مَسائلُ عَقَديّةٌ:
الابْتِداعُ
في الدينِ
بسم الله الرحمنِ الرحيم
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَابَ.
فَمِنْهُمْ
مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26).
ثُمَّ
قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ،
وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ.
وَجَعَلْنَا
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً.
وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.
إِلَّا
ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها.
فَآتَيْنَا
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) [سورة
الحَديد].
شرحُ
هذا الكلامِ الإلهيّ المقدّس:
(1)
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).
نوحٌ
وإبراهيم عليهما السلام؛ رسولانِ من عند الله تبارك وتعالى.
أمّا
نوحٌ؛ فقد قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)
[الصافات].
وأمّا
إبراهيم، فقد قال الله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85)
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى
الْعَالَمِينَ (86) [الأنعام].
(2)(فَمِنْهُمْ
مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وأمّا أنّ أكثرَ ذريّتهما فاسقون؛
فتوضيحه في قوله تعالى:
(تِلْكَ
الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ، فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ.
كَذَلِكَ
يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)
وَمَا
وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ، وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ
لَفَاسِقِينَ (102) [الأعراف].
(3)
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) تقدّم توضيحه قبل سطرين.
(4)
(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ليس كلُّ
منتسبٍ مُتّبِعاً، فأكثر المسلمين اليومَ غير متّبعين للرسولِ صلّى الله عليه وآله
وسلّم في جميع ما أَمَرهم به.
وكذلك
هي الأمم السابقة، فمَن كان ملتزماً بدين عيسى عليه السلام، كان موصوفاً بالرأفة
والرحمة، وتصديقه في قوله تعالى:
(لَتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُوا.
وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّا نَصَارَى!
ذَلِكَ
بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82).
وَإِذَا
سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ؛ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الدَّمْعِ، مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا آمَنَّا
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) [المائدة].
(5)
الآية السابقةُ تقول: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً
وَرَحْمَةً) فهل قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا
عَلَيْهِمْ) معطوفٌ على ما تقدّم؟
اللهم
لا؛ لأنّ الآية تقول: ابتدعوها من عند أنفسهم، ففي ذلك تقديم وتأخير، تقديره:
وابتدعوا رهبانيّة ما كتبناها عليهم.
فتكون:
رهبانيةً: منصوبةً على التحذير، أو على العنايةِ، أو على المدح، أو على الذّمّ،
على حسبِ ما يَفهم كلُّ قارئ سياق الآية!
ثمّ
يأتي السؤال: لماذا ابتدعوها إذن؟
يأتي
الجواب: ما ابتدعوها
(6)
(إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها).
كمَنْ
يَشترط على نفسه أن يستغفر الله تعالى في كلِّ يومٍ ألف مرّةٍ.
ويصلّي
على الرسولِ في كلِّ يومٍ ألف مرّةٍ.
ويقرأ
القرآن الكريمَ في كلِّ ثلاثةِ أيّأمٍ مثلاً!
لكنّه
لم يَستطع المواظبةَ على ذلك، في جميع الأحوال، نتيجةَ الضعفِ البشريّ، فهذا معنى
(فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها).
وإذ
هم (ما رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها) وضعُفوا عن تحمّل تبعاتِ الرهبانيةِ التي من
أبرز معانيها؛ مجانبةُ النساء تماماً، فهل أدخلَهم الله تعالى النّار لابتداعهم،
أو لأنهم (ما رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها) أو لأنّ ما ابتدعوه مكفّرٌ؟
قال
الله تعالى:
(7)
(فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) معنى الآية الكريمة: مع أنّهم
ابتدعوا الرهبانيّةَ التي ما كتبها اللهُ عليهم، إلّا أنّ الذين واظبوا على
الانقطاعِ إلى العبادةِ المشروعةِ، ولم يقاربوا النساء في الحرام؛ فأثابهم الله
تعالى على صالحِ أعمالِهم؛ لأنّ الانقطاع إلى العبادةِ أمرٌ مشروع مُثاب.
(8)
(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) فالفاسقون الكثيرون، إنْ كان ما ابتدعوه مكفّراً؛
دخلوا به جهنّم وبئس المصير.
بناءً
على ما سبق تأسيسه؛ فإنّ من شترط على نفسه:
أن
يستغفر الله تعالى ألف مرّةٍ في اليومِ.
ويصلّي
على الرسولِ ألفَ مرّةٍ في اليوم.
ويقرأ
القرآن الكريمَ في كلِّ ثلاثةِ أيّأمٍ مثلاً.
هو
مأجورٌ مثابٌ لأنّ ذكرَ الله تعالى والتوبةَ والاستغفارَ والصلاة على الرسول، ليست
مشروعة فحسب، بل هي مأمورٌ بها في القرآن الكريم، وليس ذلك من الابتداعِ المنهيِّ
عنه في شيءٍ.
(8) الآن يأتي السؤال الأخير: كيف نفهم الأحاديث
الواردةِ في ذمّ البدعةِ والزيادةِ في العبادةِ على ما صحَّ عن الرسولِ صلّى الله
عليه وآله وسلّم؟
الجواب:
هي أخبارُ آحاد، مختلفة الألفاظ، دلالتها على العموم ضعيفة!
وفي
فهم كلامِ الإمام الشافعيّ، والشيخ أحمد ابن تيمية، رحمهما الله تعالى، الذي
أوردته في المنشور السابق؛ ما يكفي لمَن يريد الحقَّ!
أمّا
الذين لا يجيدون سوى الطعنِ في علماء المسلمين، وعداوة عامّتهم؛ فأولئك لا يفقهون
سوى كلماتٍ حَفظوها، وأكرهوا قلوبَهم وعقولَهم على أنّها هي الحقّ الصريح!
أسأل
الله تعالى أن يهدينا وإيّاهم إلى سواء السبيلِ.
والحمد
لله على كلّ حال.