مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:
هَلْ بلادُ العربِ دارُ إسلامٍ ؟!
أَعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرَجيمِ... بسم الله الرحمن الرحيم
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: آمِنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي
أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً).
أمّا بعدُ: من المعلومِ لدى طلبةِ العلمِ؛ أنّ
مواطنَ أهل الإسلامِ بالمعنى الأعمّ؛ ليست داراً واحدةً، هي دار الإسلام، إنّما هي
ديارٌ متعدّدةٌ، كلّ بقعةٍ منها تحملُ لوناً من الإسلامِ، يختلفُ في قليلٍ أو
كثيرٍ عن الدار الأخرى.
والجامعُ بين ديارِ أهل الإسلامِ جميعهم: (الإيمان
باللهِ، وملائكتهِ، وكتبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر) فأهل السنّة بمذاهبهم،
والشيعةُ بفرقهم، والخوارجُ بمدارسهم؛ يجمعون على هذه العقائدِ الكليّةِ، ثمّ
يختلفون.
ويُجمعُ علماءُ ديارِ أهل الإسلام على مَشروعيّةِ
الطهارةِ والأذان والإقامةِ، وعلى الوجوب العينيّ للصلاةِ والزكاةِ وصيام رمضان،
وحجّ البيتِ، لمن استطاع إليه سبيلاً، ثمّ يختلفون.
وقد قلتُ مرّاتٍ كثيرةً، وأقول: ليس هناك فرقةٌ
بعينِها، ولا طائفةٌ بعينها، ولا مذهبٌ بعينه، يحتكِرُ الحقَّ كلَّه، فليس أهل
السنّةِ مذهباً واحداً، وليست مذاهبهم هي (الفرقة الناجية) أو (الطائفة المنصورة)
أو أنّها هي الأمّة، كما يتفلسفُ بعضهم، في هذه الأيّام النَحِسات!
أهل السنّة يتوزّعون على المذاهب العقديّة المتباينة:
الأشاعرةِ والماتريدية والحنابلة والوهّابيّة والصوفيّة، وهم أحزابٌ شتّى!
الأشاعرة مئات الملايين.
الماتريدية مئات الملايين.
الصوفيّة بمدارسهم المعتدلةِ والمغاليةِ مئات
الملايين.
الحنابلة عشراتُ الملايين.
الوهّابية عشراتُ الملايين.
الظاهريّة ملايين قليلة!
وكلّ أمّةٍ من هذه الأمم لها اجتهاداتُها الخاصّةُ
التي تُكَفّر بها غيرَها، أو يكفّرُها بها غيرُها من أهلِ السنّةِ أنفسهم.
نعم الأشاعرةُ والماتريديّة، منذ سيطر العثمانيون
على بلادِ العربِ؛ جعلوا بينهم تفاهماتٍ يُبرزونها للعامّةِ، وتركوا الخلافيّات
التي يكفّر بعضُهم بها بعضاً داخل الكتب والمصنّفات، وهذا شيءٌ حسن!
وقلتُ مرّاتٍ كثيرةً وأقول: إنّ أهل السنّة - من
الأشاعرةِ والماتريديّة - هم أكثرُ فرق الإسلام صواباً، في اجتهادي الشخصيّ، لكنهم
لا يحتكرون الصوابَ كلَّه.
فإذا نحن عدَدنا تاريخ (1909م) وهو تاريخ انتهاء
الدولةِ العثمانيّة، أو الخلافة العثمانية فعليّاً؛ فما توصيفُ دِيارِ بلادِ
العربِ، بعد هذا التاريخ؟
وفق اجتهادِ أهل السنّة «الأشاعرة والماتريديّة».
هناك دار إسلام؛ هي الديار التي تسود فيها مذاهب
الأشاعرة والماتريدية.
وهناك دار بدعة، وهي الديار التي تسود فيها المذاهب
البِدعيّةُ في نظرهم:
الديار التي يسود فيها المذهب الوهّابيّ «الحنبليّ».
والديار التي يسود فيها المذهب الشيعيّ الزيديّ.
والديار التي يسود فيها المذهب الجعفريّ الاثني
عشريّ.
والديار التي يسود فيها المذهب الإباضيّ.
فهذه الديارُ كلّها ديارُ بدعةٍ عند أهل السنّة!
وأهل السنّة عَمليّاً لا يفرّقون بين الحاكم العالم
المجتهد، وبين الحاكم الجاهل القاتلِ المتغلّب، من جهةِ نَفاذِ أحكامه ومشروعيّتها.
إذْ هم يفخرون بـــ«الخلافة العثمانيّة» ويعدّونها
حاميةَ حمى الإسلام، ويرون حكّامَها شرعيين، وأحكامَهم شرعيّةً أيضاً، مع أنّ
أكثرَ سلاطين بني عثمان لم يكونوا من أهل العلم، ولم يكونوا من أهل الالتزام
بتعاليم الإسلام.
كما يفتخر جماهير المسلمين «السُنّة» في مصر
المحروسةِ بالرئيس جمال عبدالناصرّ، وهو رجل ظالم قاتل جاهل، عديم الالتزام
الدينيّ!
وجماهير المسلمين «السُنّة» في سوريّا يفتخرون
بالرئيس شكري القوّتلي، والرئيس خالد العظم، والرئيس أديب الشيشكليّ، ولم يكن
واحدٌ من هؤلاء الرؤساء من أهل العلم الشرعيّ، ولا من أهل الدين!
فنحن أمامَ إسلاميّ سنيٍّ خاصٍّ في البلاد
العربيّة؛ هو (دينُ العباداتِ والأخلاق الإسلاميةِ) الاختياريّة، فهم لا يحبّون
الإلزامَ أبداً، ولا يحبّون تطبيقَ العقوبات والحدودَ الشرعيّة البتّةَ!
أمّا إسلامُ الحكم بما أنزل الله تعالى؛ فهو بعيدٌ
عن ديار العربِ منذ ألف سنة على أقلّ تقدير.
فإذا نحن أردنا أن نصنّفَ بلادَ العرب التي تدين
الله تعالى بالمذهب الأشعريّ والماتريديّ - على نحو هذا الإسلام السنيّ الخاصّ - فماذا
نصنّفها، والقوانين والتشريعات التي تحكمها مستوردةٌ من خارج ديار المسلمين؟
حاول الإمام الجوينيّ في كتابه «الغياثيّ» أن
يعالجَ أمثال هذه القضايا، وصنع نحوه
الماورديّ وأبو يعلى وابن تيميّة وابنُ قيّم الجوزيّةِ وغيرُهم!
لكنّ جميع أعمالَهم العلميّة تلك؛ لا تزيدُ عن
كونِها تشريعاتٍ لضروراتٍ!
لذلك نقول لأولئك الذين يشتمون ويتنقّصون
ويتّهموننا بما تشتهي أنفسُهم:
على رِسلِكم، ليست المسألة ما تتخيّلون بجهلكم، هي
أبعدُ من ذلك بكثيرٍ، وجماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم؛ أقربُ إلى
العلمانيّةِ منهم إلى الإسلام الصحيح.
في ظلّ هذه المعطياتِ الحقيقيّةِ الواقعيّةِ، كيف
يجوزُ لنا تكفيرُ هذه الفرقةِ، وتصويب تلك الفرقة الأخرى، وجميع ديار الإسلام؛ غير
محكومةٍ بالإسلامِ الذي جاء به الرسولُ محمّد بن عبدالله، صلّى الله تعالى عليه
وآله وسلّم؟
والحمدُ لله على كلّ حال.