الثلاثاء، 3 فبراير 2026

 واحَةُ الشِعْرِ وَالأَدَبِ:

واحاتٌ وظِلالٌ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) [سورة الشعراء].

وقال الرسولُ محمّدٌ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنّ مِن الشِعْرِ حِكمةً) أخرجه البخاريّ.

أمّا بَعدُ: يَعلمُ إخواني القرّاء؛ أنني أنظم الشِعرَ، وأكتب المقالَ الأدبيّ، بيد أنني لا أعدّ نفسي شاعراً، إلّا على مبدأ «شِعرُ الفقهاء» مع أنني كنت شاعرَ «جامعة أمّ القرى» الأوّلَ خمسَ سنواتٍ (1399 - 1404 هـ).

وبعدها منعني عميد شؤون الطلّاب، الدكتور «شرف الشريف» من الاشتراك بمسابقاتِ الجامعةِ بدعوى أنّ المسابقة الثقافية التي أسجّل فيها؛ يمتنعُ الطلّاب عن المشاركةِ بها.

«أوجّه إلى الشريف شَرَف التحية المباركة، حيّاً كانَ أم مُتَوفّى» ونعم الأخ والصديق كان!

وربما كان الفقير عدابٌ ناقداً أدبيّاً؛ أكثرَ منه شاعراً فنيّاً، وهو يروق له شعر كثيرين من الشباب المعاصرين، ويرى نفسَه بعدَهم بمراحل:

الشاعر عبدالحقّ الهوّاس.

الشاعر أنس الدُغيم.

الشاعر عبدالقادر الحدّاد الجيلانيّ الحمويّ.

الشاعر عبدالغني الحدّاد الجيلانيّ الحمويّ.

الشاعر أحمد الخاني «النابغة الخاني» الحمويّ.

الشاعر عبدالغني بن أحمد الحدّاد الجيلانيّ الحمويّ، من مواليد عام (1946) - أطال الله تعالى بقاءَه في عافية وسعادة - أتحفني وأسعدني أمسِ بإهدائي ديوانه الشعريّ (واحاتٌ وظِلال) المطبوع منذ ربعِ قرن!

وهذا يعني أننا لم نلتقِ في غربتنا القسريّةِ، منذ أكثرَ من ربع قرن، والحمد لله الذي أسعدني بلقائه أمس، في جامع خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في مدينة حماة.

وإذْ إنّكم - معاشرَ الأصدقاء - تحبّون قراءةَ المذكّرات؛ فلا أجدُ حرجاً بأنْ أقدّم إليكم نبذةً طريفةً قصيرة عن الشاعر عبدالغنيّ، ثمّ أعرّج على ديوانه (واحاتٌ وظِلال).

كنت أعرفُ شقيقَه الأديب الشاعر عبدالقادر أحمد الحدّاد، قبل معرفته بستّ سنواتٍ، أو أكثر، إذ كان يحضرُ معنا دروسَ شيخِنا محمد الحامد - رحمهما الله تعالى - ورأيتُه مرّات عديدةً في مجلسِ الفقه الخاصّ لشيخنا محمد علي المراد - رحمه الله تعالى - بعد انتقال شيخنا الحامد إلى دار البقاء.

في بدايةِ العامِ الدراسيّ (70 - 1971) كلّفني مدير التربية في مدينة حماة، أستاذي «عبدالكريم العِطريّ» بتعليمِ مادّةِ اللغةِ العربية، في «إعدادية حلفايا» وعندما وصلتُ إلى المدرسةِ؛ وجدتُ الأستاذ عبدالغنيّ قد سبقني إلى التعليم في تلك المدرسة.

نزلتُ ضيفاً عليه - ولم أكن أعرفه من قبل - فأكرمني غايةَ الإكرامِ، وساعدني في استئجار منزلٍ صغيرٍ لي، قريباً من منزله المبارك!

لا أذكرُ أنّ ليلةً مرّت علينا، بعد تلك المعرفة المباركةِ؛ لم نسهَرْها في بيتي الصغير، أو في بيته العامر، إلى وقت متأخّر من الليل.

وكان الشاعر عبدالغنيّ، وكنت معه مغرمَين كثيراً بارتشاف الشاي «العَقيقيّ» والقهوةِ العربيّة الحمويّة.

كان الفقير عداب بارعاً بصنع الشاي والقهوة وعرق السوس وطبخ الأرزّ، فكان تحضير هذه الأمورِ على الدوام من اختصاصي، وكان الشاعر عبدالغنيّ ذوّاقةً مميّزاً للغاية بين طبخة شاي وأخرى!

كنّا نشربُ الشاي كثيراً، وربما كنت أتناوله أكثرَ من أخي عبدالغني!

عرضتُ عليه ارتشاف كأسٍ رابعٍ أو خامسٍ من الشاي - لا أتذكّر - فضحك وقال ارتجالاً على سبيلِ الممازحة والتلطّف:

شَربتَ الشايَ حتى قبّ باطي

فلمّا قبّ باطي.. قبّ باطي، وضحكنا في تلك الأيام، يغفر الله تعالى لنا.

لم أكُن دَرَستُ اللغةَ العربية «النحو والصرف» في مؤسسة علمية رسميّةٍ، إنّما درستُ على الأستاذين الجليلين: وليد قنباز وتوفيق كُليب في المدرسة الثانويّة ذاتها.

كنتُ في الصفّ العاشر الأوّل على الصفّ، في اللغة والشعر، وكان أستاذي في هذه المرحلة وليد قنباز، وكنت أقرأ عليه في «مغني اللبيب» في أوقات ساعاتِ انتظاره ساعات تدريسه التالية، داخل مدرسة «دار العلم والتربية» القريبة من بيتِ أهلي في حيّ الفرّاية.

قرأتُ عليه من بدايةِ الكتاب، حتى نهاية حروف المعاني «الياء» في سنة دراسية كاملة.

وقرأت على أستاذي محمد توفيق كليب بقيّة الكتاب، من بداية الباب الثاني في أقسام الجملةِ حتى نهاية الكتابِ، في الصفّ الحادي عشر وبعضِ الثاني عشرَ، على المنوال ذاته.

طلبتُ من الأستاذ محمد توفيق كليب أن أقرأ عليه من بداية الكتاب، فأجرى لي اختباراً شفوياً طويلاً في قسم حروف المعاني، ثم تابعنا كما أسلفت.

كُنتُ شابّاً صغيراً، وكنت مُعتدّاً بنفسي، وأعدّ نفسي في تلك الأيّام شاعراً مُجيداً!

فحين عرض عليّ أستاذي «العِطريّ» تدريسَ اللغة العربية في إعداديّة حلفايا؛ لم أتردّدْ أبداً!

وحين تعرفت إلى أخي الشاعر عبدالغنيّ؛ كنتُ أعرض عليه بعض المشكلاتِ التي اعترضتني في أثناء التدريس، إذْ لم يكن لديّ خبرةٌ بالتدريس النظاميّ من سابق، فكان يحاورني ويساعدني ويوضح لي ما كان أشكلَ عليّ.

كنتُ في تلك الأيّام غزيرَ الإنتاجِ الشعريّ، فكنت أنظم في كلّ يومٍ قصيدةً تقريباً!

أعرضها على الأستاذ عبدالغنيّ، وكان بلطفه وأدبه وذوقه الشعريّ؛ يوجهني إلى استبدالِ لفظة بلفظة، واستبدالِ بيتٍ شعريّ قاسٍ ببيت شعريٍّ حازم مثلاً.

وربما كان يتحدّث كلاماً عابراً، أو يروي حدثاً، فأستفيد منه فائدةً لا أعرفها، أو أكثر.

قرأ لي قصيدةً طويلةً ذات ليلة، فقال لي بعد قراءتها: «يقول مالك بن الأخطل: عُنيت بشعر جريرٍ والفرزدق الشاعرين الأمويين، فوجدتُ جريراً يَغرفُ من بحر، ووجدت الفرزدق ينحِتُ من صخر» بمعنى أنّ جريراً غزير الإنتاج الشعريّ، بينما الفرزدق أقلّ إنتاجاً شعريّا منه، وأنت يا أخي عداب تغرف من بحر، ما شاء الله تعالى.

إنّما عليك أن تقوّي جانب الألفاظ الشعرية الرقيقةَ، وتبتعد قدر الإمكان عن حوشيّ الكلام والألفاظِ الغريبةِ غير المتداولةِ بين الناس اليوم؛ لأنّ الفصاحة والبلاغة؛ أن توصلَ المعنى المراد توصيله إلى المتلقّي بأقلّ كلماتٍ، وأوضح أسلوبٍ، من دون أن يرجع إلى معجم لغويّ توضيحيّ!

خطبتُ خطبةَ جمعةٍ في جامع حلفايا الكبير، حرّمتُ فيها انتخابَ المجرم الظالم «حافظ الأسد» واستعرتُ فتوى شيخنا محمّد الحامد في انتخاب  أكرم الحوراني، وقلت: إنّ كلّ من ينتخب «حافظ الأسد» تَطلُق منه زوجتُه، وعليه تجديدُ إسلامه، وإنشاء عقد نكاح جديد!

لاحقتني مخابرات النظامِ المجرم يومها، فتخفّيتُ، ونزلت إلى مدينة حماة ليلاً، وبتُّ عند شيخي الشهيد مروان حديد، الذي حملني معه بسيّارة أحدِ إخواننا إلى دمشقَ، لنلتقي بشيخنا الشجاع «حسن حبنكة الميداني» الذي أفتاني وألزمني بالمقام في الباديةِ، أو السفر إلى لبنان، ورجّح سفري إلى لبنان، وتواصل مع سائقٍ يخصّه، فحملني في الليلة ذاتها إلى بيروت لبنان!

وإلى اللقاء في حلقة تاليةٍ نعرّف فيها بديوان الأديب الشاعر عبدالغني الحدّاد «واحاتٌ وظِلال».

والله تعالى أعلم

والحمدُ لله على كلّ حال.

الأحد، 1 فبراير 2026

  إلى سوريّا مِن جَديدٍ:

بَكرٌ الشوّافُ

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) [آل عمران].

أمّا بعدُ: آلُ «الشوّاف» أسرةٌ عريقةٌ محترمةٌ في مدينة حماةَ، ترجع أصولُها النسبيّةُ إلى قبيلةِ «قيس عيلان» العربيّة العريقةِ، وجدّكم الأعلى في مدينة حماة، هو الشيخ صالح الشوّاف النَجديّ.

حدّثني شيخنا عبدُ القادرِ بنُ «محمّد طاهر» الشوّاف بذلك، وأطلعني على صورةٍ قديمةٍ لجدّهم صالح هذا، رحمهم الله تعالى.

ترجعُ صلتي بالشيخ عبدالقادر الشوّافِ إلى عام (1960م) إذْ كان ابنُ خالتي، وخالُ أولادي عبدُالرحمن بن محمّد كُريج، يعمل كاتباً لديه في دكّانه الواقعةِ في «سوق الطويل» وكان شريكُه بها الشيخ عليّ القطّان الباكير البرازيّ، الذي هاجر إلى الكويتِ، وتوفّي فيها، رحمه الله تعالى.

وفي أواخر المرحلةِ الابتدائيّةِ؛ سكن شيخنا عبدالقادر في حيّ الفرّايةِ، مقابل كليّة الطبّ البيطري، وكانت آنذاك «ثانوية دار العلم» فكان يجمع صغارَ حَيّ الفرّاية على «بَيدر النقارنة» خلف كليّة الطبّ البيطريّ، ويعلّمهم تلاوةَ القرآن الكريم، ويشجّعهم على حفظ قصار السور.

أذكرُ أنني في تلك المرحلة، كنتُ قريباً من خَتمِ «ربع يس» حفظاً على شيخي «عارف النوشيّ» ومع ذلك كنتُ أكثرَ طلّاب حيِّ الفرّاية حضور مجلسه على البيدَر.

وكان يحضر معنا ولده بكرٌ وهو أصغر مني بسنةٍ أو سنتين تقديراً، وبقية أولاده محمّد وأسامة كانا صغيرين.

كان بكرٌ صديقي، وكان من محبّي شيخِنا وسيّدنا الشهيد مروان حديد، وقد نصحَ عدداً من تلامذته أنْ نلتحق بالكليّة الحربيّة بعدَ حصولنا على الشهادةِ الثانويّة.

تلقّف الشهيد بكرٌ هذه الفكرةَ، وغدا يُردّدها أمامي كثيراً.

بعد حصولنا على الشهادةِ الإعداديّة؛ حدّثني بكرٌ أنّه سيلتحق بكلّية الطيران، ويصبح مساعدَ طيّار.

قلت له: لماذا لا تنتظر حتى نحصل على البكالوريا، ونتقدّم إلى كليّة الطيران، فيصبح أحدنا طيّاراً حَربيّاً؟

قال: لا تعارضَ أبداً بين الأمرين، إذْ يجوز للواحد منّا أن يحصل على البكالوريا، وهو يتدرّب في الكليّة، ومتى حصل على البكالوريا؛ يُجرون له امتحانَ أهليّة، ويمكن أن يُرقّوه فيصبح طيّاراً حربيّاً.

شاورنا شيخنا الشهيد مروان، فشجّعه على فكرته، بينما أنا لم أقتنع بذلك!

في يومٍ من أيّام صيفِ عام (1968) كنت وبكرٌ في معسكر الفتوّةِ بثانويةِ ابن رشدٍ، وكنّا مجتمعين في تجمّع الانضباطِ الرسميّ «الطابور» إذْ ناداه واحدٌ من ضبّاطِ المعسكر، وبشّره على ملأ منّا بأنّه تمّ قَبوله في كليّة الطيران.

وكان هذا آخر يومٍ يداوم بكرٌ معنا فيه، إذْ ودّعنا وانصرف، وأنا الفقير وقعتُ في مشكلةٍ مع طالبٍ سبّ «الذات الإلهية» فأدميتُ وجهه، فنقلوني مع زميلٍ آخر لي من آل العقّاد، وزميلٍ ثالثٍ، أظنّ اسمه غسّان قصّاب باشي، إلى معسكر «سلحب» في منطقة الغاب!

غابَ عني بكرٌ سنةً أو أقلّ قليلاً، ثمّ زارني في بيتي بحيّ الفرّايةِ، وحدّثني أنّ الحياةَ في الكليّة قاسيةٌ جدّاً، وأظنّه قال لي: ليس في زملائي جميعهم أحدٌ يصلّي سواي!

وطلبَ مني أن أبلّغ شيخنا الشهيد مروان بذلك، وقال لي: من المحتمل أن أكون مراقباً فلا يحسن أن أزور شيخنا مروان، سلّم لي عليه، واسأله ماذا أصنع!

سألت شيخنا مروان، وقابلتُ بكراً في اليوم التالي في جامع السلسلة بباب البلد، عقب صلاة العصر، وقلت له: يُسلّم عليك شيخنا مروان ويقول لك: هذا امتحانٌ من الله تعالى، وعليك أن تصبرَ ولا تُجاهرَ بالتديّن، ويُمكنك أن تصلي الظهرَ والعصر معاً، والمغرب والعشاءَ معاً، فأنت مجاهدٌ في سبيلِ الله، ويحقّ للمجاهدِ الجمع بين الصلاتين.

بعد برهة من الزمانِ سنةً أو أكثر؛ زارني بكرٌ، وقال لي: يومَ أمسِ عملتُ جولةً في طائرة الهليوكوبتر فوق مَزرعتكم، وناديت عليك «مرحباً يا أبا محمود» وضحكتُ مع زميلي الذي كان معي في غرفة القيادة!

بعدما تخرّج بكر الشوّاف من الكليّة برتبة «مرشّح» فيما أتذكّر؛ صار يتردّد على حماة أكثر، وصرت ألتقي به أكثرَ من ذي قبل، وكان متحمّساً كثيراً إلى قتلِ كلّ من يسبّ الله تعالى من زملائه، وكان قد أصبح عنيفاً يغلي، وقال لي مرّةً وهو يبكي: كيف يسمع المسلم هؤلاء الحقراء يشتمون الله تعالى، ثم لا يقتلهم ويقطّعهم قطعاً؟

عَقب حصولي على الثانوية عام (1969) تقدّمت بطلبٍ إلى كليّة الطيران بحمص، وكان جسمي رياضيّاً، وعضلاتي مفتولةً، فلم يفحصني طبيب الكليّة البتة، وفحص أكثرَ من ستّين شابّاً غيري، وأظنّ اسمه «جمال الأتاسي».

استأذنت ودخلتُ غرفتَه غاضباً، ولمّا ألبس ثيابي بعدُ، سلّمت وقلت له: دكتور أنت فحصتَ أكثرَ من ستّين شابّاً، وكنتُ في وسطهم ولم تفحصني؟

رفع رأسَه، ونظر إليّ وقال: «يا ابني الأبطال لا يحتاجون إلى فحصٍ، لكنّ الجماعةَ لا يرغبون بأمثالك، أنصحُك بأن لا تقترب من سلك الجيش؛ لأنهم سيقتلونك قبلَ أن تتخرّج من الكليّة!

إنّ وطننا العزيز بأمسّ الحاجةِ إلى أبطال مؤمنين من أمثالك.

اعتن بنفسك يا ولدي، ولا تعرّض نفسَك إلى المخاطر، وسجّل في جامعة دمشق، فجامعة دمشق شرفٌ كبيرٌ أيضاً».

ذكرت لشيخنا الشهيد مروان هذا الكلامَ، فسُرّ به، ودمعت عيناه، وأثنى على ذلك الطبيب، وقال لي: «سبحانَ الله! النّاس مخبّاية بثيابها كما يقولون، سأتعرّف إلى هذا الطبيب وأشكره».

استمرّ الشهيد بكرٌ في عمله، وأظنّه كانَ طيّار هليوكوبتر - حتى حرب أكتوبر واستُشهِد في أوائل حربِ تشرين (9/ 10/ 1973) وهو صائمٌ رحمه الله تعالى.

وقد قيلَ: إنّ النظامَ النصيريَّ الفاجرَ هو الذي ضربَ طائرتَه بصاروخٍ، فسقطت طائرتُه، وارتقى إلى رضوان الله تعالى، ولا أزكّيه.

كان والده الشيخُ عبدُالقادر سلفيَّ الهوى، من تلامذة الشيخ سعيد الجابي.

وأذكرُ يوم حضرَ إلى زاوية الشهيد مروان ومعه ولده محمّد، أو حدّثني الشهيد مروان بذلك - نسيتُ - وقال له: هذا ولدي محمّد هو أحبّ ما في هذه الدنيا إليّ، وهبته لك، فربّه كما تشاء، عسى الله تعالى أن يجعلَه من الصالحين.

وكان الأخ محمّد الشوّاف، الذي غدا فيما بعدُ الدكتور محمّد عبدالقادر الشوّاف من المقرّبين المخلصين للشهيد مروان حديد.

وبعدما اعتُقِل الشهيدُ مروان، ونزلتُ أنا إلى حماةَ؛ اختبأتُ في مواضع متعدّدة، زارني الدكتور محمّد في مخبئي، وحملني خلفَه على «دراجة ناريّة» إلى موضع اجتماع شباب الطليعة - تلامذة الشهيد مروان والمتحمّسين معهم - وكان قد كلّفه شيخنا محمود بن محمّد الحامد بالإشراف على هؤلاء الشباب، ورعايتهم، والعناية بهم!

الشيخ عبدالقادر الشوّاف، وأولادُه الثلاثة: محمّدٌ وبكرٌ وأسامةُ من أحباب الشهيد مروان حديد، والقريبين منه.

وقد كتبتُ هذه الكلماتِ عرفاناً بفضلهم، وبياناً لمنزلتهم عند شيخنا الشهيد مروان، وشهادةً للهِ تعالى، ثمّ لتاريخ الثورةِ الإسلاميّة والجهاد في سبيل الله تعالى.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 30 يناير 2026

إلى سوريّا مِن جَديدٍ:

نَعْيُ ورثاءُ الروافض؟!

بسم الله الرحمنِ الرحيم

(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا؛ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى - مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ، إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ.

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ؛ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) [التوبة].

أمّا بعدُ: أرسلَ إليّ أحدُ أقربائي الأحبابِ؛ صورةَ منشورٍ بعنوان: «ترجّل الفارس حسن» فيه نَعيُ عداب الحمش لحَسن نصر الله، وكان من كلامِه: «إنّ هذا رجلٌ مجرمٌ قتلَ أهلنا السوريين في سوريا... إلخ كلامه».

أقول وبالله التوفيق: عندما قَتَلتْ دولةُ الكيان المسخ «حسن نصرَ الله» ومن معه؛ تأثّرتُ، ونشرتُ نعياً مقتضباً للسيّد حسن.

فاتّصل بي أحد الإخوةِ وذكّرني ببعض ما صنعه «حزب الله» من جرائم في سوريا، فحذفت المنشور من ساعتها.

بيد أنّ المرجفون الذين يطمسون الحسناتِ، ويذيعون الأخطاء؛ كانوا موجودين على عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا سبيل إلى قطع ألسنتهم!.

لستُ بصدَدِ الاعتذارِ والتسويغِ، فالخطأ هو الخطأ، وما فيكم «فالح!» يدّعي أنّ كلّ ما يقوله ويكتبُه صواب.

كتب إليّ تلميذي السيّد مالك القادري الجيلاني يقول: مجموع المنشورات التي جمعها لي من على «الفيس بوك» حتى نهاية عام (2024) بلغَ (4869) منشوراً!

وتعلّمنا في المدارس أنّ درجة «امتياز مع مرتبة الشرف» هي (95%) فهل يطمح أحدٌ منكم أنْ ينالَ هذه الدرجة؟ لا أظنّ!

ما أقصدُه أنّ أبا حنيفةَ والشافعيَّ خالفَ أحدُهما الآخر بأكثر من (5 %) من مجموع علمهما - رحمهما الله تعالى - وستجدون للفقير عداب منشوراتٍ عديدةً لا تعجبكم، فإذا مررتم بها؛ فعدّوها من جملة الأخطاء المعفوّ عنها (5 %) والتي لا تنزل درجة مرتكبها عن مرتبة الشرفِ الأولى.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله ربّ العالمين.


الثلاثاء، 27 يناير 2026

قَريباً مِن السياسةِ:

دولةُ إيرانَ كافرَةٌ.. وأمريكا مؤمنة!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ، يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.

قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا.

بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْراً).

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ).

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)

(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوها، مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.

«ما ابتدعوها» إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.

فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا؛ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما.

فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى؛ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي، حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ.

فَإِنْ فَاءَتْ؛ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9).

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

أمّا بعد: في الإعادةِ؛ إفادةٌ - كما يقولون - خاصّةً أنني أرى بعضَ أصدقاء صفحتي، يرغبون - في كلّ يومٍ - أنْ أقدّم إليهم الإسلام كاملاً، وما أقدّمه اليومَ؛ عليَّ أن أُعيدَه غداً؛ لأنهم ينسونَ ما قرؤوه بالأمس، أو لعلّهم لم يقرؤوه من الأساس.

أوّلاً: هذه الآياتُ الكريماتُ؛ تُشيرُ إلى أنّ اليهودَ والنصارى؛ كانوا في زمانِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم كافرين، مع أنّه لم يُنقَلْ إلينا أنّ جماهيرَهم كانوا ملحدين أو علمانيين، فهم اليومَ أشدّ كفراً ونفاقاً وإلحاداً.

ثانياً: لا يجوزُ موالاةُ اليهود والنصارى مطلقاً، وموالاتُهم كفرٌ بالله تعالى، وخروجٌ عن دينِ الإسلام.

ثالثاً: جميعُ الكافرين - بشتّى مللهم ونِحلهم ومذاهبهم - لا يريدون للمسلمين أدنى خير!

رابعاً: إنّ المؤمنَ العالمَ الذي يبتدعُ بدعةً يظنّها صواباً (ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) لا تكونُ بدعتُه هذه بدعةَ ضلالةٍ، تقوده إلى النار، بل على العكس تماماً!

إذا لم تكن تلك البدعةُ مصادمةً مصادمةً تامّة لأصولِ الدين؛ فمُبتدعُها مثابٌ عليها ومأجور (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ).

وإنَّ (100) حديثِ آحادٍ، مثل حديثِ (كلُّ بدعةٍ ضلالةٍ، وكلُّ ضلالةٍ في النّار) لا يجوزَ أن نعارضَ بها هذه الآيةَ الكريمةَ أبداً!

فإنْ قلتَ: قال السلفُ، وقال الخلفُ، وقال النوويّ، وقال ابن حجرٍ؛ فليس قولٍ أحدٍ من هؤلاء جميعاً حجّةً عليَّ، وفهمي هو الراجح!

خامساً: نشرت منشوراتٍ تزيدُ على (100) منشورٍ، أنتقدُ فيها النظامَ الإيرانيّ، ووصفتُه بالمجرم القاتل، وأوضحتُ أنّ مذهبَ الشيعةِ الإماميّة السياسيَّ «الروافضِ» باطلٌ عندي، فلا يوجد في تاريخ الإسلام السياسيّ «نصّ، ولا تعيين، ولا إمامةُ ممتدّةٌ منحصرةٌ، ولا عصمةٌ لغير الرسلِ الكرام عليهم السلام، ولا بداءٌ، ولا رجعةٌ، ولا مهديٌّ».

عقائدُ الإماميّة «الروافض» هذه جميعها عندي باطلة، ومع ذلك ثمّةَ بهائمُ وحقراءُ ونواصبُ أنذال يقولون: إنّ عداب الحمش؛ شيعيٌّ إماميّ.

الخصلةُ الوحيدةُ الصحيحةُ في مذهب الروافضِ السياسيّ؛ هي ولايةُ الإمام عليٍّ عليه السلام؛ لقول الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم (مَن كنت مولاه؛ فعليٌّ مولاه).

وهذا الحديثُ متواترٌ عندي، ثلاثَ مرّاتٍ:

المرّةُ الأولى: على منهاجِ الأصوليين والفقهاء.

والمرّةُ الثانية: على منهاجِ المحدّثينَ أهل الأسانيدِ.

والمرّةُ الثالثة: متواترٌ عن الإمام عليٍّ عليه أزكى الصلاةِ والسلامِ حديثيّاً أيضاً.

والذي يذهب إلى تضعيفِ هذا الحديثِ أصوليّاً أو حديثيّاً؛ ناصبيّ خبيثٌ، أو جاهلٌ بعلمِ نقدِ الحديث جهلاً مطبقاً، حتى لو كان ابنَ تيميةَ نفسَه؛ فليس ابن تيميةَ بناقدٍ حديثيٍّ البتّة، وابنُ عبدِ الوهّاب جاهلٌ أصلاً!

سادساً: إنّ مذهبَ أهل السنّة العقديَّ والفقهيَّ؛ هو أكثرُ مذاهب المسلمين صواباً!

وفيه أخطاءُ كثيرةٌ، من وجهة نظري، والذين ينتفشونَ وينتفخون بمقولة «أهل السنّة والجماعة؛ هم أهلُ الحقّ، وهم الطائفة المنصورةُ، وهم الفرقةٌ الناجيةُ؛ جاهلون، أو كاذبون»!

سابعاً: لا يختلفُ اثنانِ من أهل السنّةِ؛ أنّ جيلَ الصحابة رضي الله عنهم؛ أفضلُ من جيلِنا، ومع فضلهم الذي لا يدانيهم فيه أحدٌ، لصحبتهم رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فقد قتل بعضهم بعضاً، وطعنَ بعضُهم ببعضٍ، وفارق بعضهم بعضاً، وحُجَجُ بعضِهم في تجويزه قتلَ أخيه الصحابيّ؛ باردةٌ سخيفةٌ، يضحك منها الصِغار!

بيد أنّ الإمامَ عليّاً، صاحبَ الحقّ الأكبرِ في كلِّ شيءٍ؛ لم يكفّر أبا بكرٍ وعمرَ وعثمان والزبير وطلحة وعائشة - رضي الله عنهم - بل أطاعَ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، ونصح لعثمان رضي الله عنه، حتى نفَرَ منه عثمان، وأومأ إليه بأن يغادرَ المدينةَ المنوّرةَ، فسكن «ينبع» ولزمَ قطعة أرضٍ، أقطعه إيّاها عمرُ رضي الله عنه أثناء خلافته.

ونحن اليوم - أجمعون أكتعون - لا نساوي أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ، عند أهل السنة، في الحدّ الأدنى!

فلماذا يُكفّر بعضنا بعضاً إذا اختلفنا، ولماذا يستحلُّ بعضنا دماءَ بعضٍ، وقد ظهر لنا أشدَّ الظهور أنّ الصحابةَ كانوا فريقين: فريق على حقٍّ، وفريقٌ على باطل!

  ثامناً: لستُ أدري بماذا يختلفُ النظامُ الإيرانيُّ عن أيّ نظامٍ سياسيٍّ عربيّ؟

أليس جميع حكّام العربِ، من مضيق طارقٍ، حتى مضيق هرمزَ؛ موظّفين عند العمِّ «سام» الأمريكيّ، لا يحرّكون ساكناً ولا يُسكّنون متحرّكا إلّا بتفضّلِه بالإذنِ؟

النظامُ الإيراني مبتدعٌ ضالٌّ - هذا صحيح - لكنّه بيقينٍ عندي؛ ليس تابعاً لأمريكا، أو الاتّحاد الأوربيّ، أو لدولةِ الكيانِ اللقيطِ المسخ!

فأيّهما أفضل - أو أيُّ الفريقين أقلَّ ضلالاً وخَوَراً وضعفاً - النظامُ الإيرانيّ المبتدع الضالُّ المجرم، أم النظامُ العلمانيّ الملحدُ - الكافرُ بنصِّ القرآن الكريم؟

أنا لا أقول لك: انتصرْ لإيرانَ، أو قِفْ بجانب إيران، أو زوّدها بالمال والدواء والغذاء، فأنا إنْ قلت ذلك؛ سأكون أكثرَ جهلاً وغباءً منكَ، ومن النظام الإيرانيّ ذاته.

إنّما أريد لكَ - أخي المسلم - أنْ لا تكسبَ إثماً، أو تقترف جريمةً عقديّةً، قد تخرجك من الإسلام.

أمّا أنا فأقول بأعلى صوتي: مَن كان يؤمن باللهِ وملائكتهِ وكتبهِ ورسلِه واليومِ الآخر.

ويؤمن بوجوبِ الطهارةِ والصلاة والصيام والزكاة والحجّ والجهاد، من أهل السنّة أو الزيديّة أو الإماميّة «الروافض» أو الإسماعيليّة، أو الإباضيّة؛ فهو مؤمن مسلمٌ، ولو كان لديَّ قُدرةٌ على نُصرتِه في مقابلِ الكافر الأصليّ؛ فلن أتوانى أبداً - واللهِ - حتى بمالي ونفسي!

هذا المؤمن المسلم، إذا اجتهدَ بأنه يحقُّ له قتلي أو نهبي أو طردي من بلادي؛ فإني سأقاتِلُه، وإن استطعتُ قتلَه؛ فسأقتُله من دون أدنى تأثّم، لكنني لا أكفرّه، ولا أُبغِضه بغضي للكافر الأصليّ؟

قال الله تبارك وتعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ! كَفَرْنَا بِكُمْ، وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه).

والحمدُ لله على كلِّ حال. 

السبت، 24 يناير 2026

  اجتماعيات:

السيرةُ الذاتيّةُ السياسيّةُ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عِبادِه الذين اصطفى).

أمّا بعدُ: طلبَ عددٌ من الإخوةِ الأفاضلِ؛ أن أكتب منشوراً موسّعاً عن مسيرتي السياسيّة، والحقُّ أنّ صحّتي لا تسمح لي بتطويلِ المنشورات، إضافةً إلى أنّني لست سياسيّاً، ولم يكن لي أيُّ أثرٍ سياسيٍّ في موطني سوريّا، فَضلاً عن غيرها من البلدان، رَغْمَ بلوغي الثامنةَ والسبعينَ سنةً هجريّةً من عُمُري!

وَسأختصر حياتي السياسيّةَ بفقراتٍ وجيزاتٍ، وأشهِد الله تعالى على صدقِ ما أكتب، إذْ ليس لديّ شهودٌ عدولٌ محايدون، أستدعيهم للشهادةِ، وما لا أتذكّرُه؛ أُغفله.

أوّلاً: ذكرتُ مرّاتٍ كثيرةً أنّ مَن عُني بتربيتي المباشرةِ؛ سيّدتي الوالدة «أمُّ عداب» بإشرافٍ مباشرٍ من جدّي الفارس السيّد إبراهيم بن «محمّد الحَمش» ومن شيخي عارف النوشي، ولا أعيه إلّا بعدما اشترى حصّة زوجة عمّي «مريم هبابة» وهي أمي من الرضاع.

فكان بيتُه مقابلَ بيتنا تماماً، وكان محترماً من أهلي، ومن سائر أهالي الحيّ، رحمهم الله تعالى.

بيد أنّ والدتي حدّثتني أنني كنتُ أحضر عندَه قبلَ انتقالِه إلى بيته المقابل لبيتنا، لكنني لا أتذكّر ذلك.

كان آل كنعان عامّةً - وآل الشيخ خالد شيخ الهبطة خاصّة - اشتراكيّون مؤيّدون للأستاذ أكرم بن رشيد الحورانيّ الرفاعيّ، ولم يكن أهلنا يفهمون عن الاشتراكيّة شيئاً البتّةَ، سوى أنّ الاشتراكيين ضدّ «الإقطاع» الظالمِ بوجهٍ عام، ومن أبناء الإقطاع لديّ إخوةٌ أكارم!

وسيأتي دليلُ هذا الكلام بعد قليل!

ثانياً: كنت صبيّاً متديّناً، مُنشغلاً بين لقاءِ الشيخ عارف النوشيّ اليوميّ، وبين الدوام في المركز الثقافي بتوجيه خالي سعيد بن محيي الدين النشتر، وبين تلبية رغبات جدّي، ولا أظنّ صبيّاً في العاشرةِ من عمره، يَعي أحداثاً سياسيّة مهمة!

ثالثاً: أوّل حدثٍ قريبٍ من السياسةِ أتذكّره؛ أنّ عمّي السيّد خالد بن إبراهيم الحمش؛ ترشّح لانتخابات ما بعدَ الانفصال عن مصر، عام (1961م) وكان رئيسَ الكادر الإعلاميّ والدعائيّ له؛ قريبُنا السيّدُ سعيد بن محمّد بلقيس الحوراني، يعاونه ابنُ عمّي المرشّحِ، السيّدُ عدنان بن خالد!

كان يجمعنا - نحن الصغار - «عداب - محمد سعيد - نصر - عبدالمنعم الحمش» وابنَ عمّتي محمّد رجب الجندلي، ورضيعي السيّد أحمد بن محمّد بلقيس - وهو شقيق السيّد سعيد، ويعطي كلَّ واحدٍ منّاً رُزمةً من أوراق الدعاية الانتخابيّة، عليها صورة عمّي السيّد خالد، وكتب تحتها في غالب ظنّي: «مرشّح الطبقة الكادحة - مرشّح العمّال والفلاحين».

بيد أنّ الاشتراكيين من أهلنا غضبوا من عمّي، وحزنوا لهذه الخطوةِ التي ستفرّق أنصار «أكرم الحوراني».

فضغطوا على عمّي خالد، فسحب ترشيحَه قبلَ موعدِ الانتخابات بأيّام يسيرة، فيما أحسب!

رابعاً: لم ينعقد مجلس الشعب كثيراً، حتى قام البعثيّون بانقلاب الثامن من آذار، عام (1963م).

خامساً: في الصفّ السابعِ كنّا طلّاباً في إعداديّة أبي الفداء، وكان موقعها جوارَ مسجد الحسنين، جِوارَ قلعةِ حماةَ، في مَدخل حيّ المدينة.

في الأسبوع الأوّلِ من هذا العام الدراسيّ، أنا وعددٌ من أبناءِ حيّ الفرّايةِ، وحيّ العليليّات، وأذكر منهم أخي السيّد أحمد رياض كزكز، كنّا نتشاجر مع أبناء الإقطاعِ، وربما نتضارب!

كان الإخوانُ المسلمونَ خارجَ حلبةِ هذا الصراعِ الطفوليّ ظاهراً، لكنهم كانوا مؤيّدين مُناصرين للإقطاع في حقيقةِ الأمر؛ لأنّ أقصى ما لدى الإقطاعِ من الذنوب؛ ظلمٌ وفسادٌ وخمرة ونساء، وهي معاصٍ - كما كانوا يقولون لنا فيما بعد - بينما الفكرُ الإشتراكيُّ فكرٌ إلحاديٌّ كافر!

حتى إنّ شيخنا محمّداً الحامد رحمه الله تعالى؛ حكم بطلاقِ زوجة من ينتخب أكرمَ الحوراني، أو أحداً من النوّاب الاشتراكيين!

سادساً: كان معي في الصفّ السابعِ اثنان من الإخوان المسلمين، هما الأخوان «هاني الزين» و«مخلص عمّار» عاتباني من أجل الخصامِ مع أبناء الإقطاع، من أجل رجلٍ لا يستحقّ الانتصارَ له.

قال لي أحدهما، ولا أتذكّر أيّهما الذي بدأ: يا أخ عداب: أنت أخ متديّن، تجيد تلاوةَ القرآن الكريم، وأخلاقُك عالية، كيف تدافع عن رجلٍ لا يصلّي، وتخرج زوجتُه سافرةً وتصافحُ الرجال؟

قلت لهما: أمّا الصلاة، فالرجل يُصلّي، وأنا شاهدته بنفسي يصلّي، في ساحة الزاوية الحريريّة، وليس بيني وبينه سوى جدّي السيّد إبراهيم.

فما دمتما كذبتما في هذه؛ فمسألةُ سفورِ زوجته، ومصافحتها للرجال الأجانب؛ هي الأخرى كذبةٌ أيضاً.

سابعاً: في الليلة ذاتها - فيما أتذكّر - زار الشاعرُ السيّد عبدالله بن حُسين الجندليّ - والدته بنت أختِ جدّي إبراهيم - جدّي في مضافته.

قصصتُ على جدّي ما قاله لي «هاني ومخلص» فتوجّه جدّي بالسؤالِ إلى عبدالله الجندليّ؛ لأنه كان مرافقاً لأكرم الحوراني، في تلك الأيام، وكان اشتراكيّاً صلباً، وهو شجاعٌ للغاية، فأجاب السيّد الجندلي: الأستاذ أكرم الحوراني لا يصلّي، ويدخّن كثيراً، هذا صحيح!

وزوجته مثقّفة، أو قال: أستاذة جامعية، تريدونها أن تلبس الملاية وتتخمّر يعني؟

نعم هي على الموضة، شأنها شأن جميع بناتِ العائلات الراقية!

غضب جدي إبراهيم بشدّة، وشتمَ ابنَ أخته الجندليّ وقبّحَ، ولعن أكرم الحوراني وزوجتَه وجميعَ أنصاره!

كان في مضافة عمّي «محمد حمشو» صورةٌ كبيرة لأكرم الحوراني، معلّقةً في صدر المضافةِ، ربما يبلغ طولها (70 سم) وعرضها أكثر من (50 سم) فأمر ولده «حمدو» بأن ينزلها من على الحائط، ويَهشمها بقدميه، ففعل ذلك أمامَ عينيّ!

وهذا يؤكّد ما قلتُه سابقاً، من أنّ الاشتراكيين من أهلي؛ لا يعرفون عن الاشتراكيّة، سوى أنها ثورة على ظلمِ الإقطاع وفسادِهم!

ثامناً: في اليوم الدراسي التالي؛ التقيتُ الأخوين «هانئاً ومُخلصاً» وأنا منكسر؛ لأنّهما كانا صادقين، وكذّبتُهما.

هممتُ بأن أعتذر منهما، لكنّ أحدهما أخرج من جيبه ورقة طبع عليها صورةُ أكرم الحوراني وزوجته وهي تصافح رجلاً أوربيّاً!

فقلت لهما: كلامكما صحيح، وأعتذر منكما!

فرحا كثيرا بهذا الموقفِ الجديدِ، ودعواني إلى حضورِ مجلس تربويّ بعد الظهر، في جامع الحسنين المجاور لمدرستنا.

صلّينا الظهر في مسجدِ «الحسنين» واستمعنا إلى محاضرة الأخ الدكتور غسّان عبدالسلام حمدون، وكان يومها طالباً بكلية الشريعة، في جامعة دمشق!

وإلى منشورٍ قادمٍ إنْ شاء الله تعالى.

والحمدُ لله على كلّ حال.

الأربعاء، 14 يناير 2026

في سَبيلِ العِلْمِ:

أسلوبُ السؤالِ والجواب في الكتابة!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحَمدُ للهِ، وسَلامٌ على عِبادِه الذين اصْطَفَى).

أمّا بعد: قيلَ لي: لو أنّك تكتبُ المنشورَ، من دون أن تجعلَه جواباً لسؤال سائلٍ؛ يكون أقربَ إلى المباحثِ العلميّةِ، وأَوْقعَ في نفوسِ القرّاء!

إذ انبعاثُ المنشورِ منك إلينا، من دون وساطةِ سائلٍ؛ يُشعرنا بأنّك صدّرتَ المنشورَ من بناتِ أفكارك، اهتماماً بموضوعه، وحاجتنا إليه!

أقول وبالله التوفيق: إنّ الأساليبَ الأدبيّةَ التي حملت إلينا علومَ وآدابَ أسلافِنا وشيوخِنا ومعاصرينا؛ كثيرةٌ جدّاً، ومَن قرأ البلاغةَ؛ يَعلَم أنّ أجملَ أساليب البيان العربيّ؛ حملت إلينا كلامَ الله تعالى «القرآنَ الكريم».

والذي قرأ القرآن الكريم؛ يوقن أنّه ليس على نمطٍ واحدٍ في كلِّ سورةٍ، فضلاً عن أن يكونَ أسلوباً واحداً في جميع سُوَر القرآن العظيم!

وأصدقاء الفقير عداب - كما يقول العمّ فيسٌ - اقتربوا من خمسة آلاف، وهناك أكثرُ من ألفٍ ينتظرون قَبولِ صداقتهم، إلى جانب عشرةِ آلاف من المتابعين!

ومن البدَهيِّ أنّ هؤلاء جميعَهم؛ لا يمكن أن يكونوا على رغبةٍ واحدةٍ، ومزاجٍ واحدٍ حِيالَ أسلوبي في تناولِ المسائلِ العلمية وغير العلميّة.

ومُذْ غدا «الفيس» يُظهر لي عددَ قرّاء مَنشوراتي؛ لم أجدْ منشوراً واحداً قرأه ألفُ متابعٍ و صديقٍ، إنّما قرأه أكثرُ من ألف!

فإذا أفادَ كلُّ قارئٍ من هؤلاء الأفاضلِ فائدةً واحدةً من كلّ منشور؛ فقد كسبتُ ألفَ حسنةٍ، والحسنة بعشر أمثالِها - في الحدّ الأدنى - فيكون الفقير عدابٌ يكسبُ في كلّ  يومٍ عشرةَ آلافِ حسنة!

ولا أظنّ واحداً منكم يظنّ بأنني أقترفُ مائةَ سيّئة، في كلّ يوم!

فلو وقعتُ بهذه الآثام - لا سمح الله تعالى - يبقى لي ممّا يرفعه الملكان إلى صحيفتي الخاصّة (9900) حسنة، وهذا فضل عظيمٌ من الله تعالى، أظنّه ينجيني في ساحةِ الحسابِ، بين يدي الحقّ تبارك وتعالى.

بناءً على ما تقدّم؛ عليك - أخي القارئ الكريم - أن تَشطبَ من ذهنك أنت السطرَ الأوّلَ، الذي ضايقك من المنشور، وأنا أتوقّع أنك لن تَنفُرَ من أسلوبي البيانيّ فيما تبقّى منه، هذا إذا لم تستمتع ببعضِه على الأقلّ!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.


الخميس، 8 يناير 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ والِدَةُ الرسولِ محمّد في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعد: إنّ إطلاقَ القولِ: «إنّ كلّ ما في الصحيحين من الأحاديث؛ صحيح».

والقولِ: «حديث الآحاد حُجّة في العقائدِ والأحكام» قاعدتان باطلتان، أفسدتا على المسلمين عقائدهم وأعمالهم وأخلاقهم، وجعلتاهم فرقا ومذاهبَ وأحزاباً (كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون)!

قال الإمام الخطّابي في معالم السنن شرح سنن أبي داود (1: 6):

« اعلموا أنّ الحديثَ عند أهله على ثلاثةِ أقسامٍ:

حديثٌ صحيحٌ، وحديث حسنٌ، وحديث سقيم.

فالصَحيحُ عندَهم: ما اتّصل سندُه وعُدّلَتْ نقلتُه.

والحسنُ منه: ما عُرف مخرجُه واشْتُهِر رجالُه، وعليه مدارُ أكثرِ الحديثِ، وهو الذي يَقبلُه أكثرُ العلماءِ، ويَستعملُه عامّة الفُقهاء» [انتبهوا إلى جملة: عليه مدار أكثر الحديث]!!

قال عداب: وهذا ينطبق على صحيح البخاريّ وصحيح مسلم؛ فإنّ أكثرَ أحاديثِهما من درجة «الحسن» خلافاً للإطلاقاتِ العامّة التي لم تبنَ على تخريجٍ ونقدٍ وتمحيص!

فقد خرّجت حتى عام (2012) (1390) حديثاً من أحاديثِ الأحكام، في صحيح البخاريّ: كتب (الطهارة والصلاة والصلوات الخاصة والصيام).

فكان عددُ الأحاديثِ الضعيفةِ أربعةَ أحاديث.

وكانت نسبةُ الأحاديث الحسنة (63%) من هذه الأحاديث.

وكانت نسبة الصحيح لذاته ولغيره (37%) منها.

فالقول بأنّ جميع ما في الصحيحين؛ صحيح؛ جعل أهل الحديثِ وأهل الفقه - على حدّ سواء - يتخبطون في الاستدلال بهذه الأحاديث، على هذا النحوِ الذي صوّره لنا الخطّابي رحمه الله تعالى، إذ قال في مقدمة المعالم (1: 3):

«فأما هذه الطبقةُ، الذين هم أهل الأثر والحديث؛ فإنّ الأكثرين منهم، إنمّا وُكْدُهم الروايات وجمع الطرق، وطلبُ الغريب والشاذ من الحديثِ، الذي أكثره موضوع أو مقلوب!

لا يُراعون المتونَ، ولا يَتفهمون المعاني، ولا يَستنبطون سِيَرها، ولا يَستخرجون رِكازَها وفقهَها، وربما عابوا الفقهاءَ، وتناولوهم بالطعن، وادّعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يَعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.

وأما الطبقةُ الأخرى، وهم أهل الفِقهِ والنَظر؛ فإن أكثرهم لا يُعرّجون مِن الحديثِ، إلاّ على أقَلِّه، ولا يَكادون يميّزون صحيحَه من سقيمه، ولا يَعرفون جيّده مِن رَديئِه، ولا يَعبؤون بما بلغهم منه؛ أن يحتجوا به على خصومَهم، إذا وافقَ مَذاهبَهم، التي ينتحلونها، ووافقَ آراءَهم التي يَعتقدونَها، وقد اصطلحوا على مواضعةٍ بينهم في قبولِ الخبرِ الضَعيفِ، والحديثِ المُنقطعِ، إذا كان ذلك قد اشتُهر عندَهم، وتعاورته الألسنُ فيما بينهم، من غيرِ ثَبَتٍ فيه، أو يَقينِ عِلمٍ به، فكان ذلك ضِلّةً مِن الرأيِ وغَبْناً فيه».

ولأجل هذا الذي استَيْقَنْتُه بعملي؛ أدعو دائماً إلى إعدادِ المجتهدين، وترك التعصّبِ للماضين، فليسوا هم- والله - بالصور المضخمة التي صوّرها لنا أتباعُهم، ولا عقولهم بالعقولِ التي تَحجُبُ عن النظر والاجتهاد عقولنا.

عودٌ على بَدْءٍ:

بإسنادي إلى الإمام مسلمٍ في كتاب الجنائز، باب استئذان النبيّe ربّه عزّ وجلّ في زيارة قبر أمّه (976) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ).

مدار حديث الباب على يزيد بن كيسان اليشكريّ، رواه عنه مروان بن معاوية الفزاريّ، ومحمّد بن عبيدٍ الطنافسيّ.

ويزيد بن كيسان هذا، قال فيه ابن حجر في التقريب: «صدوق يخطئ» وترجمه ابن حبّان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، وقال يحيى بن سعيد القطّان: صالحٌ وسطٌ، ليس هو ممن يُعتمد عليه.

وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديثِ، بعضُ ما يأتي به صحيح!

وقال الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».

ويزيد بن كيسان دون مرتبة صدوق بكثير، فحديثه هذا منكر!

هذا من جهةِ الإسنادِ، أمّا من جهة المتن:

فقوله فيه (اسْتَأْذَنْتُ ربّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأُذِنَ لِي) معارض معارضةً صريحةً لقول الله تعالى:

(وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) [التوبة].

فلو كانت والدةُ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من الفاسقين والكافرين؛ لما أذن الله تعالى لرسوله أن يزور قبرها.

وقال الله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) فالذي يبكي على قبر أمّه، ويَبكي مَن حولَه تأثّرا ببكائه؛ لا يكون راضياً أبداً أن يكون والداه من أهل النار!

ختاماً: الفقير عداب لا يقول: إنّ والدي الرسول مؤمنان؛ لأنّ وصف الإيمانِ يلحقُ من آمن بالله تعالى وبرسوله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ووالدا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم توفيا قبل بعثة ولدهما الرسول.

فنحن نقول: إنهم من الناجين يوم القيامةِ؛ لأنهما وأمثالَهما يشملهم قوله تعالى: (مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 5 يناير 2026

      مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ والدا الرسول محمّد في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ تلامذتي «السلفيين» منشوراً نَقلَه عن غير مسمّى، يبثت فيه كاتبه أنّ والدي الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم في النار:

- عبدُالله بنُ عبدالمطّلبِ بن هاشم الذي توفيّ والرسولُ رضيعٌ، وقيل: بل توفي قُبيلَ ولادة ابنه الرسول.

- آمنةُ بن وَهبِ بن عبدِ منافٍ الزُهريّة، التي توفّيت، وعمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ستُّ سنواتٍ.

أقول وبالله التوفيق:

عندما قال الله تبارك وتعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) [المسد] قلنا: إنّ أبا لهبٍ عمَّ الرسول محمّدٍ؛ في النار.

وعندما سكتَ القرآن عن عبدالمطّلب وأبي طالبٍ وعبدالله وأمثالهم؛ يجب علينا البحثُ عن أدلّةٍ أخرى، تصلح للقول بنجاتهم، أو القولِ بهلاكهم!

وقبل عرضِ أدلّة نجاتهم المختلفَ في دلالتها؛ علينا أنْ نعرضَ أدلّةَ هلاكهم الواضحةِ الدلالة!

أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ؛ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَا تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ (203) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ «هو ابن مسلمٍ» حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ «البُنانيِّ» عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (فِي النَّارِ) فَلَمَّا قَفَّى؛ دَعَاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ).

قال الفقير عداب: مدار هذا الحديثِ على حمّاد بن سلمةَ، ويقول عددٌ من النقّاد: إنّه من أثبتِ الناسِ في ثابتٍ البُنانيّ!

بيد أنّ البخاريّ لم يخرّج لحمّاد بن سلمةَ أيَّ حديثٍ أصلاً، إنّما خرّج له في المتابعاتِ!

وخرّج له بإسناد حديثِ الباب «حمّاد عن ثابتٍ عن أنسٍ» أربع رواياتٍ (2845، 2872، 3805، 6439) جميعها في المتابعاتِ، وهذا يعني أنّ البخاريّ يقبلُ حمّادَ بن سلمةَ في المتابعاتِ، ولا يَقبلُ ما ينفردُ به، وحديثُ البابِ من أفرادِ حمّادٍ، وأعرض عنه البخاريّ!

وقد عابَ ابنُ حبّان على البخاريّ عدمَ احتجاجِه بحمّاد بن سلمة، فكان مما قال في مقدمة صحيحه (1: 153): فإنْ قال «المدافع عن البخاريّ»: حمادٌ قد كثر خطؤه!

قيلَ له: إنّ الكثرةَ اسمٌ يَشتمل على معانٍ شتّى، ولا يستحق الإنسانُ ترك روايته، حتى يكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه!

فإذا فَحُش ذلك منه، وغلب على صوابه؛ استحق مجانبة روايته.

وأما مَن كثر خطؤه، ولم يَغلب على صوابِه؛ فهو مقبولُ الرواية فيما لم يخطىء فيه، واستَحق مجانبةَ ما أخطأ فيه فقط»!

وفي هذا النصّ المقتطعِ من كلامٍ طويلٍ لابن حبّان في حمّاد نَخلص إلى ثلاثةِ أمورٍ:

الأوّل: أنّ حمّاداً كبيرٌ جدّاً عند ابن حبّان، إذ قال في الثناء عليه:

«كان رحمة الله ممن رحل وكتب وجمع وصنف وحفظ وذاكر ولزم الدين والورع الخفي والعبادة الدائمة والصلابة في السنة والطَبَقِ على أهل البدعِ.

ولم يشك عوام البصرة أنه كان مستجاب الدعوة، ولم يكن في البصرة في زمانه أحدٌ - ممّن نسب إلى العلم - يُعَدُّ من البدلاء غيره، فمن اجتمع فيه هذه الخصالُ، لم استحق مُجانبَة روايتِه»؟

الأمر الثاني: حديثُ أنسٍ الذي يجعل والدَ الرسولِ في النار؛ أخرجه ابنُ حبّان في صحيحه، فيكون ممّا لم يخطئ فيه حمّادٌ، في نظرِ ابنِ حبّانَ!

الأمر الثالث: أقرّ ابن حبّان بأنّ حمّاداً يخطئ كثيراً، وما دام يخطئ كثيراً، وقد تفرّد بهذا الحديث؛ فلا ينبغي أن يخرّج هذا الحديثُ وأمثالُه في كتب الصحاح، وقد أصاب البخاريّ في ذلك!

يضافُ إلى ما تقدّم أنّ هوى حمّاد بن سلمةَ هوى البصريين، وفيهم ميلٍ عن آل البيت، ورواية فضائلهم.

ومما يؤكّد هذا، ما أسنده ابن عديٍّ في ترجمة حمّادَ بن سلمةَ (3: 44)  قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سَمعتُ هدبةَ بنَ خالدٍ يقول: صَلّيتُ على شُعْبَة «يريد: دعوتُ له» فقيل له: رأيتَه؟ فغضب وقال: رأيت حماد بن سلمة، وَهو خير منه، كان شُعْبَة سيّئاً، وكان رأيُه رأي الكوفيين.

والحديثُ يَحتمل من النقدِ أكثرَ ممّا ذكرتُ، وفي هذا القدر كفاية!

لننتقل بعد ذلك إلى موقفِ القرآن الكريم، ممّن أطلق عليهم علماؤنا «أهلَ الفترة» فأقول: يقول الله تبارك وتعالى:

1 (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) [النساء].

2 (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) [المائدة].

3 (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) [الإسراء].

4 (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43).

وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) [سبأ].

6 (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) [القصص].

7 (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) [السجدة].

قال الفقير عداب: يقول الله تبارك وتعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

ويقول عن قريشٍ: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا، وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ).

أليس هذا نصّاً صريحَ الدلالةِ بأنّ قريشاً لم يأتهم رسولٌ قبلَ رسولِ الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم، إنما جاء بعد فتورٍ من إرسالِ الرسل إليهم (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)؟

أفنتركُ هذه الآياتِ القرآنيةَ كلّها لنتشبّث بحديثٍ فردٍ مطلقٍ غريب، لم يروه عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى أنس بن مالك، ولم يكن من علماء الصحابةِ ولا فقهائهم!

ولم يروه عن أنسٍ، سوى ثابتٍ البُنانيّ، تفرّد به عنه حمّاد بن سلمة كثير الخطأ؟

لما سبق أقرّر مطمئنّاً أنّ حديثَ حمّاد بن سلمة هذا منكرٌ، مخالفٌ صراحةً للقرآن الكريم.

 والله تعالى أعلم

والحمد لله على كلّ حال.