الجمعة، 1 مايو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

مناقبُ معاويةَ بن أبي سفيان!؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

لم يعد خافياً على  مطالعٍ لمواقع التواصل الاجتماعيّ؛ أنّ النصبَ ذرّّ قَرنُه ثَمّةَ، ويُخشى من استفحاله، إذْ كثر الذين يَنتقصون آلَ البيت الطاهر عامّةً، والإمامَ عليّاً والإمامَ الحسين - عليهما السلام - خاصّة!

ويُفضّلون طُلقاءَ بني أميّةَ عليهم، ويخترعون لهم مناقبَ وبطولاتٍ ومكارمَ، ليس لهم منها أدنى نصيب!

وإذْ كان عثمانُ بن عفّانَ - رضي الله عنه، وغفر له - صهرَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم؛ فإنّني أُعرضُ عن ذكر أخطائه السياسيّةِ والاجتماعيّةِ، التي كانت سبَبَ بلايا الأمّة، من زمانِه وحتّى يومنا هذا، وربما إلى قيامِ الساعة!

وممّا لا ارتياب فيه عندي؛ أنْ ليس جميعُ بني أميّةَ نواصبَ، وليس جميعُهم فجرةً ظلمةً!

بل كان فيهم أفاضلُ كثيرون، نترحّم عليهم، وندعو لهم بالجنّة.

بيد أنّ الذي تولّى كِبرَ «النَصبِ» في تاريخنا الإسلاميّ، وحاربَ الإمام عليّاً، طمعاً بالملك والزعامةِ وحيازةِ الدنيا؛ هو معاويةُ بن أبي سفيان (ت: 60 هـ).

وقد غالى في معاويةَ كثيرون من جيلِ التابعين، وجعلَه بعضُهم رابعَ الخلفاء، ونفوا أن يكون عليٌّ عليه السلام خليفةً.

وعددٌ من العلماءِ، صنّف كلٌّ منهم جزءاً في فضائلِ معاوية، منهم:

محمّد بن عبدالواحد البغداديّ (ت: 345 هـ).

ويوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القوّاس الزاهد (ت: 385 هـ).

وعبيدُالله بن محمّد أبو القاسم السقطيّ (ت: 406 هـ) وفي مكتبتي نسخةٌ من جزءٍ له في فضائل معاويةَ، جمع فيه اثنين وثلاثين حديثاً، كلّها باطلة!

وأورد الذهبيُّ في ترجمة معاويةَ، من سير أعلام النبلاء (3: 131) أحاديثَ كثيرةً في مناقبه، وقال: «هَذِهِ الأَحَادِيْثُ ظَاهِرَةُ الوَضْعِ، وَيُرْوَى فِي فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ أَشْيَاءُ ضَعِيْفَةٌ تُحْتَمَلُ، مِنْهَا» وذكر عدداً من الأحاديثِ الضعيفةِ، التي تُحتَمَل عنده!       

ونقل عن الحافظ إسحاق بن راهويه (ت: 238 هـ) أنّه قال: «لاَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ».

وقال في موضعٍ آخر من ترجمة معاوية (3: 137): « اعْتَمَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحُسَيْنِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ أَبِي بَكْرٍ، كَلاَمٌ فِي بَيْعَةِ العَهْدِ لِيَزِيْدَ

ثُمَّ قَالَ: إِنِّيْ مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ، فَلاَ تَرُدُّوا عَلَيَّ، أَقْتُلْكُم! [انتبه أخي القارئ]

فَخَطَبَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُم قَدْ بَايَعُوا، وَسَكَتُوا، وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَرَحَلَ عَلَى هَذَا.

وَادَّعَى زِيَاداً أَنَّهُ أَخُوْهُ، فَوَلّاه الكُوْفَةَ بَعْدَ المُغِيْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي حُجْرِ بنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ، وَحَمَلَهُم إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُم مُعاويةُ بِمَرْجِ عَذْرَاءَ».

وفي النبلاء (14: 129) قال الذهبيّ: « وَقَالَ الوَزِيْرُ ابْنُ حِنْزَابَةَ «هو الفضل بْن جَعْفَرٍ، أبو الفتح ابن حِنزابةَ الكاتبُ (ت: 327 هـ) قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُوْسَى المأَمونِيَّ، صَاحِبَ النَّسَائِيّ قَالَ: سَمِعْتُ قَوْماً يُنْكِرُوْنَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ كِتَابَ «الخَصَائِص» لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَتَرْكَهُ تَصْنِيْفَ فَضَائِلِ الشَّيْخَيْنِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَخَلتُ دِمَشْقَ وَالمُنْحَرِفُ بِهَا عَنْ عَلِيٍّ كَثِيرٌ، فَصَنَّفْتُ كِتَابَ «الخَصَائِصِ» رَجَوْتُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعَالَى.

ثُمَّ إِنَّهُ صَنَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ، فَقِيْلَ لَهُ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَلاَ تُخْرِجُ فَضَائِلَ مُعَاوِيَةَ ؟

فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أُخْرِجُ؟ حَدِيْثَ: (اللَّهُمَّ لاَ تُشْبِعْ بَطْنَهُ).

هذه هي حالُ معاويةَ بن أبي سفيان، لا يصحّ في فضله عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم أيُّ حديثٍ، والنواصبُ الأوغادُ يفضّلونه على الإمامِ عليٍّ ناصرِ الدينِ، وعالمِ الأمّةِ، وإمامِ الزاهدين، الذي قال فيه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7: 71):

قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: «لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ؛ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ» عليه السلام!

ختاماً: أجدُ من المناسبِ أنْ أنقلَ حادثةً تُظهِر قسوةَ النصبِ على أهلِ العلمِ، من غير النواصب!

في ترجمةِ أحمد بْن سَعِيد، أبي بكر الطّائيّ الْمَصْرِيّ الكاتب (ت: بعد (313 هـ) من كتابِ تاريخ الإسلام (7: 382) قال الإمام الذهبيّ: « قال أبو سليمانَ بنُ زَبْرٍ: اجتمعتُ أَنَا وعشرةٌ، فيهم أبو بَكْر الطّائيّ يقرأ فضائل عليّ رضي الله عنه في الجامع بدمشق، فوثب إلينا نحوُ المائة من أهل الجامعِ، يُريدون ضربنا، وأخذ شخصٌ بلحيتي.

فجاء بعضُ الشيوخ، وكان قاضياً، فخلّصني، وعلّقوا أبا بَكْر «الطائيّ» فضربوه، وعملوا على سَوْقِهِ إلى الوالي في الخضراء.

فقال لهم أبو بَكْر: يا سادة، إنّما في كتابي فضائل عليّ، وأنا أُخرج لكم غدًا فضائل معاوية أمير المؤمنين، واسمعوا هذه الأبيات الّتي قلتها الآن:

حُبُّ عليّ كلّه ضَرْبُ ... يَرجُف مِن خيفتهِ القلبُ

فمذهبي حبُّ إمام الهُدَى ... يَزيدَ، والدّينُ هُوَ النَّصْبُ

مَن غيرَ هذا قَالَ؛ فهو امرؤٌ ... مخالفٌ، لَيْسَ لَهُ لُبُّ

والنّاسُ مَن يَنْقَدْ لأهوائهم ... يَسْلَمْ، وإلّا فالقَفا نَهبُ».

وأنا الفقير عداب؛ سأعرضُ عليكم جميعَ الأحاديث التي صحّت عندي، في فضل الإمام عليّ، في منشوراتٍ تاليةٍ، إنْ شاء الله تعالى.

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال.

 مَسائِلُ فِكْريّةٌ:

عن الإمامِ عليٍّ أتكلّم !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) [الحجرات].

أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ الكلابِ الضالّةِ، من النواصبِ السفلةِ كلاماً في غايةِ الانتقاصِ لبني هاشمٍ، حتى إنّ هذا الكلبَ جعلهم شرَّ بيتٍ من بيوتِ أهل الإسلام - عليه لعنةِ الله تعالى - وأنّ سيّدَ الأمّةِ بعد رسول اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، الإمامَ عليّاً شرُّ خلقِ الله تعالى.

والجميعُ يعلمُ أنّ مثلَ هذه الجرأة، ومثلَ تلكَ الوَقاحةِ؛ لم تكن ظاهرةً قبل ظهورِ الدولةِ السوريّةِ الجديدةِ، التي أعلنت أنها دولةٌ أمويّة!

وإنني أحذّر القيادةَ السوريّةَ الجديدةَ، من التساهلِ في هذا الجانبِ من سياستها - لأنّنا بني هاشمٍ - لن نقبلَ بوجود هذه الظاهرةِ في سوريّا ولن نسمحَ لأيِّ كلبٍ من كلابِ النواصبِ؛ أن يتطاوَلَ على سيّدنا الإمامِ عليٍّ، عليه السلام، ولا تستبعدوا أن يقومَ واحدٌ من آل البيت بقتلِ من يَتطاوَلُ عليه وعلينا، بهذه الصورةِ التي تخرج عن حريّةِ التعبيرِ، وطرح وجهاتِ النظر المتباينة!

وإنّ بني هاشمٍ في سوريّا ملايينُ كثيرةٌ، وهم فرسانُ هذه الأمّة وشجعانها وأشرافها.

فإذا لم تَضَعْ حكومتُنا الموقّرة حدّاً لهذه المهازلِ الحقيرةِ؛ فسنقومُ بذلك نحن، ونحن لكلّ بطولةٍ وشجاعةٍ وحميّةٍ إيمانيّة أهلٌ «وقد أعذرَ مَن أنذر»!  

ثمّ إنّ أكثرَ المتّهمين بالنَصْبِ من أتباع مذاهب أهلِ السنّة؛ هم من الحنابلة!

ولهذا سأنقلُ كلامَ شيخِ الحنابلةِ في عصره، وما تلا عصرَه، وإلى يومنا هذا أيضاً!

قال الشيخ أبو العبّاس أحمدُ بنُ عبدالحليمِ ابنِ تيميّة الحرّانيُّ الدمشقيُّ الحنبليُّ (ت: 728 هـ) رحمه الله تعالى، في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» (1: 419) ما نصّه:

«إن الذي عليه أهلُ السُنّة والجماعةِ؛ اعتقادُ أنّ جنسَ العرب أفضل من جِنس العَجم: عبرانيِّهم وسِريانيِّهم وروميِّهم وفارسيّهم، وغيرهم.

وأنَّ قُريشاً أفضلُ العَرب، وأنّ بَني هاشم أفضل قريش، وأنّ رسول اللهِ أفضلُ بني هاشم، فهو صلّى الله عليه وآله وسلّم أفضلُ الخَلقِ نَفساً، وأفضلُهم نَسباً.

وليسَ فضلُ العَرب، ثم قُريشٍ، ثم بني هاشمٍ، لمجرّد كونِ النَبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم، وإنْ كان هذا مِن الفَضل، بل هم في أنفسِهم أفضلُ، وبذلك يثبتُ لرسول اللهِ أنه أفضلُ نَفساً ونَسباً، وإلّا لزم الدَور!

ولهذا ذكر أبو محمّدٍ حربُ بن إسماعيل الكرمانيّ (1) صاحب الإمام أحمد، في وصفه للسُنّة التي قال فيها: «هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر، وأهلِ السنة المعروفين بها، المُقتدى بهم فيها، وأدركتُ من أدركتُ من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مبتدعٌ خارجٌ من الجماعةِ، زائلٌ عن مَنهج السُنّةِ وسبيل الحق!

وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحُميديّ، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم».

هذا مذهبُ أهل السنّةِ والجماعةِ إذنْ، والنواصبُ يزعمون أنهم من أهل السنّةِ والجماعةِ، فإذا خرجوا عن مذهب أهل السنّة - وليسوا من الشيعةِ حتماً - فهم يوافقون الخوارجَ الضالّين في بغضهم آل البيتِ الأشرفِ، ويستحقّون من آلِ البيتِ النكالَ والعذابَ الأليم!

ولعنةُ اللهِ وملائكتِه والمؤمنين الصادقين؛ على كلِّ من لعنَ ويلعنُ، وسبَّ ويسبُّ، وانتقصِ وينتقصُ، وآذى ويؤذي أهلَ هذا البيت الطاهرِ بأدنى أذى، من الأوّلين والآخرين على حدٍّ سواء!

(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) [الأحزاب].   

والحمدُ للهِ على كلِّ حال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الذهبيُّ في تاريخ الإسلام (6: 310): « له مسائل مشهورة عند الحنابلةِ، وكان حيّاً في سنة بضعٍ وستّينَ ومائتين». 

السبت، 18 أبريل 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هل أحاديثُ كتابِ البخاريِّ صحيحةٌ كلّها (2)؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرت في المنشور السابق (هل في صحيح البخاريّ أحاديثُ موقوفة؟!) أنّ أحدَ الإخوةِ أرسل إليّ مَقطعاً صوتيّاً يقول فيه صاحبُه: «لا يوجد في صحيح البخاريّ، سوى الأحاديثِ المرفوعة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وجميع ما فيه من الأحاديثِ المسندة الموصولة؛ صحيح لذاتِه، وقليلٌ من الصحيحِ لغيره» وقد أجبتُ في المنشورِ السابقِ على الشطر الروائيّ الأوّلِ من الدعوى.

وسأجيبَ في هذا المنشورِ على الشطرِ النقديّ الثاني، المتعلّق بدرجةِ أحاديثِ صحيح البخاريّ من حيثُ الصحّةُ فما دونها.

أقول وبالله التوفيق:

قال الفقيهُ أبو عَمرِو بنُ الصلاحِ في كتابه «علومُ الحديث» (ص: 104):

«التنبيهُ الثالثُ: إذا كانَ راوي الحديثِ متأخِّراً عَنْ درجةِ أهلِ الحفظِ والإتقانِ، غيرَ أنَّهُ مِنَ المشهورينَ بالصِّدْقِ والسِّتْرِ، ورُوِيَ حديثُهُ معَ ذلكَ مِنْ غيرِ وجهٍ؛ فقدِ اجتمعتْ لهُ القوَّةُ مِنَ الجهتينِ، وذلكَ يُرقِّي حديثَهُ مِنْ درجةِ الحسَنِ، إلى درجةِ الصحيحِ.

مثالُهُ: حديثُ محمّدِ بنِ عَمْرٍو بنِ علقمةَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: (لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي؛ لأَمَرْتُهُم بالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاةٍ)

فمحمّدُ بنُ عمرِو بنِ علقَمةَ مِنَ المشهورينَ بالصِّدْقِ والصِّيانةِ، لكنَّهُ لَمْ يكنْ مِنْ أهلِ الإتقانِ، حتَّى ضَعَّفَهُ بعضُهُم مِنْ جِهةِ سُوءِ حفظِهِ، ووثَّقَهُ بعضُهُم لِصِدْقِهِ وجلالَتِهِ، فحديثُهُ مِنْ هذهِ الجهةِ حَسَنٌ!

فلمَّا انضمَّ إلى ذلكَ كونُ حديثِهِ رُويَ مِنْ أوجهٍ أُخَرَ؛ زالَ بذلكَ ما كنَّا نخشاهُ عليهِ، مِنْ جهةِ سوءِ حفظِهِ، وانجبرَ بهِ ذلكَ النقصُ اليسيرُ، فصحَّ هذا الإسنادُ، والتحقَ بدرجةِ الصحيحِ، واللهُ أعلمُ» انتهى كلام ابن الصلاح.  

قال ابن حجر في نُكته على علوم الحديث لابن الصلاح (1: 416) معقّباً على كلام ابن الصلاح هذا: « وفي كلام ابن الصلاح أمور:

أحدها: ظاهرُ كلامه؛ أن شرطَ الصحيح أن يكون راويه حافظاً مُتقناً

وثانيها: وَصفُ الحديثِ بالصحة، إذا قصر عن رتبة الصحيح، وكان على شرط الحسنِ - إذا رُوي من وجهٍ آخرَ؛ لا يدخل في التعريف الذي عَرّف به الصحيحَ أوّلاً.

- فإمّا أن يزيدَ في حَدّ الصَحيحِ ما يُعطي أنّ هذا أيضاً يُسمّى صَحيحاً، وإمّا أن لا يُسمّى هذا صحيحاً.

والحق أنّه من طريق النظر؛ يُسمّى صحيحاً، وينبغي أن يزاد في تَعريف الحديثِ الصحيحِ، فيقال: هو الحديث الذي يَتّصلُ إسناده بنقل العَدلِ التامِّ الضبطِ - أو القاصر عنه إذا اعتضد - عن مثله، إلى مُنتهاه، ولا يكون شاذّاً ولا مُعَلّاً.

وإنّما قلت ذلك؛ لأنني اعتبرت كثيراً من أحاديث الصحيحين، فوجدتُ أنّها لا يَتمُّ الحكمُ عليها بالصحة، إلا بذلك.

ومن ذلك حديثُ أُبيِّ بنِ العَبّاس بنِ سهلِ بنِ سعدٍ عن أبيه، عن

جدِّه رضي الله تعالى عنه، في ذكر خَيلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وأُبَيٌّ هذا قَد ضعفه لسوء حفظه؛ أحمدُ ابنُ حنبلٍ ويحيى بنُ معين والنَسائيُّ، ولكنْ تابعه عليه أخوه عبدُالمهيمنِ بنِ العباس، أخرجه ابن ماجه من طريقه.

وعبدُالمهيمنِ أيضاً فيه ضعف، فاعتضد، وانضاف إلى ذلك أنْ ليس حديثُه هذا من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعيةِ؛ حكم البخاري بصحته».

وفي منشورٍ سابقٍ بعنوان (مَنْهجُ الإمامِ البخاريّ في انتقاءِ رواةِ صحيحه) قلت:

« عددُ رواةِ صحيح البخاري في حدود (1700) راوٍ، الذين انتُقِد على البخاريّ ومسلمٍ معاً تخريجُ أحاديثهم:

(200) راوٍ، ضعفهم الإمام ابن حبّان في كتابيه «المجروحين - الثقات».

(101) راوٍ، من الوُحدان، الذين لم يرو عنهم سوى راوٍ واحدٍ.

(141) راوياً ممن وصفهم ابن حجر بوصف «مقبول».

وقد أحصى أخونا وزميلنا الدكتور «عبدالجَواد حمام» في أطروحته «جهالةُ الرواةِ وأثرها في قَبول الحديث النبويّ» (2: 1021 - 1029) عدد الرواة المسكوت عليهم، عند البخاريّ ومسلمٍ، فكانوا (119) راوياً.

وأحصى عددَ الذين وَصفهم بعضُ الحفّاظ بالجهالةِ (2: 1034 - 1124) فكان عددهم (91) راوياً.

فهؤلاء (625) راوياً مطعونٌ بهم بنوعٍ من أنواع الطعن، ونسبتهم تتجاوز (25%) من مجموع عددِ الرواة، الذين لا يُقبل حديثُ واحدٍ منهم استقلالاً.

ما دامت هذه النسبة الإحصائيّةُ حاضرةً في صحيح البخاريّ وصحيح مسلم؛ فهذا يَضرب قاعدةَ «كلّ ما في الصحيحين؛ صحيح» من جذورها.

إذْ من المعمولِ به عند المحدّثين؛ أنّ الحديثَ الحسن لذاته ـ إذا اعتضد - صار صحيحاً لغيره.

وأنّ الحديث الضعيف إذا اعتضدَ؛ صار حسناً لغيره، ولا يمسي صحيحاً!

وأنّ لبعضِ هؤلاء الوحدان والضعفاء والمجهولين والمسكوت عليهم؛ أحاديث انفردوا بها، وهي في صحيح البخاريّ، أوصحيح مسلم.

ما أقصدُه أنّ الهالةَ العظمى المعطاةَ لصحيح البخاريّ، ثم لصحيح مسلم؛ تتضاءَل بعد قراءةِ هذه الأرقام، من الرواةِ الذين لا يحتجّ بواحدٍ منهم إذا انفرد بحديث!

وهذا يعني أنّه لا يجوزُ لأهلِ العلم والباحثين؛ أن يُغمضوا أعينَهم، فيحتجّوا على ما يريدون بقولهم: أخرجه البخاري ومسلمٌ، أو أحدهما.

بل لا بدَّ من تخريجِ كلّ حديثٍ يريد أحدهم الاستدلالَ بهم على مسألةٍ فكريّةٍ أم فقهيّة!

أمّا مسائلُ الاعتقادِ؛ فقد قلتُ غير مرّةٍ: لا تصلح الروايات الحديثية لبناء عقيدةٍ عليها، إلّا إذا كانت شارحةً لمجمل القرآن الكريم، وكانت لا تتعارض مع قوله تعالى (ليس كمثله شيءٌ).

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال».


الخميس، 16 أبريل 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هل في صحيح البخاريّ أحاديثُ موقوفة؟!

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) هم الصحابةُ رضي الله عنهم.

أمّا بعد: أرسل إليّ أحدُ الإخوة مَقطعاً صوتيّاً يقول فيه صاحبُه: «لا يوجد في صحيح البخاريّ، سوى الأحاديثِ المرفوعة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وجميع ما فيه من الأحاديثِ المسندة الموصولة؛ صحيح لذاتِه، وقليلٌ من الصحيحِ لغيره».

أقول وبالله التوفيق:

هذا موضوعان منفصلان، الأوّل من عالَم الروايةِ، والثاني من عالَم النَقْدِ والدرايةِ.

وسبق أنْ أجبتُ على سؤال: «هل في سنن أبي داود أحاديثُ موقوفة» فقلتُ ما يأتي:

«رأيتُ أن أشير إلى الروايات الموقوفة لدى كلّ كتابٍ من الكتب التسعةِ، حتى يَتحقّق كلّ قارئ أنّ في الصحيحين - فضلاً عن غيرهما - أحاديثَ موقوفة.

وأزيد: وأحاديث معلّقة، وأحاديث مقطوعة، وأحاديث مرسلة، وأحاديث منقطعة!

وإليك ما في كلّ كتابٍ من الكتب التسعة من الأحاديث الموقوفة، ويسميها المحدّثون «الآثار» وسأسميها أحاديثَ تماشياً مع السؤال:

(1) الموطّأ للإمام مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله تعالى (ت: 179 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (599) حديثاً.

(2) المسند الكبير للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، رحمه الله تعالى (ت: 241 هـ)

وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (313) حديثاً.

(3) كتاب السنن للإمام عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، رحمه الله تعالى (ت: 255 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (571) حديثاً.

(4) الجامع الصحيح المسند المختصر للإمام محمد بن إسماعيل البخاريّ رحمه الله تعالى (ت: 256 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (461) حديثاً، فيها قدرٌ كبيرٌ من المكرّرات.

(5) المسند الصحيح المختصر، للإمام مسلم بن الحجّاج القُشيريّ، رحمه الله تعالى (ت: 261 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (87) حديثاً.

(6) كتاب السنن للإمام محمّد بن يزيد القزوينيّ المشهور بابن ماجهْ، رحمه الله تعالى (ت: 273 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (82) حديثاً.

(7) كتاب السنن للإمام أبي داود سليمانَ بن الأشعثِ السجستانيّ، رحمه الله تعالى (ت: 275 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (163) حديثاً.

(8) كتاب الجامع الكبير المختصر، للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذيّ، رحمه الله تعالى (ت: 277 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (84) حديثاً.

(9) كتاب السنن المجتبى للإمام أحمد بن شعيب النسائيّ، رحمه الله تعالى (ت: 303 هـ) وعددُ الأحاديثِ الموقوفة فيه (214) حديثاً.

فيكون عددُ الأحاديثِ الموقوفةِ في الكتب التسعة مجتمعة (2574) حديثاً، هي مفيدةٌ في التعرّفِ إلى تاريخ الصحابةِ رضي الله عنهم، لكنّها لا تدخل في التشريع في نظري.

وظهرَ من هذا البحثِ؛ أنّ عدد الأحاديثِ الموقوفة عند البخاريّ (461) حديثاً مكرّراً، وهي النسبةُ الأعلى من موقوفات الكتب التسعة!

وليس كما زعم صاحبُ المقطع، من انعدام وجود أحاديث موقوفة لدى البخاريّ.

وزيادةً في الفائدة أقول:

الرواياتُ المقطوعة على التابعين، يسمّيها المحدّثون أخباراً، وعددها في الكتب التسعة (1242) خبراً.

وعددُ الأحاديثِ المرسلة في الكتب التسعة (756) حديثاً.

وعددُ الأحاديثِ المنقطعة في الكتب التسعة (1521) حديثاً.

وعددُ الأحاديثِ المعلّقة في الكتب التسعة (5540) حديثاً، منها عند البخاريّ وحده (3570) روايةً معلّقة، كلّها فوائدُ حديثيّة في الرواية والدراية، بينما لا يوجد في صحيح مسلمٍ، سوى (6) معلّقاتٍ ظاهرةٍ، ثلاثٌ منها في المقدمة، وثلاثٌ في صلب الكتاب (369، 599، 630) والمعلّقات النقديّةُ إحدى مزايا صحيح البخاريّ على صحيح مسلم وغيره من كتب الحديث.

وقد قام الحافظ ابن حجرٍ فوصل هذه المعلّقاتِ، وشرحها، وأوضح أبرز الفوائدِ الحديثيّة التي فيها، في كتابه الوثيقِ «تغليق التعليق» وقد صدر عام (1405) عن المكتب الإسلاميّ في خمسة مجلّداتٍ ضخام، بعناية وتحقيق وميلي وجاري الدكتور «سعيد بن عبدالرحمن القزَقيّ» رحمه الله تعالى.

أمّا ساحةُ عللِ الحديثِ؛ فهي فيما انفرد به كلّ واحدٍ من هؤلاء الأئمّة.

ومن النادرِ أن يخلوَ حديثٌ انفرد به أحدهم، مِن علّةٍ حديثيّةٍ أو أكثر!

فما انفرد به الإمام مالك عن بقية التسعة (883) حديثاً.

وما انفرد به الإمام أحمد عن بقية التسعة (4789) حديثاً مكرّراً.

وما انفرد به الإمام الدارميّ عن بقية التسعة (1404) أحاديثَ.

وما انفرد به الإمام البخاريّ عن بقية التسعة (206) أحاديثَ غير مكرّرة.

وما انفرد به الإمام مسلمٌ عن بقية التسعة (77) حديثاً غير مكررة.

وما انفرد به الإمام ابن ماجه عن بقية التسعة (897) حديثاً.

وما انفرد به الإمام أبو داود عن بقية التسعة (682) حديثاً.

وما انفرد به الإمام الترمذيّ عن بقية التسعة (577) حديثاً.

وما انفرد به الإمام النسائيّ عن بقية التسعة (525) حديثاً

فيكون بين أيدينا عشرةُ آلافِ حديثٍ مَلأى إلى مشاشها بالعلل!

ولها فوائدُ عديدةٌ من دون شكٍّ، أبرزها أنّها ساحة واسعةٌ جدّاً لتعلّم نقدِ الحديثِ، الذي لا يحسنه إلّا أفرادٌ في كلّ جيلٍ من أجيالِ المسلمين.

نعودُ إلى الإجابةَ الأوسع على الجانب الروائيّ من السؤالِ، فأقول:

عددُ الأحاديثِ الموقوفةِ في «الجامع الصحيح المسند المختصر»للإمام البخاريّ (461) حديثاً مكرّرةً.

أوائلُها (32، 45، 51، 113، 118) وأواخرها (7522، 7523، 7526، 7531، 7545).

وإنّ أهمّ ما احتوَتْ عليه تلك الرواياتُ الموقوفةُ، في صحيح البخاريّ؛ ذلك التغيُّر الكبير السريع، الذي طَرأ على الأمّةِ في عباداتها وسلوكها وأخلاقها، بعدَ انتقالِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ إبّانَ ملك بني أميّة الطلقاءِ الطغاة!

وإليك أخي القارئ الكريم هذه الآثار الموقوفة، من دون تعليق:

(1) [120] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ  صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ) لماذا يخاف، وممن يخاف؟

(2) [345] حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ  بْنِ مَسْعُودٍ إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَا يُصَلِّي قَالَ عَبْدُ اللهِ  لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمْ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى قَالَ قُلْتُ فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ قَالَ إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ) انتبه إلى قلّة الورع، وحبّ الرخص!

(3) [389] أَخْبَرَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ مَا صَلَّيْتَ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لا يتمّ ركوعه ولا سجوده، إمّا لجهلٍ أو فقدان الخشوع، وتلكما مصيبتان!

(4) [529] حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ الصَّلَاةُ قَالَ أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا) كارثة والله، السلوك الإسلاميّ كلّه تغيّر، تحت ظلم الحكّام وبطشهم!

(5) [530] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ أَخِي عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ) تفضّل يا حبيب بني أميّةَ!!

(6) [650] حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمًا قَالَ سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ فَقُلْتُ مَا أَغْضَبَكَ فَقَالَ وَاللهِ  مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعاً) ؟!!

(7) [869] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ  بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ  عَنْهَا قَالَتْ لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ  صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قُلْتُ لِعَمْرَةَ أَوَمُنِعْنَ قَالَتْ نَعَمْ) ما ذا فعلن، وكانت عائشة مدحتْ النساء الصحابيات بالاحتجاب!

(8) [966] حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ بِمِنًى فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ فَقَالَ الْحَجَّاجُ لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنْتَ أَصَبْتَنِي قَالَ وَكَيْفَ قَالَ حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الْحَرَمَ وَلَمْ يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ).

هكذا كان جبروت الحجّاج وظلمُه!

(9) [1391] وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ  عَنْهَا أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ  بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُمَا لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا) لماذا؟ لأنّها شعرت بقسوة ما جرى منها في التأليب على عثمان، وكارثة يومِ «الجمل».

(10) [1406] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا قَالَ كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ  قَالَ مُعَاوِيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُ يَشْكُونِي.

 فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِي إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ) لماذا يتنحّى أبو ذرٍّ خارج المدينة، ويُحشُر فيها كلُّ فسّاق بني أميّة وسفلتهم؟

ولماذا يا معاويةُ لا تقبلُ الحوار، وتجادلُ أهل العلم بالتي هي أحسن؟

لأنّه المُلكُ، لا يترسّخ في نظر الطغاة إلّا بالقوّةِ والكبرياء وتقديس كلام الحاكم!

أمّا الشقُّ الثاني من السؤال (جميع ما في صحيح البخاريّ من الأحاديثِ المسندة الموصولة؛ صحيح لذاتِه، وقليلٌ من الصحيحِ لغيره، وليس فيه حسنٌ ولا جيّدٌ ولا ضعيف البتّةَ!» فأُرجئه إلى منشور آخر، بعون الله تعالى.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 3 أبريل 2026

  مَسائلُ عَقَديّةٌ:

الابْتِداعُ في الدينِ

بسم الله الرحمنِ الرحيم

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ.

فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26).

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ.

وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً.

وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.

إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها.

فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) [سورة الحَديد].

شرحُ هذا الكلامِ الإلهيّ المقدّس:

(1) (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).

نوحٌ وإبراهيم عليهما السلام؛ رسولانِ من عند الله تبارك وتعالى.

أمّا نوحٌ؛ فقد قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) [الصافات].

وأمّا إبراهيم، فقد قال الله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) [الأنعام].

(2)(فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وأمّا أنّ أكثرَ ذريّتهما فاسقون؛ فتوضيحه في قوله تعالى:

(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ.

كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ، وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) [الأعراف].

(3) (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) تقدّم توضيحه قبل سطرين.

(4) (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ليس كلُّ منتسبٍ مُتّبِعاً، فأكثر المسلمين اليومَ غير متّبعين للرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم في جميع ما أَمَرهم به.

وكذلك هي الأمم السابقة، فمَن كان ملتزماً بدين عيسى عليه السلام، كان موصوفاً بالرأفة والرحمة، وتصديقه في قوله تعالى:

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.

وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّا نَصَارَى!

ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82).

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ؛ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) [المائدة].

(5) الآية السابقةُ تقول: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) فهل قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) معطوفٌ على ما تقدّم؟

اللهم لا؛ لأنّ الآية تقول: ابتدعوها من عند أنفسهم، ففي ذلك تقديم وتأخير، تقديره: وابتدعوا رهبانيّة ما كتبناها عليهم.

فتكون: رهبانيةً: منصوبةً على التحذير، أو على العنايةِ، أو على المدح، أو على الذّمّ، على حسبِ ما يَفهم كلُّ قارئ سياق الآية!

ثمّ يأتي السؤال: لماذا ابتدعوها إذن؟

يأتي الجواب: ما ابتدعوها

(6) (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها).

كمَنْ يَشترط على نفسه أن يستغفر الله تعالى في كلِّ يومٍ ألف مرّةٍ.

ويصلّي على الرسولِ في كلِّ يومٍ ألف مرّةٍ.

ويقرأ القرآن الكريمَ في كلِّ ثلاثةِ أيّأمٍ مثلاً!

لكنّه لم يَستطع المواظبةَ على ذلك، في جميع الأحوال، نتيجةَ الضعفِ البشريّ، فهذا معنى (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها).

وإذ هم (ما رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها) وضعُفوا عن تحمّل تبعاتِ الرهبانيةِ التي من أبرز معانيها؛ مجانبةُ النساء تماماً، فهل أدخلَهم الله تعالى النّار لابتداعهم، أو لأنهم (ما رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها) أو لأنّ ما ابتدعوه مكفّرٌ؟

قال الله تعالى:

(7) (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) معنى الآية الكريمة: مع أنّهم ابتدعوا الرهبانيّةَ التي ما كتبها اللهُ عليهم، إلّا أنّ الذين واظبوا على الانقطاعِ إلى العبادةِ المشروعةِ، ولم يقاربوا النساء في الحرام؛ فأثابهم الله تعالى على صالحِ أعمالِهم؛ لأنّ الانقطاع إلى العبادةِ أمرٌ مشروع مُثاب.

(8) (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) فالفاسقون الكثيرون، إنْ كان ما ابتدعوه مكفّراً؛ دخلوا به جهنّم وبئس المصير.

بناءً على ما سبق تأسيسه؛ فإنّ من شترط على نفسه:

أن يستغفر الله تعالى ألف مرّةٍ في اليومِ.

ويصلّي على الرسولِ ألفَ مرّةٍ في اليوم.

ويقرأ القرآن الكريمَ في كلِّ ثلاثةِ أيّأمٍ مثلاً.

هو مأجورٌ مثابٌ لأنّ ذكرَ الله تعالى والتوبةَ والاستغفارَ والصلاة على الرسول، ليست مشروعة فحسب، بل هي مأمورٌ بها في القرآن الكريم، وليس ذلك من الابتداعِ المنهيِّ عنه في شيءٍ.

 (8) الآن يأتي السؤال الأخير: كيف نفهم الأحاديث الواردةِ في ذمّ البدعةِ والزيادةِ في العبادةِ على ما صحَّ عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؟

الجواب: هي أخبارُ آحاد، مختلفة الألفاظ، دلالتها على العموم ضعيفة!

وفي فهم كلامِ الإمام الشافعيّ، والشيخ أحمد ابن تيمية، رحمهما الله تعالى، الذي أوردته في المنشور السابق؛ ما يكفي لمَن يريد الحقَّ!

أمّا الذين لا يجيدون سوى الطعنِ في علماء المسلمين، وعداوة عامّتهم؛ فأولئك لا يفقهون سوى كلماتٍ حَفظوها، وأكرهوا قلوبَهم وعقولَهم على أنّها هي الحقّ الصريح!

أسأل الله تعالى أن يهدينا وإيّاهم إلى سواء السبيلِ.

والحمد لله على كلّ حال.

     مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هل كلُّ بدعةٍ في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ، إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً؛ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) [سورةُ الأحزابِ].

أمّا بعد: قال لي صاحبي: الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلّ ضلالةٍ في النار) وأنت تقول: هذا كلامٌ غير صحيح، ولا يمكن أن يخالفَ الرسول كتابَ الله تعالى!

قال: أوضح لي هذا الكلام، فأنا لم أفهم!

أقول وبالله التوفيق:

صحّ عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله: (كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ) من حديث جابر بن عبدالله، ويوافقه حديثِ العرباض بن سارية، الذي لا أصححه.

أمّا جملةُ (وكلّ ضلالةٍ في النار) فهي مَرويّةٌ عن عمر بن الخطّاب وعبدالله بن مسعودٍ من قولهما.

وإذْ إنّ قول الصحابيّ وفعلُه ليسا حجّةً عندي، ولا يُلزمان أحداً من المسلمين؛ فالتشاغل في تخريج ذلك ونقده؛ ليس له كبير فائدة!

هذا من حيثُ الإجمالُ، وأمّا من حيثُ التفصيلُ، فأقول:

أعرضَ البخاريُّ عن تخريجِ أيِّ حديثٍ مرفوعٍ، فيه ذمٌّ للبدعة، فانتبه إلى هذا الكلام!

إنّما ترجمَ في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة باباً بعنون «بَاب إِثْمِ مَنْ دَعا إِلَى ضَلَالَةٍ، أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [النحل: 25] الْآيَةَ.

وأخرجَ تحت هذا الباب حديثَ عبدالله بن مسعود (7321) قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم: (لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْها)

أمّا حديث حديث جابر بن عبدالله (خَيْرُ الْهُدَى؛ هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) أخرجه مسلم (867) وابن خزيمة (1785) وابن حبّان (10) وهذا القدرُ من الحديث؛ إسناده صحيحٌ فردٌ غريبٌ مطلقٌ، لم يروه بهذا اللفظ صحيحاً عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم سوى جابرِ بن عبدالله (ت: 68 هـ) ولم يروه عنه سوى محمّد الباقر (ت: 114 هـ) تفرّد به جعفرٌ الصادق (ت: 148 هـ) وهو حديثٌ مشهورٌ عن الصادق، رواه عنه جمعٌ غفير!

وقد صحّح بعضُ المحدّثين زيادةَ (وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) من طريق عبدالله بن المبارك عن سفيان الثوريّ، عن جعفرٍ.

لكنْ لم يصحّحها أحدٌ من أصحاب الصحاح «مسلم، وابن حبّان » وساق ابنُ خزيمةَ هذه الزيادة من طريق ابن المبارك عن سفيان، ثم قال: «هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَلَفْظُ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ؛ مُخَالِفٌ لِهَذَا اللَّفْظِ».

 قال الفقير عداب: لم أقف حتى الآن على روايةٍ لأنسِ بن عياضٍ عن جعفرِ الصادق، في شيءٍ من كتب الحديث المشهورة، ووجدت صاحبَ المعرفة والتاريخ (1: 190): قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بن إبراهيم الدمشقيّ «دُحَيم»: «قَالَ إِنْسَانٌ لِأَبِي ضَمْرَةَ «أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ»: قَرَأْتَ حَدِيثَ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ، كَمَا قَرَأْتُ؟ قَالَ: «مَا لِي وَلَكَ؟ قَرَأَهُ عَلَيْهِ جَارٌ لَنَا».

ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ النَّصْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: «ما يَكذب الكذاب، إِلَّا مِنْ مَهَانَةِ نَفْسِهِ».

وهذا يُشيرُ إلى أنّ أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ؛ لم يسمع من جعفرٍ الصادق!

ومقتضى هذا الكلام؛ أنّ زيادة «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ليستْ ثابتةً عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لأنّ ابن المبارك خالف فيها رواةً كثيرين عن سفيان، فضلاً عن مخالفته عدداً أكثرَ منهم عن جعفرٍ!

وفي مواضعَ عديدةً صحّح الشيخ ابن تيمية زيادةَ «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» واحتجَّ بها، إلّا في موضعٍ واحدٍ، يبدو أنّه صدرَ عنه في آخرِ حياته!

فقد قال في مجموع الفتاوى (19: 191): «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) وَلَمْ يَقُلْ: (وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) بَلْ يَضِلُّ عَنْ الْحَقِّ مَنْ قَصَدَ الْحَقَّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ، فَعَجَزَ عَنْهُ، فَلَا يُعَاقَبُ، وَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَخَطَؤُهُ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ؛ مَغْفُورٌ لَهُ.

وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ قَدْ قَالُوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ:

- إمَّا لِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، ظَنُّوهَا صَحِيحَةً.

- وَإِمَّا لِآيَاتِ فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا.

- وَإِمَّا لِرَأْيٍ رَأَوْهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ.

وَإِذَا اتَّقَى الرَّجُلُ رَبَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا».

ختاماً: أنصح الإخوةَ الذين يتنطّعون في مسألة البدعةِ كثيراً؛ أن يقرؤوا كلام الشيخ ابن تيمية مرّاتٍ عديدةً، ثمّ ليتذكّروا أموراً ثلاثةً:

الأوّل: أنّ الإمامَ البخاريَّ لم يخرّج أيّ حديثٍ مرفوعٍ في «البدعة»!

والثاني: أنّ البدعةَ اجتهادُ عالمٍ قصدَ وجه الله في مسألةٍ، فأخطأ فيها - في نظر بعضهم - وتابعه عليها آخرون، وليست هي كما يظنّ أولئك المتنطّعون الإصرارِ على مخالفةِ الحقِّ والسنّة!

والثالث: أنّ الإمام الشافعيّ؛ أعلمُ علماءِ أهل السنّة من لدن التابعين إلى عصره!

وليس في العلماء حجّةٌ في اللغة العربيّة سواه!

هذا الإمامُ العبقريّ قال: «المحدَثاتُ من الأمور ضربان:

أحدهما: ما أُحدثَ يخالفُ كتاباً أو سنةً أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة.

والثاني: ما أُحدث من الخيرِ، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: «نعمتِ البدعة هذه» يَعني أنها محدثةٌ لم تكن، وإذ كانتْ؛ فليس فيها ردٌّ لما مضى».

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال.

الأربعاء، 1 أبريل 2026

       مَسائِلُ فكريّةٌ:

الظَنُّ أكذبُ الحديثِ ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ؛ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) [الأنعام].

أمّا بعد: أتأمّلُ في حالي وأحوال المسلمين في هذه الأيّام؛ فلا أرى أنّنا جديرون بحَمل رايةِ الإسلامِ، ولسنا صالحين لتمثيله اعتقاداً وشريعةً وأخلاقاً.

انظر إلى قول الله تعالى (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).

والخَرْص: هو كلّ قولٍ بناه الخرّاصُ على الاحتمالِ والتَخمين!

فهو الكذب الصريح، سواءٌ كان مطابقاً للشَيءِ أو مُخالفاً له، من حيث إنّ صاحبه لم يقله عن علم.

وفي هذا المعنى يقول الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) أخرجه البخاريّ في كتاب الأدب (6064) ومسلمٌ في البرّ والصلة (2563) والترمذي (1988) وقال: «هذا حديث حسنٌ صحيح».

أين نحن من دلالاتِ هذا الحديثِ الصحيح، وأين التزامنا بأخلاق الإسلام جملةً وتفصيلاً.

أنتَ عندما تتّهم أخاك المسلم بأيّ تهمةٍ من التُهم، وأنت لم تلتقِ به، ولم تسأله ولم تحاوره؛ فأنت كذّاب ملعونٌ حقير!

فهل يقبلُ أحدٌ أن يكون في نظر الله تعالى ونظر رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم كذّاباً خرّاصاً مفترياً؟

قال الله تبارك وتعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.

أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟ فَكَرِهْتُمُوهُ.

وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) [الحجرات].

وإنّ مما يحزن أنّ العامّةَ وبعضَ العلماء ينهجون هذا المنهج القبيح، ويكيلون التهمَ لإخوانهم من أهل العلم، من دون أن يكون لديهم مستندٌ، يصلح أن يكون حجّةً أمام القضاء!

قال الله تعالى وتعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ؛ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) [النور].

أخوك المسلم يقول لك: أنا لست شيعيّاً، تقول له: بل أنت شيعيّ غصباً عنك!

أخوك المسلم يقول لك: هناك فرق كبيرٌ بين الطعن والتنقّص، وبين الوصف المطابق للواقع!

هناك فرق بين قولك: فلانٌ باغٍ، وفلانةٌ باغية، وبين قولك: فلانةٌ بغيّ!

المرأةُ البغيّ: هي المرأة الزانية.

والمرأةُ الباغية: هي التي خرجَت مع مَن خرجَ على الإمامِ الشرعيّ!

فيذهب لحقارةٍ في نفسه وفقدانٍ للصدقِ والعلم، فيقول لك: فلانٌ يطعن بأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويقول: إنّها بغيّ!

فإذا كنت أنت جاهلاً أرعنَ، لا تفرّق بين العار والعير؛ فاستر على جهلك بالسكوت!

هل تصدّق بأنني في لحظات الغضب ممّا يتّهمني به الأوغاد الأوباش؛ أفكّر في قتلهم، وأنا ابن ثمانين سنة؟

لماذا تقودُ أخاك إلى أن يفكّر بقتلك، وإنهاء حياتِك، وربما لو واجهته؛ لقتلك؟

يقولون لك: الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا عنه أكثرَ ممّا قالوا عنك!

وهذا خطأ، فإنّ الذين اتّهموا الرسول، وقالوا: مجنونٌ وساحرٌ وشاعرٌ؛ هم المشركون أعداءُ اللهِ، وأنت تتّهم عالماً من علماءِ المسلمين - على الرغم من أنفك وأنوف عشيرتك كلّها - بتُهمٍ وافتراءاتٍ ليس لها في الحقيقةِ ونفس الأمر رصيدٌ من الواقع!

ثمّ مَن هذا الذي قال لك: إنني أقوى على ما يقوى عليه الرسول من حِلْمٍ وصبرٍ وسماح؟

أنا لا أنوي بأحدٍ من المسلمين شرّاً، مهما أساء إليّ، لكنّني لو واجهت واحداً من أولئك السفلة المجرمين؛ فلا أدري ما الذي يقودني غضبي إليه!

فكّروا أيّها المفترون الحمقى الأوباش بأنّكم تصدّون عن سبيلِ الله تعالى، وتقودون الناس إلى ارتكابِ جرائمَ، أو تقودون بعض الجهلة إلى ترك هذا الدين كلّه لكم ولأمثالكم من السفلِ!

ختاماً: عداب الحمش اليومَ في حماة، وهو يَعرف كثيرين من المفترين عليه، وهو يحذّرهم أشدّ التحذير «وقد أعذرَ مَن أنذر» ولا حولَ ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

 والحمد لله على كلّ حال.