الثلاثاء، 5 مايو 2026

 الفَضائِلُ والخصائصُ الصَحيحةُ الواردة في الإمام عليّ عليه السلام:

مقدّمة توضيحيّة!

بسم الله الرحمن الرحيم

المسلمون اليومَ - أهل السنّة بمذاهبهم، والشيعةُ بمذاهبهم - بقصدٍ أم بدون قَصْدٍ، يبنون مُعتقداتهم على أحاديثِ الآحاد «الصحيحة، والحسنة لذاتها، والحسنة لغيرها، وأحياناً على الحديث الضعيف» والسلفيّة يثبتون عقائدهم بكلّ ما حسّنه الشيخ الألبانيُّ أيضاً.

ولم تَعُدْ مسألةُ أحاديثِ «المستقبَل وأشراط الساعةِ» من أحاديث الترغيب والترهيب، ولا من أحاديث البُشرى والتنبيه والإنذار.

كما لم تَعُدْ أحاديث فضائلِ الأشخاص والأمكنة؛ من قبيلِ لفتِ الأنظارِ إلى منزلةِ هذا الصحابيّ أو ذاك، ولا من قبيلِ الحثِّ على الاقتداء به، في جانبٍ من الجوانبِ التي تميّز بها.

كلُّ ما سبقَ غدا من العقائد التي يوالي عليها السُنيّ ويعادي!

ومن تلبيساتِ بعضِ علماءِ أهل السنّة على عامّتهم؛ تضخيمُ إساءةِ غيرِ السُنيّ، وتصغير إساءة السنيّ!

فالسنيّ إذا شتمَ الله تعالى، أو الرسولَ، أو القرآن، أو الدين؛ تجد كثيراً جدّاً من علماءِ أهل السنّة يقولون لك: هذه عادةٌ سيّئة، لا يَكفرُ المتلفّظ بها ولا تَطلقُ زوجته، وكلُّ ما على المتلفّظ بذلك؛ الاستغفارُ؛ لأنّ حقوقَ الله تعالى مبنيّةٌ على المسامحة!

أمّا إذا شتمَ الشيعيُّ أبا بكر أو عمر، أو حتى الطليقَ الباغي معاويةَ؛ فتحمرُّ أنوف جميع أهل السنّة، ويكون لديهم الدافع القويّ لقتال ذلك الشيعيّ، بل وقتلِه!

وأقبحُ من هذا التضخيم؛ صورةُ الجمع المَهولة!

فإذا انتقد مسلمٌ من أيّ المذاهب كانَ معاويةَ بن أبي سفيان أو عمرَو بن العاص، أو أيّ صحابيٍّ من الفئةِ الباغيةِ؛ صرخ علماء أهل السنّة وزمجروا: فلان يشتم صحابةَ رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا يقولون: يشتم فلاناً الصحابيّ!

وإذا انتقدتُ أنا أو غيري موقفاً من مواقف أمّ المؤمنين عائشة غفر الله تعالى لها؛ قالوا بحَنَقٍ وغضبٍ: يشتم أمّهاتِ المؤمنين، بينما يكون الرجل لم يشتم ولم يسبّ ولم يلعن!

إنّما قال: عائشةُ خالفت أمر الله تعالى الموجّه إلى نساء الرسول مباشرة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فخرجت من المدينة المنوّرة إلى البصرةِ، تجرّ وراءها جيشاً، لتحارب عليَّ بن أبي طالب، الذي تبغضُه بغضَ العَمى!

ومن أقبحِ التدليس الذي يمارسونه لزيادةِ الحقدِ على الشيعة؛ أنّك إذا وصفتَ عائشة بأنها باغية؛ أوهموا عامّتَهم الجهّالَ أنّك تطعنُ في شرفها وعرضها، وتتهمها بالفاحشة!

لأنّ لفظَ «الباغية»: مؤنّث الباغي، والباغي: هو الخارج على الإمام الشرعيّ، بتأويلٍ سائغٍ عند نفس الباغي.

بينما لفظُ «البَغيّ» خاصٌّ بالمرأة، ويَعني المرأةَ التي تمارس الزنى، وممارستُها هذه تسمّى «البِغاء» وقد جرى هذا التدليس والتلبيس معي شخصيّاً، من بعض علماء العراق!

عايشتُ علماءَ الشيعةِ في العراقِ تسعَ سنين، فلا واللهِ ما سمعتُ واحداً منهم يطعن في عرضِ أمّ المؤمنين عائشةَ، بل إنهم يحرّمون ذلك سرّاً وعلانيةً؛ لأنّ عقيدتهم تقول: إنّ من لوازم عصمةِ الله تعالى لأنبيائه؛ حِفظُ أزواجهم وبناتهم عن الفواحش!

إنّما يشتم الصحابةَ، أو يشتم عائشةَ؛ شرذمةٌ حقيرون قليلون في كلّ بقعةٍ من بقاع الدنيا!

وذاك التشنّج السنيّ كلُّه؛ أثرٌ من آثار النصبِ، الذي كان سائداً لدى أهل السُنة قروناً متطاولة!

ومن أقبح معالم النصبِ ومظاهره؛ بُغض الإمام عليّ عليه السلام، وشتمه!

والمدلّسون من علماءِ أهل السنّة يقولون لعامّتهم: لم يثبت أنّ معاويةَ والأمويّين كانوا يشتمون الإمام عليّاً، مع أنّ هذه المسألةِ من التواتر المتسالَم عليه بين المسلمين أجمعين!

وعن سبّ معاويةَ للإمام عليّ وأمرِه بسبّه؛ أخرج مُسلمٌ في صحيحه، في فضائل عليّ بن أبي طالب (2404) من حديث عامر بن سعدِ، عن أبيه الصحابيّ الجليل سعدِ بن أبي وقّاص قال:

«أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً [انتبه إلى القصّ هنا] فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟

فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ، «وقد» خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ!

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي)؟!

وَسَمِعْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله ُوَرَسُولُهُ).

قَالَ سعدٌ: فَتَطَاوَلْنَا لَها، فَقَالَ: (ادْعُوا لِي عَلِيّاً) فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.

وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَقُلْ: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) دَعا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَحَسَناً وَحُسَيْناً، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي).

وقد لاحظتَ أخي القارئ الكريم جملةَ «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً» والمأمور به محذوفٌ «قصّاً» وتقديره: «أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْداً أن يسبّ عليّاً فأبى ذلك، فقال معاويةُ: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ»؟

وقال الحافظ عبدالرحمن ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في رسالته «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص: 24): «بمثل هذه المكيدةِ كان ظلمِ بني مروانَ وأتباعِهم، يستميلون الناس إليهم، وينفِّرون قلوبَهم عن علي بن أبي طالب والحسن والحسين وذريتهم رضي الله عنهم أجمعين.

وبادروا إلى قتاله ديانةً وتقرُّباً ثم إلى قتال أولاده رضوان الله عليهم واجتهد أولئك في إظهار ذلك وإشاعته على المنابر في أيام الجُمَع وغيرها من المجامع العظيمة حتى استقر في قلوب أتباعهم أن الأمر على ما قالوه وأن بني مروان أحق بالأمر من علي وولده لقربهم من عثمان وأخذهم بثأره فتوصلوا بذلك إلى تأليف قلوب الناس عليهم وقتالهم لعلي وولده من بعده ويثبُت بذلك لهم الملك واستوثق لهم الأمر الفرق بين النصيحة والتعيير (ص: 25)

وكان بعضهُم يقول في الخلوة لمن يثق إليه كلاماً معناه: «لم يكن أحدٌ من الصحابة أكفأ عن عثمانَ من عليٍّ».

فيقال له: لِمَ يسبُّونه إذًا؟ فيقول: «إن المُلك لا يقوم إلا بذلك».

ومرادُه: لولا تنفيرُ قلوبِ الناس على عليٍّ وأولادِه، ونسبتُهم إلى ظلم عثمانَ؛ لما مالت قلوبُ الناس إليهم، لما علموه من صفاتهم الجميلة وخصائصهم الجليلة، فكانوا يسرعون إلى متابعتهم ومبايعتهم، فيزول بذلك ملك أمية، وينصرف الناس عن طاعتهم».

وقد تبنّت حكومتنا السوريّة الجديدةُ شعارَ «الدولة الأمويّة» كيداً بالشيعةِ وبغضاً بهم، وحُقّ لها ولنا أن نبغضَ المجرمين الذين قتلونا وشرّدونا من ديارنا.

فأفصحَ النواصبُ الذين كانوا يُخفون نصبَهم عن بواطنهم القذرة، وراحوا ينتقصون من البيت الهاشميّ الأشرفِ في بني البشر، وينالون من الإمام عليّ عليه السلام، فوجَب عليَّ - وأنا ابنُ عليٍّ - أنْ أردّ على هؤلاء السفلة المجرمين؛ بنشر فضائل الإمام عليٍّ، التي ثبتت عندي!

والله المستعان، وعليه التُكلانُ، ولا حولَ ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

والحمد لله على كلّ حال.

 مَسائِلُ فِكْريّةٌ:

أينَ علومُ آل البيت !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب إليّ معرّضاً، وربَما مستخفّاً مستهزئاً، يقول: «قرأتُ لك مرّاتٍ؛ أنّك تَعُدُّ نفسَك من «علماء آل البيت» في الوقت الذي تُهوّنُ من شأنِ تراث آل البيت الروائيّ عند مذاهبِ الشيعةِ كلّها، وهو لا يساوي عندك بصلة!

فمن هم آل البيت الذين أنت فيهم عالم، ومن أيّ المصادر الروائيّةِ تعرّفتَ إلى مذهبهم»؟

أقولُ وبالله التوفيق:

قبل سنتين من مثل هذا الشهر؛ كتبت منشوراً بعنوان «أين علوم آل البيت الصحيحة» ويبدو أنّ السائل جديدٌ على صفحتي، أو ليس متابعاً بدقّةٍ، فسيكون منشوري هذا مكمّلاً لذاك المنشور.

من المعلوم لدى الباحثين من طلبةِ العلمِ خاصّةً؛ أنّ الغالبية العظمى من آل البيت «علماءَ وعامّة» حتى نهاياتِ القرن الخامس الهجريّ، كانوا يتبعون مذهب الإمام زيد بن عليّ، وبعضهم كان يتبع المذهب الجعفريّ، وبعضٌ قليلٌ آخر كان يتبع المذهب الإسماعيليّ. وكانت النصيريّةُ فرقةً مرذولةً مكفّرةً من جميع مذاهب أهل البيت، قبل أن يظهر المذهبُ الدُرزيّ بقرون!

وظلَّ الأشرافُ الزيودُ يحكمون مكّةَ المكرّمة، إلى أنْ سيطرت الدولة العثمانيّة على الحجاز، فانتمى بعضُ حكّام مكّة إلى بعضِ مذاهب أهل السنّة، إلى أنْ أسقطت بريطانيا حكومتَهم بأيدي «وهّابية نجد».

وأنا الفقير وُلدتُ شافعيّاً عام (1949) وظللتُ شافعيّاً حتى العام (1964) عندما وجّهنا شيخُنا الدكتور غسّان حمدون الواعي - عافاه الله تعالى وشفاه - إلى مذهب أبي حنيفة؛ لتتقاربَ آراءُ وأفكار أسرتِنا التي يوجّهها هو من جهة، ولنفيدَ من علوم شيخنا محمّد الحامد، رحمه الله تعالى، من جهةٍ ثانيةٍ، بصفته شيخَ الإخوان المسلمين في مدينةِ حماةَ يومئذٍ!

وفي عام (1970) قرأت على شيخي الشهيد مروان حديد «متنَ أبي شجاع» بشرحه كفاية الأخيار، وقرأتُه على شيخي «محمّد لطفي الفيّومي الحنفيّ» وقرأت عليه متن القُدوريّ.

وفي عام (1973) قرّرت الرجوعَ إلى الأصل، وبدأتُ التوسّع في قراءة المذهب الشافعيّ، على نحوِ ما توسّعت في قراءة المذهب الحنفيّ من قبلُ!

وقد ذكرتُ في كتابي عن «المَهديّ» أنني تعرّفت إلى شابٍّ شيعيٍّ زيديّ، وشابٍّ شيعيّ جعفريّ، في صيف عام (1969) وقبل ذلك التاريخ؛ لم أكن أتردّد في تكفير الشيعة الجعفريّة والشيعة الإسماعيليّة، وكان الزيديّة عندي وعند مشايخي مبتدعةً ضلّالاً، فهل تتوقّعُ من مقلّدٍ غيرَ هذا «السُخام الأليَلِ»!

عندما صحبت شيخنا الكبير حقّاً، السيّد محمد الحافظ التجّاني (1976 - 1977) رحمه الله تعالى، ورضي عنه؛ كَبحَ كثيراً من جماحي، وعدّل من تعصّبي أكثرَ وأكثر، وأفهمني أنّ التكفير «صَنعةُ المفلسين» وكان ممّا كرّره عليّ مرّاتٍ ومرّات، ما معناه: «يا شيخ فيصل: عندما تقول: هذا القول، أو هذا الفعل بدعة، وهذا العالم مبتدع، ماذا تقصد؟

إذا كانت البدعةُ منسوبةً إلى رجلٍ غير عالمٍ؛ فهي بدعةُ ضلالةٍ حقّاً؛ لأنّ العاميّ لا يحقّ له الاجتهاد، حتى يقال: اجتهد فأخطأ!

أمّا العالم القادر على الاجتهاد؛ فالحديث الشريف يقول: إذا أصاب؛ فله أجران، وإذا أخطأ؛ فله أجرٌ واحدٌ!

كيف يكون مأجوراً على اجتهاده، ويكون مبتدعاً ضالّاً، واجتهاده هذا سيقوده إلى النار؟

يعني جدّك علي زين العابدين، اجتهد فكان يصلّي اثنتي عشرة ركعةً، وقيل: ستّ عشرة ركعةً بين العصرين، وقيل: أكثر من ذلك، وهذا لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا نُقل عن أحدٍ من الصحابةِ مواظبتُه عليه، أهو مبتدع؟

وجدّك جعفر الصادق؛ لا يُوقع الطلاقَ البدعيَّ كلّه، ولا يوقع طلاق الغضبان، وطلاق الثلاث في مجلسٍ واحدٍ عنده واحدة، أفكان مبتدعاً ضالّاً، وسيذهب إلى النار؟

وأبو حنيفة عندما اجتهد بمسألة (دَرء الحدّ لمكان العقد) وهي مسألة شنيعةٌ، كان ضالّاً، وسيدخل النار؟

والإمام الشافعيّ عندما قال: (لا حُرمةَ لماء الزنا) وهي مسألة شنيعةٌ أيضاً، أفيكون ضالّاً أيضاً، وسيدخل النار ؟

قلت له: ما ذا نقول إذن؟

قال: إذا اجتهد العالم وأخطأ من وجهة نظرنا؛ فنقول: اجتهد وأخطأ، ونرجو له العفو والمسامحة!

قلت له: وهؤلاء الشيعة «الزيديّة والجعفرية والإسماعيليّة» وتاريخهم أسود مع أهل السنّة، ماذا نقول عنهم؟

قال: يجبُ التفرقة بين ثلاثةِ مستويات من المواقف:

المستوى الأدنى: هو المستوى السياسيّ، وقل عن الساسة ما شئتَ، فكما أنّ حكام أهل السنة لا يَمثّلونهم غالباً، فكذلك هذه الطوائف الثلاثُ؛ لا يُمثّلها حكامها، والحكم على تصرّفات الحاكم؛ مَردّه إلى القضاء، وليس إلينا.

المستوى المتوسّط: جمهورُ الشيعة، الذين نسمّيهم «العوامّ» فهؤلاء مقلّدة مساكين، حسنٌ منهم أنهم يصلّون ويصومون، فما مصلحتنا بتكفيرهم؟

هؤلاء ندعو لهم بأن يرحمهم الله تعالى، فليس كلّ مسلمٍ قادراً أن يكون من أهل العلم!

المستوى الثالث: مستوى العلماء، وطلبةِ العلم - من أمثالنا - فهؤلا الذين يُلامون، أو يُعذرون»!

استغربت كلامَه غايةَ الاستغراب، وقلت له: يا مولانا لم أسمع مثل هذا الكلامِ من قبلُ، وأنا أستغربُه جدّاً، أنا أعلم أنّ هذه الفرقَ الضالّةَ عدوّةٌ لنا، وتكيد لأهل السنّة، وتستبيح دماءَهم؟

قال: الجهل منتشرٌ عند أهل السنّة وعند غيرهم، وأتوقّع أن يكون عند غيرهم أشدَّ وأنكى!

قلت: لماذا تتوقّعون هذا التوقّع سيّدي؟

قال: لأنّ كتبهم تطفح بالروايات الباطلة والموضوعة والغاليةِ غلوّاً فاحشاً، وتعصّبهم الشديد ضدّنا بسبب هذه الكتب المشحونة، وأنا قرأتُ بعض كتبهم الفقهيّة، فوجدت فيها علماً، وإنما تجد الغلوّ والضلالَ في كتب الرواية» انتهى مرادي من كلامه الطويلِ!

وأنا الفقير عداب، نشأتُ في بيئة سنيّة، متعصّبةٍ جدّاً، وليس كما يقول بعض السوريين: إنّهم متسامحون، فهذا غير صحيح أبداً!

نعم يمكن أن يتسامح السوريّون مع المسيحيّ والفاسقِ والفاجر والمغنّي، وبعضهم قد يَتسامحُ مع مَن يشتمَ الله تعالى والرسول والدين، لكنْ أن يكونوا متسامحين مع طوائفِ الشيعة؛ فهذا غيرُ صحيحٍ بتاتاً!

أشهد أنني سمعتُ بعض نسائنا في حيّ «الفراية» يشتمن أولادهّن، وغيرَ أولادهنّ أحياناً بهذه الشتائم:

ألعن أبوك نصيري!

ألعن أبوك درزيّ

ألعن أبوك سمعولي

ألعن أبوك متولّي

ألعن أبوك رافضي!  

ولم أسمع واحدةً تقول تشتم طفلاً بقولها: ألعن أبوك ناصبيّ، أو يزيدي مثلاً!

وهذه اللعناتُ أثرٌ من ثقافةٍ كانت سائدةً في المجتمع السوريّ، تعبّر عن رفضهم لأتباع هذه المذاهب كلّها.

وممّا لا ارتياب به عندي؛ أنّ علوم «آل البيت» لم تَكنْ من اهتماماتِ «علماء أهل السنّة» بتاتاً، وإليك البيان:

عدّ الحافظ الذهبيّ الأئمّة علي زين العابدين، وولدَه محمّداً الباقرَ، وحفيدَه جعفراً الصادقَ من الحفّاظ.

قال في ترجمة الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ، الملقّب بزين العابدين، في كتابه «تذكرة الحفاظ» (1: 60): « قال الزهري ما رأيت أحداً كان أفقه من علي بن الحسين، لكنه قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته، وأحسنهم طاعة.

وقال مالكٌ: بلغني أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعةٍ، إلى أن مات!

قال مالكٌ: وكان يُسمّى زينَ العابدين لعبادته» أكتفي بهاتين الجملتين.

وقال الذهبيّ في ترجمة محمّد الباقر، في تذكرة الحفاظ (1: 94): « أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بَقرَ العلم: يَعني شَقّه فعَلِم أصلَه وخفيَّه.

وقيل: إنه كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة، وعده النسائي وغيره في فقهاء التابعين بالمدينة» وأكتفي بهذا أيضاً.

وقال في ترجمة زيدِ بن عليٍّ الشهيد، في النبلاء (5: 390): « زَيْدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ... كَانَ ذا عِلْمٍ وَجَلاَلَةٍ وَصَلاَحٍ، هَفَا، وَخَرَجَ، فَاسْتُشْهِدَ.

قَالَ عَبَّادٌ الرَّوَاجِنِيُّ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بنُ القَاسِمِ التمّار، قَالَ: دَخَلتُ عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَعِنْدَهُ نَاسٌ مِنَ الرافِضَةِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُم يَبْرَؤُوْنَ مِنْ عَمِّكَ زَيْدٍ.

فَقَالَ: بِرَئَ اللهُ مِمَّنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ، كَانَ وَاللهِ أَقرَأَنا لِكِتَابِ اللهِ، وَأَفْقَهَنَا فِي دِيْنِ اللهِ، وَأَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ، مَا تَرَكَنا وَفِيْنا مِثْلُه».

وقال في ترجمة جعفر الصادق، في التذكرة (1: 125): « جعفر بن محمد بن علي ابن الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي الإمام أبو عبد الله العلوي المدني الصادق: أحد السادة الأعلام، وثقه الشافعي وابن معين، وقال أبو حاتم: ثقة لا يُسأَل عن مثله. وعن صالح بن أبي الأسود قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: سلوني قبل أن تفقدوني؛ فإنه لا يحدثكم أحدٌ بعدي بمثل حديثي.

 وقال هَيّاجُ بن بِسطام: كان جعفر الصادق يُطْعِم حتى لا يُبقي لعياله شيئاً».

  قال الفقيرُ عداب: هؤلاء بعضُ أعلامُ آل البيتِ، بعد جيلِ الصحابة، وهم كما قرأتُم أعلامٌ وسادةٌ وعُبّاد وزهّاد وكرام وفقهاء، فأين علومهم في كتب أهل السنّة؟

سيقولون لك: نقلَها إلينا كذّابو الشيعةِ وضعفاؤهم!!

قل لهم: ولماذا تركتم علومَهم لينقلَها كذّابو الشيعةِ وضعفاؤهم، ولم تنقلوها أنتم، وهم بهذه الفخامةِ من الصفاتِ النبيلةِ، وبهذه الفَقاهةِ الفريدةِ، النادرِ مثلُها في أعلامكم؟

الفقير عدابٌ ليس وحدَه الذي يجهل مذهبَ أجداده «علماء آل البيت» إنما يجهله جميع علماء أهل السنّة المنتسبين إلى آل البيت، بحكم النشأةِ والبيئة التي تشمئزّ إذا ذكرت مسألة لعالم من علماء آل البيت، مما لا يعرفونه من مذاهب أهل السنّة؛ لأنها مسائل شاذّةٌ مستنكرةٌ، لا يجوز الفتوى بها، لأنّ الله تعالى حصرَ الخيريّة في المذاهب الأربعة!

ألم تسمع مئاتِ العلماء يقولون: «لا يجوز الخروج على المذاهب الأربعة»؟

وقد لخّص ابن خلدون نظرةَ أهل السنّةِ إلى مذهب أهل البيت، بهذه الجملة المختصرة الواضحةِ، فقال في مقدمة تاريخه (1: 564): «وشذّ أهلُ البيتِ بمذاهبَ ابتدعوها، وفقهٍ انفردوا به، وبنَوه على مَذهبهم في تَناوُل بعضِ الصّحابةِ بالقَدح، وعلى قولهم بعصمةِ الأئمّةِ، ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي كلّها أصول واهيةٌ، وشذّ بمثل ذلك الخوارجُ، ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جانبَ الإنكار والقَدح.

فلا نَعرفُ شيئاً مِن مذاهبهم، ولا نَروي كتبَهم، ولا أثرَ لشيءٍ منها إلّا في مواطنهم».

قال عداب: جميع شذوذاتِ وأفراد أئمّة أهل السنة؛ يقال عنها: «اجتهاد فقيه، اجتهد فأخطأ» أمّا علماءُ آل البيتِ، من أمثال الأربعةِ الذين ذكرنا؛ فأصحاب شذوذ وأفراد !

وأنا الفقير عداب، إن بحثتُ عن مذهب «أهل البيت» فلا أبحث عنه لأقلّده، فأنا لا أقلّد في ديني سوى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإنما أبحث عن مذهب أهل البيت للعلم والمعرفةِ، والترجيح فيما لا نصّ فيه، أو تعارضت فيه النصوصُ أمامي.

وشَطْرٌ من مذهب آل البيت مدوّنٌ محفوظ في نظري، وهو القَدْر المتّفق عليه بين الزيديّة والجعفريّة والإسماعيليّةِ الأوائل قبل القرن الخامس الهجريّ.

وَجْهُ ذلك عندي؛ أنّ هذه الفرقَ الثلاثَ يكفّر بعضُها بعضاً، وثلاثتُها تزعم أنّ ما هي عليه هو «مذهب أهل البيت» فيكون القدرُ الذي اتّفقوا عليه؛ هو مذهبُ أهل البيت.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 1 مايو 2026

  مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

مناقبُ معاويةَ بن أبي سفيان!؟

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

لم يعد خافياً على  مطالعٍ لمواقع التواصل الاجتماعيّ؛ أنّ النصبَ ذرّّ قَرنُه ثَمّةَ، ويُخشى من استفحاله، إذْ كثر الذين يَنتقصون آلَ البيت الطاهر عامّةً، والإمامَ عليّاً والإمامَ الحسين - عليهما السلام - خاصّة!

ويُفضّلون طُلقاءَ بني أميّةَ عليهم، ويخترعون لهم مناقبَ وبطولاتٍ ومكارمَ، ليس لهم منها أدنى نصيب!

وإذْ كان عثمانُ بن عفّانَ - رضي الله عنه، وغفر له - صهرَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم؛ فإنّني أُعرضُ عن ذكر أخطائه السياسيّةِ والاجتماعيّةِ، التي كانت سبَبَ بلايا الأمّة، من زمانِه وحتّى يومنا هذا، وربما إلى قيامِ الساعة!

وممّا لا ارتياب فيه عندي؛ أنْ ليس جميعُ بني أميّةَ نواصبَ، وليس جميعُهم فجرةً ظلمةً!

بل كان فيهم أفاضلُ كثيرون، نترحّم عليهم، وندعو لهم بالجنّة.

بيد أنّ الذي تولّى كِبرَ «النَصبِ» في تاريخنا الإسلاميّ، وحاربَ الإمام عليّاً، طمعاً بالملك والزعامةِ وحيازةِ الدنيا؛ هو معاويةُ بن أبي سفيان (ت: 60 هـ).

وقد غالى في معاويةَ كثيرون من جيلِ التابعين، وجعلَه بعضُهم رابعَ الخلفاء، ونفوا أن يكون عليٌّ عليه السلام خليفةً.

وعددٌ من العلماءِ، صنّف كلٌّ منهم جزءاً في فضائلِ معاوية، منهم:

محمّد بن عبدالواحد البغداديّ (ت: 345 هـ).

ويوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القوّاس الزاهد (ت: 385 هـ).

وعبيدُالله بن محمّد أبو القاسم السقطيّ (ت: 406 هـ) وفي مكتبتي نسخةٌ من جزءٍ له في فضائل معاويةَ، جمع فيه اثنين وثلاثين حديثاً، كلّها باطلة!

وأورد الذهبيُّ في ترجمة معاويةَ، من سير أعلام النبلاء (3: 131) أحاديثَ كثيرةً في مناقبه، وقال: «هَذِهِ الأَحَادِيْثُ ظَاهِرَةُ الوَضْعِ، وَيُرْوَى فِي فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ أَشْيَاءُ ضَعِيْفَةٌ تُحْتَمَلُ، مِنْهَا» وذكر عدداً من الأحاديثِ الضعيفةِ، التي تُحتَمَل عنده!       

ونقل عن الحافظ إسحاق بن راهويه (ت: 238 هـ) أنّه قال: «لاَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ».

وقال في موضعٍ آخر من ترجمة معاوية (3: 137): « اعْتَمَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ فِي رَجَبٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحُسَيْنِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ أَبِي بَكْرٍ، كَلاَمٌ فِي بَيْعَةِ العَهْدِ لِيَزِيْدَ

ثُمَّ قَالَ: إِنِّيْ مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ، فَلاَ تَرُدُّوا عَلَيَّ، أَقْتُلْكُم! [انتبه أخي القارئ]

فَخَطَبَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُم قَدْ بَايَعُوا، وَسَكَتُوا، وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَرَحَلَ عَلَى هَذَا.

وَادَّعَى زِيَاداً أَنَّهُ أَخُوْهُ، فَوَلّاه الكُوْفَةَ بَعْدَ المُغِيْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي حُجْرِ بنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ، وَحَمَلَهُم إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُم مُعاويةُ بِمَرْجِ عَذْرَاءَ».

وفي النبلاء (14: 129) قال الذهبيّ: « وَقَالَ الوَزِيْرُ ابْنُ حِنْزَابَةَ «هو الفضل بْن جَعْفَرٍ، أبو الفتح ابن حِنزابةَ الكاتبُ (ت: 327 هـ) قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُوْسَى المأَمونِيَّ، صَاحِبَ النَّسَائِيّ قَالَ: سَمِعْتُ قَوْماً يُنْكِرُوْنَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ كِتَابَ «الخَصَائِص» لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَتَرْكَهُ تَصْنِيْفَ فَضَائِلِ الشَّيْخَيْنِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَخَلتُ دِمَشْقَ وَالمُنْحَرِفُ بِهَا عَنْ عَلِيٍّ كَثِيرٌ، فَصَنَّفْتُ كِتَابَ «الخَصَائِصِ» رَجَوْتُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعَالَى.

ثُمَّ إِنَّهُ صَنَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ، فَقِيْلَ لَهُ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَلاَ تُخْرِجُ فَضَائِلَ مُعَاوِيَةَ ؟

فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أُخْرِجُ؟ حَدِيْثَ: (اللَّهُمَّ لاَ تُشْبِعْ بَطْنَهُ).

هذه هي حالُ معاويةَ بن أبي سفيان، لا يصحّ في فضله عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم أيُّ حديثٍ، والنواصبُ الأوغادُ يفضّلونه على الإمامِ عليٍّ ناصرِ الدينِ، وعالمِ الأمّةِ، وإمامِ الزاهدين، الذي قال فيه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7: 71):

قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: «لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ؛ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ» عليه السلام!

ختاماً: أجدُ من المناسبِ أنْ أنقلَ حادثةً تُظهِر قسوةَ النصبِ على أهلِ العلمِ، من غير النواصب!

في ترجمةِ أحمد بْن سَعِيد، أبي بكر الطّائيّ الْمَصْرِيّ الكاتب (ت: بعد (313 هـ) من كتابِ تاريخ الإسلام (7: 382) قال الإمام الذهبيّ: « قال أبو سليمانَ بنُ زَبْرٍ: اجتمعتُ أَنَا وعشرةٌ، فيهم أبو بَكْر الطّائيّ يقرأ فضائل عليّ رضي الله عنه في الجامع بدمشق، فوثب إلينا نحوُ المائة من أهل الجامعِ، يُريدون ضربنا، وأخذ شخصٌ بلحيتي.

فجاء بعضُ الشيوخ، وكان قاضياً، فخلّصني، وعلّقوا أبا بَكْر «الطائيّ» فضربوه، وعملوا على سَوْقِهِ إلى الوالي في الخضراء.

فقال لهم أبو بَكْر: يا سادة، إنّما في كتابي فضائل عليّ، وأنا أُخرج لكم غدًا فضائل معاوية أمير المؤمنين، واسمعوا هذه الأبيات الّتي قلتها الآن:

حُبُّ عليّ كلّه ضَرْبُ ... يَرجُف مِن خيفتهِ القلبُ

فمذهبي حبُّ إمام الهُدَى ... يَزيدَ، والدّينُ هُوَ النَّصْبُ

مَن غيرَ هذا قَالَ؛ فهو امرؤٌ ... مخالفٌ، لَيْسَ لَهُ لُبُّ

والنّاسُ مَن يَنْقَدْ لأهوائهم ... يَسْلَمْ، وإلّا فالقَفا نَهبُ».

وأنا الفقير عداب؛ سأعرضُ عليكم جميعَ الأحاديث التي صحّت عندي، في فضل الإمام عليّ، في منشوراتٍ تاليةٍ، إنْ شاء الله تعالى.

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال.

 مَسائِلُ فِكْريّةٌ:

عن الإمامِ عليٍّ أتكلّم !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) [الحجرات].

أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ الكلابِ الضالّةِ، من النواصبِ السفلةِ كلاماً في غايةِ الانتقاصِ لبني هاشمٍ، حتى إنّ هذا الكلبَ جعلهم شرَّ بيتٍ من بيوتِ أهل الإسلام - عليه لعنةِ الله تعالى - وأنّ سيّدَ الأمّةِ بعد رسول اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، الإمامَ عليّاً شرُّ خلقِ الله تعالى.

والجميعُ يعلمُ أنّ مثلَ هذه الجرأة، ومثلَ تلكَ الوَقاحةِ؛ لم تكن ظاهرةً قبل ظهورِ الدولةِ السوريّةِ الجديدةِ، التي أعلنت أنها دولةٌ أمويّة!

وإنني أحذّر القيادةَ السوريّةَ الجديدةَ، من التساهلِ في هذا الجانبِ من سياستها - لأنّنا بني هاشمٍ - لن نقبلَ بوجود هذه الظاهرةِ في سوريّا ولن نسمحَ لأيِّ كلبٍ من كلابِ النواصبِ؛ أن يتطاوَلَ على سيّدنا الإمامِ عليٍّ، عليه السلام، ولا تستبعدوا أن يقومَ واحدٌ من آل البيت بقتلِ من يَتطاوَلُ عليه وعلينا، بهذه الصورةِ التي تخرج عن حريّةِ التعبيرِ، وطرح وجهاتِ النظر المتباينة!

وإنّ بني هاشمٍ في سوريّا ملايينُ كثيرةٌ، وهم فرسانُ هذه الأمّة وشجعانها وأشرافها.

فإذا لم تَضَعْ حكومتُنا الموقّرة حدّاً لهذه المهازلِ الحقيرةِ؛ فسنقومُ بذلك نحن، ونحن لكلّ بطولةٍ وشجاعةٍ وحميّةٍ إيمانيّة أهلٌ «وقد أعذرَ مَن أنذر»!  

ثمّ إنّ أكثرَ المتّهمين بالنَصْبِ من أتباع مذاهب أهلِ السنّة؛ هم من الحنابلة!

ولهذا سأنقلُ كلامَ شيخِ الحنابلةِ في عصره، وما تلا عصرَه، وإلى يومنا هذا أيضاً!

قال الشيخ أبو العبّاس أحمدُ بنُ عبدالحليمِ ابنِ تيميّة الحرّانيُّ الدمشقيُّ الحنبليُّ (ت: 728 هـ) رحمه الله تعالى، في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» (1: 419) ما نصّه:

«إن الذي عليه أهلُ السُنّة والجماعةِ؛ اعتقادُ أنّ جنسَ العرب أفضل من جِنس العَجم: عبرانيِّهم وسِريانيِّهم وروميِّهم وفارسيّهم، وغيرهم.

وأنَّ قُريشاً أفضلُ العَرب، وأنّ بَني هاشم أفضل قريش، وأنّ رسول اللهِ أفضلُ بني هاشم، فهو صلّى الله عليه وآله وسلّم أفضلُ الخَلقِ نَفساً، وأفضلُهم نَسباً.

وليسَ فضلُ العَرب، ثم قُريشٍ، ثم بني هاشمٍ، لمجرّد كونِ النَبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم، وإنْ كان هذا مِن الفَضل، بل هم في أنفسِهم أفضلُ، وبذلك يثبتُ لرسول اللهِ أنه أفضلُ نَفساً ونَسباً، وإلّا لزم الدَور!

ولهذا ذكر أبو محمّدٍ حربُ بن إسماعيل الكرمانيّ (1) صاحب الإمام أحمد، في وصفه للسُنّة التي قال فيها: «هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر، وأهلِ السنة المعروفين بها، المُقتدى بهم فيها، وأدركتُ من أدركتُ من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مبتدعٌ خارجٌ من الجماعةِ، زائلٌ عن مَنهج السُنّةِ وسبيل الحق!

وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحُميديّ، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم».

هذا مذهبُ أهل السنّةِ والجماعةِ إذنْ، والنواصبُ يزعمون أنهم من أهل السنّةِ والجماعةِ، فإذا خرجوا عن مذهب أهل السنّة - وليسوا من الشيعةِ حتماً - فهم يوافقون الخوارجَ الضالّين في بغضهم آل البيتِ الأشرفِ، ويستحقّون من آلِ البيتِ النكالَ والعذابَ الأليم!

ولعنةُ اللهِ وملائكتِه والمؤمنين الصادقين؛ على كلِّ من لعنَ ويلعنُ، وسبَّ ويسبُّ، وانتقصِ وينتقصُ، وآذى ويؤذي أهلَ هذا البيت الطاهرِ بأدنى أذى، من الأوّلين والآخرين على حدٍّ سواء!

(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) [الأحزاب].   

والحمدُ للهِ على كلِّ حال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الذهبيُّ في تاريخ الإسلام (6: 310): « له مسائل مشهورة عند الحنابلةِ، وكان حيّاً في سنة بضعٍ وستّينَ ومائتين».