الثلاثاء، 23 يونيو 2026

  مسائلُ فكريّةٌ:

وحدةُ الوجودِ والوحدةُ المطلقةُ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(قُلْ: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ (84) سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ! قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟ (85).

قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ! قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ؟ (87)

قُلْ: مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُجِيرُ، وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ! قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؟ (89)

بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) [المؤمنون].

أمّا بعد: سألني أحدُ الأصدقاء: ما الفرق بين وحدةِ الوجود، والوحدةِ المُطلقة، وما موقفك من كلٍّ منهما؟

أقول وبالله التوفيق: إنّ المسلمين، من أهلِ السُنّةِ والشيعةِ والخوارجِ؛ أثبتوا وجوداً واجباً أزليّاً أبديّاً لله ربّ العالمين (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) [الحديد].

 وأثبتوا وجوداتٍ جائزةَ الوجود مخلوقةً، خلقها الله واجبُ الوجودِ، القديرُ المقتدرُ القادرُ على كلّ شيءٍ!

وذهبَ بعضُ الصوفيّةِ من أهل السنّة والإباضيّةِ، وبعضُ العِرفانيينَ من الشيعةِ الإماميّة إلى أنّ هناك وجودٌ واحدٌ؛ هو الوجودُ الواجب لله تبارك وتعالى.

أمّا توصيفُ وجوداتِ ما سوى الله تعالى؛ فاختلفوا فيها على مذهبين:

المذهبُ الأوّلُ: وحدةُ الوجودِ، التي تعني في أيسر معانيها؛ أنّ الوجودَ الحقَّ هو وجودُ الله تبارك وتعالى، وسائر الموجوداتِ سوى اللهِ؛ وجودها نسبيٌّ، إذ هي ليست سوى مظاهرَ وتجلّياتٍ لأسماء الله تعالى وصفاته التي لا تتناهى، والإنسانُ أكمل مخلوقاتِ الله تعالى وخليفته في الأرض، خلقه الله تعالى على صورته، ومنحه من تجلّياتِ أسمائه وصفاته.

هذه خلاصة وحدةِ الوجود، عند أبي بكر ابن عربيّ الحاتميّ الأندلسيّ، صاحب الفتوحات المكيّة وفصوص الحكم. فابنُ عربيٍّ  يُفسّرُ الكثرةَ في «العالَـمِ» من خلال نظرية «التجلي» و«المرايا» إذ تكون الذات الإلهيةُ واحدةً، ولكنها تَنعكس في مَرائي الموجودات الكثيرة، فالعالم في نظرِه مِرآةٌ للحَقِّ .

أمّا ابنُ سبعين الأندلسيّ فإنّه ينفي الكثرةَ نَفياً قاطعاً، ويَعُدّها وَهماً، فاللهُ تعالى هو الوجودُ الحقيقيُّ الواحدُ الأحدُ في ذاته، ولا يَعترف بأيّ وجودٍ حقيقيٍّ أو ذاتي سواه في العالَم.

ويمثّل ابن سبعين نظريّته هذه بصخرةٍ ضخمة كبيرةٍ، تراها أنت من ظاهرها صخرةً واحدةً، بينما هي في داخلها تعجّ بالوجودات والجزيئات!

وهاتان العقيدتان باطلتان، لا يجوز لمسلمٍ أن يعتقد بهما أو بإحداهما؛ لأنهما تخالفان مخالفةً ظاهرةً عشراتِ الآياتِ القرآنيةَ، التي تثبت وجود الله الحقّ الواجبَ، وتثبت موجوداتٍ كثيرةً ومتنوعة فقيرة، خلقها الله تبارك وتعالى.

خلق الله تعالى الإنسانَ والحيوانَ والطيور والزواحفَ، وجعلَ لكلِّ مخلوقٍ من هذه المخلوقاتِ نقاطَ ضعفٍ وضروراتٍ، تكتنفه من جميع جوانبه، ومنها الموت!

فإذا كان الإنسانُ عندهم أحدَ وأعظمَ تجلّياتِ الله تعالى في الوجود، فنكون قد جوّزنا على صورةٍ من صور تجلّياتِ الله تعالى المرض والجوعَ والعطشَ والموت!

هذه عن عقيدةِ وحدة الوجود لابن عربيّ.

أمّا عن عقيدة الوحدة المطلقةِ لابن سبعين؛ فنكون جوّزنا أن تحلَّ الحوادثُ بنقائصها وضروراتها وفنائها وموتها، في ذات الله تعالى، وهذا مخالفٌ مخالفةً صريحةً لآيات كثيرات، منها:

(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) [القصص].

(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) [الصافات].

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) [الحشر].

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) [الروم].

(اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) [الزُمر].

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) [الزمر].

ختاماً: الفقير عداب لا يُجوّزُ الاعتقادَ بوحدةِ الوجودِ، ولا بالوحدةِ المطلقةِ، ولا بتجلّي الحقّ تعالى في صور مخلوقاته، وهو يرى «وَحدةَ الشُهودِ» حالاً قلبيّاً مُتخَيَّلاً، يَستولي على قلب الذاكر، فيغيبُ عن «مشاهدةِ الخلقِ بمشاهدةِ الحقِّ» هكذا يقول السادةُ الصوفيّة!

وهذا الذي يقول به كثيرٌ من الصوفيّةِ؛ لم يرِدْ عن الرسولِ فيه نفيٌ ولا إثباتٌ، ولم يُنقَل إلينا أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ انتابَتْهُ مثل هذه الأحوال.

وهم يعتمدون في ذلك على مسألةِ «الإمكان العقليّ» وعلى «التجارب الروحيّة» التي حدّث بها أولياؤهم وشيوخهم.

وأنا الفقير عداب لستُ من «الذاكرين الله تعالى كثيراً» حتماً، إذا قصد بالكثرة مثلَ قوله تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ عِنْدَهُ؛ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، لَا يَفْتُرُونَ (20) [الأنبياء].

وحتى عندما كنت مواظباً على ورد النقشبندية، بذكر الله تعالى (5000) مرّةً في مجلس واحدٍ، وعندما كنت أقرأ خمسةَ أجزاء من القرآن الكريم يوميّاً؛ كنتُ أعيش أحوالاً من اللذة الروحيّةِ والسكينة والطمأنينة، المانحةِ لليقينِ والتوفيق وإجابة الدعاء.

بيد أنّني لم أَغِبْ عن وعيي أبداً، بحيث كان النورُ الإلهيّ يحوطني، فلا أحسّ بشيءٍ سوى مشاهدةِ الحقِّ القلبيّة، يعني (ماكو هيك إشي) عندي.

وقد قلت سابقاً: إنني لا أؤمن بقالٍ وقيلٍ - مهما كان القائل صالحاً وجليلاً - وفي عالم التصوُّف خاصّةً، لا أعتقد إلّا بما وصلتُ إليه من أحوالٍ ومقامٍ، وليس مقام وحدة الشهودِ «الفناء» من تلك الأحوال، ولهذا لا أؤمن به أصلاً، ومن ظنّ أنّ على المسلم الاعتقادَ بكلّ ما يقوله العلماء والأولياء والصالحون؛ فهو جاهل!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات. 

الأحد، 21 يونيو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

النَصْبُ بِدعةٌ لطيفةٌ!؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا؛ فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (58) [الأحزاب].

أمّا بعدُ: عَقبَ المنشورِ الأسبَق (فضائلُ عليٍّ وفَضائلُ غيرِه) استغربَ عددٌ من الإخوةِ الكرامُ مضمون هذا المنشورِ، حتى إنّ أحدهم قال لي: «يُحزنني يا شيخَنا أنّك ضَعُفتَ أمام ضغوط النَصبِ الشاميّ، وكنّا نظنّ أنّك ستقف موقفاً أشدّ صلابةً في وجوه النواصبِ القميئة».

أقول وبالله التوفيق:

إنّ مما لا ينتبه إليه كثيرٌ من أهل العلم المتخصّصين - فضلاً عن المثقّفين والعامّة - أنّ معالجةَ مبحث «البدعةِ» في علوم الحديث؛ قائمٌ على القطيعةِ مع الشيعةِ والتشيّعِ، والوصال الظريفِ مع النَصبِ والنواصب!

إذا روى الناصبيّ حديثَ (أوّل من أسلم أبو بكرٍ) قبله المحدّثون قاطبةً، من دون نظرٍ إلى أنّ في رواته ناصبّياً أو أكثر!

وإذا روى الشيعيّ حديثَ (أوّل من أسلم عليّ) ردّه جمهور المحدّثين، أو أفرغوه من مضمونه، وفسّروه تفسيراً، لا يتعارض مع وُجهةِ «العقلِ الجمعيّ» فقالوا: «أوّل من أسلم من الرجال؛ أبو بكر، وأوّل من أسلم من النساء؛ خديجة، وأوّل من أسلم من الصِبيانِ عليّ، وأوّل من أسلم من الموالي «العبيد» زيدُ بن حارثة، رضي الله عنهم وأرضاهم.

والحقّ الذي يجب أن يعرفه كلُّ باحثٍ؛ أنّ النصبَ كان سائداً في الشامِ والبصرة واليمن، فلا يكاد يوجد في هذه البلدان محدّثٌ أو راوٍ ليس بناصبيّ!

فإذا أراد المحدّثون أن يتعاملوا مع الرواة النواصبِ، مثلما يتعاملون مع الرواة الشيعةِ؛ فسيردّون أكثرَ الأحاديثِ التي مدارها على الرواةِ الشاميين والبصريين واليمانيين!

أمامِ هذه الكثرة الكاثرة من الرواة النواصبِ؛ تغاضى المحدّثون عن بدعة «النصبِ» من أساسها، ولم يحفظ لنا التاريخ إلّا أسماءَ عددٍ يسيرٍ من النواصبِ، الذين لم يردّ المحدّثون حديثَهم من أجل نصبهم أبداً، إنّما ردّوا حديثَ الضعفاء منهم؛ لأنّ النواصبَ لطفاءُ أهلُ دينٍ وتقوى وعبادة، وسترى !!

قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (8: 458) في ترجمةِ «لِمازةُ بنُ زَبّار الأزديّ أبو لبيدٍ الجهضميّ البصريّ، وكان ممن يسبّ الإمام عليّاً عليه السلام:

«ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: سمع من عليٍّ، وكان ثقةً وله أحاديث.

وقال حَربٌ عن أبيه: كان أبو لبيدَ صالحُ الحديثِ، وأثنى عليه ثناءً حسناً.

وقال موسى بنُ إسماعيلَ عن مطر بن حِمرانَ: كنا عند أبي لبيدٍ، فقيل له: أتحبُّ عليّاً؟

فقال: أُحبُّ عليّاً وقَد قتل من قومي في غداةٍ واحدةٍ ستةَ آلافٍ؟!

وذكره ابنُ حبّان في الثقاتِ

وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: حدثنا وهبُ بن جريرٍ عن أبيه، عن أبي لبيدٍ، وكان شتّاماً.

قال ابن حجر: زاد العُقيليُّ: قال وهبٌ: قلتُ لأبي: مَن كان يَشتُم؟ قال: كان يشتم علي ابن أبي طالب.

وقال ابنُ حزمٍ جزاه الله خيراً: غيرُ مَعروف العدالةِ» وقال ابن حجر في التقريب (5681): صدوق ناصبيّ!

وقال ابن حجر في ترجمة المذكور نفسها من التهذيب أيضاً:

«وقد كنتُ أستشكلُ توثيقَهم النَاصبيَّ غالِباً، وتَوهينَهم الشيعةَ مُطلقاً ولا سيما أنّ عَليّاً، ورد في حقّه (لا يحبّه إلا مؤمنٌ، ولا يُبغضه إلّا مُنافقٌ !!) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (78)؟

ثم ظهر لي في الجوابِ عن ذلكَ؛ أنّ البُغضَ ها هنا مُقيّدٌ بِسببٍ، وهو كونُه نَصرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لأنّ مِن الطبعِ البَشريِّ بُغضَ مَن وَقعت منه إساءةٌ في حقِّ المُبغضِ، والحُبُّ بِعكسِه، وذلك ممّا يَرجع إلى أمورِ الدنيا غالباً.

والخبرُ في حبِّ عليٍّ وبُغضِه؛ ليس على العَمومِ، فقد أحبّه مَن أفرطَ فيه، حتى ادّعى أنّه نَبيٌّ، أو أنّه إلهٌ، تَعالى اللهُ عن إفكِهم.

والذي وَردَ في حَقِّ عَليٍّ مِن ذلك؛ قد وَرد مِثلُه في حقِّ الأنصار (لا يحبّهم إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق) أخرجه البخاريّ (3783) ومسلم (75)!

وأجاب عنه العلماءُ أنّ بُغضَهم لأجل النَصرِ؛ كان ذلك علامةَ نِفاقٍ وبالعكس، فكذا يُقالُ في حقِّ عَليٍّ.

وأيضاً فأكثرُ مَن يُوصفُ بالنَصبِ؛ يَكون مَشهوراً بصدقِ اللَهجةِ والتّمسكِ بأمورِ الديانةِ بخلافِ مَن يُوصف بالرفْض؛ فإنّ غالبَهم كاذبٌ، ولا يَتورّعُ في الأخبار.

والأصلُ فيه أنّ الناصبةَ اعتقدوا أنّ عليّاً رضي الله عنه قتلَ عُثمانَ، أو كان أعان عليه، فكان بُغضُهم له ديانةً بزَعمِهِم، ثم انضاف إلى ذلك أنّ منهم مَن قُتلَ أقاربُه في حروبِ عَليٍّ» انتهى.

ألا ترى كيف غدت بدعة النصبِ ظريفةً خفيفةً، لا تؤثّر على عدالةِ الراوي؟

ومن يستعرض الرواةَ الذين رُموا بالنصبِ؛ يجد ابنَ حجر منحَ بعضهم درجة الثقة، انظر تقريب التهذيب على سبيل المثال (74، 273، 1184، 2092، 3385، 7178).

ومنهم من منحه درجة صدوق، أو لا بأس به (1389، 2584، 7357).

أمّا من رُمي بالرفض؛ فلم يوثّق واحداً منهم، ومنح ثلاثةً منهم درجة صدوق (5014، 5350، 7227) ومنح أربعة منهم درجة صدوق يخطئ (492، 1018، 3446، 7903) ووصف عدداً آخر بالضعف (862، 1029، 4995، 4996).

ووصف عدداً منهم بالتَرك أو الوضع أو الكذب (537، 1445، 5901، 6805، 7059).

هذه معضلةٌ من أكبر معضلات علم نقدِ الحديثِ، أدخلت كثيراً من أحاديث الفضائل والمناقب في كتب الحديث، وأخرجت كثيراً منها، من تلك الكتب!

فأنا عندما أقول: لنُحيِّدْ أبوابَ فضائل الأقوام والأفراد والأماكن ثقافتنا المعاصرةَ؛ فلأنّ «الغُرمَ بالغُنم» ويصحّ «الغُنمُ بالغُرمِ» أيضاً!

إذْ إنّ هذا يسري على فضائل الإمام عليّ، كما يسري على فضائل الخلفاء والصحابة والملوك والطلقاء!

والله تعالى أعلم.

والحمد للهِ على كلّ حال.

الخميس، 18 يونيو 2026

 في سبيلِ العِلمِ:

المدرسة الخسرويّة في حلب!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [التوبة].

أمّا بعد: سمعةُ «المدرسة الخسرويّة» عاليةٌ جدّاً، في أوساط المتديّنين وطلبة العلم السوريّين.

وتعودُ نسبةُ المدرسة الخسرويّة، إلى والي مدينة حلب في الدولة العثمانية (خسرو بن سنان باشا) التركي، وقد أمر بإنشائها في منتصف القرن العاشر الهجريّ (951 هـ).

وقد قامت بنشاط علميّ ظاهر منذ تاريخ إنشائها، حتى أصابَ مدينة حلب زلزالٌ كبير ، عام (1237 هـ) ثمّ أُعيد افتتاح المدرسة، عام (1340 هـ) بمساعي مدير أوقاف حلب في ذلك الزمان، السيّد يحيى الكيّالي رحمه الله تعالى.

عندما كنتُ صغيراً في المرحلة الابتدائيّة؛ كنتُ أسمع في مضافة جدي الحاجّ إبراهيم الحمش أسماءَ علماء حمويّين كبارٍ، تخرّجوا من «المدرسة الخسرويّة» منهم شيوخنا الكرام «محمّد الحامد، ومحمد علي المراد، والشيخ سعد الدين المراد» فكنتُ أتشوّق إلى الالتحاق بهذه المدرسة.

في تلك الأيّام كان جدّي إبراهيم على صلة قويّة بالشيخ «محمد توفيق الصبّاغ» والشيخ «خالد الشقفة» والشيخ «أحمد سلطان» إضافةً إلى شَيخَي حيّنا «حيِّ الفرّاية» الشافعيَّيْن «عارف ونايف النوشيّ» رحمهم الله تعالى أجمعين.

طلبتُ من جدّي أن يسألَ هؤلاء المشايخ عن «المدرسة الخسرويّة» هذه، وبماذا تمتاز عن «الثانويّة الشرعيّة» في مدينة حماة؟

فسألَ جدّي الشيخَ «نايف النوشي» أوّلَ من سألَ، فقال له: «المدرسة الخسرويّة» في حلب، مثل الثانوية الشرعية في حماة، ومنهاجُ الثانويّات الشرعيّة واحدٌ، في سوريّا كلّها، وأولادُ مشايخنا الحمويّين يَتعلّمون في الثانويّة الشرعيّة بحماة، ولا يلتحقون بالخسرويّة في حلب!

عندها صرفتُ النظرَ عن الالتحاق بهذه المدرسة، وطلبتُ من والدي أنْ ألتحقَ بالمدرسة الشرعية في حماة، بيد أنّ طلبي هذا رُفضَ بشدّةٍ، بدعوى أنّ المدرسة الشرعية يلتحق بها أبناءُ القرى، والذين حصلوا على درجاتٍ ضعيفةٍ في الشهادة الابتدائيّة، شأنها في ذلك شأن «مدرسة الصناعة» بينما كنتُ من أوائل المتفوّقين، الذين حصلوا على الشهادة الابتدائيّة في مدينة حماة.

ثمّ علمتُ - فيما بعدُ - أنّ والدي لم يكن يثقُ بالمشايخ الصوفيّة بتاتاً، وكان هواه هوى شيخه الشيخ «سعيد الجابي» الذي لزمه والدي ثلاثَ عشرة سنةً، كما حدّثني، رحمهما الله تعالى.

حصلتُ على «الشهادة الثانوية» الفرع الأدبيّ، وقُبلتُ بكليّة الشريعةِ في جامعة دمشق، وفي كليّة الآداب بجامعة حلب، وتعرّفت إلى عددٍ من خرّيجي «الخسرويّة» في حلب، و«الثانويّة الشرعية» في حماة وحمص ودمشق واللاذقيّة، فلم أجدْ لديهم ذاك العلمَ الغزيرَ، ولا ذاك التميّز المنقطع النظير!

كانوا طلّاباً عاديّين جدّاً، وكانت مشاركاتهم الصفيّة محدودةً، وحضورهم لم يكن بذاك!

هذا يعني أنّ الشيوخَ المتخرّجين من «الثانوية الخسروية الشرعيّة» والمتخرّجين من «الثانويّات الشرعية» في بقيّة المحافظات السوريّة، والذين لم يتسنَّ لهم متابعةُ دراساتهم في الجامعاتِ؛ هم حملةُ شهادةٍ ثانويّة فحسب، وأنّ هذا التفخيمَ وذاك التضخيم الذي سمعناه؛ ليسا سوى دعايةٍ إعلاميّة لتضخيم أولئك الشيوخ في أنظار العامّة، وهذا سلوكٌ ما يزال حتى يومنا هذا سائداً بين دارسي الشريعة، وللأسف!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلِّ حال. 

الاثنين، 15 يونيو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

الحديثُ المُرسَلُ وحُجّيّتُه!؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

قرأتُ لأحدِ علماءِ الحديثِ المعاصرين كلاماً يدلُّ على تعظيمِه للحديثِ المرسلِ والعمل به.

فرأيتُ من المناسبِ إبداءَ رأيي العلميّ في هذه المسألة العويصَةِ، في فقرات:

أوّلاً: ليس للحديثِ المرسلِ تعريفٌ متّفق عليه بين أهل الحديث، أو تعريف متّفقٌ عليه بين الأصوليين!

فمن المحدّثين من عرّف الحديث المرسل بقوله: «هو الحديثُ الذي يرويه التابعيُّ الكبيرُ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، من دون تصريحٍ باسم الصحابيّ الذي حدّثه به»

ومن المحدّثين من عرّف الحديث المرسل بأنّه: «الحديثُ الذي سقط من إسنادِه ذِكْرُ الصحابيّ الذي حدّث به عن الرسول» وهذا يشمل كبارَ التابعين وأوساطهم وصغارهم.

ومنهم مَن قال: «الحديث المرسَلُ: هو الحديثُ الذي ينسبه الثقةُ من أهل القرون الثلاثةِ الفاضلةِ إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سواءٌ ذكرَ بعضَ إسنادِه أو حذفه كلّه!

فيدخل في تعريف الحديث المرسل بالتضمّن: المعلّق والمنقطع والمدلّس والمعضل ومرسل التابعيّ ومرسل الصحابيّ!

فنحن إذا قلنا: يُحتجُّ بالحديثِ المرسَلِ، أو قلنا: لا يُحتجُّ بالحديثِ المرسَلِ، فعن أيّ مُرسلٍ من هذه المراسيل المتنوّعة نتحدّث؟

ثانياً: إذا قلنا: يُحتجُّ بالحديث المرسلِ وَفقَ التعريفِ الأخير، الذي عليه جمهور المتقدّمين من الحنفيّة والمالكية؛ فلا نعود بحاجةٍ إلى علوم الحديثِ كلّها «شلع قلع» كما يقولون بالمثل العراقي!

ثالثاً: إنّ الحديثَ المرسلَ بجميع تعريفاتِه؛ يخالف تعريف الحديث الصحيح مخالفةً صريحةً تامّة!

إذْ تعريف الحديث الصحيح هو «الحديثُ الذي يتّصل إسناده بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثله، من أوّل السند إلى منتهاه، ثم لا يكون شاذّاً ولا مُعلّاً» والحديث المرسلُ ليس بمتّصل الإسناد، سواء رواه عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الحسنُ والحسين وسعيدُ بن المسيّب، من كبار التابعين، أو رواه محمد بن مسلم ابن شهاب الزهريُّ، وإبراهيم بن ميسرةَ الطائفيّ، وثابت بن أسلم البُنانيّ، من صغار التابعين.

وأنا شخصيّاً لا أقبل مرسلَ الصحابيّ مطلقاً، متى ترجّح عندي أنّه لم يسمع الحديثَ من الرسول مباشرةً، فضلاً عن مراسيلِ مّن دونه.

رابعاً: يجب علينا في عصرنا هذا؛ أن نتخلّص نهائيّاً من هيمنةِ سلطةِ المتقدّم، كائناً من كان!

وأن يكون القَبولُ والردّ خاضعين لقواعد علميّة، يشهد العقل السليم بصحّتها.

لا أن نكرر: كان العلماء قبلَ الشافعيّ يحتجون بالمرسل: أبو حنيفة ومالك، وفي إحدى الروايتين عن أحمد، حتى جاء الشافعيّ فتابعه أكثر المحدّثين على تضعيفِ الحديثِ المرسل، إلّا بشروطٍ ثلاثةٍ أو أربعةٍ، ذكروها!

هذا الكلام لا يجوزُ الالتفاتُ إليه وتكرارُه أبداً، ولا يجوز الاعتمادُ عليه في قَبول الأحاديثِ وردّها!

لا لأنّ فلاناً قبلَه وفلاناً رفضَه، بل لأنّ اتّصال السندِ من مداره إلى منتهاه؛ هو الحديثُ الأضعف بين أحاديثِ الآحادِ، وليس دون ذلك مرتبةٌ يمكن قَبولُها في العقلِ السليم.

توضيح ذلك بمثال:

أخرج البخاريّ في كتاب العلم، باب مَن خصّ بالعلم قوماً دون قوم (127) حديثَ الإمام عليّ عليه السلام قالَ: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)؟!

قال البخاريّ: «حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ».

على مستوى الكتب التسعة التي حوت (57) ألفَ حديثٍ بالمكرّرات؛ لا يوجد بهذا الإسنادِ، سوى هذا الحديثِ الموقوف على الإمام، وهو حديث موقوف صحيح عند جماهير أهل السنة اليوم، فكيف نحكم عليه؟

نقول: هذا حديثٌ موقوفٌ فردٌ مطلقٌ غريبٌ في أربعِ طبقاتٍ، لم يُروَ مَتنُه عن أحدٍ من الصحابةِ سوى عليّ، ولم يروه عن عليّ سوى أبي الطفيل، ولم يروه عن أبي الطفيل غيرُ معروفٍ، تفرّد به عنه عُبيدُالله بن موسى العبسيُّ الكوفيّ!

وهذا هو الحدُّ الأدنى من الحديثِ الموصوف بالصحيح، فأين يقع المرسلُ من هذا؟ لا شيءَ البتّةَ.

ولهذا فالفقير عدابٌ لا يحتجّ بالحديث المرسل - بتعريفاته جميعها - سواء احتجّ به أبو حنيفةَ ومالك وأحمد، أو اعتبرَ به الشافعيّ بشروط، أم لم يحتجّوا به، فالاحتجاج بالحديث المرسلِ والمعلّق والمنقطع والمعضل والمدلّس ومرسل الصحابيّ؛ لا يجوزُ في الدين مطلقاً؛ لأنّه لا يتحقّق فيه أدنى شروط الصحّة وهو الاتّصال.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 13 يونيو 2026

مِنْ عِبَرِ التاريخِ:

هل النابلسيُّ أبو بكرٍ قُرمطيٌّ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَإِذَا قُلْتُمْ؛ فَاعْدِلُوا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ؛ أَوْفُوا.

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152).

وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً، فَاتَّبِعوهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) [سورة الأنعام].

أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ علماءِ «آل البيت» المعاصرين كلاماً أذهلني حقّاً، وكم كنت أرجو أنْ لا يَصدرَ مثلُ هذا الكلام عنه، ولا عنّي، ولا عن أيّ عالمٍ أوباحثٍ، ينتسب إلى هذا البيت الشريف!

قال هذا السيّد في آخر منشورٍ له [أمسِ السبت] على «الفيس بوك» ما نصّه: «زعم السلفيون الوهابية أنّ هناك عالما في زمن الفاطميين اسمه ابو بكر النابلسي أمر الفاطميون بجلده حتى قُتل في التعذيب وكل ذلك من الأكاذيب كما سأبين:

أبو بكر النابلسي في القرن الرابع الهجري كان من أتباع القرامطة الذين اقتلعوا الحجر الأسود».

وقال في منشوره هذا: «وذكر ( السلفيون الوهابيون ) في تلك المقالة التي قاموا بنشرها على الانترنت أن ( المعز لدين الله ) أمر بعالم سني اسمه أبو بكر النابلسي أن يُضرَب ثم يُسْلَخ جلده على يد يهوديّ، بعدما رفض الجزارون المسلمون أن يسلخوا جلده .. إلى آخر ذلك الهراء».

وقال أيضاً: «وأن قصة سلخ أبي بكر النابلسي كذبة وفرية ، لا تصح أسانيدها .

وأن النابلسيَّ هذا ليس هو الشيخ عبد الغني النابلسي الصوفي الحنفي الدمشقي المشهور، المتوفى (1143هـ)  فبين وفاة المُعزِّ والشيخ النابلسي نحو (800) سنة .

 بل هو رجل آخر اسمه «محمد بن أحمد بن سهل بن نصر المعروف بابن النابلسيّ» ذكروا بأن المعز قتله وسلخه، ولا يصح إسناد قصته وخبره لأنه من رواية مجاهيل، ومصدرها تاريخ دمشق لابن عساكر (51/50).

وقال أيضاً: «( ثالثاً ) : قصة سلخ أبي بكر النابلسي وقتله لا تصح :

تقدَّم أن أبا بكر النابلسي هذا ليس هو الشيخ عبد الغني النابلسي قطعاً ، ومع كون قصة السلخ والقتل هذه ليس لها سند صحيح أو ثابت ، ومصدرها تاريخ ابن عساكر (ت571هـ).

قال ابن الأثير في «الكامل» (4/61) : [ ثم إن القائد أبا محمود الذي سيره المعز يتبع القرامطة وصل إلى دمشق بعد وصول ظالم إليها بأيام قليلة، فخرج ظالم متلقياً له مسروراً بقدومه، لأنه كان مستشعراً من عود القرمطي إليه، فطلب منه أن ينزل بعسكره بظاهر دمشق، ففعل، وسَلَّم إليه أبا المنَجَّى وابنَه ورجلاً آخر يُعرف بالنابلسي، وكان هرب من الرملة، وتقرَّب إلى القرمطي، فأُسر بدمشق أيضاً، فحملهم أبو محمد إلى مصر، فسجن أبو المنجى وابنه، وقيل للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحداً في الروم ؟ فاعترف، فسلخ جلده وحشي تبناً وصلب].

وهذا وحده يكفينا في سقوط النابلسي وقصته الموضوعة .

وقد صنع بعضهم ترجمة لأبي بكر النابلسي واصفاً له بالشهيد اعتماداً على ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق وليس ذلك بشيء».

أقول وبالله التوفيق:

في كلامِ هذا العالمِ السيّدِ ما لا يليقُ صدوره عنه.

أوّلاً: هو مرّة يقول عن أبي بكرٍ النابلسيّ: « كان من أتباع القرامطة الذين اقتلعوا الحجر الأسود».

ومرّة يقول: «والظاهر أن أبا بكر النابلسي هذا كان أحد أتباع القرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود» وبين الجملتين ما لا يخفى.

وقول ابن الأثير عن أبي بكرٍ النابلسيّ: «وتقرَّب إلى القُرمطيّ» لا يعني أبداً أنّه قرمطيٌّ، أو أنّه من أتباع القرامطة!

فابن الأثير لم يَعزُ هذه الجملةَ إلى أحدٍ من معاصريّ النابلسيّ، ولم يُسندْها، فالتشكيك بقوله المرسل أولى بكثيرٍ من الحكم بوضعِ قصّةٍ مسندة، فكيف إذا أعرض ابنُ الأثير عن ترجمة أبي بكرٍ النابلسيّ بالكليّة ؟!

ولو أنّنا سلّمنا بوقوع ذلك من أبي بكرٍ النابلسيّ؛ فالرجلُ كان ملاحَقاً ومطلوباً، هربَ من الرملةِ المدينة الصغيرة، ليختفيَ في دمشقَ العاصمة، خوفاً من الفاطميين «المغاربة» فاستجار بذاك القرمطيّ، كما يستجير الكبارُ بالمشركين!

ففي السيرة النبويّة أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ استجار بالمشرك جُبير بن مطعِم، عقب عودته من الطائف، وفي صحيح البخاريّ أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه استجار بالعاصِ بن وائلِ السهميّ!

وهذا لا يعني أبداً أنّ المستجيرَ صار من أتباعِ المستجار به!

ثانياً: ليس تاريخُ ابن عساكرٍ هو مصدرَ قصّة سلخِ أبي بكرٍ النابلسيّ، بل سبق ابن عساكر بذكر هذا القصّة.

فقد جاء في ذيلِ تاريخِ مولدِ العلماء ووفياتهم (ص: 97) لأبي محمّد الكَتّاني الدمشقيّ (ت: 466 هـ) ما نصّه: «توفّي العَبْد الصَّالح الزَّاهِد أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل بن نصر الرَّمْلِيّ الْمَعْرُوف بِابْن النابلسي

وَكَانَ يرى قتالَ المغاربةِ وبُغضَهم أَنّه وَاجِبٌ، وَكَانَ قد هرب من الرملة إلى دمشقَ، فَقبض عَلَيْهِ الْوَالِي بها أَبُو مَحْمُودٍ الكُتّامي صَاحب المُعِزِّ «أَبو تَمِيمٍ» بِدِمَشْق وَأَخذه وحبسه فِي شهر رَمَضَان من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلات مائة، وَجعله فِي قفص خشب وَحمله الى مصر فَلَمَّا حضر بِمصْرَ؛ قيل لَهُ: أَنْت الَّذِي قلت لَو أَن معي عشرَة أسْهم لرميت تِسْعَة فِي المغاربة وواحداً فِي الرّوم، فاعترف بذلك، وَقَالَ: قد قلته.

فَأمر المُعزُّ أَبُو تَمِيم بسَلْخِه، فسُلِخَ، وَحُشِيَ جِلدُه تِبناً، وصُلِب!

قَالَ عبدُالْوَهَّاب بن جَعْفَر الميدانيُّ: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل بن نصرٍ الشَّيْخُ الصَّالحُ الثِّقَةُ الصدوق».

قال عداب: وعبدالوهّابُ بن جعفرٍ الميدانيُّ هذا هو شيخُ المصنّفِ أبي محمّدٍ الكتّاني، صرّح بالتحديث عنه في مواضع من كتابه الذيلِ هذا (14، 19، 20، 30، 31).

وهو تلميذُ أبي بكرٍ النابلسيّ وعصريّه، وأبو محمّد الكتّاني هذا؛ أسبق في التاريخ من ابن عساكرٍ بأكثر من مائة سنة، إذ توفي عام (466 هـ) بينما توفي ابن عساكر عام (571 هـ) وهو يروي عن الكَتّاني بواسطة رجلٍ واحد، مثل:

 أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي (1: 45).

وأبي محمد هبة الله بن أحمد بن محمد بن هبة الله الأكفانيّ (1: 56).

وأبي القاسم ابن السمرقندي (1: 60) وكثيرين غيرِهم.

ثالثاً: أبو بكرٍ ابن النابلسيّ؛ ترجمه علماءُ أهل السنّةِ وأثنوا عليه، فهل يوجد سنيٌّ واحدٌ في الدنيا يثني على قرمطيٍّ ملعون؟

جاء في تاريخ دمشق (51: 49) للحافظ ابن عساكرٍ (ت: 571 هـ) ما نصّه:

«محمد بن أحمد بن سهل بن نصر أبو بكر الرملي المعروف بابن النابلسيّ.

حدّث عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن شيبان الرمليِّ، وسعيد بن هاشم بن مَرثَدٍ الطبرانيِّ، وعمر بن محمد بن سليمان العَطارِ، وعثمانَ بن محمد بن علي بن جعفرٍ الذَهبيِّ، ومحمد بن الحسن بن قتيبةَ، وأحمدَ بن ريحانَ، وأبي الفضل العبّاسِ بن الوليدِ القاضي، وأبي عبدِالله جعفرِ بن أحمدَ بن إدريسَ القَزوينيِّ، وإسماعيلَ بن محمدِ بن مَحفوظٍ، وأبي سعيدٍ ابنِ الأعرابيِّ، وأبي منصورٍ محمدِ بن سعدٍ.

روى عنه تمّام بن محمد الرازيُّ، وسمع منه بالرملةِ، وعبدُالوهّاب الميدانيُّ وأبو الحسن الدارقطنيُّ، وأبو مسلمٍ محمدُ بن عبدِالله بن محمد بن عمر الأصبهانيُّ، وأبو القاسم عليُّ بنُ عمرَ بن جعفرٍ الحلبيُّ، وبشرى بنُ عبدِاللهِ مولى فُلفُلٍ.

أخبرنا أبو محمد ابنُ الأكفانيِّ، قراءةً عليه: حدثنا أبو محمد الكَتّاني حدثنا أبو الحسينِ عبدُالوهّابِ بنُ جعفرِ بنِ عَليّ بن أحمدَ بن زياد: أنبأنا الشيخُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بن سهلِ بن نَصرٍ النابلسيُّ الشيخ الصالحُ رحمه اللهُ: أنبأنا عمر بن محمد بن سليمان العطار.

وساق الحافظُ ابنُ عساكر حديثاً من طريقه هذا.

أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم: حدثنا أبو بكر الخطيب البغداديّ: أخبرني عبد الملك بن عمر الرزاز ومحمد بن عبد الملك القرشيُّ قالا: أنبأنا علي بن عمر الحافظ: حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل النابلسي الشهيد بالرملة: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، فذكر حديثاً.

أنبأنا أبو محمد بنُ الأكفانيِّ: حدثنا أبو محمدٍ الكَتانيُّ: حدثني أبو النَجيبِ عبدُالغفّار بنُ عبدِالواحد الأرمَويُّ قال: قال لنا أبو ذَرٍّ الهَرويُّ: أبو بكرٍ النابلسيُّ سجنه بنو عُبيدٍ، وصلَبوه على السُنّةِ.

وسمعتُ الدارقطنيَّ يَذكُره، ويَبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلَخ:

(كانَ ذلكَ في الكِتابِ مَسطوراً) [الاسراء: 58].

قال لنا أبو محمدٍ ابنُ الأكفانيِّ: وفي سنة ثلاثٍ وستّين وثلاثِ مائة توفي العبد الصالح الزاهد أبو بكرٍ محمدُ بن أحمد بن سهل بن نصر الرملي المعروف بابن النابلسيّ، وكان يَرى أنّ قِتالَ المَغاربةِ وبُغضَهم واجبٌ، وكان قد هَرب من الرملةِ إلى دِمشقَ، فقبضَ عليه الوالي بها أبو مَحمودٍ الكُتّاميُّ صاحبُ العَزيز بن تَميمٍ بدمشقَ، وأخذه وحبسه في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاث مائةٍ، وجعله في قفص خشب وحمله إلى مصر، فلما حصل بمصر، قيل له: أنت الذي قُلتَ: لو أنَّ معي عَشرةُ أسهمٍ؛ لرميتُ تِسعةً في المغاربةِ وواحداً في الرومِ؟ فاعترف بذلك، وقال: قد قلتُه!

فأمر أبو تَميمٍ بسلخِه، فسُلخَ وحُشي جِلدُه تِبناً وصلب رحمه الله.

وكان الذي تَولّى القبضَ على أبي بكرٍ النابلسيِّ ظالمُ بنُ مَرهوبٍ العُقيليُّ، الذي كان أوّلاً في جملةِ أصحابِ القُرمطيِّ، ثم خالفَه وصار في جملةِ المِصريّين) انتهى من تاريخ دمشق.

هذا هو أبو بكر النابلسيّ، فقيه ومحدّث سنّيٌّ، شيوخه وتلامذته من أهل السنّة، كما هو ظاهر من ترجمته السابقة!

وليس هذا فحسب، بل هو شيخ الحافظين أبي الحسن الدارقطنيِّ وتمّام الرازي، فقد روى تمّام عنه في فوائده (350، 728) وروى عنه الدارقطنيّ أيضاً، كما في مناقب الشافعي للبيهقيّ (2: 248).

رابعاً: وأمّا وصفه بالشهيد، فقد وصفه بذلك البيهقيّ في مناقب الشافعي (2: 248) والسمعانيُّ في الأَنْساب (5: 337) والذهبيّ في النُّبَلاء (16: 148) وفي تَارِيخ الإِسْلَام (8: 216) وفي العِبَر (2: 116) وصاحب حسن المحاضرة (1: 515) والوَافِي بالوفيات (2: 33) وقلادة النحر (3: 192) ونعته بالحافظ!

خامساً: ترجمه في جملةِ علماء أهل السنّة؛ كثيرون:

فترجمه أبو محمّد عبدالعزيز بن أحمد الكتّاني (ت: 466 هـ) في ذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم (ص: 97) كما تقدّم.

وترجمه القاضي عِياض اليحصبيّ (ت: 544 هـ) في ترتيب المدارك (5: 245) وساق قصّته بطولٍ حزينٍ مؤلم.

وترجمه ابن عساكر (ت: 571 هـ) في تاريخ دمشق، كما تقدّم.

وترجمه جمال الدين القِفطيّ (ت: 646 هـ) في «المحمّدون من الشعراء» برقم (86).

وترجمه سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ) في مرآة الزمان (17: 461).

وترجمه الذهبيّ في عددٍ من كتبه، ووصفه بالشهيد، كما تقدّم في الفقرة رابعاً.

وترجمه ابنُ أيبك الصفدي (ت: 764 هـ) في الوافي بالوفيات (2: 33) ووصفه بالشهيد.

وترجمه ابن كثيرٍ الدمشقيُّ (ت: 774 هـ) في البداية والنهاية (15: 365).

وترجمه المَقريزيّ (ت: 845 هـ) في «اتّعاظ الحنفا» (1: 210) وفي المقفّى الكبير (5: 99) ووصفه بالشهيد، وترجمه غير هؤلاء أيضاً وأثنوا على علمه ودينه وتقواه.

فكيف يجوز أن يقال: إنّه من أتباعِ القرامطةِ الذين اقتلعوا الحجر الأسود من رُكن الكعبة، وقتلوا الحجيج؟

سادساً: معيارُ أهل البيت في تقويم الأشخاصِ؛ هو معيار التقوى والدين، وليس المعيارُ الفتوحاتِ وتوسيع دائرة الملك ما بين المغرب الأقصى وبلاد الشام مثلاً!!

إنّ الفاطميين الذين حكموا مصر والشام والمغرب العربيّ؛ على مذهب الإسماعيليّة الباطنيّة الباطل، وقد قتلوا من المسلمين ألوفاً مؤلّفةً حتى دانَ لهم الناس، وخضعوا لحكمهم، فليسوا هم بقومٍ مهتدين صالحين، وليسوا بحكّام شرعيين حتى نفتخرَ بهم ونشيدَ بأعمالهم.

ختاماً: عندما أقول للنّاس: «التشيّع هو الإسلام» أو أقول: «عداب شيعيّ» فيجب أن يُفهَم هذا الكلام في ضوء التنبيهاتِ الآتية:

أوّلاً: ليس مذهبُ الزيديّة عند الفقير عدابٍ، هو مذهبَ أهل البيت!

وليس مذهبُ الإثني عشريّة «الجعفريّة» عند عداب، هو مذهبَ أهل البيت!

وأبعدُ الخلقِ عن مذهبِ أهل البيت؛ هم القرامطةٌ السبعيّون المجرمون، والفاطميّون الباطنيّون!

ثانياً: لم تكن العنايةُ بعلومِ آل البيت وفقههم وحديثهم؛ من اهتمام علماءِ أهل السنّة قطّ!

فمن العبثِ وتضييعِ الوقتِ؛ أن يُبحث عن علومهم في مجاميع أهل السنّة!

اللهم إلّا إذا عددنا مصنّف عبدالرزّاق الصنعانيّ، ومصنّف أبي بكر ابن أبي شيبةَ، ومصنّفات الشوكانيّ؛ من مصنّفات أهل السنّة!

ثالثاً: ما اتّفقت عليه مذاهب الشيعة الثلاثةُ - على تكفير بعضها بعضاً - هو مذهبُ أهل البيتِ، ويحقّ لكلِّ عالمٍ وباحثٍ أن يطمئنّ إلى ذلك.

أمّا ما اختلفوا فيه؛ فيحتاجُ إلى بحثٍ علميٍّ ودراسةٍ حذرة!

رابعاً: لا يجوزُ عند الفقير عداب؛ الاعتقادُ بالنصِّ على أئمّة آل البيت السبعةِ عند السبعيّة القرامطة، ولا الاثني عشر عندَ الإماميّة الجعفرية.

ولا يصحّ تعيين أسمائهم ولا أوصافهم عن الرسول، ولا عن غيره.

ولا يجوز اعتقاد العصمةِ لأهل الكساء، فمن بعدهم، ما عدا الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ولا يجوز اعتقادُ انحصار الإمامة بــ«آل البيت» وذريّاتهم، إنّما هم أولى بها من كلّ أحدٍ، عند استواءِ الصفات والكمالات.

ولا يجوز الاعتقادُ بالرجعةِ بأيّ تفسير كانت.

ولا يجوز الاعتقادُ بالبداء على الله تعالى.

ولا يجوز الاعتقادُ بظهور «المهدي» الذي لم يخلقْه الله تعالى أصلاً، والذي لم يصحّ أيّ حديثٍ في احتمال أن يخلقه في المستقبل.

خامساً: الحكّامُ العربُ - من آل البيت وغيرهم - على مدار تاريخنا، ظلموا الناسَ، وقتلوهم، تحت شعاراتٍ باطلةٍ عندي.

فبعد الإمام عليٍّ المنصوص على خلافته من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: (من كنت مولاه؛ فعليّ مولاه) ليس من حقِّ أحدٍ من آلِ البيتِ أنْ يقاتلَ الناسَ ويقتلَهم ويظلمهم ليكون إماماً لهم، أو رئيساً عليهم!

إنْ اختارَه أهلُ الحلّ والعقدِ من المسلمين؛ فبها ونِعمتْ، وإنْ لم يختاروه - مع توفّر صفات القيادةِ فيه - فهو مَرضٌ في الأمّة قديم، ففي الصدر الأوّلِ أعرضت قريشٌ عن الإمام عليّ، وهو أكفأُ الصحابةِ لتولّي هذا المنصب الجليل، و«أبت قريش أن تجمع لبني هاشم نبوّةً وخلافة».

وأيّاً كان سببُ إعراض المسلمينَ عن تأميرِ آل البيت؛ فلا يجوز لهم إراقةُ الدماء من أجل الإمارةِ، إذْ ليس لدينا نصّ شرعيّ واضحٌ، بانحصار الإمامة في آل البيت و ذريّاتهم.

وبناءً على ما تقدّمَ؛ فجميع معارك زعماء الزيديّةِ والإمامية والقرامطة والإسماعيليّة من آل البيتِ؛ غير شرعيّة، وجميع القتلى الذين سقطوا في تلك المعارك؛ سيحاسبهم الله تعالى على قتلهم.

والقرامطةُ والفاطميّون؛ قتلةٌ مجرمون، أجروا الدماءَ أنهاراً، حتى تملّكوا رقابَ الناس وحكموهم بالحديد والنار!

وسواءٌ أثنى مؤرّخو أهل السنّةِ على بعضهم، أم لم يثنُوا؛ فهم حكّام غيرُ شرعيين، لا يجوز ولاؤهم ولا محبّتهم، شأنهم في ذلك شأنْ طغاة بني أميّةَ وبني العبّاس وغيرهم!

سادساً: التشيُّع الذي أدعو إليه الناسَ؛ هو مودّةِ آل البيتِ، واحترامُهم، وأداؤهم حقوقَهم التي كانت تُمنح لهم على عهد رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والتي مَنعهم إيّاها الخلفاءُ القرشيّون، حتى يقوموا بواجباتهم الشرعيّة التي يقتضيها قول الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم بهما؛ لن تضلّوا بعدي أبداً، كتابَ الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني بهما).

هذه المهامّ العلميّةُ والدعويّةُ؛ تحتاج إلى أموالٍ طائلةٍ، من أجلِها وغيرِها من احتياجاتِ أهلِها؛ شرعَ الله الخمسَ لرسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ لآل بيته من بعده.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال. 

الأحد، 7 يونيو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

الجَوْهَرُ النقيّ في الردِّ على البيهقيّ!؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

في المنشور الماضي أجبتُ على فِقرةِ السائلِ الأولى «رواةُ الحديثِ من الحنفيّة»

 بقي أن أجيبَ على الفقرة الأخيرة من سؤاله: «وماذا عن الجوهر النقي لابن التركماني»؟

أقول وبالله التوفيق:

مؤلّفُ كتابِ «الجوهر النقيّ» هو علاءُ الدينِ أبو الحسن، عليُّ بنُ عثمانَ بنِ إبراهيمَ بنِ مُصطفى الماردينيُّ، الشهير بابن التركماني (ت: 750هـ).

ترجمه تلميذه عبدالقادر القرشيّ (ت: 775 هـ) في كتابه «الجواهر المضيّة في طبقاتِ الحنفيّة» (1: 366) فقال: «عَليُّ بنُ عُثْمَانَ الإِمامُ، ابنُ الإِمامِ، أَخُو الإِمامِ، ووالد الْإِمَامَيْنِ، أَبُو الْحسن، قَاضِي الْقُضَاة الماردينيّ.

تَقدّم وَالِدُه الإِمَامُ فَخرُ الدّين،وَتقدّم أَخُوهُ الإِمَام تَاج الدّين أَحْمدُ، وَتَقدّم وَلَدُه عبدالْعَزِيزِ،هو أَخُو قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين، ويأْتِي ابْنُ أَخِيه مُحَمَّدُ بن أَحْمدَ، أهلُ بَيتٍ عُلَماءُ فُضلاء.

كَانَ «المترجَم» إِمَاماً فى التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول والفرائض وَالشعر!

صنف وَأفْتى ودرّس وَأفَاد وَأحسنَ، وَكَانَ ملازماً للإشتغال وَالْكِتَابَة لَا يمل من ذَلِك!

سمع الحَدِيثَ، وَقَرَأَ بِنَفسِهِ.

قَرَأت عَلَيْهِ قِطْعَة من الْهِدَايَة إِلَى الزَّكَاةِ، ولازمته فى طلب الحَدِيث.

اخْتصرَ كتابَ الْهِدَايَة بِكِتَاب سَمَّاهُ «الْكِفَايَةُ فى مُخْتَصر الْهِدَايَة» وَشرح الْهِدَايَة وَلم يُكْمِلْهُ وَشرح قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين وَلَدُه من حَيْثُ انْتهى إِلَيْهِ وَالِدُه.

وَاخْتصرَ كتاب ابْن الصّلاح في «عُلُوم الحَدِيث» وَوضع على الْكتاب الْكَبِير للبيهقي كتاباً نفيساً نَحواً من مُجلّدين.

وَلما حملتُ إِلَيْهِ - رَحمَهُ اللهُ - كتابي الذي وَضعتُه على أَحَادِيث الْهِدَايَةِ، وَكنت سمّيتُه بـ«الكفاية فى معرفَة أَحَادِيث الْهِدَايَة» قالَ مداعباً لي: سرقتَ هَذَا الِاسْم مني، فَإِنِّي سمّيت مختصري للهداية بــ«الكفاية» وَذكرتُ فى أول الْخطْبَة: «الْحَمدُ للهِ المتكفّلِ بالكفايةِ، فَغيِّرْ هَذَا الِاسْمَ.

فَقلت: يَا سَيِّدي: مَا يُسَمِّيه إِلَّا أَنْتَ، فَسَمّى كتابي بــ«العناية فى معرفَة أَحَادِيث الْهِدَايَة» مَاتَ فى يَوْم عَاشُورَاءَ، سنة خمسين وَسبع مائَة» رحمهم الله تعالى.

وأمّا عن كتابِه «الجوهر النقيّ» فقد قال القرشيّ في موضع آخر من الجواهر المضيّة (1: 432): «فَائِدَة: ذَكَر الإِمامُ أَبُو بكرٍ الْبَيْهَقِيُّ في أوّل كِتَابه الْأَوْسَطِ، الْمَعْرُوف بــ«السننُ والْآثَارُ» وَإِنَّمَا قلتُ: الْأَوْسَطُ؛ لِأَن لَهُ فى السّنة ثَلَاثةَ مُصنفاتٍ:

 الأوّلُ: السّنَن، الْمَعْرُوف بـ«السنن الْكَبِير» نَحْوُ خَمْسَة عشر مُجَلداً.

وَالثَّانِي: الْمَعْرُوف بِـ«مَعْرِفَةُ السّنَنِ والْآثَارِ» في ثَلَاث مجلداتٍ.

وَالثَّالِث: «السُّنَنُ الصَّغِير» فى مُجَلدٍ...

وَقد اعتنى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاةِ عَلاءُ الدّين «ابنُ التركمانيّ» وَوضعَ كتاباً عَظِيماً نفيساً على «السنَن الْكَبِير» وَبَيّن فِيهِ أنواعا مِمَّا ارتكبَها، من ذَلِك النَّوْعِ الذي رمى بِهِ البَيهقيُّ الطحاويَّ، إذْ يَذكرُ «البيهقيُّ» حَديثاً لمذهبه، وَسَنَده ضَعِيفٌ، فيوثّقُه، وَيذكُر حَدِيثاً على مَذْهبنا «الحنفيّة» وَفِيه ذَلِك الرجل الذي وَثَّقَهُ، فيضعّفُه.

وَيَقَع هَذَا فى كثير من الْمَوَاضِعِ، وَقد يكون بَين هذَيْن العملين مِقْدَار ورقتين أَو ثَلَاثُ! وَهَذَا كِتَابُه مَوْجُودٌ بأيدي النَّاسِ، فَمن شَكّ فى هَذا؛ فَلْينْظر فِيهِ.

وَكتابُ سيّدنَا قَاضِي الْقُضَاة «ابن التركماني» هَذَا؛ قد أَخَذتُه عَنهُ، وَهُوَ عِنْدِي فى مجلدين كبيرين، وَهُوَ كتاب عَظِيم، لَو رَآهُ مَن قَبلَه من الحُفّاظِ؛ لسأله تَقْبِيلَ لِسَانِه الذي تَفوّه بِهَذا، كَمَا سَأَلَ أَبُو سُلَيْمَان الدارني أَبَا دَاودَ صاحبَ السّنَن أَن يُخرجَ إِلَيْهِ لِسانَه، حَتَّى يُقبّلَه والقصّة مَشْهُورَة.

وَيَقُولُ النَّاسُ: إنّ الشَّافِعِيَّ لَهُ فضلٌ على كلّ أحدٍ، وَللبَيْهَقِيِّ فَضلٌ على الشَّافِعِيّ!

فوالله مَا قَالَ هَذا مَن شَمَّ توجّهَ الشَّافِعِيَّ وعظمتَه وَلسانَه في الْعُلوم.

وَلَقَد أخرج الشَّافِعِي باباً من الْعلم، ما اهْتَدَى إِلَيْهِ النَّاس من قَبله، وَهُوَ علم النَّاسِخ والمنسوخِ، فَعَلَيهِ مدَار الْإِسْلَام.

مَعَ أَن الْبَيْهَقِيّ إِمامٌ حَافظٌ كَبِير، نَشر السّنةَ، وَنصرَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فى زَمَنه.

وَرَأَيْتُ في تَرْجَمتِه في كتاب عَتيقٍ، بِخَطّ بعضِ الثِّقَاتِ؛ أَنّه كَانَ مَوْصوفاً بالزهدِ، وَأَنه رَأْى ربَّ الْعِزَّة في النّوم غيرَ مرّةٍ.

ووقفتُ لَهُ على مُجلّدٍ ضخمٍ سَمَّاهُ «الزّهْدُ الْكَبِير» صنّفه رَحْمَة الله عَلَيْهِ.

سمعتُه من بعضِ مشايخنا، وَهُوَ عِنْدِي، وَهُوَ كتابٌ يدلّ على عَظمتِه، رَحمَه اللهُ ورحم أَئِمَّةَ الْمُسلمينَ أهلَ الحَدِيث».

قال الفقير عداب: المشهور بين طلبةِ العلم؛ أنّ «الجوهرُ النقيّ» رُدودُ ومناقشاتُ البيهقيّ بما في كتابه «السنن الكبير» وهو كذلك أصالةً، لكنّ القاضي علاء الدين؛ لم يُهملْ بقيّةَ كتب البيهقيّ، بل كان يستفيدُ منها أحياناً في الردّ على البيهقيّ نفسه!

للإمام البيهقيّ كتاب جليل سمّاه «الخلافيّاتُ بين الإمامين الشافعيّ وأبي حنيفةَ وأصحابه» مطبوعٌ في سبعة مجلّدات.

وقد عادَ إليه القاضي ابن التركماني في كتابه «الجوهر النقيّ» أكثر من خمسين مرّةً.

وللإمام البيهقيّ كتابٌ جليلٌ آخرُ، جمع فيه ما احتجَّ به الشافعيُّ في كتبه، سماه «معرفة السنن والآثار» وهو مطبوع في خمسةَ عشرَ مجلّداً.

وقد عاد إليه القاضي ابن التركماني في كتابه «الجوهر النقيّ» أكثر من ثمانين مرّةً.

وكتابُ القاضي ابن التركمانيّ؛ ليس حاشيةً على كتاب «السنن الكبير» للبيهقيّ، إنّما هو كتابٌ ضخمٌ مفردٌ، صدر عن دار الفكر ببيروت في عشرة مجلّدات.

قال مصنّفه في خطبته (1: 2) ما نصّه: «أمّا بَعدُ: فهذه فوائد على «السنن الكبير» للحافظ أبي بكرٍ البَيهقيّ، رحمه الله تعالى، أكثرُها اعتراضاتٌ عَليه، ومناقشاتٌ له، ومباحثاتٌ معه، وما توفيقي إلّا باللهِ، عليه تَوكلتُ، وإليه أنيب».

أنموذج من منهجه في الجوهر النقيّ:

قال البيهقيّ في السنن الكبير (1: 13): «قالَ الشافعيُّ رحِمه اللَّهُ: ورَوَى عبدُالعَزيزِ بنُ عمرَ عن سعيدِ بنِ ثَوبانَ، عن أبي هِندٍ الفِراسِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قالَ: (مَن لم يُطَهِّرْه البَحْرُ؛ فلا طَهَّرَه اللَّهُ).

أخبرَناه أبو حازِمٍ عُمَرُ بنُ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الحافظُ: أخبرَنا أبو أحمدَ الحافظُ: أخبرَنا أبو عبداللَّه الحسينُ بنُ محمدِ بنِ عُفَيرٍ الأنصارِيُّ: حدَّثَنا محمدُ بنُ حُمَيدٍ: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ المُختارِ: حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ. فذكَره بمِثلِه، إِلا أنَّه لم يَقُل: الفِراسِيُّ

قال في الجوهر (1: 4): ذكره البيهقى بسنده، وفيه محمد بن حميدٍ هو الرازي عن إبراهيم بن المختار، فسكت عنهما.

وابن حميد: قال فيه البيهقيُّ في باب فرض الجدة والجدتين (12: 705): ليس بالقويّ.

وابن المختار: قال أحمد بن عليٍّ الأبّار: سألتُ زُنيجاً أبا غسّان عنه؟ فقال: تركتُه، ولم يَرضَه، وقال البخاريُّ: فيه نَظر، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس بذاك».

قال عداب: لا يخفى على الباحثين أنّ صنيعَ القاضي ابن التركماني مفيدٌ للغاية، ليس فيما يخصّ السننَ الكبيرَ للبيهقيّ، وبقيّةَ كتبه، إنّما هو مفيدٌ جدّاً، في جميع أحاديث الأحكام، لدى مذاهب أهل السنّة.

ومع جلالةِ صنيع القاضي ابن التركمانيّ، تعقّبه تلميذه الإمام جمالُ الدين الزيلعيّ (ت: 762 هـ) في أكثرَ من ستّين موضعاً من كتابه «نصب الراية» جميعها يقول فيها «شيخنا علاء الدين» ولم يذكر كتابَ الجوهر النقيّ قطّ!

انظر نصب الراية (1: 2، 30، 89، 104).

وانظر منه: (4: 295، 328، 373، 385، 391).

قال في الموضع الأوّل (1: 2): «حَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ   وَمُسْلِمٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِماً، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ) زَادَ مُسْلِمٌ: (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) انْتَهَى.

وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ عَلَاءِ الدِّينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهْمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُما: أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بَعْدَ أَنْ حَكَاهُ بِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَزِيَادَةِ مُسْلِمٍ: أَخْرَجَاهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُسْلِماً انْفَرَدَ فِيهِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.

وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَبْدُالْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (368) فَقَالَ: «لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ فِيهِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ».

الْوَهْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ حَدِيثَ الْكِتَابِ مُرَكَّباً مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بن شعبةَ أَنَّهُ عليه السلام (مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ) وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، فِي السُّبَاطَةِ، وَالْبَوْلِ قَائِماً، وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَدِيثَ السُّبَاطَةِ وَالْبَوْلِ قَائِماً أَيْضاً، رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، كَمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَاجَهْ (306) وَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَذْكُرَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ لِيُطَابِقَ عَزْوَ الْمُصَنِّفِ.

وَهَذَا الْوَهْمُ الثَّانِي؛ لَمْ يَسْتَبِدَّ بِهِ الشَّيْخُ، وَإِنَّمَا قَلَّدَ فِيهِ غَيْرَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ».

ختاماً: أنصح جميعَ إخواني طلبةَ العلم بالعنايةِ التامّة بأحاديثِ الأحكامِ، وتتبّع أقاويل نقّاد الحديثِ في تقويمها، وليكن في صدارةِ كتبِ التتبّعات والانتقادات؛ كتاب «الجوهر النقيّ» لابن التركمانيّ، وكتاب «نصب الراية» للزيلعيّ، وكتاب «البدر المنير» لابن الملقّن.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 5 يونيو 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

رواةُ الحديثِ من الحنفيّة !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

قال لي صاحبي: «كأنّني فهمتُ من إشاراتِ كلامِكم؛ أنّ علماءَ المذهب الحنفيّ ضعفاءُ في علم الحديث!

فهل يمكن أن تحدّثنا عن أبرز نقّادِ الحديثِ، لدى السادةِ الحنفيّة في عصورِ الروايةِ، وماذا عن كتاب الجوهر النقي لابن التركماني»؟

أقول وبالله التوفيق:

من المهمّ ابتداءاً أنْ أقول: إنّ في جميع مذاهب أهل الإسلامِ محدّثين، قديماً وحديثاً، ولا يوجد محدّث واحدٌ يَعتمد المحدّثون جميعَ ما روى، ولا يوجد محدّث واحدٌ قَبِلَ المحدّثون جميع أقوالِه وآرائه النقديّة، لا ضمنَ مذاهب أهل السنّة، ولا لدى غيرهم من مذاهب أهل الإسلام.

بعد هذه التقدمة؛ ننطلقُ إلى الإجابةِ باختصار شديد!

أوّلاً: الإمام أبو حنيفة النعمانُ بن ثابت الكوفي (ت: 150 هـ) نصَّ المزيّ على روايته عن واحدٍ وسبعين شيخاً، وروى عنه عنده مائةُ راوٍ وأربعةُ رواة!

فهل يتصوّر عاقلٌ، بل عُشرُ عاقلٍ؛ أن يكون أبو حنيفةَ جاهلاً بالحديث؟

لقد وثّقَ المتشددون من علماء الحديثِ رواةً مجهولين، وأشباهَ مجهولين؛ رَوَوا حديثاً واحداً أو حديثين، وافقوا بهما ما يرضاه المحدّثون من الحديث!

ثانياً: هناك فارق كبيرٌ جدّاً بين كلامِ المحدّثين النظريّ، وبين تطبيقاتهم العمليّة على

الرواةِ الذين يختارونَ الروايةَ عنهم!

فهم يقولون: هذا قدريّ، وهذا مرجئ، وهذا رافضي، وهذا شيعيّ، وهذا خارجيّ، ثمّ هم يروون عن الثقاتِ من هؤلاء المبتدعةِ أجمعين، يقولون: لنا صِدقُه، وعليه بدعته.

ثالثاً: الذي تبيّن لي من وراء دراستي الشخصيّات الكبيرة في الإسلام؛ أنّ المحدّثين أعرضوا عن أبي حنيفة، وتركوا حديثَه؛ لثلاثةِ أسبابٍ:

الأوّل: أنّ الإمامَ أبا حنيفةَ مثلُ الإمام مالكٍ؛ لا يمنح أحاديثَ الآحاد ذاك التقديس الذي يمنحه المحدّثون لـ«حدّثنا وأخبرنا» لأنّ أساس علم العِلل نشأ لتتبُّع أخطاءِ وأوهام الرواةِ، فيما ليس للجرح إليه مدخل، وهذا يعني أنّ الثقاتِ أنفسَهم يهِمون ويخطؤون ويدلّسون فلا يرى الإمامُ أبو حنيفةَ أنّ ما رواه الثقاتُ؛ يتعيّن عليه قَبولُ جميعِه والتفريع عليه!

والأمر الثاني: أنّ أكثرَ العلماء والمحدّثين والفقهاء؛ ليسوا من أهل السيفِ والقنا وركوب الخيل، فهم يخافون من ظلالِهم!

وجاءهم أبو حنيفةَ يقولُ بجوازِ الخروج على الحاكم الظالم الجائر، فقالوا: «كان يرى السيفَ على أمّة محمّد».

ثالثاً: أبو حنيفةَ الذي يردُّ كثيراً من أحاديث الآحاد، التي رواها الثقات؛ يقبلُ المرسلَ والمعضلَ والمعلّق، إذا كان راوي ذلك ثقةً عنده، وهذا يعني أنْ لا فائدة عنده لعلوم

الحديثِ كلّها، من الناحية التطبيقيّة، فاختلافهم معه إذنْ في المنهج!

ومَن أراد أمثلةً تطبقيّة كثيرةً على صحّة كلامي هذا؛ فليذهب إلى موطّأ مالكٍ، برواية محمّد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، فسيجده لا يفرّق في الاحتجاجِ لمذهبه، بين حديثٍ متّصلٍ أو حديثٍ مرسلٍ، أو حتّى واحدٍ من بلاغات مالك!

(1) يقول مالك (52): «بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعِمَامَةِ؟ فَقَالَ: لا، حَتَّى يَمَسَّ الشَّعْرَ الْمَاءُ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهِ.

(2) يقول مالك: (53): «حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: «رَأَيْتُ صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ، وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا، ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا» قَالَ نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ،لا يُمسَحُ عَلَى الْخِمَارِ وَلا الْعِمَامَةِ، بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ؛ فَتُرِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنِا».

(3) ويقول مالك (430): أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، كَانَ يَقُولُ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ».

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا».

لا يُقال: ربما كانت هذه البلاغاتُ موصولةً خارج موطّأ مالك؟!

إذ كان على محمد بن الحسن؛ أن ينبّه على ذلك، لو كان يعلمه!

وقد كانت ترجمةُ أبي حنيفةَ عند ابن حبّان في كتاب المجروحينَ أطولَ ترجمةٍ في الكتاب «1127» (3: 60 - 73).

وقد أقذع الحافظُ الورعُ محمّدُ بنُ حبّان في ترجمة أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى، وغفر لهما.

وأبرز المشتغلين بالحديثِ من أصحاب أبي حنيفة:

(1) محمد بن الحسن الشيبانيّ (ت: 189 هـ) ترجمه ابن حبّان في المجروحين (2: 275 - 276) ونقل تضعيفَه عن عددٍ من النقّاد.

(2) زُفَر بن الهذيل بن بن قيس العنبريّ، ترجمه ابن حبان في الثقات (6: 339) وقال ثمّةَ: «وَكَانَ زفر متقنا حَافِظًا قَلِيل الْخَطَأ لم يسْلك مَسْلَك صَاحبه فِي قلَّة التيقظ فِي الرِّوَايَات وَكَانَ أَقيس أَصْحَابه وَأَكْثَرهم رُجُوعا إِلَى الْحق إِذا لَاحَ لَهُ وَمَات بِالْبَصْرَةِ».

(3) يعقوبُ بن إبراهيم أبو يوسف القاضي، ترجمه ابن حبّان في الثقات (7: 645) وقال في ترجمته ثمّةَ: «وَكَانَ شَيخا متقناً، لم يكن يسْلك مَسْلَك صَاحِبيهِ «أبي حنيفةَ ومحمد بنَ الحسن» إِلَّا فِي الْفُرُوع، وَكَانَ يبانيهما فِي الْإِيمَان وَالْقُرْآن» إلى أن قال: «لسنا مِمَّن يُوهم الرعاع مالا نَستحلّه، وَلَا مِمَّن يَحِيف بالقدح فِي إِنْسَان وَإِن كَانَ لنا مُخَالفاً، بل نعطي كل شيخ حَظّه مِمَّا كَانَ فِيهِ، ونقول فِي كل إِنْسَان مَا كَانَ يسْتَحقّهُ من الْعَدَالَة وَالْجرْح. أدخلنا زُفراً وَأَبا يُوسُف بَين الثِّقَات؛ لما تَبين عندنَا من عدالتهما فِي الْأَخْبَارِ، وأدخلنا من لَا يُشبههما فِي الضُّعَفَاءِ «أبا حنيفةَ ومحمّدَ بن الحسن» بِما صَحَّ عندنا، مِمَّا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.

وَمَاتَ أَبُو يُوسُف سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، بِخمْس لَيَال خلون من شهر ربيع الآخر».

(4) بكارُ بن قُتَيْبَة بن أَسد بن عبيدِاللَّه بْن بشير بْن عبيدِاللَّه بن أبي بكرَة البكراوي الثَّقَفِيّ، كنيته أَبُو بكرَة، كَانَ على قَضَاء مصر.

يروي عَن يزِيد بن هَارُون وَأهل الْبَصْرَة حَدَّثنا عَنهُ بن خُزَيْمَة وَالنَّاس كَانَ ينتحل مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْفِقْه» قاله ابن حبّان في الثقات (8: 152).

(5) سيف بن الْحجَّاج الْكُوفِي يروي عَن أبي حنيفَة روى عَنهُ بن أبي السرى الْعَسْقَلَانِي» ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 300).

(6) أَبُو قَطَن، اسْمه عَمْرو بن الْهَيْثَم الزَبيدِيّ، من أهل بَغْدَاد.

يروي عَن شُعْبَة وَمَالك وأبي حنيفَةَ، روى عَنهُ أَحْمد ابن حَنْبَل وَأَبُو ثَوْر، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، رَحمَهم الله تعالى، ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 484).

(7) ولعلَّ أبرزِ محدّثٍ مصنّف في عصر الروايةِ؛ هو الإمامُ أبو جعفرٍ أحمد بن محمّد بن سلامة الأزديّ المعروف بالطّحاويّ (ت: 321 هـ) صاحب المصنّفاتِ الكثيرةِ، منها:

(1) شرح معاني الآثار في أحاديث الأحكام، أودع فيه أبو جعفرٍ (7467) حديثاً.

انتصر فيها لمذهبه الحنفيّ انتصاراً عجيباً.

(2) شرح مشكل الآثار، في مختلِفِ الحديث، أودع فيه أبو جعفرٍ (6179) حديثاً.

(3) أحكام القرآن، والذي وُجدَ منه وطبع الجزء الأوّل منه في مجلّدين، جاء في خاتمته (2: 482) ما نصّه: «تمّ كتابُ الْمُكَاتبَة، وبتمامه تمّ الْجُزْء الأول من كتاب أَحْكَام الْقُرْآن.

وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلَاته وَسَلَامه على سيدنَا مُحَمَّد نبيّه وَعَبدِه وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيراً، دَائِما بدوام ملك الله إِلَى مَا لَا نِهَايَة لذَلِك.

على يَد العَبْد الْفَقِير الراجي عَفْو ربه الْقَدِير مُحَمَّدَ بنِ َأَحْمد بن صفي بن قَاسم الْمَعْرُوف بِابْن الغزولى، عَفا الله عَنه» وللطحاويّ كتبٌ نافعةٌ غيرُها.

وليس هؤلاءِ جميع رواةِ الحديثِ، من الحنفيّة، وليسوا هم جميع من روى عن أبي حنيفةَ، أو روى من طريقه، إنما هم نماذج من الرواة الذين ترجمهم ابن حبّان في كتابه الثقات.

أمّا الكلام على كتاب «الجوهرِ النقيّ في الردّ على البيهقيّ» لعلاء الدين ابن التركمانيّ (ت: 750 هـ) فسأفرد له منشوراً خاصّاً به.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.