الخميس، 19 مارس 2026

 

مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

صلاةُ العيدِ وصلاةُ الجمعةِ، في يَومِ جُمُعةٍ ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

سألني عدد من الإخوة عن إجزاء صلاة العيد عن صلاة الجمعة، إذا توافقتا في يوم واحد؟

أقول وبالله التوفيق:

لا يخفى على طالب العلم أن الحجة في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول الصحيحة.

صلى الله عليه وآله وسلم.

وإجماع علماء الأمة الإسلامية ليس دليلاً شرعياً، إنما هو كاشف عن الدليل، ظاهراً أو خفيّاً.

أما الإجماع الطائفي العاري عن دليلٍ بعينه؛ فليس بحجة من باب أولى.

إذا قرأت كلامي هذا؛ يسهل عليك استيعاب كلامي الآتي:

أولا: لم يصح أيُّ حديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المسألة، نفياً أم إثباتاً.

وقد رُويت عدّةُ أحاديث مرفوعة، جميعها ضعيفة، ورويت بعضُ آثارٍ موقوفةٍ على الصحابةِ والتابعين، بعضها صحيح الإسناد، وله محامل، كما سيأتي.

وإليك أحسن ما روي من ذلك:

بإسنادي إلى عُبيدِالله بن يحيى الليثيّ قال: أخبرني أبي في الموطأ (431) عن مالك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ في حديثٍ له: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ، وَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ؛ فَلْيَنْتَظِرْها، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ؛ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» ومن حديث الزهريّ عن أبي عُبيدٍ به موقوفاً على عثمان رضي الله عنه؛ أخرجه الشافعيّ في مسنده (501) والبخاري في صحيحه (5573).

وظاهرُ إسنادِ هذا الحديث الصحّة مع الغرابة، بيد أنّني لم أجد في الكتب التسعة بهذا الإسنادِ (الزهريّ عن أبي عُبيدٍ، عن عثمان) سوى هذا الحديث الواحد!

ولم أجد بهذا الإسناد (الزهريّ عن أبي عُبيدٍ، عن عمر رضي الله عنه) سوى طرفِ هذا الحديثِ الأوّلِ نفسه.

ولم أجد بهذا الإسناد (الزهريّ عن أبي عُبيدٍ، عن عليّ عليه السلام) سوى طرفِ هذا الحديث الأخيرِ نفسِه!

ولو صحّ هذا الحديثُ سنداً ومتناً؛ فهو مقيّدٌ بترخيص عثمان لأهل العاليةِ، الذين حضروا لصلاةِ العيد؛ لأنّ عليهم في ذلك مشقّة، فيما يبدو، ولم يرخّص بذلك، لمن كان من أهلِ المدينة، ويبقى هذا اجتهاداً من عثمان، ليس حجّةً شرعية!

وبإسنادي إلى الإمام أبي داود الطيالسيِّ في مسنده (720) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بن يونسَ السبيعيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قالَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: (مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ؛ فَلْيُصَلِّ).

ومن حديث إسرائيل عن عثمان بن المغيرة، به مرفوعاً؛ أخرجه ابن أبي شيبةَ (5846) وأحمد في مسنده (19318) والدارمي (1653) وابن ماجه (1309) وأبو داود (1070) والنسائيّ (1591) وجمع غيرُهم، وهذا إسناد ضعيفٌ؛ لجهالةِ إياس بن أبي رملةَ!

قال أبو الحسن ابن القطّان والذهبيّ وابن حجر: مجهول!

وبإسنادي إلى الإمام محمد بن يزيد ابن ماجه في كتابه السنن (1311) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، فَمَنْ شَاءَ؛ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ، إِنْ شَاءَ الله).

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَحْوَهُ.

وأخرج أبو داود في سننه حديثَ أبي هريرة (1073) من حديث بقيّة بن الوليدِ عن شعبةَ به، ولفظه: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ؛ أَجْزَأَهُ «العيدُ» مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ) قَالَ عُمَرُ بنُ حفصٍ الوصابيُّ: حدّنا بقيّةُ عَنْ شُعْبَةَ».

وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث، في كتابه «العلل» (10: 215) فسردَ أوجه الخلافِ فيه، ثم ختم بقوله: «وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَزَائِدَةُ، وَشَرِيكٌ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَأَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفِيعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُرْسَلًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ».

وأورد ابن عبدالبَرّ هذا الحديث في «التمهيد» (10: 273) وقال: «هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ فِيمَا - عَلِمْتُ - عَنْ شُعْبَةَ أَحَدٌ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ!

وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي شُعْبَةَ أَصْلاً.

وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهَا كَلَامٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُضَعِّفُونَ بَقِيَّةَ عَنِ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَهُ مَنَاكِيرُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ».

وقال ابن الجوزي في العلل (1: 473): «قَالَ أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُرْسَلاً، وَتَعَجَّبَ مِنْ بَقِيَّةَ، كَيْفَ رَفَعَهُ»؟! وَقَدْ كَانَ بَقِيَّةُ يَرْوِي عَنِ الضُّعَفَاءِ وَيُدَلِّسُ».

وأورد ابن القطّان الفاسي هذا الحديث في «الوهم والإيهام» (4: 163) مستنكراً سكوت عبدالحقّ عليه، وقال: «إِنَّمَا يرويهِ بَقِيَّة بن الْوَلِيد، وَبَقِيَّةُ مَن قَد عُلِمَتْ حَالُه ونَكارةُ حَدِيثه».

ثانيا: ليس في دين الإسلام شيء اسمه (سنة الراشدين) ولا (سنة الشيخين) ولا (قول المعصوم) فالمعصوم هو الرسول وحده، صلّى الله عليه وآله وسلم.

ثالثا: أقوال الصحابة رضي الله عنهم وأفعالهم؛ ليست حججا شرعية، إلا إذا أجمعوا.

فسواء صح عن هذا الصحابي شيء، أم لم يصح؛ فلا يدخل قوله وفعله في الدين.

ويتأكّد هذا إذا لم يكن ذاك الصحابيُّ من الفقهاء!

فأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمرو بن العاص، إذا صح عن أحدهم فتوى؛ فليست ملزمة لغيرهم.

ثالثا: إن صلاة العيد سنة مؤكدة عند جمهور العلماء.

أما صلاة الجمعة؛ فهي فرض على الأعيان، ولها خصوصيّةٌ فريدةٌ، إذ سُمّيت سورة باسمها (سورة الجمعة).

 يقول فيها الله تبارك وتعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَذَرُوا الْبَيْعَ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9).

فلا يُعقَلُ أبداً أن نُفتي من صلّى ركعتين نافلةً؛ بأنهما أجزأتاه عن فريضة عينيّة محتّمة!

رابعا: من أفتى بإجزاء صلاة العيدِ عن صلاةِ الجمعة لمن شاء، كالحنابلة؛ فلأنهم صححوا بعضَ الآثار الموقوفة عن بَعضِ الصحابة.

ومن مذهب الإمام أحمد؛ أنه لا يحب أن يخالف صحابيا، كما يقول.

 

والفقير لا يرى هذا الرأي، ولا يرى الحجة إلا بقول الرسول أو فعله الثابتينِ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.

فإذا كان يشق على البدو، أو المرضى، أو كبار السن؛ أن يُصلّوا العيدَ ضُحىً، والجمعةَ ظُهراً في يوم واحد؛ فليتخلفوا عن أداء صلاة العيد في المساجد، وليصلوها في بيوتهم، أو لا يُصلوها أصلاً، إذا كان فيها مشقة عليهم.

 وليؤدوا صلاة الجمعة في المساجد الجامعة.

 لأنّ ترك سنّةٍ - حتى لو كانت مؤكّدةً ومن الشعائر - أيسر بكثيرٍ عند الله تعالى من ترك فريضةٍ عينيّةٍ من أجل سُنّة!

قال الفقيه أبو الوليد ابن رشد، في «بداية المجتهد» (1: 230):

«اخْتَلَفُوا إِذَا اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ، هَلْ يُجْزِئُ الْعِيدُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟

فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ الْعِيدُ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «بعد أداء صلاةِ العيد» إِلَّا الْعَصْرُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعن عَلِيٍّ «عليه السلام».

وَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ رُخْصَةٌ لِأَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ يَرِدُونَ الْأَمْصَارَ لِلْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ خَاصَّةً، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ خَطَبَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ فَقَالَ: (مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ)

وَروي نَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ فَالْمُكَلَّفُ مُخَاطِبٌ بِهِمَا جَمِيعًا: الْعِيدُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالْجُمُعَةُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَلَا يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ.

وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

وَمَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ؛ فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأُصُولِ كُلَّ الْخُرُوجِ.

وَأَمَّا إِسْقَاطُ فَرْضِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلَهُ لِمَكَانِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَخَارِجٌ عَنِ الْأُصُولِ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ».

وقد طوّل الإمام المحدّث الفقيه أبو بكر ابنُ المنذر النيسابوري، في كتابه «الأوسط» (4: 291) في معالجة هذه المسألة، وكان مما قال: «أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ لَيْسَتْ مِنَ الْخَمْسِ.

وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لَيْسَتْ مِنَ الْخَمْسِ.

وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ، لَمْ يَجُزْ تَرْكُ فَرْضٍ بِتَطَوُّعٍ»

خِتاماً: أرى أنّ الجِدالَ في مسائلِ الخلافِ، لا يُجدي لدى المقلّدةِ شيئاً؛ لأنّ المقلّد يعتقد بإمامه الأعلميّةَ، وإلّا ما قلّده، خاصّةً عند من يرى قولَ الصحابيّ وفعله حجّة!

بيد أنْ يأتي أناسٌ يدّعون أنّ هذا هو السنّةُ؛ فهو كذبٌ على رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلى سنّته.

قصارى المسألةِ - عند مَن يقول بها - أنّها رخصةٌ رخّص بها عثمانُ رضي الله عنه ومَن تابَعه للبدوِ وسكّان العوالي، وكانت بعيدةً عن المدينة في تلك الأيّام.

وهذا لا ينطبق على أهل الحواضرِ في عصرنا، حيث المساجد منتشرة في كلّ حيٍّ من أحياء المدن، وما أكثر المواصلاتِ في البلاد!

والورعُ والتقوى تقودان إلى الاحتياط في الدين، وليس إلى التماسِ الأيسر والأسهل!

وأعيذُ بالله إخواني المسلمين؛ أن يكون هدفُ أحدهم «خالفْ لتتميّز»!

والله تعالى أعلم.

هذا... وصلّى الله على رسولنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً وبارك.

والحمد لله على كل حال.

(منشور معادٌ للحاجة إليه)

 اجتماعيات:

تَهانينا .. تَهانينا!

بمناسبةِ قدومِ عيدِ الفطر المبارك!؟

تَهانينا.. تَهانينا

تَمامُ الصوْم؛ حادينا

بصَوْمِ الشَهر طَهّرَنا

مِن الآثامِ بارينا

هنيئاً للأُولى قاموا

لياليَه مُساكينا

لنا مِن صَومِنا بابٌ

هو الريّانُ يكفينا

فيَكفينا ويُغنينا

ويُسعدنا ويُرضينا

وجاءَ العيدُ بالبشرى

فبُشراكُم أَمانينا

على رُغمِ الأسى جودوا

بِفرْحٍ غامرٍ حينا

تَناسَوا حُزنَنا يوماً

دَوامُ الحُزْنِ يؤذينا

ويُرهقُنا ويُتعبنا

ويُشقينا ويُذوينا

وحيناً واصِلوا قوماً ً

بإحسانٍ؛ يُجازينا

صِلوا الأرحامَ من كرمٍ

ولُطفٍ ظاهرٍ، دينا 

ولا تَنْسَوا صِغارَكم

بلهوٍ ليس يُنسينا

تَهادَوا بينكم حَلْوى

وفي الأعيادِ زورونا

وحمدَ الله لا تَنَسوا

على الإيمانِ عشرينا

وخمسيناً وسبعينا

بمجلسِكم وتسعينا

وصلّوا دائماً أبداً

على المختار هادينا

وآلِ البيت مِنْ حبٍّ

وأصحابٍ مَيامينا

ولاتَنْسَوا خُويدِمَكم

مِن الدعواتِ، راضينا

لكم مني تحيّاتي

وحُبٌ فيه يَشْفينا

وكلّ عامٍ وأنتم بخير

وكلّ ساعةٍ وأنتم إلى الله أقرب

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والحمد لله رب العالمين

الأحد، 8 مارس 2026

  مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

هَلْ بلادُ العربِ دارُ إسلامٍ ؟!

أَعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرَجيمِ... بسم الله الرحمن الرحيم

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً).

أمّا بعدُ: من المعلومِ لدى طلبةِ العلمِ؛ أنّ مواطنَ أهل الإسلامِ بالمعنى الأعمّ؛ ليست داراً واحدةً، هي دار الإسلام، إنّما هي ديارٌ متعدّدةٌ، كلّ بقعةٍ منها تحملُ لوناً من الإسلامِ، يختلفُ في قليلٍ أو كثيرٍ عن الدار الأخرى.

والجامعُ بين ديارِ أهل الإسلامِ جميعهم: (الإيمان باللهِ، وملائكتهِ، وكتبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر) فأهل السنّة بمذاهبهم، والشيعةُ بفرقهم، والخوارجُ بمدارسهم؛ يجمعون على هذه العقائدِ الكليّةِ، ثمّ يختلفون.

ويُجمعُ علماءُ ديارِ أهل الإسلام على مَشروعيّةِ الطهارةِ والأذان والإقامةِ، وعلى الوجوب العينيّ للصلاةِ والزكاةِ وصيام رمضان، وحجّ البيتِ، لمن استطاع إليه سبيلاً، ثمّ يختلفون.

وقد قلتُ مرّاتٍ كثيرةً، وأقول: ليس هناك فرقةٌ بعينِها، ولا طائفةٌ بعينها، ولا مذهبٌ بعينه، يحتكِرُ الحقَّ كلَّه، فليس أهل السنّةِ مذهباً واحداً، وليست مذاهبهم هي (الفرقة الناجية) أو (الطائفة المنصورة) أو أنّها هي الأمّة، كما يتفلسفُ بعضهم، في هذه الأيّام النَحِسات!

أهل السنّة يتوزّعون على المذاهب العقديّة المتباينة: الأشاعرةِ والماتريدية والحنابلة والوهّابيّة والصوفيّة، وهم أحزابٌ شتّى!

الأشاعرة مئات الملايين.

الماتريدية مئات الملايين.

الصوفيّة بمدارسهم المعتدلةِ والمغاليةِ مئات الملايين.

الحنابلة عشراتُ الملايين.

الوهّابية عشراتُ الملايين.

الظاهريّة ملايين قليلة!

وكلّ أمّةٍ من هذه الأمم لها اجتهاداتُها الخاصّةُ التي تُكَفّر بها غيرَها، أو يكفّرُها بها غيرُها من أهلِ السنّةِ أنفسهم.

نعم الأشاعرةُ والماتريديّة، منذ سيطر العثمانيون على بلادِ العربِ؛ جعلوا بينهم تفاهماتٍ يُبرزونها للعامّةِ، وتركوا الخلافيّات التي يكفّر بعضُهم بها بعضاً داخل الكتب والمصنّفات، وهذا شيءٌ حسن!

وقلتُ مرّاتٍ كثيرةً وأقول: إنّ أهل السنّة - من الأشاعرةِ والماتريديّة - هم أكثرُ فرق الإسلام صواباً، في اجتهادي الشخصيّ، لكنهم لا يحتكرون الصوابَ كلَّه.

فإذا نحن عدَدنا تاريخ (1909م) وهو تاريخ انتهاء الدولةِ العثمانيّة، أو الخلافة العثمانية فعليّاً؛ فما توصيفُ دِيارِ بلادِ العربِ، بعد هذا التاريخ؟

وفق اجتهادِ أهل السنّة «الأشاعرة والماتريديّة».

هناك دار إسلام؛ هي الديار التي تسود فيها مذاهب الأشاعرة والماتريدية.

وهناك دار بدعة، وهي الديار التي تسود فيها المذاهب البِدعيّةُ في نظرهم:

الديار التي يسود فيها المذهب الوهّابيّ «الحنبليّ».

والديار التي يسود فيها المذهب الشيعيّ الزيديّ.

والديار التي يسود فيها المذهب الجعفريّ الاثني عشريّ.

والديار التي يسود فيها المذهب الإباضيّ.

فهذه  الديارُ كلّها ديارُ بدعةٍ عند أهل السنّة!

وأهل السنّة عَمليّاً لا يفرّقون بين الحاكم العالم المجتهد، وبين الحاكم الجاهل القاتلِ المتغلّب، من جهةِ نَفاذِ أحكامه ومشروعيّتها.

إذْ هم يفخرون بـــ«الخلافة العثمانيّة» ويعدّونها حاميةَ حمى الإسلام، ويرون حكّامَها شرعيين، وأحكامَهم شرعيّةً أيضاً، مع أنّ أكثرَ سلاطين بني عثمان لم يكونوا من أهل العلم، ولم يكونوا من أهل الالتزام بتعاليم الإسلام.

كما يفتخر جماهير المسلمين «السُنّة» في مصر المحروسةِ بالرئيس جمال عبدالناصرّ، وهو رجل ظالم قاتل جاهل، عديم الالتزام الدينيّ!

وجماهير المسلمين «السُنّة» في سوريّا يفتخرون بالرئيس شكري القوّتلي، والرئيس خالد العظم، والرئيس أديب الشيشكليّ، ولم يكن واحدٌ من هؤلاء الرؤساء من أهل العلم الشرعيّ، ولا من أهل الدين!

فنحن أمامَ إسلاميّ سنيٍّ خاصٍّ في البلاد العربيّة؛ هو (دينُ العباداتِ والأخلاق الإسلاميةِ) الاختياريّة، فهم لا يحبّون الإلزامَ أبداً، ولا يحبّون تطبيقَ العقوبات والحدودَ الشرعيّة البتّةَ!

أمّا إسلامُ الحكم بما أنزل الله تعالى؛ فهو بعيدٌ عن ديار العربِ منذ ألف سنة على أقلّ تقدير.

فإذا نحن أردنا أن نصنّفَ بلادَ العرب التي تدين الله تعالى بالمذهب الأشعريّ والماتريديّ - على نحو هذا الإسلام السنيّ الخاصّ - فماذا نصنّفها، والقوانين والتشريعات التي تحكمها مستوردةٌ من خارج ديار المسلمين؟

حاول الإمام الجوينيّ في كتابه «الغياثيّ» أن يعالجَ  أمثال هذه القضايا، وصنع نحوه الماورديّ وأبو يعلى وابن تيميّة وابنُ قيّم الجوزيّةِ وغيرُهم!

لكنّ جميع أعمالَهم العلميّة تلك؛ لا تزيدُ عن كونِها تشريعاتٍ لضروراتٍ!

لذلك نقول لأولئك الذين يشتمون ويتنقّصون ويتّهموننا بما تشتهي أنفسُهم:

على رِسلِكم، ليست المسألة ما تتخيّلون بجهلكم، هي أبعدُ من ذلك بكثيرٍ، وجماهير المسلمين من أهل السنة وغيرهم؛ أقربُ إلى العلمانيّةِ منهم إلى الإسلام الصحيح.

في ظلّ هذه المعطياتِ الحقيقيّةِ الواقعيّةِ، كيف يجوزُ لنا تكفيرُ هذه الفرقةِ، وتصويب تلك الفرقة الأخرى، وجميع ديار الإسلام؛ غير محكومةٍ بالإسلامِ الذي جاء به الرسولُ محمّد بن عبدالله، صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم؟

والحمدُ لله على كلّ حال.

الجمعة، 6 مارس 2026

       مَسائِلُ فكريّةٌ:

لماذا لا تُبغِضُ الروافضَ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

قرأتُ لعددٍ من كتّاب «الفيسبوك» بعضُهم من حملة الدكتوراه في الشريعة الإسلاميّة، وجدتُهم يرسلون الافتراءاتِ إلى مَن يخالفُهم الرأيَ، ويكيلون له الاتّهاماتِ الباطلةَ، بل ويطعن بعضهم بعقيدته ودينه وشرفه!

وجدتهم يخلطونَ بين القواعدِ الإسلاميّةِ الكليّةِ، وبين فقه الجُزئيّاتِ والنوازلِ، كما يخلطون بين تلك الجزئيّات ومواقفهم المصلحيّةِ الحاليّةِ والمستقبليّة!

من القواعدِ الإسلاميّةِ الكليّةِ موالاةُ المسلمين على قدر قُربهم من الإسلام، وبعدهم عنه.

ومعاداةُ الكافرين على قَدْر قُربهم من أذى المسلمين، وبعدهم عنه.

(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (22) [المجادلة].

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (72) [الأنفال].

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) [الأنفال].

هذه قاعدةٌ إسلاميّة كليّةٌ، لا يجوز لأيّ باحثٍ مسلمٍ جهلُها، أو إغفالُها عند تصديره فتوى شرعيّة، أو موقفٍ إسلاميّ!

وعلماء المسلمين قاطبةً يفرّقون بين القولِ أو العملِ الكُفريِّ، وبين تكفير المتلبّس به، فقد يَتَلازَمان، وقد يفترقان!

كان الإمام أحمدُ ابن حنبلَ أكبرَ القائلين بتكفير القائل بــ(خلق القرآن الكريم) وكان في الوقت ذاتِه يدعو للخليفة العبّاسي المأمون، الذي كان يأمر بجلده وتعذيبه!

والشيعةُ هم الشيعةُ قديماً وحديثاً، شأنهم شأنْ بقيّة أمّة الإسلام (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ).

هناك شيعيٌّ صالحٌ تقيٌّ وروعٌ.

وهناك شيعيٌّ متوسّط الورعِ، ملتزمٌ شرائع الإسلام.

وهناك ظالم لنفسه، بارتكابه كثيراً أو قليلاً من المعاصي.

هناك شيعيٌّ يفضّل الإمامَ عليّاً على سائر أصحاب الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويراه أولى بخلافةِ المسلمين، بعد الرسول مباشرة، وأَقدرَ على تبعاتها!

لكنّه لا يُكفّر ولا يفسّق ولا يضلّل الخلفاء الثلاثةَ السابقين على الإمام عليّ، رضي الله عنهم، إنّما يراهم مخطئين في بعض ما ذهبوا إليه من اجتهاداتٍ.

لكنَّ هذا الشيعيَّ يعتمد في ثقافته وعلمه على مصادر أهل السنّة والجماعة، وخاصّةً القرآن الكريم، والكتب الأصول (صحاح البخاريّ ومسلمٌ وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبّان).

هذا الشيعيُّ لا يقيم وزناً علميّاً لمسندِ الإمامِ زيد بن عليّ، ولا لكتب الجعفريّة الأربعة، ولا لكتبهم الثقافيّة الأخرى.

وهناك رافضيٌّ يُبغِضُ الخلفاءَ الراشدين الثلاثةَ وبقيّة العشرة، وربما يكفرهم، ويعتمد كتب الرافضة الأربعة (الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار) وهي كتبٌ ساقطةٌ في نظر علماء الحديث، وأنا منهم!

ذاك الرافضيّ يقول: بالنصّ والتعيين والعصمة والولاية وانحصار الإمامة في ذريّة الحسين، ويقول بالبداء والرجعة وولادةِ المهديّ.

هذا المذهبُ ليس هو تشيّعَ آلِ البيتِ حتماً، إنّما هو الرفض التامّ، وهو مذهبٌ بغيضٌ إليَّ، لا أنتمي إليه ولا أحبُّه، ولا أرجو له الانتصار على بقيّة مذاهب المسلمين، لا بالدعوة والإعلام، ولا بالسيف والإجرام.

وأرى رؤساءَ وقادةَ هذا المذهب الرافضيَّ مجرمين قتلَة، لا يجوز لمسلم أن يناصرهم في عداوتهم لأمّةِ الإسلام، حتى لو قاموا بنصرة أهل فلسطين، وأمدّوهم بالمال والسلاح، فهذا جانب حسنٌ، يقابلُه جوانبُ أخرى كثيرةٌ من السوء والباطل.

أمّا الشعب المسلم الرافضيّ - ما عدا قادته الدينيين والسياسيين والعسكريين - فهو شعبٌ جاهلٌ، كسائر شعوب الأمّة الإسلاميّةِ، نشأ في هذه البيئةِ، ولا يعرف سوى مذهبها الدينيّ وثقافتها، فماذا يصنع؟

أنا شخصيّاً لا أُبغِضُ هذا الشعبَ بتاتاً، وقد عشتُ بينهم في العراق تسع سنواتٍ، لم يعاملوني إلّا بأكرمَ وأفضلَ من معاملةِ كثيرٍ من أهل السنّةِ هناك!

لكنني أُشفق عليهم من اعتناقِ هذا المذهبِ الباطلِ، الذي لا أظنّ الله تعالى يَعذُرُ مَن يَعتنقه، ولا أراه مذهباً ينجي يومَ القيامةِ بتاتاً.

ها هنا يَبرُزُ فهم الشيخ أحمدَ ابن تيمية «رحمه الله تعالى» لكلّيات الإسلام، فَيُظهِر الفرقَ بين المسلمين السنّة، والمسلمين الروافضِ، في منظومةٍ من الكلام التأصيليّ البديع!

قال في كتاب منهاج السنّة (6: 374): «الرَّافِضَةُ يُعَاوِنُونَ  الْكُفَّارَ، وَيَنْصُرُونَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَدْ شَاهَدَهُ النَّاسُ، لَمَّا دَخَلَ «هُولَاكُو» مَلِكُ الْكُفَّارِ التُّرْكِ الشَّامَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ الَّذِينَ كَانُوا بِـــ«الشَّامِ» بِالْمَدَائِنِ وَالْعَوَاصِمِ، مِنْ أَهْلِ حَلَبَ وَمَا حَوْلَهَا، وَمِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهَا، وَغَيْرَهُمْ؛ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا عَلَى إِقَامَةِ مُلْكِهِ «هولاكو» وَتَنْفِيذِ أَمْرِهِ فِي زَوَالِ مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ.

وَهَكَذَا يَعْرِفُ النَّاسُ - عَامَّةً وَخَاصَّةً - مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ لَمَّا قَدِمَ «هُولَاكُو» إِلَى الْعِرَاقِ، وَقَتَلَ الْخَلِيفَةَ «العبّاسيّ» وَسَفَكَ فِيهَا مِنَ الدِّمَاءِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ، فَكَانَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ - ابْنَ الْعَلْقَمِيِّ وَالرَّافِضَةَ - هُمْ بِطَانَتَهُ، الَّذِينَ أَعَانُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ، بَاطِنَةٍ وَظَاهِرَةٍ، يَطُولُ وَصْفُهَا، وَهَكَذَا ذُكِرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ جِنْكِزْخَانْ.

وَقَدْ رَآهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِسَوَاحِلِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا، إِذَا اقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى؛ هَوَاهُمْ مَعَ النَّصَارَى، يَنْصُرُونَهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَيَكْرَهُونَ فَتْحَ مَدَائِنِهِمْ، كَمَا كَرِهُوا فَتْحَ

عَكَّا وَغَيْرِهَا، وَيَخْتَارُونَ إِدَالَتَهُمْ «نُصرتَهم» عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

 حَتَّى إنَّهُمْ لَمَّا انْكَسَرَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ «سَنَةَ غَازَانَ» سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَخَلَتِ الشَّامُ مِنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ عَاثُوا فِي الْبِلَادِ، وَسَعَوْا فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَسَادِ، مِنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَحَمْلِ رَايَةِ الصَّلِيبِ، وَتَفْضِيلِ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَحَمْلِ السَّبْيِ وَالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّصَارَى، أَهْلِ الْحَرْبِ بِقُبْرُسَ وَغَيْرِهَا.

فَهَذَا - وَأَمْثَالُهُ - قَدْ عَايَنَهُ النَّاسُ، وَتَوَاتَرَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُعَايِنْهُ، وَلَوْ ذَكَرْتُ أَنَا مَا سَمِعْتُهُ وَرَأَيْتُهُ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ؛ لَطَالَ الْكِتَابُ، وَعِنْدَ غَيْرِي مِنْ أَخْبَارِ ذَلِكَ وَتَفَاصِيلِهِ؛ مَا لَا أَعْلَمُهُ.

فَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ، مِنْ مُعَاوَنَتِهِمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ اخْتِيَارِهِمْ «ظُهُورَ» الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.

وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ «أهلَ السُنّةِ» ظَلَمَةٌ فَسَقَةٌ، وَمُظْهِرُونَ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ سَبِّ «عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ» لَكَانَ على الْعَاقِلِ «من الرافضةِ وغيرهِم» أنْ يَنْظُرَ فِي خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ وَشَرِّ الشَّرَّيْنِ».

[ها هنا انتبه جيّداً أخي الكريم]:

«أَلَا تَرَى أَنَّ «أَهْلَ السُّنَّةِ» - وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ - لَكِنّهم لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ «ظُهُورَ» الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ، عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ!

وَالرَّافِضَةُ إِذَا تَمَكَّنُوا؛ لَا يَتَّقُونَ، وَانْظُرْ مَا حَصَلَ لَهُمْ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ «خَدَابَنْدَا» الَّذِي صَنِّفَ لَهُ «ابنُ المُطهّر الحليُّ» هَذَا الْكِتَابَ «منهاج الكرامة» كَيْفَ ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الشَّرِّ، الَّذِي لَوْ دَامَ وَقَوِيَ؛ أَبْطَلُوا بِهِ عَامَّةَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ!

لَكِنْ (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) [التوبة].

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّافِضِيَّ يُوَالِي أُولَئِكَ الرَّافِضَةَ، وَيُعَادِي الصَّحَابَةَ «رضي اللهُ عنهم» فَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ شَرِّ مَنْ أَعْمَى اللهُ بَصِيرَتَهُ؟

(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ، وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحجّ].  

خِتاماً: أنا لا أدعو أهلَ السنّةِ - بمذاهبهم وأحزابهم - إلى نُصرةِ الرافضةِ في إيران؛ لأنّ هذا تعدٍّ في الطلب، إنّما أدعوهم إلى أن لا يفقدوا بَوصلة «الولاء والبراء» الإيمانيّةَ القلبيّةَ، إذْ إنّهم بفقدها يحقّقون أموراً شرّيرةً ثلاثة:

الأوّل: أنّ الكافر الأصليّ يَطمئنُّ ويأمنُ إلى أنّ ملياراً ونصف مليارِ مسلمٍ خارج دائرةِ حربه!

والثاني: أنهم يغضبون المسلمين الشيعةَ والرافضةَ، ويزيدون من عداوتهم إيّاهم.

والثالث، والأهمّ: أنّهم نَصَروا - ولو نصراً معنويّاً - أعداءَ الإسلامِ على أتباع بدعٍ غليظةٍ من قومٍ مسلمين، وهذا يغضب الله تعالى حتماً، وينقض قاعدة (موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين).

أرجو أن أكونَ وُفّقتُ في بيان ما أصبو إليه من المقالاتِ الخمسِ الماضية الأخيرة.

وسأسكت سكوتاً تامّاً - بعد هذا البيان - حتى تَنتهي هذه الحرب الظالمة، مُكتفياً بالدعاء:

أن ينصرَ الله العزيزُ القديرُ الإسلامَ وأهلَه، وأن يذلَّ الباطل وأهلَه، متبرّئاً إلى الله تعالى من كلّ نظام ينصر الكافرين على المسلمين.

والحمد لله على كلّ حال.

الخميس، 5 مارس 2026

 مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

عَددُ ركَعاتِ صلاةِ التراويح؟!

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) [المُزّمل].
أمّا بعد: يَعرف العبدُ الفقير «عدابٌ» مذاهبَ أهل الإسلامِ في حُكمِ صلاةِ التراويحِ، ما بين البدعةِ والسنّةِ المؤكّدة!
ولو كنتُ حاكماً في بلدٍ من البلدان، أو كنتَ وزيرَ أوقافٍ مُفوّضٍ؛ لخصصت في كلِّ مدينةٍ من مدن الإسلامِ مسجداً، تُفتَحُ أبوابُه على مدار الساعةِ للعبادة!
وجَعلتُ له موارِدَ خاصّةً للمطعَم والملبس والمسكن، كِفاءَ أن يقومَ روّادُ هذه المساجد بالأعمال الآتية: قيام الليلِ (التراويح) و(التهجُّد) و(تلاوة القرآن الكريم) و(ذِكر الله تعالى) بأذكار واردةٍ في القرآن الكريم حصراً.
بهؤلاء العُبّادِ والذاكرين؛ يبسطُ الله تعالى رحمتَه على العبادِ، ويَغمرهم ببركات السماء، ويخرج لهم من بركات الأرض!
قال نوحٌ نبيُّ الله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) [سورة نوح].

وإنّي أرى مسألةَ «البدعة» ضُخّمت كثيراً في تاريخنا العلميّ والسلوكيّ، حتى إنّ لبعضِ العلماءِ في تعيين مفهومها أقوالاً متعدّدةً، وكأنها من الألغاز!

قال الله تبارك وتعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ.
وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) [انتبه].
(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.
«ما ابتدعوها»

(إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها.
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) [الحديد].
هؤلاء قومٌ [ابتدعوا] منهاجَ حياةٍ «الرهبانيّة» ابتغاء مرضاةِ اللهِ في ظنّهم، والرغبةُ في رضا الله تعالى؛ شأنُ كلّ مسلمٍ يرغبُ في مزيد طاعةٍ للهِ تبارك وتعالى، ولا يُظنّ بمسلمٍ أنّه يرغب بعصيان الله ومخالفتِه وهو عابد!
فهل حكمَ عليهم بالضلال والكفرِ، أوأدخلهم الله تعالى جهنّم، كما يفعل جهّال الأعراب ومقلّدوهم؟

إنّهم ابتدعوا بدعةً سكت الشارع الحكيم عنها، بنيّةِ التقرّب إلى الله، فآتى المخلصينَ منهم أجرهم، وذمّ منهم الفاسقين!

ومسألةُ صلاةِ التراويحِ؛ لم يُداوم الرسولُ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم عليها، خشيةَ أنْ تُفرَضَ على أمّته، فهي من المندوباتِ، التي ينبغي أنْ لا يتنازَع المسلمون حِيالها أصلاً.

صلّها في البيت، صلّها في المسجد، صلّها في الفلاةِ، أو لا تُصلّها من أصلِها!

شأنُها شأنُ كلِّ نافلةٍ، إنْ أنت قُمت بها محتسباً؛ أثابَك الله تعالى عليها.

وإنْ أنتَ تركتَها غيرَ معرضٍ عن سنّة الرسولِ؛ فلن يسألَك الله تعالى يومَ القيامةِ عن تركك إيّاها.

 في أيّام الشبابِ، كنّا نسافر من حماةَ إلى دمشقَ؛ لنُصلّي التراويحَ في غرفةِ رأس الإمام الحسين في الجامع الأمويّ، وراء شيخِنا حُسين خطّاب رحمه الله تعالى، وكان يقرأ في كلِّ يومٍ جُزؤاً من أجزاء القرآن الكريم، بروايةٍ من الروايات القرآنية.

بينما كان بعض مشايخنا في حماة، يصلّون بالناس التراويحَ، وكأنها عبءٌ ثقيلٌ، يَجهدون في إزاحتِه عن كواهلهم.

يَقرأ أحدُهم في الركعة الأولى الفاتحةَ بنَفَسٍ واحدٍ، كأنّه في حلبة سباقٍ!

ثم يتلو بعدها، من دون أيّ فاصلٍ: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) ثم يركع!

ويقرأ في الركعة الثانية الفاتحة، ثم يتلو: (مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) ثم يركع!

وإذْ إنّ أكثرَ الذين يجادلون في مسألة «البدعة» هم الحنابلةُ «الوهّابيّون» فإنّ إمامَهم الشيخ أحمدُ ابن تيميةَ - رحمه الله تعالى - يقول في الفتاوى الكبرى (2: 119):

«إِنَّ نَفْسَ قِيَامِ رَمَضَانَ؛ لَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ عَدَدًا مُعَيَّنًا؛ بَلْ كَانَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، لَكِنْ كَانَ يُطِيلُ الرَّكَعَاتِ. فَلَمَّا جَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، وَكَانَ يُخِفِّفُ الْقِرَاءَةَ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنْ الرَّكَعَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ مِنْ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ.

ثُمَّ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَقُومُونَ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَآخَرُونَ قَامُوا بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَأَوْتَرُوا بِثَلَاثٍ، وَهَذَا كُلُّهُ سَائِغٌ، فَكَيْفَمَا قَامَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، فَقَدْ أَحْسَنَ...

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَدٌ مُوَقَّتٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ».
وقال في منهاج السُنّة النبويّة (8: 308): «لَوْ كَانَ «أداءُ صلاةِ التراويحِ» قَبِيحًا مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ لَكَانَ عَلِيٌّ «عليه السلامُ» أَبْطَلَهُ، لَمَّا صَارَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ.

فَلَمَّا كَانَ جَارِياً فِي ذَلِكَ مَجْرَى عُمَرَ «رضي الله عنه» دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ.

بَلْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «نَوَّرَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ قَبْرَهُ؛ كَمَا نَوَّرَ عَلَيْنَا مَسَاجِدَنَا».

وَعَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّ عَلِيّاً دَعا الْقُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَكَانَ عَلِيٌّ يُوتِرُ بِهِمْ».

خِتاماً: إصرارُ الوهّابية على صلاةِ ثماني ركعاتٍ، أو عشر ركعاتٍ وثلاثَ ركعاتِ الوتر؛ هذا الإصرارُ خطأٌ، والخصام فيه أقبحُ، وهم مثابون على نيّتهم الالتزامَ بالسنّة الواردة عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

وإصرارُ المقلّدةِ على صلاةِ عشرين ركعةً، وثلاثَ ركعاتِ الوتر، هذا الإصرار خطأٌ، وهم مثابون على إكثارهم من طاعة الله تبارك وتعالى.

ومن يصلّي أربعين ركعةً؛ فقد ربح من الحسنات أكثر بكثيرٍ من الذي يصلّي عشر ركعاتٍ، حتى لو قالت ذلك عائشةُ، فكلام عائشة (مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً!

يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ!

ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ.

ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً.

فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟

قَالَ يَا عَائِشَةُ: (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) أخرجه البخاريّ (1147) ومسلم (738).

يمكن أن يُحمَل هذا الحديثُ على محاملَ، تؤولُ إلى أن يكون عامَّ اللفظِ خاصَّ المعنى!

نحن لا ندري في أيّ سنةً قالت عائشة هذا الكلام، أفي السنة الثانية عندما كانت طفلةً في التاسعة من عمرها؟ أم عندما غدت شابّةً في السادسة عشرة من عمرها؟

ونحن نعلم أنّ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم زوجاتٌ كثيرات، فيُحتملُ أن يكون الرسول يصلّي في بيتها إحدى عشرةَ ركعةً؛ ليؤانسها ويرعاها عندما كانت طفلةً، وكان يعطيها مزيداً من وقته حناناً وعاطفةً عندما غدت شابّةً، لها حاجاتها الجسديّة والنفسيّة أكثر!

إنّ حديثَ عائشةَ من العلمِ الخاصِّ الذي لم يروِه عن الرسولِ سواها، وكلّ حديثٍ فردٍ غريبٍ؛ لا يَحسُن التعصّب له البتّةَ، حتى لو رواه عليُّ بن أبي طالبٍ عليه السلام.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 1 مارس 2026

 في سبيل العلم:

صورةٌ من «الإتباعِ» اللغويّ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيّاً؛ لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، أَآعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ؟

قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ هُدًى وَشِفَاءٌ، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ؛ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) زاد أعداءَ العربيةِ عمىً وضلالاً وجهلاً.

أمّا بعد: أحاول جُهدي أنْ أكتبَ بما يسمّى في أيّامنا هذه «اللغة العاميّة الفصحى» لعلمي أنّ المستوى الثقافي اللغويّ لشعب «الفيسبوك» متواضع كثيراً، وما أكثر ما يتساءلُ بعضهم عن المسلّمات والبدهيّات «وشرح البدهيّات من أصعب الصعوبات»!

والمثقّفُ المسلمُ، إذا بلغ العشرين من عمره، ولم يكن قرأ كتاب «الألفاظ» ليعقوب بن إسحاق، المعروف بابن السكّيت (ت: 244 هـ) وكتاب «الألفاظ الكتابية» لعبدالرحمن بن عيسى الهمذانيّ (ت: بين (320 - 327 هـ) ومختار الصحاح لمحمّد بن أبي بكرٍ الرازي (ت: 666) فليست اللغة العربيّة له بأبٍ ولا أمّ!

ولو كان لي من أمرِ التعليم في سوريّا شيءٌ؛ لجعلتُ «متن اللغةِ» مادّةً برأسِها، وقرّرتُ الكتابَين الأوّلين على طلّاب المرحلة الإعداديّة، وكتابَ «مختار الصحاح» على المرحلة الثانويّة، حتى يلتحق الطالب بالجامعةِ، وهو عربيّ اللسان حقّاً، والعربيّة «مجمع الفضائل والمكارم»!

وكتاب «مختار الصحاح» كتابٌ متينٌ دقيقٌ محكَم، ليس فيه إسهابٌ ولا إطنابٌ، بل فيه تكثيفٌ للمادّةِ العلميّة كبير، لذا يحتاج إلى حُبٍّ وصَبرٍ، بعد توفيق الله تعالى وتيسيره.

ومقدّمتُه التي ضمّنها الموازين الصرفيّةَ العشرين، على وجازتها؛ تحتاجُ أن يحفظها طالب العلم العربيّ، عن ظهر قلبٍ، وقد جهِدت بِحفظها، فتفلّتَت، حتى كأنني ما حفظتها يوماً!

ولدى العرب أسلوبٌ من أساليب البيانِ، يُدعى أسلوب «الإتباع» وسمّاه أحمد بن فارسٍ اللغويّ الشهير (ت: 395) «الإتباع والمزاوجة» وكلام السيوطيّ في المزهر (1: 324) يشير إلى أنّ ابن فارسٍ هو أوّلُ من أفردَ كتاباً للإتباع، إذْ قال: «وقد ألّف ابنُ فارسٍ تأليفاً مُستقلّاً في هذا النوعِ، وقد رأيتُه مرتَّباً على حروفِ المُعْجَم، وفاتَه أكثرُ مما ذكرَه، وقد اختصرتُ تأليفَه، وزدتُ عليه ما فاتَه، في تأليف لطيفٍ، سمّيتُه «الإلماع في الاتباع» وكتابا ابن فارسٍ والسيوطيّ مطبوعان متداولان.

بيد أنّ ثمّة كتابين آخرين عن «الإتباع» كُتبا قبل كتابِ ابن فارس، ربما بخمسين سنة:

الأوّل: لعبد الواحد بن علي الحلبي، أبي الطيب اللغوي (المتوفى: 351هـ) ويقع في (112) صفحة، مرتّبا على حروف الهجاء، وهو نفيسٌ للغاية.

والثاني لأبي علي القالي، إسماعيل بن القاسم بن عيذون (المتوفى: 356هـ) ويقع في (16) صفحة مفيدة جدّاً.

وما كتبه السيوطيّ عن «الإتباع» في كتابه البديع «المزهر» يُعطيك خلاصةً مفيدةً، عن هذا الأسلوب العربيّ الأصيل.

وخلاصة أسلوب الإتباعِ العربيّ بكلماتٍ: أنّ الكلمة التابعةَ، لا تختصُّ بمعنىً يمكن استعمالُه وإفرادُه بمعزلٍ عن الكلمة الأولى، فقولنا: حَسَنٌ بَسَنٌ، وقولنا: خُضْرةٌ مُضْرةٌ.

لا معنى لبَسن ولا لمُضرة إذا أفردتا عن الكلمة المتبوعةِ الأولى.

وقد قال أبو الطيّب اللغويّ في كتابه «الإتباع»: نحن نذهب إلى أنّ الإتباعَ: ما لم يختصَّ به بمعنىً يمكن إفراده به، والتَوكيدَ: ما اختصّ بمعنىً، وجاز إفراده» وأنا اخترتُ كلامَ أبي الطيّب، ولم أعرض لأقوال أهل اللغة في المسألة، حتى ينشط طالب العلم، ويطّلعَ بنفسه.

وإليك بعض الأمثلة الموضحةِ من كتابِ عبدالواحد الحلبيّ:

قالَ أبو مالك «هو عمرو بن بكرٍ الأعرابيّ»: تقولُ العَربُ فِي صِفَةِ الشَّيءِ بالشِّدةِ:

إِنَّهُ لَشَديدٌ أَدِيدٌ، وهُو منَ الأَدِّ، والأَدُّ: القوَّةُ، إلاَّ أنَّ الأَدِيدَ لا يُفْرَد.

ويُقالُ: شَكَوتُ إِليهِ عُجَري وبُجَرِي، أَيْ: هُمومي وأَحزاني، ومِنهُ قولُ عَليٍّ عليهِ السلام: أَشكو إِلى اللهِ عُجَري وبُجَري، يُريدُ: هُمومي وأَحزاني، وما أَلقَى مِنَ الناسِ.

قالَ أبو مَالكٍ يُقالُ: حَارٌّ يَارٌّ جَارٌّ، ويُقالُ: رَجُلٌ حَرَّانُ، يَرَّانُ، جَرَّانُ: إِذا أَصابتْهُ مَصيبَةٌ.

والجملةُ التي جرى عليها السؤال: «أجمعين أكتعين أبصعين» ليست في كتب «الإتباعِ» التي اطّلعت عليها، إنّما هي في القاموس المحيط (ص: 701) كما ذكرتُ يوم أمس!

قال في القاموس، مادّة «ب ت ع»: «جاؤُوا كلُّهُمْ أجْمَعُونَ، أكْتَعُونَ، أبْصَعُونَ، أبْتَعُونَ: إتْبَاعاتٌ لأَجْمَعِينَ، لا يَجِئْنَ إلاَّ على إثْرِها، أو تَبْدَأُ بأيَّتِهِنَّ شِئْتَ بَعْدَهَا.

والنِّساءُ كُلُّهُنَّ جُمَعُ، كُتَعُ، بُصَعُ، بُتَعُ.

والقَبيلَةُ كُلُّها جَمْعاءُ، كَتْعاءُ، بَصْعاءُ، بَتْعاءُ.

وهذا التَّرْتيبُ غيرُ لازِمٍ، وإنما اللاَّزِمُ لِذَاكِرِ الجميعِ أن يُقَدِّمَ  كلمة (كُلّ) ويُولِيَهُ المَصُوغَ من: (ج م ع) ثم يأتِيَ بالبَواقي كيفَ شاءَ.

إلا أن تَقْدِيمَ ما صِيغَ من: (ك ت ع) على الباقِينَ، وتَقْدِيمَ ما صِيغَ من: (ب ص ع) على (ب ت ع) هو المُخْتارُ».

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلّ حال.

 

 

  

 

 

 

 

الجمعة، 27 فبراير 2026

 مِنْ عِبَر التاريخِ:

الموقفُ من خالدِ بن الوليد ؟!

بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

(الْحَمْدُ اللهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

سألني أحدُ أحبابي القريبين قال: بلغني أنّك تبغض خالدَ بن الوليدِ، رضي الله عنه، فهل لكَ أن تُوضحَ لي سبب ذلك؟

أقولُ وبالله التوفيق:

إنّ محبّتي خالدَ بن الوليدِ، أو بُغضي له؛ لا يفيدانِه بشيءٍ، ولا يَضرّانه!

لكنْ إذا كان خالدٌ رجلاً صالحاً، وأحببتُه؛ دخلتُ في دائرة (الحبّ في الله.. من أوثق عُرى الإيمان) وإذا أبغضته والحالُ هذه؛ كنتُ صاحبَ هوى، وكنت آثماً مُرتكباً ذنباً، في حقّ رجلٍ صالح!

وبمعزلٍ عن موقفي العاطفيّ من الصحابيّ خالد بن الوليد؛ فهو البطلُ الشجاعُ القائدُ الفذُّ، الموفّق في معاركه الكبار كلّها، جزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء!

وقد قلتُ مرّاتٍ عديدةً: ليس بالضرورةِ أنْ تتطابَق مواقفنا - نحن آل البيت - مع أهل السنّة، أو مع الشيعةِ، إذْ لدينا مواقفُ خاصّةٌ بنا، لا تؤثّر على ديننا، من وجهة نظرنا، وعلى غيرنا أن ينظُر هو بنفسه، إنْ كان موقفه المخالف لنا؛ يؤثّر على دينِه، أو لا يؤثّر!

لدينا - نحن آل البيت - معيارٌ عدلٌ زئبقيُّ الوزن!

(يا عليّ: لا يُحبّك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق)  وهو حديث مشهور!

وأنا شخصيّاً لا أذهب إلى أنّ جميعَ من يُبغض الإمامَ عليّاً؛ منافقون نفاقاً عَقديّاً، فقد كان كثيرون من الصحابة والتابعين يبغضونه، حسداً ونفاسةً وغيرَ ذلك، والقول بغير هذا؛ جهلٌ بتاريخنا ورجالِه!

فهل كان الزبير وابنه عبدالله وطلحة وعائشة منافقين من جماعة (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً

اللهم إني لا أعتقد بذلك جزماً وحتماً، إنّما هو نِفاق العمل، الذي يمكن تسميتُه «كبيرة»!

وقد ثبت في مسند الإمام أحمد (23028) وصحيح البخاريّ (4350) والسنن الكبير للنسائيّ (8421) والمعجم الأوسط للطبرانيّ (4842) وغير هذه المصنفاتِ أنّ خالدَ بن الوليد كان يبغض الإمامَ عليّاً، وخالدٌ لا يوزن في سابقته وتقواه وعلمه وزهده بالإمام عليّ!

هذا هو موقفنا - آلَ البيتِ - أحببنا، أم كرهنا، أم تحايدنا - العدلُ والإنصافُ وإعذارُ المخالف!

ولا يَتوقّعْ أحدٌ منّا أنْ نحبَّ مبغضي سيدنا وجدّنا وإمامنا وفخرنا عليّ بن أبي طالب!

أو أنْ نحبَّ من آذى أمّنا الزهراءَ، أو جدّتنا خديجة الكبرى عليهم الصلاة والسلام.

والحمد لله على كلّ حال.


 مسائلُ من الفقه والأصول:

هل تصحّ صلاةُ مُفترضٍ خلف متنفّل؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
أمّا بعد: مررت بصفحة أحد الإخوةِ، فوجدته تصرّف تصرّفاً غريباً، تجاه صورة أحد العلماء، وكتب ما معناه: (لا تصحّ صلاة مفترضٍ خلف متنفّل، وهذا مذهب الجمهور).

أقول وبالله التوفيق:

مذهبُ السادةِ الشافعيّةِ؛ أنّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْقُدْوَةِ؛ تَوَافُقَ نَظْمِ صَلاَة الإمامِ والمأمومِ فِي الأَفْعَال الظَّاهِرَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الصَّلاَتَيْنِ.

وَعَلَى ذَلِكَ يَصِحُّ اقتداءُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلاَةَ «الحاضرةَ» بِمَنْ يَقْضِيهَا.

وَتجزئ صلاةُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّل، وَمُؤَدِّي الظُّهْرِ بِمؤدّي الْعَصْرِ.

وَتصحُّ صلاةُ الْقَاضِي إذا اقتدى بِالْمُؤَدِّي، وَصلاةُ الْمُتَنَفِّل بِالْمُفْتَرِضِ، وَمصلّي الْعَصْرِ بِمصلّي الظُّهْرِ، نَظَرًا لاِتِّفَاقِ الْفِعْلِ فِي الصَّلاَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ النِّيَّةُ.

وَيَجُوزُ اقتداءُ مصلّي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِمصلّي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ.

وَتَجُوزُ صلاةُ مصلّي الصُّبْحِ خَلْفَ مصلّي الظُّهْرِ، فِي الأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَهُ حِينَئِذٍ الْخُرُوجُ من الصلاةِ، بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ».

لما أخرج الإمام البخاريّ (701) ومسلم (465) من حديث عَمرِو بن دينارٍ عن جابر بن عبدالله الأنصاريّ (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ) وفي الحديث قصّة.

ورحم الله الشيخ أحمد شاكر، إذ قال في تحقيقه كتابَ «الرسالة» للشافعيّ: ولو جاز لعالمٍ أن يقلّد عالماً؛ لجاز تقليدُ الإمام الشافعيّ.

على أنّ الحديثَ ظاهرٌ في جواز ذلك وإجزائه؛ لأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم اطّلع على صنيع معاذٍ، ووجّهه إلى تخفيفِ القراءةِ في الصلاة.

فمن دخل مسجداً، ولم يصلِّ العشاءَ، ووجدَ الإمامَ والمصلّين يصلّون التراويح؛ فليَنْوِ العشاءَ، ثمّ ليتمّ صلاته، على نحو صلاةِ المسبوق، ولا حرج في ذلك البتّة.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.