السبت، 13 يونيو 2026

مِنْ عِبَرِ التاريخِ:

هل النابلسيُّ أبو بكرٍ قُرمطيٌّ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَإِذَا قُلْتُمْ؛ فَاعْدِلُوا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ؛ أَوْفُوا.

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152).

وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً، فَاتَّبِعوهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) [سورة الأنعام].

أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ علماءِ «آل البيت» المعاصرين كلاماً أذهلني حقّاً، وكم كنت أرجو أنْ لا يَصدرَ مثلُ هذا الكلام عنه، ولا عنّي، ولا عن أيّ عالمٍ أوباحثٍ، ينتسب إلى هذا البيت الشريف!

قال هذا السيّد في آخر منشورٍ له [أمسِ السبت] على «الفيس بوك» ما نصّه: «زعم السلفيون الوهابية أنّ هناك عالما في زمن الفاطميين اسمه ابو بكر النابلسي أمر الفاطميون بجلده حتى قُتل في التعذيب وكل ذلك من الأكاذيب كما سأبين:

أبو بكر النابلسي في القرن الرابع الهجري كان من أتباع القرامطة الذين اقتلعوا الحجر الأسود».

وقال في منشوره هذا: «وذكر ( السلفيون الوهابيون ) في تلك المقالة التي قاموا بنشرها على الانترنت أن ( المعز لدين الله ) أمر بعالم سني اسمه أبو بكر النابلسي أن يُضرَب ثم يُسْلَخ جلده على يد يهوديّ، بعدما رفض الجزارون المسلمون أن يسلخوا جلده .. إلى آخر ذلك الهراء».

وقال أيضاً: «وأن قصة سلخ أبي بكر النابلسي كذبة وفرية ، لا تصح أسانيدها .

وأن النابلسيَّ هذا ليس هو الشيخ عبد الغني النابلسي الصوفي الحنفي الدمشقي المشهور، المتوفى (1143هـ)  فبين وفاة المُعزِّ والشيخ النابلسي نحو (800) سنة .

 بل هو رجل آخر اسمه «محمد بن أحمد بن سهل بن نصر المعروف بابن النابلسيّ» ذكروا بأن المعز قتله وسلخه، ولا يصح إسناد قصته وخبره لأنه من رواية مجاهيل، ومصدرها تاريخ دمشق لابن عساكر (51/50).

وقال أيضاً: «( ثالثاً ) : قصة سلخ أبي بكر النابلسي وقتله لا تصح :

تقدَّم أن أبا بكر النابلسي هذا ليس هو الشيخ عبد الغني النابلسي قطعاً ، ومع كون قصة السلخ والقتل هذه ليس لها سند صحيح أو ثابت ، ومصدرها تاريخ ابن عساكر (ت571هـ).

قال ابن الأثير في «الكامل» (4/61) : [ ثم إن القائد أبا محمود الذي سيره المعز يتبع القرامطة وصل إلى دمشق بعد وصول ظالم إليها بأيام قليلة، فخرج ظالم متلقياً له مسروراً بقدومه، لأنه كان مستشعراً من عود القرمطي إليه، فطلب منه أن ينزل بعسكره بظاهر دمشق، ففعل، وسَلَّم إليه أبا المنَجَّى وابنَه ورجلاً آخر يُعرف بالنابلسي، وكان هرب من الرملة، وتقرَّب إلى القرمطي، فأُسر بدمشق أيضاً، فحملهم أبو محمد إلى مصر، فسجن أبو المنجى وابنه، وقيل للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحداً في الروم ؟ فاعترف، فسلخ جلده وحشي تبناً وصلب].

وهذا وحده يكفينا في سقوط النابلسي وقصته الموضوعة .

وقد صنع بعضهم ترجمة لأبي بكر النابلسي واصفاً له بالشهيد اعتماداً على ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق وليس ذلك بشيء».

أقول وبالله التوفيق:

في كلامِ هذا العالمِ السيّدِ ما لا يليقُ صدوره عنه.

أوّلاً: هو مرّة يقول عن أبي بكرٍ النابلسيّ: « كان من أتباع القرامطة الذين اقتلعوا الحجر الأسود».

ومرّة يقول: «والظاهر أن أبا بكر النابلسي هذا كان أحد أتباع القرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود» وبين الجملتين ما لا يخفى.

وقول ابن الأثير عن أبي بكرٍ النابلسيّ: «وتقرَّب إلى القُرمطيّ» لا يعني أبداً أنّه قرمطيٌّ، أو أنّه من أتباع القرامطة!

فابن الأثير لم يَعزُ هذه الجملةَ إلى أحدٍ من معاصريّ النابلسيّ، ولم يُسندْها، فالتشكيك بقوله المرسل أولى بكثيرٍ من الحكم بوضعِ قصّةٍ مسندة، فكيف إذا أعرض ابنُ الأثير عن ترجمة أبي بكرٍ النابلسيّ بالكليّة ؟!

ولو أنّنا سلّمنا بوقوع ذلك من أبي بكرٍ النابلسيّ؛ فالرجلُ كان ملاحَقاً ومطلوباً، هربَ من الرملةِ المدينة الصغيرة، ليختفيَ في دمشقَ العاصمة، خوفاً من الفاطميين «المغاربة» فاستجار بذاك القرمطيّ، كما يستجير الكبارُ بالمشركين!

ففي السيرة النبويّة أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ استجار بالمشرك جُبير بن مطعِم، عقب عودته من الطائف، وفي صحيح البخاريّ أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه استجار بالعاصِ بن وائلِ السهميّ!

وهذا لا يعني أبداً أنّ المستجيرَ صار من أتباعِ المستجار به!

ثانياً: ليس تاريخُ ابن عساكرٍ هو مصدرَ قصّة سلخِ أبي بكرٍ النابلسيّ، بل سبق ابن عساكر بذكر هذا القصّة.

فقد جاء في ذيلِ تاريخِ مولدِ العلماء ووفياتهم (ص: 97) لأبي محمّد الكَتّاني الدمشقيّ (ت: 466 هـ) ما نصّه: «توفّي العَبْد الصَّالح الزَّاهِد أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل بن نصر الرَّمْلِيّ الْمَعْرُوف بِابْن النابلسي

وَكَانَ يرى قتالَ المغاربةِ وبُغضَهم أَنّه وَاجِبٌ، وَكَانَ قد هرب من الرملة إلى دمشقَ، فَقبض عَلَيْهِ الْوَالِي بها أَبُو مَحْمُودٍ الكُتّامي صَاحب المُعِزِّ «أَبو تَمِيمٍ» بِدِمَشْق وَأَخذه وحبسه فِي شهر رَمَضَان من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلات مائة، وَجعله فِي قفص خشب وَحمله الى مصر فَلَمَّا حضر بِمصْرَ؛ قيل لَهُ: أَنْت الَّذِي قلت لَو أَن معي عشرَة أسْهم لرميت تِسْعَة فِي المغاربة وواحداً فِي الرّوم، فاعترف بذلك، وَقَالَ: قد قلته.

فَأمر المُعزُّ أَبُو تَمِيم بسَلْخِه، فسُلِخَ، وَحُشِيَ جِلدُه تِبناً، وصُلِب!

قَالَ عبدُالْوَهَّاب بن جَعْفَر الميدانيُّ: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل بن نصرٍ الشَّيْخُ الصَّالحُ الثِّقَةُ الصدوق».

قال عداب: وعبدالوهّابُ بن جعفرٍ الميدانيُّ هذا هو شيخُ المصنّفِ أبي محمّدٍ الكتّاني، صرّح بالتحديث عنه في مواضع من كتابه الذيلِ هذا (14، 19، 20، 30، 31).

وهو تلميذُ أبي بكرٍ النابلسيّ وعصريّه، وأبو محمّد الكتّاني هذا؛ أسبق في التاريخ من ابن عساكرٍ بأكثر من مائة سنة، إذ توفي عام (466 هـ) بينما توفي ابن عساكر عام (571 هـ) وهو يروي عن الكَتّاني بواسطة رجلٍ واحد، مثل:

 أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي (1: 45).

وأبي محمد هبة الله بن أحمد بن محمد بن هبة الله الأكفانيّ (1: 56).

وأبي القاسم ابن السمرقندي (1: 60) وكثيرين غيرِهم.

ثالثاً: أبو بكرٍ ابن النابلسيّ؛ ترجمه علماءُ أهل السنّةِ وأثنوا عليه، فهل يوجد سنيٌّ واحدٌ في الدنيا يثني على قرمطيٍّ ملعون؟

جاء في تاريخ دمشق (51: 49) للحافظ ابن عساكرٍ (ت: 571 هـ) ما نصّه:

«محمد بن أحمد بن سهل بن نصر أبو بكر الرملي المعروف بابن النابلسيّ.

حدّث عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن شيبان الرمليِّ، وسعيد بن هاشم بن مَرثَدٍ الطبرانيِّ، وعمر بن محمد بن سليمان العَطارِ، وعثمانَ بن محمد بن علي بن جعفرٍ الذَهبيِّ، ومحمد بن الحسن بن قتيبةَ، وأحمدَ بن ريحانَ، وأبي الفضل العبّاسِ بن الوليدِ القاضي، وأبي عبدِالله جعفرِ بن أحمدَ بن إدريسَ القَزوينيِّ، وإسماعيلَ بن محمدِ بن مَحفوظٍ، وأبي سعيدٍ ابنِ الأعرابيِّ، وأبي منصورٍ محمدِ بن سعدٍ.

روى عنه تمّام بن محمد الرازيُّ، وسمع منه بالرملةِ، وعبدُالوهّاب الميدانيُّ وأبو الحسن الدارقطنيُّ، وأبو مسلمٍ محمدُ بن عبدِالله بن محمد بن عمر الأصبهانيُّ، وأبو القاسم عليُّ بنُ عمرَ بن جعفرٍ الحلبيُّ، وبشرى بنُ عبدِاللهِ مولى فُلفُلٍ.

أخبرنا أبو محمد ابنُ الأكفانيِّ، قراءةً عليه: حدثنا أبو محمد الكَتّاني حدثنا أبو الحسينِ عبدُالوهّابِ بنُ جعفرِ بنِ عَليّ بن أحمدَ بن زياد: أنبأنا الشيخُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بن سهلِ بن نَصرٍ النابلسيُّ الشيخ الصالحُ رحمه اللهُ: أنبأنا عمر بن محمد بن سليمان العطار.

وساق الحافظُ ابنُ عساكر حديثاً من طريقه هذا.

أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم: حدثنا أبو بكر الخطيب البغداديّ: أخبرني عبد الملك بن عمر الرزاز ومحمد بن عبد الملك القرشيُّ قالا: أنبأنا علي بن عمر الحافظ: حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل النابلسي الشهيد بالرملة: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، فذكر حديثاً.

أنبأنا أبو محمد بنُ الأكفانيِّ: حدثنا أبو محمدٍ الكَتانيُّ: حدثني أبو النَجيبِ عبدُالغفّار بنُ عبدِالواحد الأرمَويُّ قال: قال لنا أبو ذَرٍّ الهَرويُّ: أبو بكرٍ النابلسيُّ سجنه بنو عُبيدٍ، وصلَبوه على السُنّةِ.

وسمعتُ الدارقطنيَّ يَذكُره، ويَبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلَخ:

(كانَ ذلكَ في الكِتابِ مَسطوراً) [الاسراء: 58].

قال لنا أبو محمدٍ ابنُ الأكفانيِّ: وفي سنة ثلاثٍ وستّين وثلاثِ مائة توفي العبد الصالح الزاهد أبو بكرٍ محمدُ بن أحمد بن سهل بن نصر الرملي المعروف بابن النابلسيّ، وكان يَرى أنّ قِتالَ المَغاربةِ وبُغضَهم واجبٌ، وكان قد هَرب من الرملةِ إلى دِمشقَ، فقبضَ عليه الوالي بها أبو مَحمودٍ الكُتّاميُّ صاحبُ العَزيز بن تَميمٍ بدمشقَ، وأخذه وحبسه في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاث مائةٍ، وجعله في قفص خشب وحمله إلى مصر، فلما حصل بمصر، قيل له: أنت الذي قُلتَ: لو أنَّ معي عَشرةُ أسهمٍ؛ لرميتُ تِسعةً في المغاربةِ وواحداً في الرومِ؟ فاعترف بذلك، وقال: قد قلتُه!

فأمر أبو تَميمٍ بسلخِه، فسُلخَ وحُشي جِلدُه تِبناً وصلب رحمه الله.

وكان الذي تَولّى القبضَ على أبي بكرٍ النابلسيِّ ظالمُ بنُ مَرهوبٍ العُقيليُّ، الذي كان أوّلاً في جملةِ أصحابِ القُرمطيِّ، ثم خالفَه وصار في جملةِ المِصريّين) انتهى من تاريخ دمشق.

هذا هو أبو بكر النابلسيّ، فقيه ومحدّث سنّيٌّ، شيوخه وتلامذته من أهل السنّة، كما هو ظاهر من ترجمته السابقة!

وليس هذا فحسب، بل هو شيخ الحافظين أبي الحسن الدارقطنيِّ وتمّام الرازي، فقد روى تمّام عنه في فوائده (350، 728) وروى عنه الدارقطنيّ أيضاً، كما في مناقب الشافعي للبيهقيّ (2: 248).

رابعاً: وأمّا وصفه بالشهيد، فقد وصفه بذلك البيهقيّ في مناقب الشافعي (2: 248) والسمعانيُّ في الأَنْساب (5: 337) والذهبيّ في النُّبَلاء (16: 148) وفي تَارِيخ الإِسْلَام (8: 216) وفي العِبَر (2: 116) وصاحب حسن المحاضرة (1: 515) والوَافِي بالوفيات (2: 33) وقلادة النحر (3: 192) ونعته بالحافظ!

خامساً: ترجمه في جملةِ علماء أهل السنّة؛ كثيرون:

فترجمه أبو محمّد عبدالعزيز بن أحمد الكتّاني (ت: 466 هـ) في ذيل تاريخ مولد العلماء ووفياتهم (ص: 97) كما تقدّم.

وترجمه القاضي عِياض اليحصبيّ (ت: 544 هـ) في ترتيب المدارك (5: 245) وساق قصّته بطولٍ حزينٍ مؤلم.

وترجمه ابن عساكر (ت: 571 هـ) في تاريخ دمشق، كما تقدّم.

وترجمه جمال الدين القِفطيّ (ت: 646 هـ) في «المحمّدون من الشعراء» برقم (86).

وترجمه سبط ابن الجوزي (ت: 654 هـ) في مرآة الزمان (17: 461).

وترجمه الذهبيّ في عددٍ من كتبه، ووصفه بالشهيد، كما تقدّم في الفقرة رابعاً.

وترجمه ابنُ أيبك الصفدي (ت: 764 هـ) في الوافي بالوفيات (2: 33) ووصفه بالشهيد.

وترجمه ابن كثيرٍ الدمشقيُّ (ت: 774 هـ) في البداية والنهاية (15: 365).

وترجمه المَقريزيّ (ت: 845 هـ) في «اتّعاظ الحنفا» (1: 210) وفي المقفّى الكبير (5: 99) ووصفه بالشهيد، وترجمه غير هؤلاء أيضاً وأثنوا على علمه ودينه وتقواه.

فكيف يجوز أن يقال: إنّه من أتباعِ القرامطةِ الذين اقتلعوا الحجر الأسود من رُكن الكعبة، وقتلوا الحجيج؟

سادساً: معيارُ أهل البيت في تقويم الأشخاصِ؛ هو معيار التقوى والدين، وليس المعيارُ الفتوحاتِ وتوسيع دائرة الملك ما بين المغرب الأقصى وبلاد الشام مثلاً!!

إنّ الفاطميين الذين حكموا مصر والشام والمغرب العربيّ؛ على مذهب الإسماعيليّة الباطنيّة الباطل، وقد قتلوا من المسلمين ألوفاً مؤلّفةً حتى دانَ لهم الناس، وخضعوا لحكمهم، فليسوا هم بقومٍ مهتدين صالحين، وليسوا بحكّام شرعيين حتى نفتخرَ بهم ونشيدَ بأعمالهم.

ختاماً: عندما أقول للنّاس: «التشيّع هو الإسلام» أو أقول: «عداب شيعيّ» فيجب أن يُفهَم هذا الكلام في ضوء التنبيهاتِ الآتية:

أوّلاً: ليس مذهبُ الزيديّة عند الفقير عدابٍ، هو مذهبَ أهل البيت!

وليس مذهبُ الإثني عشريّة «الجعفريّة» عند عداب، هو مذهبَ أهل البيت!

وأبعدُ الخلقِ عن مذهبِ أهل البيت؛ هم القرامطةٌ السبعيّون المجرمون، والفاطميّون الباطنيّون!

ثانياً: لم تكن العنايةُ بعلومِ آل البيت وفقههم وحديثهم؛ من اهتمام علماءِ أهل السنّة قطّ!

فمن العبثِ وتضييعِ الوقتِ؛ أن يُبحث عن علومهم في مجاميع أهل السنّة!

اللهم إلّا إذا عددنا مصنّف عبدالرزّاق الصنعانيّ، ومصنّف أبي بكر ابن أبي شيبةَ، ومصنّفات الشوكانيّ؛ من مصنّفات أهل السنّة!

ثالثاً: ما اتّفقت عليه مذاهب الشيعة الثلاثةُ - على تكفير بعضها بعضاً - هو مذهبُ أهل البيتِ، ويحقّ لكلِّ عالمٍ وباحثٍ أن يطمئنّ إلى ذلك.

أمّا ما اختلفوا فيه؛ فيحتاجُ إلى بحثٍ علميٍّ ودراسةٍ حذرة!

رابعاً: لا يجوزُ عند الفقير عداب؛ الاعتقادُ بالنصِّ على أئمّة آل البيت السبعةِ عند السبعيّة القرامطة، ولا الاثني عشر عندَ الإماميّة الجعفرية.

ولا يصحّ تعيين أسمائهم ولا أوصافهم عن الرسول، ولا عن غيره.

ولا يجوز اعتقاد العصمةِ لأهل الكساء، فمن بعدهم، ما عدا الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ولا يجوز اعتقادُ انحصار الإمامة بــ«آل البيت» وذريّاتهم، إنّما هم أولى بها من كلّ أحدٍ، عند استواءِ الصفات والكمالات.

ولا يجوز الاعتقادُ بالرجعةِ بأيّ تفسير كانت.

ولا يجوز الاعتقادُ بالبداء على الله تعالى.

ولا يجوز الاعتقادُ بظهور «المهدي» الذي لم يخلقْه الله تعالى أصلاً، والذي لم يصحّ أيّ حديثٍ في احتمال أن يخلقه في المستقبل.

خامساً: الحكّامُ العربُ - من آل البيت وغيرهم - على مدار تاريخنا، ظلموا الناسَ، وقتلوهم، تحت شعاراتٍ باطلةٍ عندي.

فبعد الإمام عليٍّ المنصوص على خلافته من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: (من كنت مولاه؛ فعليّ مولاه) ليس من حقِّ أحدٍ من آلِ البيتِ أنْ يقاتلَ الناسَ ويقتلَهم ويظلمهم ليكون إماماً لهم، أو رئيساً عليهم!

إنْ اختارَه أهلُ الحلّ والعقدِ من المسلمين؛ فبها ونِعمتْ، وإنْ لم يختاروه - مع توفّر صفات القيادةِ فيه - فهو مَرضٌ في الأمّة قديم، ففي الصدر الأوّلِ أعرضت قريشٌ عن الإمام عليّ، وهو أكفأُ الصحابةِ لتولّي هذا المنصب الجليل، و«أبت قريش أن تجمع لبني هاشم نبوّةً وخلافة».

وأيّاً كان سببُ إعراض المسلمينَ عن تأميرِ آل البيت؛ فلا يجوز لهم إراقةُ الدماء من أجل الإمارةِ، إذْ ليس لدينا نصّ شرعيّ واضحٌ، بانحصار الإمامة في آل البيت و ذريّاتهم.

وبناءً على ما تقدّمَ؛ فجميع معارك زعماء الزيديّةِ والإمامية والقرامطة والإسماعيليّة من آل البيتِ؛ غير شرعيّة، وجميع القتلى الذين سقطوا في تلك المعارك؛ سيحاسبهم الله تعالى على قتلهم.

والقرامطةُ والفاطميّون؛ قتلةٌ مجرمون، أجروا الدماءَ أنهاراً، حتى تملّكوا رقابَ الناس وحكموهم بالحديد والنار!

وسواءٌ أثنى مؤرّخو أهل السنّةِ على بعضهم، أم لم يثنُوا؛ فهم حكّام غيرُ شرعيين، لا يجوز ولاؤهم ولا محبّتهم، شأنهم في ذلك شأنْ طغاة بني أميّةَ وبني العبّاس وغيرهم!

سادساً: التشيُّع الذي أدعو إليه الناسَ؛ هو مودّةِ آل البيتِ، واحترامُهم، وأداؤهم حقوقَهم التي كانت تُمنح لهم على عهد رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والتي مَنعهم إيّاها الخلفاءُ القرشيّون، حتى يقوموا بواجباتهم الشرعيّة التي يقتضيها قول الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم بهما؛ لن تضلّوا بعدي أبداً، كتابَ الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني بهما).

هذه المهامّ العلميّةُ والدعويّةُ؛ تحتاج إلى أموالٍ طائلةٍ، من أجلِها وغيرِها من احتياجاتِ أهلِها؛ شرعَ الله الخمسَ لرسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ لآل بيته من بعده.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال. 

الأحد، 7 يونيو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

الجَوْهَرُ النقيّ في الردِّ على البيهقيّ!؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

في المنشور الماضي أجبتُ على فِقرةِ السائلِ الأولى «رواةُ الحديثِ من الحنفيّة»

 بقي أن أجيبَ على الفقرة الأخيرة من سؤاله: «وماذا عن الجوهر النقي لابن التركماني»؟

أقول وبالله التوفيق:

مؤلّفُ كتابِ «الجوهر النقيّ» هو علاءُ الدينِ أبو الحسن، عليُّ بنُ عثمانَ بنِ إبراهيمَ بنِ مُصطفى الماردينيُّ، الشهير بابن التركماني (ت: 750هـ).

ترجمه تلميذه عبدالقادر القرشيّ (ت: 775 هـ) في كتابه «الجواهر المضيّة في طبقاتِ الحنفيّة» (1: 366) فقال: «عَليُّ بنُ عُثْمَانَ الإِمامُ، ابنُ الإِمامِ، أَخُو الإِمامِ، ووالد الْإِمَامَيْنِ، أَبُو الْحسن، قَاضِي الْقُضَاة الماردينيّ.

تَقدّم وَالِدُه الإِمَامُ فَخرُ الدّين،وَتقدّم أَخُوهُ الإِمَام تَاج الدّين أَحْمدُ، وَتَقدّم وَلَدُه عبدالْعَزِيزِ،هو أَخُو قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين، ويأْتِي ابْنُ أَخِيه مُحَمَّدُ بن أَحْمدَ، أهلُ بَيتٍ عُلَماءُ فُضلاء.

كَانَ «المترجَم» إِمَاماً فى التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول والفرائض وَالشعر!

صنف وَأفْتى ودرّس وَأفَاد وَأحسنَ، وَكَانَ ملازماً للإشتغال وَالْكِتَابَة لَا يمل من ذَلِك!

سمع الحَدِيثَ، وَقَرَأَ بِنَفسِهِ.

قَرَأت عَلَيْهِ قِطْعَة من الْهِدَايَة إِلَى الزَّكَاةِ، ولازمته فى طلب الحَدِيث.

اخْتصرَ كتابَ الْهِدَايَة بِكِتَاب سَمَّاهُ «الْكِفَايَةُ فى مُخْتَصر الْهِدَايَة» وَشرح الْهِدَايَة وَلم يُكْمِلْهُ وَشرح قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين وَلَدُه من حَيْثُ انْتهى إِلَيْهِ وَالِدُه.

وَاخْتصرَ كتاب ابْن الصّلاح في «عُلُوم الحَدِيث» وَوضع على الْكتاب الْكَبِير للبيهقي كتاباً نفيساً نَحواً من مُجلّدين.

وَلما حملتُ إِلَيْهِ - رَحمَهُ اللهُ - كتابي الذي وَضعتُه على أَحَادِيث الْهِدَايَةِ، وَكنت سمّيتُه بـ«الكفاية فى معرفَة أَحَادِيث الْهِدَايَة» قالَ مداعباً لي: سرقتَ هَذَا الِاسْم مني، فَإِنِّي سمّيت مختصري للهداية بــ«الكفاية» وَذكرتُ فى أول الْخطْبَة: «الْحَمدُ للهِ المتكفّلِ بالكفايةِ، فَغيِّرْ هَذَا الِاسْمَ.

فَقلت: يَا سَيِّدي: مَا يُسَمِّيه إِلَّا أَنْتَ، فَسَمّى كتابي بــ«العناية فى معرفَة أَحَادِيث الْهِدَايَة» مَاتَ فى يَوْم عَاشُورَاءَ، سنة خمسين وَسبع مائَة» رحمهم الله تعالى.

وأمّا عن كتابِه «الجوهر النقيّ» فقد قال القرشيّ في موضع آخر من الجواهر المضيّة (1: 432): «فَائِدَة: ذَكَر الإِمامُ أَبُو بكرٍ الْبَيْهَقِيُّ في أوّل كِتَابه الْأَوْسَطِ، الْمَعْرُوف بــ«السننُ والْآثَارُ» وَإِنَّمَا قلتُ: الْأَوْسَطُ؛ لِأَن لَهُ فى السّنة ثَلَاثةَ مُصنفاتٍ:

 الأوّلُ: السّنَن، الْمَعْرُوف بـ«السنن الْكَبِير» نَحْوُ خَمْسَة عشر مُجَلداً.

وَالثَّانِي: الْمَعْرُوف بِـ«مَعْرِفَةُ السّنَنِ والْآثَارِ» في ثَلَاث مجلداتٍ.

وَالثَّالِث: «السُّنَنُ الصَّغِير» فى مُجَلدٍ...

وَقد اعتنى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاةِ عَلاءُ الدّين «ابنُ التركمانيّ» وَوضعَ كتاباً عَظِيماً نفيساً على «السنَن الْكَبِير» وَبَيّن فِيهِ أنواعا مِمَّا ارتكبَها، من ذَلِك النَّوْعِ الذي رمى بِهِ البَيهقيُّ الطحاويَّ، إذْ يَذكرُ «البيهقيُّ» حَديثاً لمذهبه، وَسَنَده ضَعِيفٌ، فيوثّقُه، وَيذكُر حَدِيثاً على مَذْهبنا «الحنفيّة» وَفِيه ذَلِك الرجل الذي وَثَّقَهُ، فيضعّفُه.

وَيَقَع هَذَا فى كثير من الْمَوَاضِعِ، وَقد يكون بَين هذَيْن العملين مِقْدَار ورقتين أَو ثَلَاثُ! وَهَذَا كِتَابُه مَوْجُودٌ بأيدي النَّاسِ، فَمن شَكّ فى هَذا؛ فَلْينْظر فِيهِ.

وَكتابُ سيّدنَا قَاضِي الْقُضَاة «ابن التركماني» هَذَا؛ قد أَخَذتُه عَنهُ، وَهُوَ عِنْدِي فى مجلدين كبيرين، وَهُوَ كتاب عَظِيم، لَو رَآهُ مَن قَبلَه من الحُفّاظِ؛ لسأله تَقْبِيلَ لِسَانِه الذي تَفوّه بِهَذا، كَمَا سَأَلَ أَبُو سُلَيْمَان الدارني أَبَا دَاودَ صاحبَ السّنَن أَن يُخرجَ إِلَيْهِ لِسانَه، حَتَّى يُقبّلَه والقصّة مَشْهُورَة.

وَيَقُولُ النَّاسُ: إنّ الشَّافِعِيَّ لَهُ فضلٌ على كلّ أحدٍ، وَللبَيْهَقِيِّ فَضلٌ على الشَّافِعِيّ!

فوالله مَا قَالَ هَذا مَن شَمَّ توجّهَ الشَّافِعِيَّ وعظمتَه وَلسانَه في الْعُلوم.

وَلَقَد أخرج الشَّافِعِي باباً من الْعلم، ما اهْتَدَى إِلَيْهِ النَّاس من قَبله، وَهُوَ علم النَّاسِخ والمنسوخِ، فَعَلَيهِ مدَار الْإِسْلَام.

مَعَ أَن الْبَيْهَقِيّ إِمامٌ حَافظٌ كَبِير، نَشر السّنةَ، وَنصرَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فى زَمَنه.

وَرَأَيْتُ في تَرْجَمتِه في كتاب عَتيقٍ، بِخَطّ بعضِ الثِّقَاتِ؛ أَنّه كَانَ مَوْصوفاً بالزهدِ، وَأَنه رَأْى ربَّ الْعِزَّة في النّوم غيرَ مرّةٍ.

ووقفتُ لَهُ على مُجلّدٍ ضخمٍ سَمَّاهُ «الزّهْدُ الْكَبِير» صنّفه رَحْمَة الله عَلَيْهِ.

سمعتُه من بعضِ مشايخنا، وَهُوَ عِنْدِي، وَهُوَ كتابٌ يدلّ على عَظمتِه، رَحمَه اللهُ ورحم أَئِمَّةَ الْمُسلمينَ أهلَ الحَدِيث».

قال الفقير عداب: المشهور بين طلبةِ العلم؛ أنّ «الجوهرُ النقيّ» رُدودُ ومناقشاتُ البيهقيّ بما في كتابه «السنن الكبير» وهو كذلك أصالةً، لكنّ القاضي علاء الدين؛ لم يُهملْ بقيّةَ كتب البيهقيّ، بل كان يستفيدُ منها أحياناً في الردّ على البيهقيّ نفسه!

للإمام البيهقيّ كتاب جليل سمّاه «الخلافيّاتُ بين الإمامين الشافعيّ وأبي حنيفةَ وأصحابه» مطبوعٌ في سبعة مجلّدات.

وقد عادَ إليه القاضي ابن التركماني في كتابه «الجوهر النقيّ» أكثر من خمسين مرّةً.

وللإمام البيهقيّ كتابٌ جليلٌ آخرُ، جمع فيه ما احتجَّ به الشافعيُّ في كتبه، سماه «معرفة السنن والآثار» وهو مطبوع في خمسةَ عشرَ مجلّداً.

وقد عاد إليه القاضي ابن التركماني في كتابه «الجوهر النقيّ» أكثر من ثمانين مرّةً.

وكتابُ القاضي ابن التركمانيّ؛ ليس حاشيةً على كتاب «السنن الكبير» للبيهقيّ، إنّما هو كتابٌ ضخمٌ مفردٌ، صدر عن دار الفكر ببيروت في عشرة مجلّدات.

قال مصنّفه في خطبته (1: 2) ما نصّه: «أمّا بَعدُ: فهذه فوائد على «السنن الكبير» للحافظ أبي بكرٍ البَيهقيّ، رحمه الله تعالى، أكثرُها اعتراضاتٌ عَليه، ومناقشاتٌ له، ومباحثاتٌ معه، وما توفيقي إلّا باللهِ، عليه تَوكلتُ، وإليه أنيب».

أنموذج من منهجه في الجوهر النقيّ:

قال البيهقيّ في السنن الكبير (1: 13): «قالَ الشافعيُّ رحِمه اللَّهُ: ورَوَى عبدُالعَزيزِ بنُ عمرَ عن سعيدِ بنِ ثَوبانَ، عن أبي هِندٍ الفِراسِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قالَ: (مَن لم يُطَهِّرْه البَحْرُ؛ فلا طَهَّرَه اللَّهُ).

أخبرَناه أبو حازِمٍ عُمَرُ بنُ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الحافظُ: أخبرَنا أبو أحمدَ الحافظُ: أخبرَنا أبو عبداللَّه الحسينُ بنُ محمدِ بنِ عُفَيرٍ الأنصارِيُّ: حدَّثَنا محمدُ بنُ حُمَيدٍ: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ المُختارِ: حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ. فذكَره بمِثلِه، إِلا أنَّه لم يَقُل: الفِراسِيُّ

قال في الجوهر (1: 4): ذكره البيهقى بسنده، وفيه محمد بن حميدٍ هو الرازي عن إبراهيم بن المختار، فسكت عنهما.

وابن حميد: قال فيه البيهقيُّ في باب فرض الجدة والجدتين (12: 705): ليس بالقويّ.

وابن المختار: قال أحمد بن عليٍّ الأبّار: سألتُ زُنيجاً أبا غسّان عنه؟ فقال: تركتُه، ولم يَرضَه، وقال البخاريُّ: فيه نَظر، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس بذاك».

قال عداب: لا يخفى على الباحثين أنّ صنيعَ القاضي ابن التركماني مفيدٌ للغاية، ليس فيما يخصّ السننَ الكبيرَ للبيهقيّ، وبقيّةَ كتبه، إنّما هو مفيدٌ جدّاً، في جميع أحاديث الأحكام، لدى مذاهب أهل السنّة.

ومع جلالةِ صنيع القاضي ابن التركمانيّ، تعقّبه تلميذه الإمام جمالُ الدين الزيلعيّ (ت: 762 هـ) في أكثرَ من ستّين موضعاً من كتابه «نصب الراية» جميعها يقول فيها «شيخنا علاء الدين» ولم يذكر كتابَ الجوهر النقيّ قطّ!

انظر نصب الراية (1: 2، 30، 89، 104).

وانظر منه: (4: 295، 328، 373، 385، 391).

قال في الموضع الأوّل (1: 2): «حَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ   وَمُسْلِمٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِماً، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ) زَادَ مُسْلِمٌ: (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) انْتَهَى.

وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ عَلَاءِ الدِّينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهْمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُما: أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بَعْدَ أَنْ حَكَاهُ بِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَزِيَادَةِ مُسْلِمٍ: أَخْرَجَاهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُسْلِماً انْفَرَدَ فِيهِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.

وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَبْدُالْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (368) فَقَالَ: «لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ فِيهِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ».

الْوَهْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ حَدِيثَ الْكِتَابِ مُرَكَّباً مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بن شعبةَ أَنَّهُ عليه السلام (مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ) وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، فِي السُّبَاطَةِ، وَالْبَوْلِ قَائِماً، وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَدِيثَ السُّبَاطَةِ وَالْبَوْلِ قَائِماً أَيْضاً، رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، كَمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَاجَهْ (306) وَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَذْكُرَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ لِيُطَابِقَ عَزْوَ الْمُصَنِّفِ.

وَهَذَا الْوَهْمُ الثَّانِي؛ لَمْ يَسْتَبِدَّ بِهِ الشَّيْخُ، وَإِنَّمَا قَلَّدَ فِيهِ غَيْرَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ».

ختاماً: أنصح جميعَ إخواني طلبةَ العلم بالعنايةِ التامّة بأحاديثِ الأحكامِ، وتتبّع أقاويل نقّاد الحديثِ في تقويمها، وليكن في صدارةِ كتبِ التتبّعات والانتقادات؛ كتاب «الجوهر النقيّ» لابن التركمانيّ، وكتاب «نصب الراية» للزيلعيّ، وكتاب «البدر المنير» لابن الملقّن.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 5 يونيو 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

رواةُ الحديثِ من الحنفيّة !؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

قال لي صاحبي: «كأنّني فهمتُ من إشاراتِ كلامِكم؛ أنّ علماءَ المذهب الحنفيّ ضعفاءُ في علم الحديث!

فهل يمكن أن تحدّثنا عن أبرز نقّادِ الحديثِ، لدى السادةِ الحنفيّة في عصورِ الروايةِ، وماذا عن كتاب الجوهر النقي لابن التركماني»؟

أقول وبالله التوفيق:

من المهمّ ابتداءاً أنْ أقول: إنّ في جميع مذاهب أهل الإسلامِ محدّثين، قديماً وحديثاً، ولا يوجد محدّث واحدٌ يَعتمد المحدّثون جميعَ ما روى، ولا يوجد محدّث واحدٌ قَبِلَ المحدّثون جميع أقوالِه وآرائه النقديّة، لا ضمنَ مذاهب أهل السنّة، ولا لدى غيرهم من مذاهب أهل الإسلام.

بعد هذه التقدمة؛ ننطلقُ إلى الإجابةِ باختصار شديد!

أوّلاً: الإمام أبو حنيفة النعمانُ بن ثابت الكوفي (ت: 150 هـ) نصَّ المزيّ على روايته عن واحدٍ وسبعين شيخاً، وروى عنه عنده مائةُ راوٍ وأربعةُ رواة!

فهل يتصوّر عاقلٌ، بل عُشرُ عاقلٍ؛ أن يكون أبو حنيفةَ جاهلاً بالحديث؟

لقد وثّقَ المتشددون من علماء الحديثِ رواةً مجهولين، وأشباهَ مجهولين؛ رَوَوا حديثاً واحداً أو حديثين، وافقوا بهما ما يرضاه المحدّثون من الحديث!

ثانياً: هناك فارق كبيرٌ جدّاً بين كلامِ المحدّثين النظريّ، وبين تطبيقاتهم العمليّة على

الرواةِ الذين يختارونَ الروايةَ عنهم!

فهم يقولون: هذا قدريّ، وهذا مرجئ، وهذا رافضي، وهذا شيعيّ، وهذا خارجيّ، ثمّ هم يروون عن الثقاتِ من هؤلاء المبتدعةِ أجمعين، يقولون: لنا صِدقُه، وعليه بدعته.

ثالثاً: الذي تبيّن لي من وراء دراستي الشخصيّات الكبيرة في الإسلام؛ أنّ المحدّثين أعرضوا عن أبي حنيفة، وتركوا حديثَه؛ لثلاثةِ أسبابٍ:

الأوّل: أنّ الإمامَ أبا حنيفةَ مثلُ الإمام مالكٍ؛ لا يمنح أحاديثَ الآحاد ذاك التقديس الذي يمنحه المحدّثون لـ«حدّثنا وأخبرنا» لأنّ أساس علم العِلل نشأ لتتبُّع أخطاءِ وأوهام الرواةِ، فيما ليس للجرح إليه مدخل، وهذا يعني أنّ الثقاتِ أنفسَهم يهِمون ويخطؤون ويدلّسون فلا يرى الإمامُ أبو حنيفةَ أنّ ما رواه الثقاتُ؛ يتعيّن عليه قَبولُ جميعِه والتفريع عليه!

والأمر الثاني: أنّ أكثرَ العلماء والمحدّثين والفقهاء؛ ليسوا من أهل السيفِ والقنا وركوب الخيل، فهم يخافون من ظلالِهم!

وجاءهم أبو حنيفةَ يقولُ بجوازِ الخروج على الحاكم الظالم الجائر، فقالوا: «كان يرى السيفَ على أمّة محمّد».

ثالثاً: أبو حنيفةَ الذي يردُّ كثيراً من أحاديث الآحاد، التي رواها الثقات؛ يقبلُ المرسلَ والمعضلَ والمعلّق، إذا كان راوي ذلك ثقةً عنده، وهذا يعني أنْ لا فائدة عنده لعلوم

الحديثِ كلّها، من الناحية التطبيقيّة، فاختلافهم معه إذنْ في المنهج!

ومَن أراد أمثلةً تطبقيّة كثيرةً على صحّة كلامي هذا؛ فليذهب إلى موطّأ مالكٍ، برواية محمّد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، فسيجده لا يفرّق في الاحتجاجِ لمذهبه، بين حديثٍ متّصلٍ أو حديثٍ مرسلٍ، أو حتّى واحدٍ من بلاغات مالك!

(1) يقول مالك (52): «بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعِمَامَةِ؟ فَقَالَ: لا، حَتَّى يَمَسَّ الشَّعْرَ الْمَاءُ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهِ.

(2) يقول مالك: (53): «حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: «رَأَيْتُ صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ، وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا، ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا» قَالَ نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ،لا يُمسَحُ عَلَى الْخِمَارِ وَلا الْعِمَامَةِ، بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ؛ فَتُرِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنِا».

(3) ويقول مالك (430): أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، كَانَ يَقُولُ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ».

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا».

لا يُقال: ربما كانت هذه البلاغاتُ موصولةً خارج موطّأ مالك؟!

إذ كان على محمد بن الحسن؛ أن ينبّه على ذلك، لو كان يعلمه!

وقد كانت ترجمةُ أبي حنيفةَ عند ابن حبّان في كتاب المجروحينَ أطولَ ترجمةٍ في الكتاب «1127» (3: 60 - 73).

وقد أقذع الحافظُ الورعُ محمّدُ بنُ حبّان في ترجمة أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى، وغفر لهما.

وأبرز المشتغلين بالحديثِ من أصحاب أبي حنيفة:

(1) محمد بن الحسن الشيبانيّ (ت: 189 هـ) ترجمه ابن حبّان في المجروحين (2: 275 - 276) ونقل تضعيفَه عن عددٍ من النقّاد.

(2) زُفَر بن الهذيل بن بن قيس العنبريّ، ترجمه ابن حبان في الثقات (6: 339) وقال ثمّةَ: «وَكَانَ زفر متقنا حَافِظًا قَلِيل الْخَطَأ لم يسْلك مَسْلَك صَاحبه فِي قلَّة التيقظ فِي الرِّوَايَات وَكَانَ أَقيس أَصْحَابه وَأَكْثَرهم رُجُوعا إِلَى الْحق إِذا لَاحَ لَهُ وَمَات بِالْبَصْرَةِ».

(3) يعقوبُ بن إبراهيم أبو يوسف القاضي، ترجمه ابن حبّان في الثقات (7: 645) وقال في ترجمته ثمّةَ: «وَكَانَ شَيخا متقناً، لم يكن يسْلك مَسْلَك صَاحِبيهِ «أبي حنيفةَ ومحمد بنَ الحسن» إِلَّا فِي الْفُرُوع، وَكَانَ يبانيهما فِي الْإِيمَان وَالْقُرْآن» إلى أن قال: «لسنا مِمَّن يُوهم الرعاع مالا نَستحلّه، وَلَا مِمَّن يَحِيف بالقدح فِي إِنْسَان وَإِن كَانَ لنا مُخَالفاً، بل نعطي كل شيخ حَظّه مِمَّا كَانَ فِيهِ، ونقول فِي كل إِنْسَان مَا كَانَ يسْتَحقّهُ من الْعَدَالَة وَالْجرْح. أدخلنا زُفراً وَأَبا يُوسُف بَين الثِّقَات؛ لما تَبين عندنَا من عدالتهما فِي الْأَخْبَارِ، وأدخلنا من لَا يُشبههما فِي الضُّعَفَاءِ «أبا حنيفةَ ومحمّدَ بن الحسن» بِما صَحَّ عندنا، مِمَّا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.

وَمَاتَ أَبُو يُوسُف سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، بِخمْس لَيَال خلون من شهر ربيع الآخر».

(4) بكارُ بن قُتَيْبَة بن أَسد بن عبيدِاللَّه بْن بشير بْن عبيدِاللَّه بن أبي بكرَة البكراوي الثَّقَفِيّ، كنيته أَبُو بكرَة، كَانَ على قَضَاء مصر.

يروي عَن يزِيد بن هَارُون وَأهل الْبَصْرَة حَدَّثنا عَنهُ بن خُزَيْمَة وَالنَّاس كَانَ ينتحل مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْفِقْه» قاله ابن حبّان في الثقات (8: 152).

(5) سيف بن الْحجَّاج الْكُوفِي يروي عَن أبي حنيفَة روى عَنهُ بن أبي السرى الْعَسْقَلَانِي» ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 300).

(6) أَبُو قَطَن، اسْمه عَمْرو بن الْهَيْثَم الزَبيدِيّ، من أهل بَغْدَاد.

يروي عَن شُعْبَة وَمَالك وأبي حنيفَةَ، روى عَنهُ أَحْمد ابن حَنْبَل وَأَبُو ثَوْر، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، رَحمَهم الله تعالى، ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 484).

(7) ولعلَّ أبرزِ محدّثٍ مصنّف في عصر الروايةِ؛ هو الإمامُ أبو جعفرٍ أحمد بن محمّد بن سلامة الأزديّ المعروف بالطّحاويّ (ت: 321 هـ) صاحب المصنّفاتِ الكثيرةِ، منها:

(1) شرح معاني الآثار في أحاديث الأحكام، أودع فيه أبو جعفرٍ (7467) حديثاً.

انتصر فيها لمذهبه الحنفيّ انتصاراً عجيباً.

(2) شرح مشكل الآثار، في مختلِفِ الحديث، أودع فيه أبو جعفرٍ (6179) حديثاً.

(3) أحكام القرآن، والذي وُجدَ منه وطبع الجزء الأوّل منه في مجلّدين، جاء في خاتمته (2: 482) ما نصّه: «تمّ كتابُ الْمُكَاتبَة، وبتمامه تمّ الْجُزْء الأول من كتاب أَحْكَام الْقُرْآن.

وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلَاته وَسَلَامه على سيدنَا مُحَمَّد نبيّه وَعَبدِه وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيراً، دَائِما بدوام ملك الله إِلَى مَا لَا نِهَايَة لذَلِك.

على يَد العَبْد الْفَقِير الراجي عَفْو ربه الْقَدِير مُحَمَّدَ بنِ َأَحْمد بن صفي بن قَاسم الْمَعْرُوف بِابْن الغزولى، عَفا الله عَنه» وللطحاويّ كتبٌ نافعةٌ غيرُها.

وليس هؤلاءِ جميع رواةِ الحديثِ، من الحنفيّة، وليسوا هم جميع من روى عن أبي حنيفةَ، أو روى من طريقه، إنما هم نماذج من الرواة الذين ترجمهم ابن حبّان في كتابه الثقات.

أمّا الكلام على كتاب «الجوهرِ النقيّ في الردّ على البيهقيّ» لعلاء الدين ابن التركمانيّ (ت: 750 هـ) فسأفرد له منشوراً خاصّاً به.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 5 مايو 2026

 الفَضائِلُ والخصائصُ الصَحيحةُ الواردة في الإمام عليّ عليه السلام:

مقدّمة توضيحيّة!

بسم الله الرحمن الرحيم

المسلمون اليومَ - أهل السنّة بمذاهبهم، والشيعةُ بمذاهبهم - بقصدٍ أم بدون قَصْدٍ، يبنون مُعتقداتهم على أحاديثِ الآحاد «الصحيحة، والحسنة لذاتها، والحسنة لغيرها، وأحياناً على الحديث الضعيف» والسلفيّة يثبتون عقائدهم بكلّ ما حسّنه الشيخ الألبانيُّ أيضاً.

ولم تَعُدْ مسألةُ أحاديثِ «المستقبَل وأشراط الساعةِ» من أحاديث الترغيب والترهيب، ولا من أحاديث البُشرى والتنبيه والإنذار.

كما لم تَعُدْ أحاديث فضائلِ الأشخاص والأمكنة؛ من قبيلِ لفتِ الأنظارِ إلى منزلةِ هذا الصحابيّ أو ذاك، ولا من قبيلِ الحثِّ على الاقتداء به، في جانبٍ من الجوانبِ التي تميّز بها.

كلُّ ما سبقَ غدا من العقائد التي يوالي عليها السُنيّ ويعادي!

ومن تلبيساتِ بعضِ علماءِ أهل السنّة على عامّتهم؛ تضخيمُ إساءةِ غيرِ السُنيّ، وتصغير إساءة السنيّ!

فالسنيّ إذا شتمَ الله تعالى، أو الرسولَ، أو القرآن، أو الدين؛ تجد كثيراً جدّاً من علماءِ أهل السنّة يقولون لك: هذه عادةٌ سيّئة، لا يَكفرُ المتلفّظ بها ولا تَطلقُ زوجته، وكلُّ ما على المتلفّظ بذلك؛ الاستغفارُ؛ لأنّ حقوقَ الله تعالى مبنيّةٌ على المسامحة!

أمّا إذا شتمَ الشيعيُّ أبا بكر أو عمر، أو حتى الطليقَ الباغي معاويةَ؛ فتحمرُّ أنوف جميع أهل السنّة، ويكون لديهم الدافع القويّ لقتال ذلك الشيعيّ، بل وقتلِه!

وأقبحُ من هذا التضخيم؛ صورةُ الجمع المَهولة!

فإذا انتقد مسلمٌ من أيّ المذاهب كانَ معاويةَ بن أبي سفيان أو عمرَو بن العاص، أو أيّ صحابيٍّ من الفئةِ الباغيةِ؛ صرخ علماء أهل السنّة وزمجروا: فلان يشتم صحابةَ رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا يقولون: يشتم فلاناً الصحابيّ!

وإذا انتقدتُ أنا أو غيري موقفاً من مواقف أمّ المؤمنين عائشة غفر الله تعالى لها؛ قالوا بحَنَقٍ وغضبٍ: يشتم أمّهاتِ المؤمنين، بينما يكون الرجل لم يشتم ولم يسبّ ولم يلعن!

إنّما قال: عائشةُ خالفت أمر الله تعالى الموجّه إلى نساء الرسول مباشرة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فخرجت من المدينة المنوّرة إلى البصرةِ، تجرّ وراءها جيشاً، لتحارب عليَّ بن أبي طالب، الذي تبغضُه بغضَ العَمى!

ومن أقبحِ التدليس الذي يمارسونه لزيادةِ الحقدِ على الشيعة؛ أنّك إذا وصفتَ عائشة بأنها باغية؛ أوهموا عامّتَهم الجهّالَ أنّك تطعنُ في شرفها وعرضها، وتتهمها بالفاحشة!

لأنّ لفظَ «الباغية»: مؤنّث الباغي، والباغي: هو الخارج على الإمام الشرعيّ، بتأويلٍ سائغٍ عند نفس الباغي.

بينما لفظُ «البَغيّ» خاصٌّ بالمرأة، ويَعني المرأةَ التي تمارس الزنى، وممارستُها هذه تسمّى «البِغاء» وقد جرى هذا التدليس والتلبيس معي شخصيّاً، من بعض علماء العراق!

عايشتُ علماءَ الشيعةِ في العراقِ تسعَ سنين، فلا واللهِ ما سمعتُ واحداً منهم يطعن في عرضِ أمّ المؤمنين عائشةَ، بل إنهم يحرّمون ذلك سرّاً وعلانيةً؛ لأنّ عقيدتهم تقول: إنّ من لوازم عصمةِ الله تعالى لأنبيائه؛ حِفظُ أزواجهم وبناتهم عن الفواحش!

إنّما يشتم الصحابةَ، أو يشتم عائشةَ؛ شرذمةٌ حقيرون قليلون في كلّ بقعةٍ من بقاع الدنيا!

وذاك التشنّج السنيّ كلُّه؛ أثرٌ من آثار النصبِ، الذي كان سائداً لدى أهل السُنة قروناً متطاولة!

ومن أقبح معالم النصبِ ومظاهره؛ بُغض الإمام عليّ عليه السلام، وشتمه!

والمدلّسون من علماءِ أهل السنّة يقولون لعامّتهم: لم يثبت أنّ معاويةَ والأمويّين كانوا يشتمون الإمام عليّاً، مع أنّ هذه المسألةِ من التواتر المتسالَم عليه بين المسلمين أجمعين!

وعن سبّ معاويةَ للإمام عليّ وأمرِه بسبّه؛ أخرج مُسلمٌ في صحيحه، في فضائل عليّ بن أبي طالب (2404) من حديث عامر بن سعدِ، عن أبيه الصحابيّ الجليل سعدِ بن أبي وقّاص قال:

«أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً [انتبه إلى القصّ هنا] فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟

فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ، «وقد» خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ!

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي)؟!

وَسَمِعْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله ُوَرَسُولُهُ).

قَالَ سعدٌ: فَتَطَاوَلْنَا لَها، فَقَالَ: (ادْعُوا لِي عَلِيّاً) فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.

وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَقُلْ: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) دَعا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَحَسَناً وَحُسَيْناً، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي).

وقد لاحظتَ أخي القارئ الكريم جملةَ «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً» والمأمور به محذوفٌ «قصّاً» وتقديره: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً أن يسبّ عليّاً فأبى ذلك، فقال معاويةُ: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ»؟

وقال الحافظ عبدالرحمن ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في رسالته «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص: 24): «بمثل هذه المكيدةِ كان ظلمِ بني مروانَ وأتباعِهم، يستميلون الناس إليهم، وينفِّرون قلوبَهم عن علي بن أبي طالب والحسن والحسين وذريتهم رضي الله عنهم أجمعين.

وبادروا إلى قتاله ديانةً وتقرُّباً ثم إلى قتال أولاده رضوان الله عليهم واجتهد أولئك في إظهار ذلك وإشاعته على المنابر في أيام الجُمَع وغيرها من المجامع العظيمة حتى استقر في قلوب أتباعهم أن الأمر على ما قالوه وأن بني مروان أحق بالأمر من علي وولده لقربهم من عثمان وأخذهم بثأره فتوصلوا بذلك إلى تأليف قلوب الناس عليهم وقتالهم لعلي وولده من بعده ويثبُت بذلك لهم الملك واستوثق لهم الأمر الفرق بين النصيحة والتعيير (ص: 25)

وكان بعضهُم يقول في الخلوة لمن يثق إليه كلاماً معناه: «لم يكن أحدٌ من الصحابة أكفأ عن عثمانَ من عليٍّ».

فيقال له: لِمَ يسبُّونه إذًا؟ فيقول: «إن المُلك لا يقوم إلا بذلك».

ومرادُه: لولا تنفيرُ قلوبِ الناس على عليٍّ وأولادِه، ونسبتُهم إلى ظلم عثمانَ؛ لما مالت قلوبُ الناس إليهم، لما علموه من صفاتهم الجميلة وخصائصهم الجليلة، فكانوا يسرعون إلى متابعتهم ومبايعتهم، فيزول بذلك ملك أمية، وينصرف الناس عن طاعتهم».

وقد تبنّت حكومتنا السوريّة الجديدةُ شعارَ «الدولة الأمويّة» كيداً بالشيعةِ وبغضاً بهم، وحُقّ لها ولنا أن نبغضَ المجرمين الذين قتلونا وشرّدونا من ديارنا.

فأفصحَ النواصبُ الذين كانوا يُخفون نصبَهم عن بواطنهم القذرة، وراحوا ينتقصون من البيت الهاشميّ الأشرفِ في بني البشر، وينالون من الإمام عليّ عليه السلام، فوجَب عليَّ - وأنا ابنُ عليٍّ - أنْ أردّ على هؤلاء السفلة المجرمين؛ بنشر فضائل الإمام عليٍّ، التي ثبتت عندي!

والله المستعان، وعليه التُكلانُ، ولا حولَ ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

والحمد لله على كلّ حال.

 مَسائِلُ فِكْريّةٌ:

أينَ علومُ آل البيت !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب إليّ معرّضاً، وربَما مستخفّاً مستهزئاً، يقول: «قرأتُ لك مرّاتٍ؛ أنّك تَعُدُّ نفسَك من «علماء آل البيت» في الوقت الذي تُهوّنُ من شأنِ تراث آل البيت الروائيّ عند مذاهبِ الشيعةِ كلّها، وهو لا يساوي عندك بصلة!

فمن هم آل البيت الذين أنت فيهم عالم، ومن أيّ المصادر الروائيّةِ تعرّفتَ إلى مذهبهم»؟

أقولُ وبالله التوفيق:

قبل سنتين من مثل هذا الشهر؛ كتبت منشوراً بعنوان «أين علوم آل البيت الصحيحة» ويبدو أنّ السائل جديدٌ على صفحتي، أو ليس متابعاً بدقّةٍ، فسيكون منشوري هذا مكمّلاً لذاك المنشور.

من المعلوم لدى الباحثين من طلبةِ العلمِ خاصّةً؛ أنّ الغالبية العظمى من آل البيت «علماءَ وعامّة» حتى نهاياتِ القرن الخامس الهجريّ، كانوا يتبعون مذهب الإمام زيد بن عليّ، وبعضهم كان يتبع المذهب الجعفريّ، وبعضٌ قليلٌ آخر كان يتبع المذهب الإسماعيليّ. وكانت النصيريّةُ فرقةً مرذولةً مكفّرةً من جميع مذاهب أهل البيت، قبل أن يظهر المذهبُ الدُرزيّ بقرون!

وظلَّ الأشرافُ الزيودُ يحكمون مكّةَ المكرّمة، إلى أنْ سيطرت الدولة العثمانيّة على الحجاز، فانتمى بعضُ حكّام مكّة إلى بعضِ مذاهب أهل السنّة، إلى أنْ أسقطت بريطانيا حكومتَهم بأيدي «وهّابية نجد».

وأنا الفقير وُلدتُ شافعيّاً عام (1949) وظللتُ شافعيّاً حتى العام (1964) عندما وجّهنا شيخُنا الدكتور غسّان حمدون الواعي - عافاه الله تعالى وشفاه - إلى مذهب أبي حنيفة؛ لتتقاربَ آراءُ وأفكار أسرتِنا التي يوجّهها هو من جهة، ولنفيدَ من علوم شيخنا محمّد الحامد، رحمه الله تعالى، من جهةٍ ثانيةٍ، بصفته شيخَ الإخوان المسلمين في مدينةِ حماةَ يومئذٍ!

وفي عام (1970) قرأت على شيخي الشهيد مروان حديد «متنَ أبي شجاع» بشرحه كفاية الأخيار، وقرأتُه على شيخي «محمّد لطفي الفيّومي الحنفيّ» وقرأت عليه متن القُدوريّ.

وفي عام (1973) قرّرت الرجوعَ إلى الأصل، وبدأتُ التوسّع في قراءة المذهب الشافعيّ، على نحوِ ما توسّعت في قراءة المذهب الحنفيّ من قبلُ!

وقد ذكرتُ في كتابي عن «المَهديّ» أنني تعرّفت إلى شابٍّ شيعيٍّ زيديّ، وشابٍّ شيعيّ جعفريّ، في صيف عام (1969) وقبل ذلك التاريخ؛ لم أكن أتردّد في تكفير الشيعة الجعفريّة والشيعة الإسماعيليّة، وكان الزيديّة عندي وعند مشايخي مبتدعةً ضلّالاً، فهل تتوقّعُ من مقلّدٍ غيرَ هذا «السُخام الأليَلِ»!

عندما صحبت شيخنا الكبير حقّاً، السيّد محمد الحافظ التجّاني (1976 - 1977) رحمه الله تعالى، ورضي عنه؛ كَبحَ كثيراً من جماحي، وعدّل من تعصّبي أكثرَ وأكثر، وأفهمني أنّ التكفير «صَنعةُ المفلسين» وكان ممّا كرّره عليّ مرّاتٍ ومرّات، ما معناه: «يا شيخ فيصل: عندما تقول: هذا القول، أو هذا الفعل بدعة، وهذا العالم مبتدع، ماذا تقصد؟

إذا كانت البدعةُ منسوبةً إلى رجلٍ غير عالمٍ؛ فهي بدعةُ ضلالةٍ حقّاً؛ لأنّ العاميّ لا يحقّ له الاجتهاد، حتى يقال: اجتهد فأخطأ!

أمّا العالم القادر على الاجتهاد؛ فالحديث الشريف يقول: إذا أصاب؛ فله أجران، وإذا أخطأ؛ فله أجرٌ واحدٌ!

كيف يكون مأجوراً على اجتهاده، ويكون مبتدعاً ضالّاً، واجتهاده هذا سيقوده إلى النار؟

يعني جدّك علي زين العابدين، اجتهد فكان يصلّي اثنتي عشرة ركعةً، وقيل: ستّ عشرة ركعةً بين العصرين، وقيل: أكثر من ذلك، وهذا لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا نُقل عن أحدٍ من الصحابةِ مواظبتُه عليه، أهو مبتدع؟

وجدّك جعفر الصادق؛ لا يُوقع الطلاقَ البدعيَّ كلّه، ولا يوقع طلاق الغضبان، وطلاق الثلاث في مجلسٍ واحدٍ عنده واحدة، أفكان مبتدعاً ضالّاً، وسيذهب إلى النار؟

وأبو حنيفة عندما اجتهد بمسألة (دَرء الحدّ لمكان العقد) وهي مسألة شنيعةٌ، كان ضالّاً، وسيدخل النار؟

والإمام الشافعيّ عندما قال: (لا حُرمةَ لماء الزنا) وهي مسألة شنيعةٌ أيضاً، أفيكون ضالّاً أيضاً، وسيدخل النار ؟

قلت له: ما ذا نقول إذن؟

قال: إذا اجتهد العالم وأخطأ من وجهة نظرنا؛ فنقول: اجتهد وأخطأ، ونرجو له العفو والمسامحة!

قلت له: وهؤلاء الشيعة «الزيديّة والجعفرية والإسماعيليّة» وتاريخهم أسود مع أهل السنّة، ماذا نقول عنهم؟

قال: يجبُ التفرقة بين ثلاثةِ مستويات من المواقف:

المستوى الأدنى: هو المستوى السياسيّ، وقل عن الساسة ما شئتَ، فكما أنّ حكام أهل السنة لا يَمثّلونهم غالباً، فكذلك هذه الطوائف الثلاثُ؛ لا يُمثّلها حكامها، والحكم على تصرّفات الحاكم؛ مَردّه إلى القضاء، وليس إلينا.

المستوى المتوسّط: جمهورُ الشيعة، الذين نسمّيهم «العوامّ» فهؤلاء مقلّدة مساكين، حسنٌ منهم أنهم يصلّون ويصومون، فما مصلحتنا بتكفيرهم؟

هؤلاء ندعو لهم بأن يرحمهم الله تعالى، فليس كلّ مسلمٍ قادراً أن يكون من أهل العلم!

المستوى الثالث: مستوى العلماء، وطلبةِ العلم - من أمثالنا - فهؤلا الذين يُلامون، أو يُعذرون»!

استغربت كلامَه غايةَ الاستغراب، وقلت له: يا مولانا لم أسمع مثل هذا الكلامِ من قبلُ، وأنا أستغربُه جدّاً، أنا أعلم أنّ هذه الفرقَ الضالّةَ عدوّةٌ لنا، وتكيد لأهل السنّة، وتستبيح دماءَهم؟

قال: الجهل منتشرٌ عند أهل السنّة وعند غيرهم، وأتوقّع أن يكون عند غيرهم أشدَّ وأنكى!

قلت: لماذا تتوقّعون هذا التوقّع سيّدي؟

قال: لأنّ كتبهم تطفح بالروايات الباطلة والموضوعة والغاليةِ غلوّاً فاحشاً، وتعصّبهم الشديد ضدّنا بسبب هذه الكتب المشحونة، وأنا قرأتُ بعض كتبهم الفقهيّة، فوجدت فيها علماً، وإنما تجد الغلوّ والضلالَ في كتب الرواية» انتهى مرادي من كلامه الطويلِ!

وأنا الفقير عداب، نشأتُ في بيئة سنيّة، متعصّبةٍ جدّاً، وليس كما يقول بعض السوريين: إنّهم متسامحون، فهذا غير صحيح أبداً!

نعم يمكن أن يتسامح السوريّون مع المسيحيّ والفاسقِ والفاجر والمغنّي، وبعضهم قد يَتسامحُ مع مَن يشتمَ الله تعالى والرسول والدين، لكنْ أن يكونوا متسامحين مع طوائفِ الشيعة؛ فهذا غيرُ صحيحٍ بتاتاً!

أشهد أنني سمعتُ بعض نسائنا في حيّ «الفراية» يشتمن أولادهّن، وغيرَ أولادهنّ أحياناً بهذه الشتائم:

ألعن أبوك نصيري!

ألعن أبوك درزيّ

ألعن أبوك سمعولي

ألعن أبوك متولّي

ألعن أبوك رافضي!  

ولم أسمع واحدةً تقول تشتم طفلاً بقولها: ألعن أبوك ناصبيّ، أو يزيدي مثلاً!

وهذه اللعناتُ أثرٌ من ثقافةٍ كانت سائدةً في المجتمع السوريّ، تعبّر عن رفضهم لأتباع هذه المذاهب كلّها.

وممّا لا ارتياب به عندي؛ أنّ علوم «آل البيت» لم تَكنْ من اهتماماتِ «علماء أهل السنّة» بتاتاً، وإليك البيان:

عدّ الحافظ الذهبيّ الأئمّة علي زين العابدين، وولدَه محمّداً الباقرَ، وحفيدَه جعفراً الصادقَ من الحفّاظ.

قال في ترجمة الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ، الملقّب بزين العابدين، في كتابه «تذكرة الحفاظ» (1: 60): « قال الزهري ما رأيت أحداً كان أفقه من علي بن الحسين، لكنه قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته، وأحسنهم طاعة.

وقال مالكٌ: بلغني أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعةٍ، إلى أن مات!

قال مالكٌ: وكان يُسمّى زينَ العابدين لعبادته» أكتفي بهاتين الجملتين.

وقال الذهبيّ في ترجمة محمّد الباقر، في تذكرة الحفاظ (1: 94): « أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بَقرَ العلم: يَعني شَقّه فعَلِم أصلَه وخفيَّه.

وقيل: إنه كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة، وعده النسائي وغيره في فقهاء التابعين بالمدينة» وأكتفي بهذا أيضاً.

وقال في ترجمة زيدِ بن عليٍّ الشهيد، في النبلاء (5: 390): « زَيْدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ... كَانَ ذا عِلْمٍ وَجَلاَلَةٍ وَصَلاَحٍ، هَفَا، وَخَرَجَ، فَاسْتُشْهِدَ.

قَالَ عَبَّادٌ الرَّوَاجِنِيُّ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بنُ القَاسِمِ التمّار، قَالَ: دَخَلتُ عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَعِنْدَهُ نَاسٌ مِنَ الرافِضَةِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُم يَبْرَؤُوْنَ مِنْ عَمِّكَ زَيْدٍ.

فَقَالَ: بِرَئَ اللهُ مِمَّنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ، كَانَ وَاللهِ أَقرَأَنا لِكِتَابِ اللهِ، وَأَفْقَهَنَا فِي دِيْنِ اللهِ، وَأَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ، مَا تَرَكَنا وَفِيْنا مِثْلُه».

وقال في ترجمة جعفر الصادق، في التذكرة (1: 125): « جعفر بن محمد بن علي ابن الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي الإمام أبو عبد الله العلوي المدني الصادق: أحد السادة الأعلام، وثقه الشافعي وابن معين، وقال أبو حاتم: ثقة لا يُسأَل عن مثله. وعن صالح بن أبي الأسود قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: سلوني قبل أن تفقدوني؛ فإنه لا يحدثكم أحدٌ بعدي بمثل حديثي.

 وقال هَيّاجُ بن بِسطام: كان جعفر الصادق يُطْعِم حتى لا يُبقي لعياله شيئاً».

  قال الفقيرُ عداب: هؤلاء بعضُ أعلامُ آل البيتِ، بعد جيلِ الصحابة، وهم كما قرأتُم أعلامٌ وسادةٌ وعُبّاد وزهّاد وكرام وفقهاء، فأين علومهم في كتب أهل السنّة؟

سيقولون لك: نقلَها إلينا كذّابو الشيعةِ وضعفاؤهم!!

قل لهم: ولماذا تركتم علومَهم لينقلَها كذّابو الشيعةِ وضعفاؤهم، ولم تنقلوها أنتم، وهم بهذه الفخامةِ من الصفاتِ النبيلةِ، وبهذه الفَقاهةِ الفريدةِ، النادرِ مثلُها في أعلامكم؟

الفقير عدابٌ ليس وحدَه الذي يجهل مذهبَ أجداده «علماء آل البيت» إنما يجهله جميع علماء أهل السنّة المنتسبين إلى آل البيت، بحكم النشأةِ والبيئة التي تشمئزّ إذا ذكرت مسألة لعالم من علماء آل البيت، مما لا يعرفونه من مذاهب أهل السنّة؛ لأنها مسائل شاذّةٌ مستنكرةٌ، لا يجوز الفتوى بها، لأنّ الله تعالى حصرَ الخيريّة في المذاهب الأربعة!

ألم تسمع مئاتِ العلماء يقولون: «لا يجوز الخروج على المذاهب الأربعة»؟

وقد لخّص ابن خلدون نظرةَ أهل السنّةِ إلى مذهب أهل البيت، بهذه الجملة المختصرة الواضحةِ، فقال في مقدمة تاريخه (1: 564): «وشذّ أهلُ البيتِ بمذاهبَ ابتدعوها، وفقهٍ انفردوا به، وبنَوه على مَذهبهم في تَناوُل بعضِ الصّحابةِ بالقَدح، وعلى قولهم بعصمةِ الأئمّةِ، ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي كلّها أصول واهيةٌ، وشذّ بمثل ذلك الخوارجُ، ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جانبَ الإنكار والقَدح.

فلا نَعرفُ شيئاً مِن مذاهبهم، ولا نَروي كتبَهم، ولا أثرَ لشيءٍ منها إلّا في مواطنهم».

قال عداب: جميع شذوذاتِ وأفراد أئمّة أهل السنة؛ يقال عنها: «اجتهاد فقيه، اجتهد فأخطأ» أمّا علماءُ آل البيتِ، من أمثال الأربعةِ الذين ذكرنا؛ فأصحاب شذوذ وأفراد !

وأنا الفقير عداب، إن بحثتُ عن مذهب «أهل البيت» فلا أبحث عنه لأقلّده، فأنا لا أقلّد في ديني سوى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإنما أبحث عن مذهب أهل البيت للعلم والمعرفةِ، والترجيح فيما لا نصّ فيه، أو تعارضت فيه النصوصُ أمامي.

وشَطْرٌ من مذهب آل البيت مدوّنٌ محفوظ في نظري، وهو القَدْر المتّفق عليه بين الزيديّة والجعفريّة والإسماعيليّةِ الأوائل قبل القرن الخامس الهجريّ.

وَجْهُ ذلك عندي؛ أنّ هذه الفرقَ الثلاثَ يكفّر بعضُها بعضاً، وثلاثتُها تزعم أنّ ما هي عليه هو «مذهب أهل البيت» فيكون القدرُ الذي اتّفقوا عليه؛ هو مذهبُ أهل البيت.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 1 مايو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

مناقبُ معاويةَ بن أبي سفيان!؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

لم يعد خافياً على  مطالعٍ لمواقع التواصل الاجتماعيّ؛ أنّ النصبَ ذرّّ قَرنُه ثَمّةَ، ويُخشى من استفحاله، إذْ كثر الذين يَنتقصون آلَ البيت الطاهر عامّةً، والإمامَ عليّاً والإمامَ الحسين - عليهما السلام - خاصّة!

ويُفضّلون طُلقاءَ بني أميّةَ عليهم، ويخترعون لهم مناقبَ وبطولاتٍ ومكارمَ، ليس لهم منها أدنى نصيب!

وإذْ كان عثمانُ بن عفّانَ - رضي الله عنه، وغفر له - صهرَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم؛ فإنّني أُعرضُ عن ذكر أخطائه السياسيّةِ والاجتماعيّةِ، التي كانت سبَبَ بلايا الأمّة، من زمانِه وحتّى يومنا هذا، وربما إلى قيامِ الساعة!

وممّا لا ارتياب فيه عندي؛ أنْ ليس جميعُ بني أميّةَ نواصبَ، وليس جميعُهم فجرةً ظلمةً!

بل كان فيهم أفاضلُ كثيرون، نترحّم عليهم، وندعو لهم بالجنّة.

بيد أنّ الذي تولّى كِبرَ «النَصبِ» في تاريخنا الإسلاميّ، وحاربَ الإمام عليّاً، طمعاً بالملك والزعامةِ وحيازةِ الدنيا؛ هو معاويةُ بن أبي سفيان (ت: 60 هـ).

وقد غالى في معاويةَ كثيرون من جيلِ التابعين، وجعلَه بعضُهم رابعَ الخلفاء، ونفوا أن يكون عليٌّ عليه السلام خليفةً.

وعددٌ من العلماءِ، صنّف كلٌّ منهم جزءاً في فضائلِ معاوية، منهم:

محمّد بن عبدالواحد البغداديّ (ت: 345 هـ).

ويوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القوّاس الزاهد (ت: 385 هـ).

وعبيدُالله بن محمّد أبو القاسم السقطيّ (ت: 406 هـ) وفي مكتبتي نسخةٌ من جزءٍ له في فضائل معاويةَ، جمع فيه اثنين وثلاثين حديثاً، كلّها باطلة!

وأورد الذهبيُّ في ترجمة معاويةَ، من سير أعلام النبلاء (3: 131) أحاديثَ كثيرةً في مناقبه، وقال: «هَذِهِ الأَحَادِيْثُ ظَاهِرَةُ الوَضْعِ، وَيُرْوَى فِي فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ أَشْيَاءُ ضَعِيْفَةٌ تُحْتَمَلُ، مِنْهَا» وذكر عدداً من الأحاديثِ الضعيفةِ، التي تُحتَمَل عنده!       

ونقل عن الحافظ إسحاق بن راهويه (ت: 238 هـ) أنّه قال: «لاَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ».

وقال في موضعٍ آخر من ترجمة معاوية (3: 137): « اعْتَمَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحُسَيْنِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ أَبِي بَكْرٍ، كَلاَمٌ فِي بَيْعَةِ العَهْدِ لِيَزِيْدَ

ثُمَّ قَالَ: إِنِّيْ مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ، فَلاَ تَرُدُّوا عَلَيَّ، أَقْتُلْكُم! [انتبه أخي القارئ]

فَخَطَبَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُم قَدْ بَايَعُوا، وَسَكَتُوا، وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَرَحَلَ عَلَى هَذَا.

وَادَّعَى زِيَاداً أَنَّهُ أَخُوْهُ، فَوَلّاه الكُوْفَةَ بَعْدَ المُغِيْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي حُجْرِ بنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ، وَحَمَلَهُم إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُم مُعاويةُ بِمَرْجِ عَذْرَاءَ».

وفي النبلاء (14: 129) قال الذهبيّ: « وَقَالَ الوَزِيْرُ ابْنُ حِنْزَابَةَ «هو الفضل بْن جَعْفَرٍ، أبو الفتح ابن حِنزابةَ الكاتبُ (ت: 327 هـ) قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُوْسَى المأَمونِيَّ، صَاحِبَ النَّسَائِيّ قَالَ: سَمِعْتُ قَوْماً يُنْكِرُوْنَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ كِتَابَ «الخَصَائِص» لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَتَرْكَهُ تَصْنِيْفَ فَضَائِلِ الشَّيْخَيْنِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَخَلتُ دِمَشْقَ وَالمُنْحَرِفُ بِهَا عَنْ عَلِيٍّ كَثِيرٌ، فَصَنَّفْتُ كِتَابَ «الخَصَائِصِ» رَجَوْتُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعَالَى.

ثُمَّ إِنَّهُ صَنَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ، فَقِيْلَ لَهُ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَلاَ تُخْرِجُ فَضَائِلَ مُعَاوِيَةَ ؟

فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أُخْرِجُ؟ حَدِيْثَ: (اللَّهُمَّ لاَ تُشْبِعْ بَطْنَهُ).

هذه هي حالُ معاويةَ بن أبي سفيان، لا يصحّ في فضله عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم أيُّ حديثٍ، والنواصبُ الأوغادُ يفضّلونه على الإمامِ عليٍّ ناصرِ الدينِ، وعالمِ الأمّةِ، وإمامِ الزاهدين، الذي قال فيه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7: 71):

قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: «لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ؛ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ» عليه السلام!

ختاماً: أجدُ من المناسبِ أنْ أنقلَ حادثةً تُظهِر قسوةَ النصبِ على أهلِ العلمِ، من غير النواصب!

في ترجمةِ أحمد بْن سَعِيد، أبي بكر الطّائيّ الْمَصْرِيّ الكاتب (ت: بعد (313 هـ) من كتابِ تاريخ الإسلام (7: 382) قال الإمام الذهبيّ: « قال أبو سليمانَ بنُ زَبْرٍ: اجتمعتُ أَنَا وعشرةٌ، فيهم أبو بَكْر الطّائيّ يقرأ فضائل عليّ رضي الله عنه في الجامع بدمشق، فوثب إلينا نحوُ المائة من أهل الجامعِ، يُريدون ضربنا، وأخذ شخصٌ بلحيتي.

فجاء بعضُ الشيوخ، وكان قاضياً، فخلّصني، وعلّقوا أبا بَكْر «الطائيّ» فضربوه، وعملوا على سَوْقِهِ إلى الوالي في الخضراء.

فقال لهم أبو بَكْر: يا سادة، إنّما في كتابي فضائل عليّ، وأنا أُخرج لكم غدًا فضائل معاوية أمير المؤمنين، واسمعوا هذه الأبيات الّتي قلتها الآن:

حُبُّ عليّ كلّه ضَرْبُ ... يَرجُف مِن خيفتهِ القلبُ

فمذهبي حبُّ إمام الهُدَى ... يَزيدَ، والدّينُ هُوَ النَّصْبُ

مَن غيرَ هذا قَالَ؛ فهو امرؤٌ ... مخالفٌ، لَيْسَ لَهُ لُبُّ

والنّاسُ مَن يَنْقَدْ لأهوائهم ... يَسْلَمْ، وإلّا فالقَفا نَهبُ».

وأنا الفقير عداب؛ سأعرضُ عليكم جميعَ الأحاديث التي صحّت عندي، في فضل الإمام عليّ، في منشوراتٍ تاليةٍ، إنْ شاء الله تعالى.

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال.