «بعد أداء صلاةِ العيد» إِلَّا الْعَصْرُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعن عَلِيٍّ «عليه السلام».

وَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ رُخْصَةٌ لِأَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ يَرِدُونَ الْأَمْصَارَ لِلْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ خَاصَّةً، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ خَطَبَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ فَقَالَ: (مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ)

وَروي نَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ فَالْمُكَلَّفُ مُخَاطِبٌ بِهِمَا جَمِيعًا: الْعِيدُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالْجُمُعَةُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَلَا يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ.

وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

وَمَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ؛ فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأُصُولِ كُلَّ الْخُرُوجِ.

وَأَمَّا إِسْقَاطُ فَرْضِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلَهُ لِمَكَانِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَخَارِجٌ عَنِ الْأُصُولِ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ».

وقد طوّل الإمام المحدّث الفقيه أبو بكر ابنُ المنذر النيسابوري، في كتابه «الأوسط» (4: 291) في معالجة هذه المسألة، وكان مما قال: «أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ لَيْسَتْ مِنَ الْخَمْسِ.

وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لَيْسَتْ مِنَ الْخَمْسِ.

وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ، لَمْ يَجُزْ تَرْكُ فَرْضٍ بِتَطَوُّعٍ»

خِتاماً: أرى أنّ الجِدالَ في مسائلِ الخلافِ، لا يُجدي لدى المقلّدةِ شيئاً؛ لأنّ المقلّد يعتقد بإمامه الأعلميّةَ، وإلّا ما قلّده، خاصّةً عند من يرى قولَ الصحابيّ وفعله حجّة!

بيد أنْ يأتي أناسٌ يدّعون أنّ هذا هو السنّةُ؛ فهو كذبٌ على رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلى سنّته.

قصارى المسألةِ - عند مَن يقول بها - أنّها رخصةٌ رخّص بها عثمانُ رضي الله عنه ومَن تابَعه للبدوِ وسكّان العوالي، وكانت بعيدةً عن المدينة في تلك الأيّام.

وهذا لا ينطبق على أهل الحواضرِ في عصرنا، حيث المساجد منتشرة في كلّ حيٍّ من أحياء المدن، وما أكثر المواصلاتِ في البلاد!

والورعُ والتقوى تقودان إلى الاحتياط في الدين، وليس إلى التماسِ الأيسر والأسهل!

وأعيذُ بالله إخواني المسلمين؛ أن يكون هدفُ أحدهم «خالفْ لتتميّز»!

والله تعالى أعلم.

هذا... وصلّى الله على رسولنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً وبارك.

والحمد لله على كل حال.

(منشور معادٌ للحاجة إليه)

 اجتماعيات:

تَهانينا .. تَهانينا!

بمناسبةِ قدومِ عيدِ الفطر المبارك!؟

تَهانينا.. تَهانينا

تَمامُ الصوْم؛ حادينا

بصَوْمِ الشَهر طَهّرَنا

مِن الآثامِ بارينا

هنيئاً للأُولى قاموا

لياليَه مُساكينا

لنا مِن صَومِنا بابٌ

هو الريّانُ يكفينا

فيَكفينا ويُغنينا

ويُسعدنا ويُرضينا

وجاءَ العيدُ بالبشرى

فبُشراكُم أَمانينا

على رُغمِ الأسى جودوا

بِفرْحٍ غامرٍ حينا

تَناسَوا حُزنَنا يوماً

دَوامُ الحُزْنِ يؤذينا

ويُرهقُنا ويُتعبنا

ويُشقينا ويُذوينا

وحيناً واصِلوا قوماً ً

بإحسانٍ؛ يُجازينا

صِلوا الأرحامَ من كرمٍ

ولُطفٍ ظاهرٍ، دينا 

ولا تَنْسَوا صِغارَكم

بلهوٍ ليس يُنسينا

تَهادَوا بينكم حَلْوى

وفي الأعيادِ زورونا

وحمدَ الله لا تَنَسوا

على الإيمانِ عشرينا

وخمسيناً وسبعينا

بمجلسِكم وتسعينا

وصلّوا دائماً أبداً

على المختار هادينا

وآلِ البيت مِنْ حبٍّ

وأصحابٍ مَيامينا

ولاتَنْسَوا خُويدِمَكم

مِن الدعواتِ، راضينا

لكم مني تحيّاتي

وحُبٌ فيه يَشْفينا

وكلّ عامٍ وأنتم بخير

وكلّ ساعةٍ وأنتم إلى الله أقرب

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والحمد لله رب العالمين

الأحد، 8 مارس 2026

  مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

هَلْ بلادُ العربِ دارُ إسلامٍ ؟!

أَعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرَجيمِ... بسم الله الرحمن الرحيم

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً).

أمّا بعدُ: من المعلومِ لدى طلبةِ العلمِ؛ أنّ مواطنَ أهل الإسلامِ بالمعنى الأعمّ؛ ليست داراً واحدةً، هي دار الإسلام، إنّما هي ديارٌ متعدّدةٌ، كلّ بقعةٍ منها تحملُ لوناً من الإسلامِ، يختلفُ في قليلٍ أو كثيرٍ عن الدار الأخرى.

والجامعُ بين ديارِ أهل الإسلامِ جميعهم: (الإيمان باللهِ، وملائكتهِ، وكتبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر) فأهل السنّة بمذاهبهم، والشيعةُ بفرقهم، والخوارجُ بمدارسهم؛ يجمعون على هذه العقائدِ الكليّةِ، ثمّ يختلفون.

ويُجمعُ علماءُ ديارِ أهل الإسلام على مَشروعيّةِ الطهارةِ والأذان والإقامةِ، وعلى الوجوب العينيّ للصلاةِ والزكاةِ وصيام رمضان، وحجّ البيتِ، لمن استطاع إليه سبيلاً، ثمّ يختلفون.

وقد قلتُ مرّاتٍ كثيرةً، وأقول: ليس هناك فرقةٌ بعينِها، ولا طائفةٌ بعينها، ولا مذهبٌ بعينه، يحتكِرُ الحقَّ كلَّه، فليس أهل السنّةِ مذهباً واحداً، وليست مذاهبهم هي (الفرقة الناجية) أو (الطائفة المنصورة) أو أنّها هي الأمّة، كما يتفلسفُ بعضهم، في هذه الأيّام النَحِسات!

أهل السنّة يتوزّعون على المذاهب العقديّة المتباينة: الأشاعرةِ والماتريدية والحنابلة والوهّابيّة والصوفيّة، وهم أحزابٌ شتّى!

الأشاعرة مئات الملايين.

الماتريدية مئات الملايين.

الصوفيّة بمدارسهم المعتدلةِ والمغاليةِ مئات الملايين.

الحنابلة عشراتُ الملايين.

الوهّابية عشراتُ الملايين.

الظاهريّة ملايين قليلة!

وكلّ أمّةٍ من هذه الأمم لها اجتهاداتُها الخاصّةُ التي تُكَفّر بها غيرَها، أو يكفّرُها بها غيرُها من أهلِ السنّةِ أنفسهم.

نعم الأشاعرةُ والماتريديّة، منذ سيطر العثمانيون على بلادِ العربِ؛ جعلوا بينهم تفاهماتٍ يُبرزونها للعامّةِ، وتركوا الخلافيّات التي يكفّر بعضُهم بها بعضاً داخل الكتب والمصنّفات، وهذا شيءٌ حسن!

وقلتُ مرّاتٍ كثيرةً وأقول: إنّ أهل السنّة - من الأشاعرةِ والماتريديّة - هم أكثرُ فرق الإسلام صواباً، في اجتهادي الشخصيّ، لكنهم لا يحتكرون الصوابَ كلَّه.

فإذا نحن عدَدنا تاريخ (1909م) وهو تاريخ انتهاء الدولةِ العثمانيّة، أو الخلافة العثمانية فعليّاً؛ فما توصيفُ دِيارِ بلادِ العربِ، بعد هذا التاريخ؟

وفق اجتهادِ أهل السنّة «الأشاعرة والماتريديّة».

هناك دار إسلام؛ هي الديار التي تسود فيها مذاهب الأشاعرة والماتريدية.

وهناك دار بدعة، وهي الديار التي تسود فيها المذاهب البِدعيّةُ في نظرهم:

الديار التي يسود فيها المذهب الوهّابيّ «الحنبليّ».

والديار التي يسود فيها المذهب الشيعيّ الزيديّ.

والديار التي يسود فيها المذهب الجعفريّ الاثني عشريّ.

والديار التي يسود فيها المذهب الإباضيّ.

فهذه  الديارُ كلّها ديارُ بدعةٍ عند أهل السنّة!

وأهل السنّة عَمليّاً لا يفرّقون بين الحاكم العالم المجتهد، وبين الحاكم الجاهل القاتلِ المتغلّب، من جهةِ نَفاذِ أحكامه ومشروعيّتها.

إذْ هم يفخرون بـــ«الخلافة العثمانيّة» ويعدّونها حاميةَ حمى الإسلام، ويرون حكّامَها شرعيين، وأحكامَهم شرعيّةً أيضاً، مع أنّ أكثرَ سلاطين بني عثمان لم يكونوا من أهل العلم، ولم يكونوا من أهل الالتزام بتعاليم الإسلام.

كما يفتخر جماهير المسلمين «السُنّة» في مصر المحروسةِ بالرئيس جمال عبدالناصرّ، وهو رجل ظالم قاتل جاهل، عديم الالتزام الدينيّ!

وجماهير المسلمين «السُنّة» في سوريّا يفتخرون بالرئيس شكري القوّتلي، والرئيس خالد العظم، والرئيس أديب الشيشكليّ، ولم يكن واحدٌ من هؤلاء الرؤساء من أهل العلم الشرعيّ، ولا من أهل الدين!

فنحن أمامَ إسلاميّ سنيٍّ خاصٍّ في البلاد العربيّة؛ هو (دينُ العباداتِ والأخلاق الإسلاميةِ) الاختياريّة، فهم لا يحبّون الإلزامَ أبداً، ولا يحبّون تطبيقَ العقوبات والحدودَ الشرعيّة البتّةَ!

أمّا إسلامُ الحكم بما أنزل الله تعالى؛ فهو بعيدٌ عن ديار العربِ منذ ألف سنة على أقلّ تقدير.

فإذا نحن أردنا أن نصنّفَ بلادَ العرب التي تدين الله تعالى بالمذهب الأشعريّ والماتريديّ - على نحو هذا الإسلام السنيّ الخاصّ - فماذا نصنّفها، والقوانين والتشريعات التي تحكمها مستوردةٌ من خارج ديار المسلمين؟

حاول الإمام الجوينيّ في كتابه «الغياثيّ» أن يعالجَ  أمثال هذه القضايا، وصنع نحوه الماورديّ وأبو يعلى وابن تيميّة وابنُ قيّم الجوزيّةِ وغيرُهم!

لكنّ جميع أعمالَهم العلميّة تلك؛ لا تزيدُ عن كونِها تشريعاتٍ لضروراتٍ!

لذلك نقول لأولئك الذين يشتمون ويتنقّصون ويتّهموننا بما تشتهي أنفسُهم:

على رِسلِكم، ليست المسألة ما تتخيّلون بجهلكم، هي أبعدُ من ذلك بكثيرٍ، وجماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم؛ أقربُ إلى العلمانيّةِ منهم إلى الإسلام الصحيح.

في ظلّ هذه المعطياتِ الحقيقيّةِ الواقعيّةِ، كيف يجوزُ لنا تكفيرُ هذه الفرقةِ، وتصويب تلك الفرقة الأخرى، وجميع ديار الإسلام؛ غير محكومةٍ بالإسلامِ الذي جاء به الرسولُ محمّد بن عبدالله، صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم؟

والحمدُ لله على كلّ حال.

الجمعة، 6 مارس 2026

       مَسائِلُ فكريّةٌ:

لماذا لا تُبغِضُ الروافضَ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

قرأتُ لعددٍ من كتّاب «الفيسبوك» بعضُهم من حملة الدكتوراه في الشريعة الإسلاميّة، وجدتُهم يرسلون الافتراءاتِ إلى مَن يخالفُهم الرأيَ، ويكيلون له الاتّهاماتِ الباطلةَ، بل ويطعن بعضهم بعقيدته ودينه وشرفه!

وجدتهم يخلطونَ بين القواعدِ الإسلاميّةِ الكليّةِ، وبين فقه الجُزئيّاتِ والنوازلِ، كما يخلطون بين تلك الجزئيّات ومواقفهم المصلحيّةِ الحاليّةِ والمستقبليّة!

من القواعدِ الإسلاميّةِ الكليّةِ موالاةُ المسلمين على قدر قُربهم من الإسلام، وبعدهم عنه.

ومعاداةُ الكافرين على قَدْر قُربهم من أذى المسلمين، وبعدهم عنه.

(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (22) [المجادلة].

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (72) [الأنفال].

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) [الأنفال].

هذه قاعدةٌ إسلاميّة كليّةٌ، لا يجوز لأيّ باحثٍ مسلمٍ جهلُها، أو إغفالُها عند تصديره فتوى شرعيّة، أو موقفٍ إسلاميّ!

وعلماء المسلمين قاطبةً يفرّقون بين القولِ أو العملِ الكُفريِّ، وبين تكفير المتلبّس به، فقد يَتَلازَمان، وقد يفترقان!

كان الإمام أحمدُ ابن حنبلَ أكبرَ القائلين بتكفير القائل بــ(خلق القرآن الكريم) وكان في الوقت ذاتِه يدعو للخليفة العبّاسي المأمون، الذي كان يأمر بجلده وتعذيبه!

والشيعةُ هم الشيعةُ قديماً وحديثاً، شأنهم شأنْ بقيّة أمّة الإسلام (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ).

هناك شيعيٌّ صالحٌ تقيٌّ وروعٌ.

وهناك شيعيٌّ متوسّط الورعِ، ملتزمٌ شرائع الإسلام.

وهناك ظالم لنفسه، بارتكابه كثيراً أو قليلاً من المعاصي.

هناك شيعيٌّ يفضّل الإمامَ عليّاً على سائر أصحاب الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويراه أولى بخلافةِ المسلمين، بعد الرسول مباشرة، وأَقدرَ على تبعاتها!

لكنّه لا يُكفّر ولا يفسّق ولا يضلّل الخلفاء الثلاثةَ السابقين على الإمام عليّ، رضي الله عنهم، إنّما يراهم مخطئين في بعض ما ذهبوا إليه من اجتهاداتٍ.

لكنَّ هذا الشيعيَّ يعتمد في ثقافته وعلمه على مصادر أهل السنّة والجماعة، وخاصّةً القرآن الكريم، والكتب الأصول (صحاح البخاريّ ومسلمٌ وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبّان).

هذا الشيعيُّ لا يقيم وزناً علميّاً لمسندِ الإمامِ زيد بن عليّ، ولا لكتب الجعفريّة الأربعة، ولا لكتبهم الثقافيّة الأخرى.

وهناك رافضيٌّ يُبغِضُ الخلفاءَ الراشدين الثلاثةَ وبقيّة العشرة، وربما يكفرهم، ويعتمد كتب الرافضة الأربعة (الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار) وهي كتبٌ ساقطةٌ في نظر علماء الحديث، وأنا منهم!

ذاك الرافضيّ يقول: بالنصّ والتعيين والعصمة والولاية وانحصار الإمامة في ذريّة الحسين، ويقول بالبداء والرجعة وولادةِ المهديّ.

هذا المذهبُ ليس هو تشيّعَ آلِ البيتِ حتماً، إنّما هو الرفض التامّ، وهو مذهبٌ بغيضٌ إليَّ، لا أنتمي إليه ولا أحبُّه، ولا أرجو له الانتصار على بقيّة مذاهب المسلمين، لا بالدعوة والإعلام، ولا بالسيف والإجرام.

وأرى رؤساءَ وقادةَ هذا المذهب الرافضيَّ مجرمين قتلَة، لا يجوز لمسلم أن يناصرهم في عداوتهم لأمّةِ الإسلام، حتى لو قاموا بنصرة أهل فلسطين، وأمدّوهم بالمال والسلاح، فهذا جانب حسنٌ، يقابلُه جوانبُ أخرى كثيرةٌ من السوء والباطل.

أمّا الشعب المسلم الرافضيّ - ما عدا قادته الدينيين والسياسيين والعسكريين - فهو شعبٌ جاهلٌ، كسائر شعوب الأمّة الإسلاميّةِ، نشأ في هذه البيئةِ، ولا يعرف سوى مذهبها الدينيّ وثقافتها، فماذا يصنع؟

أنا شخصيّاً لا أُبغِضُ هذا الشعبَ بتاتاً، وقد عشتُ بينهم في العراق تسع سنواتٍ، لم يعاملوني إلّا بأكرمَ وأفضلَ من معاملةِ كثيرٍ من أهل السنّةِ هناك!

لكنني أُشفق عليهم من اعتناقِ هذا المذهبِ الباطلِ، الذي لا أظنّ الله تعالى يَعذُرُ مَن يَعتنقه، ولا أراه مذهباً ينجي يومَ القيامةِ بتاتاً.

ها هنا يَبرُزُ فهم الشيخ أحمدَ ابن تيمية «رحمه الله تعالى» لكلّيات الإسلام، فَيُظهِر الفرقَ بين المسلمين السنّة، والمسلمين الروافضِ، في منظومةٍ من الكلام التأصيليّ البديع!

قال في كتاب منهاج السنّة (6: 374): «الرَّافِضَةُ يُعَاوِنُونَ  الْكُفَّارَ، وَيَنْصُرُونَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَدْ شَاهَدَهُ النَّاسُ، لَمَّا دَخَلَ «هُولَاكُو» مَلِكُ الْكُفَّارِ التُّرْكِ الشَّامَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ الَّذِينَ كَانُوا بِـــ«الشَّامِ» بِالْمَدَائِنِ وَالْعَوَاصِمِ، مِنْ أَهْلِ حَلَبَ وَمَا حَوْلَهَا، وَمِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا، وَغَيْرَهُمْ؛ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا عَلَى إِقَامَةِ مُلْكِهِ «هولاكو» وَتَنْفِيذِ أَمْرِهِ فِي زَوَالِ مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ.

وَهَكَذَا يَعْرِفُ النَّاسُ - عَامَّةً وَخَاصَّةً - مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ لَمَّا قَدِمَ «هُولَاكُو» إِلَى الْعِرَاقِ، وَقَتَلَ الْخَلِيفَةَ «العبّاسيّ» وَسَفَكَ فِيهَا مِنَ الدِّمَاءِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ، فَكَانَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ - ابْنَ الْعَلْقَمِيِّ وَالرَّافِضَةَ - هُمْ بِطَانَتَهُ، الَّذِينَ أَعَانُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ، بَاطِنَةٍ وَظَاهِرَةٍ، يَطُولُ وَصْفُهَا، وَهَكَذَا ذُكِرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ جِنْكِزْخَانْ.

وَقَدْ رَآهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِسَوَاحِلِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا، إِذَا اقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى؛ هَوَاهُمْ مَعَ النَّصَارَى، يَنْصُرُونَهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَيَكْرَهُونَ فَتْحَ مَدَائِنِهِمْ، كَمَا كَرِهُوا فَتْحَ

عَكَّا وَغَيْرِهَا، وَيَخْتَارُونَ إِدَالَتَهُمْ «نُصرتَهم» عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

 حَتَّى إنَّهُمْ لَمَّا انْكَسَرَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ «سَنَةَ غَازَانَ» سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَخَلَتِ الشَّامُ مِنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ عَاثُوا فِي الْبِلَادِ، وَسَعَوْا فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَسَادِ، مِنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَحَمْلِ رَايَةِ الصَّلِيبِ، وَتَفْضِيلِ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَحَمْلِ السَّبْيِ وَالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّصَارَى، أَهْلِ الْحَرْبِ بِقُبْرُسَ وَغَيْرِهَا.

فَهَذَا - وَأَمْثَالُهُ - قَدْ عَايَنَهُ النَّاسُ، وَتَوَاتَرَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُعَايِنْهُ، وَلَوْ ذَكَرْتُ أَنَا مَا سَمِعْتُهُ وَرَأَيْتُهُ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ؛ لَطَالَ الْكِتَابُ، وَعِنْدَ غَيْرِي مِنْ أَخْبَارِ ذَلِكَ وَتَفَاصِيلِهِ؛ مَا لَا أَعْلَمُهُ.

فَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ، مِنْ مُعَاوَنَتِهِمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ اخْتِيَارِهِمْ «ظُهُورَ» الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.

وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ «أهلَ السُنّةِ» ظَلَمَةٌ فَسَقَةٌ، وَمُظْهِرُونَ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ سَبِّ «عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ» لَكَانَ على الْعَاقِلِ «من الرافضةِ وغيرهِم» أنْ يَنْظُرَ فِي خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ وَشَرِّ الشَّرَّيْنِ».

[ها هنا انتبه جيّداً أخي الكريم]:

«أَلَا تَرَى أَنَّ «أَهْلَ السُّنَّةِ» - وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ - لَكِنّهم لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ «ظُهُورَ» الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ، عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ!

وَالرَّافِضَةُ إِذَا تَمَكَّنُوا؛ لَا يَتَّقُونَ، وَانْظُرْ مَا حَصَلَ لَهُمْ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ «خَدَابَنْدَا» الَّذِي صَنِّفَ لَهُ «ابنُ المُطهّر الحليُّ» هَذَا الْكِتَابَ «منهاج الكرامة» كَيْفَ ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الشَّرِّ، الَّذِي لَوْ دَامَ وَقَوِيَ؛ أَبْطَلُوا بِهِ عَامَّةَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ!

لَكِنْ (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) [التوبة].

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّافِضِيَّ يُوَالِي أُولَئِكَ الرَّافِضَةَ، وَيُعَادِي الصَّحَابَةَ «رضي اللهُ عنهم» فَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ شَرِّ مَنْ أَعْمَى اللهُ بَصِيرَتَهُ؟

(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ، وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحجّ].  

خِتاماً: أنا لا أدعو أهلَ السنّةِ - بمذاهبهم وأحزابهم - إلى نُصرةِ الرافضةِ في إيران؛ لأنّ هذا تعدٍّ في الطلب، إنّما أدعوهم إلى أن لا يفقدوا بَوصلة «الولاء والبراء» الإيمانيّةَ القلبيّةَ، إذْ إنّهم بفقدها يحقّقون أموراً شرّيرةً ثلاثة:

الأوّل: أنّ الكافر الأصليّ يَطمئنُّ ويأمنُ إلى أنّ ملياراً ونصف مليارِ مسلمٍ خارج دائرةِ حربه!

والثاني: أنهم يغضبون المسلمين الشيعةَ والرافضةَ، ويزيدون من عداوتهم إيّاهم.

والثالث، والأهمّ: أنّهم نَصَروا - ولو نصراً معنويّاً - أعداءَ الإسلامِ على أتباع بدعٍ غليظةٍ من قومٍ مسلمين، وهذا يغضب الله تعالى حتماً، وينقض قاعدة (موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين).

أرجو أن أكونَ وُفّقتُ في بيان ما أصبو إليه من المقالاتِ الخمسِ الماضية الأخيرة.

وسأسكت سكوتاً تامّاً - بعد هذا البيان - حتى تَنتهي هذه الحرب الظالمة، مُكتفياً بالدعاء:

أن ينصرَ الله العزيزُ القديرُ الإسلامَ وأهلَه، وأن يذلَّ الباطل وأهلَه، متبرّئاً إلى الله تعالى من كلّ نظام ينصر الكافرين على المسلمين.

والحمد لله على كلّ حال.