الخميس، 17 فبراير 2022

      مسائل فكريّة (20):

أزمة حقيقيّة في منهج التفكير لدى العرب المعاصرين!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أثارَتْ وفاةُ الكاتبِ المَقبور «سيّد القِمَنيّ» جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وانقسم الناس حِيالَ شخصِه وفِكره وكتبه أقساماً حادّة!

- فمنهم مَن عدّه نبيَّ التنوير العربيّ!

- ومنهم مَن عدّه مجدّداً.

- ومنهم من عدّه مؤمناً مسلماً.

- ومنهم مَن عدّه كافراً مَرتدّاً.

- ومنهم مَن عدّه معتزليّاً كابن الراوندي والجاحظ والمعريّ!؟

- ومنهم من عدَّ كتبَه جيّدةً، لكنّ ظهورَه على وسائل الإعلامِ، كان سوقيّاً تافهاً.

وأنا شخصيّاً لم أقرأ لهذا الرجل صفحةً واحدةً من كتبه، ولا رأيتُها، فلا يَسعني الحكم على كتبه بشيءٍ!

إنّما القاعدةُ الأصوليّة والمنطقيّة «لا اجتهاد في مَورد النصّ» كافيةٌ للحكم عليه بما قاله هو عن نفسه:

هو قال عن نفسه: «أنا ربّ الإسلام والمسلمين، يا أولاد الكلب!».

وهو قال لأحد تلامذته: «لا بدَ حين تحاوِر أحد التقليديين؛ أن لا تواجهه بفكرك، ينبغي أن تُفهمه أوّلاً أنك مسلم مثله، تؤمن بما يؤمن به، ثم تسحبه قليلاً قليلاً إلى فكرك».

وهو جاهر بكلّ صفاقةٍ، فقال: «أقول لكم من الآخر: أنا كافر».

فنحن لا نزيدُ على ما قال شيئاً، ولا نَنقُص منه.

وأنا لم أكتب هذا المنشور بشأن القمنيّ هذا، فهو أهون عند الله تعالى، ثمّ عندي من أن أشغلَ قرّائي بمثله دقيقةً واحدة!

إنّما وجدتُ مَن يعدّه مفكّراً، ووجدت مَن يعدّ الإعلاميّ الجاهلَ «عمرو أديب» مفكّراً، ومن يعدّ الإعلاميّ الضالَّ «إبراهيم عيسى» مفكرّاً، وهكذا!

لا أيها الإخوة الأكارم: هؤلاء كلهم جهّال بالله تعالى وبالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبدين الإسلام، وحتى بتاريخه!

- لا يجوز أن يقالَ عن إنسان: إنّه مفكّر، حتى يكون متقناً لمناهج المفسّرين، في فهم وتأويل كتابَ الله عزّ وجلّ!

- لا يجوز أن يقال عن إنسانٍ: إنّه مفكّر، حتى يكون متقناً لمناهج المحدّثين في تقويمهم للمروياتِ في السنّة النبويّة، والسيرة النبويّة.

- لا يجوز أن يقال عن إنسانٍ: إنّه مفكّر، حتى يكون متقناً لمناهج المؤرّخين في تقويمهم للمروياتِ في السنّة النبويّة، والسيرة النبويّة، والتاريخ الإسلاميّ.

- لا يجوز أن يقال عن إنسانٍ: إنّه مفكّر، حتى يكون متقناً لمناهج الأصوليّين في تقويمهم للمروياتِ في العقائدِ والأحكام التفصيليّة.

- لا يجوز أن يقال عن إنسانٍ: إنّه مفكّر، حتى يكون متقناً لمناهج المحدّثين والأصوليّين في عمليّة التعارض والترجيح، بين الروايات الحديثيّة، مع آياتِ القرآن العظيم!

الله تبارك وتعالى يصف الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله:

(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) [القلم].

فأيّ روايةٍ حديثيّة أو تاريخيّة يتّفق العقلاء على أنّها منافيةٌ للخلق العظيم؛ فهي باطلة، في أيّ كتابٍ حديثيٍّ، أو تاريخيّ كانت!

فتناول سيرةِ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، من دون إتقانٍ للمناهج السابقة؛ ستجعل المُتناوِلَ يخالفُ كتابَ الله تعالى، ويسيءُ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتماً!

لأنّ أقربَ المؤرّخين الذين تناولوا سيرةَ الرسول؛ هو ابن إسحاق.

فلو جاء امرؤٌ، وبنى مواقِفَه على ما في سيرةِ محمد بن إسحاقَ، من دون معرفةٍ بمنهج ابن إسحاق في سيرته، ومن دون معرفة بمناهج المحدّثين وموقفهم منها، ومن دون معرفة بمناهج المؤرّخين؛ سيقع في تناقضات كثيرةٍ مع القرآن العظيم، ومع صحيح سنّة الرسول وسيرته.

والله تبارك وتعالى يقول لرسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (48) [الطور].

(فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) [فاطر].

(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) [الكهف].

(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) [الشعراء].

(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) [الضحى].  

ما كان الله تعالى ليقول للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا الكلام؛ لولا استحقاقه له، إذ ليس بين اللهِ وبين خلقِه نسبٌ ولا صهر، إنما هي العبوديّة الحقّة!

قال الله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) [الحاقّة].

(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) [الزمر].

أقول: كان من منهج المحدّثين والمؤرّخين المتقدّمين؛ جمعُ كلّ مَرويٍّ، حتى لو كان فيه إساءةٌ إلى الله تبارك وتعالى، وإلى رسولِه صلّى الله عليه وآله وسلّم، اعتقاداً منهم بأنّ جمعَ هذا كلَّه؛ سيضع بين أيدي الأجيال اللاحقة حقيقةَ الإسلام، وجميعَ ما كادَه أعداءُ الإسلام والمسلمين لهذا الدين.

وبمعزلٍ عن صوابِ هذا المنهج أو خطئه؛ فهذا هو الحاصل!

ولأنّ هذا هو الحاصل في الواقع ونفس الأمر؛ وُجدت كتبُ الحديث الصحيحة، ووُجدت كتب الموضوعاتِ المكذوبة، ووُجدت كتب الثقات، ووُجدت كتب الضعفاء والمتروكين من رواة الحديث والتاريخ!

خِتاماً: لقد قرأت أكثر من خمسين كتاباً في الطبّ والفسلجة والتشريح وأجهزة الجسم، وقرأت خمسةَ كتب عن التداوي بالأعشاب والعقاقير الطبيّة!

ومع هذا، فإذا عطستُ ثلاثَ مرّاتٍ متواليةً؛ أقصد الطبيب المختصّ؛ لأنني لست متخصّصاً!

فما بال هذا الدين، يتناول عقائدَه وشرائعه أناسٌ لم يُولُوا علومَه أيَّ اهتمام؟

ولولا أنّ التوجّه الرسميَّ في البلاد العربيّة؛ هو تغريبُ المجتمع المسلم، وإبعادُه عن هذا الدين؛ لما تجرّأ هؤلاء السفلة الجهّال وضرباؤهم على تجاوُزهم أصولَ العلوم وآداب الكتابة والخطاب!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.

الثلاثاء، 15 فبراير 2022

 مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (8):

الصلاة على الصحابةِ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).

علّق السيّد عبدالنصيرِ إدريس، على قولي: «وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً» بقوله: ما الدليل على جواز الصلاة على الصحابة في كلامِك هذا؟

أقول وبالله التوفيق:

الأحكامُ الشرعية المطلوبُ فعلها، هي: الواجبُ والمندوب والجائز.

والصلاةُ على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وآله، هي من السنن والمندوبات بوجهٍ عام!

والصلاةُ على الصحابةِ ليست من جنس المندوبِ عندي، إنما هي من جنس المسكوتِ عليه، وهو الجائز.

ويمكن أن يُستَدَلَّ لجواز الصلاةِ على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، بقوله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) [الأحزاب].

وقوله الكريم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) [التوبة].

ويمكن أن يستأنس للجواز أيضاً، بما أخرجه الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين (13727) من حديث جابر بن عبدالله الأنصاريّ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَعِينُهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَقَالَ: آتِيكُمْ!

قَالَ جابر: فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ: لَا تُكَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَسْأَلِيهِ!

قَالَ جابرٌ: فَأَتَانَا، فَذَبَحْنَا لَهُ دَاجِنًا، كَانَ لَنَا!

فَقَالَ: يَا جَابِرُ، كَأَنَّكُمْ عَرَفْتُمْ حُبَّنَا اللَّحْمَ!

قَالَ جابر: فَلَمَّا خَرَجَ؛ قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي.

أَوْ قالت: صَلِّ عَلَيْنَا!

فَقَالَ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ)

قَالَ جابر: فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتُكِ؟

قَالَتْ: تَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلَا يَدْعُو لَنَا»؟ وإسناده حسن.

وأخرج البخاريّ (1498) ومسلمٌ (1078) من حديث عبدالله بن أبي أوفى - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ؛ قَالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ)!

فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ؛ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى).

أقول: يُلاحَظُ أنّ معنى الصلاة على قومٍ؛ هو الدعاء لهم!

فكيف لا يجوز الدعاء لعامّة الصحابة رضوان الله عليهم، وقد دعا لهم الرسول ؟

نحن ليس لدينا مشكلة مع ستّين ألف صحابيٍّ أو أكثر، إنما مشكلتنا مع عددٍ محدودٍ من ذلك الجيل، هم المنافقون والطلقاء والبغاة.

والذين يلبّسون علينا، وينسبون إلينا الطعنَ في الصحابة؛ سفلة حاقدون!

ودعوى أنّ الطعنَ بصحابيٍّ واحدٍ؛ هو طعنٌ بالصحابة جميعهم؛ هي دعوى سخيفةٍ قميئةٍ، كائناً من كان قائلها، إذ ما من عاقلٍ يقول: إنّ المغيرة بن شعبة مثلُ عبدالله بن عمر، مثلاً، فشتّان ما بين صالحٍ ومنافق فاسق!

إنّ الطعنَ بصحابيٍ لم تكن له استقامةٌ بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم؛ واجبٌ شرعيٌّ، إذا أردتَ أن تروي من طريقه حديثاً عن الرسول الكريم.

ومثل هذه الدعوى الهزيلة؛ دعوى أن جميع الصحابة عدول!

فلا والله لم يكن بعض الصحابة عند خيارهم عدولاً!

بل كان فيهم العدل الورع التقيّ، وكان فيهم دون ذلك، مثلما كان فيهم المنافقون والبغاة وقطّاع الطريق وقتلة النساء والأطفال!

ولا حولَ ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال».

 اجتماعيات (48):

العَيبُ على الذي لا يَحْشِمُ نَفسَه!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).

كتب أحدهم على الفيس بوك ما نصّه: «مَنْ لَزمَ أبا حنيفةَ؛ فقد اتّبع حمّاداً والنخعيَّ وعلقمَةَ وابن مسعودٍ، عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم» انتهى.

فأحببت توضيحَ الأمرِ من جهةٍ، وتقييدَه من جهةٍ أخرى، ظنّاً منّي بأنني أقدّم فائدة إضافيّة لكاتب هذه الكلماتِ، ثمّ للقارئ من بعده، فكتبتُ: «مَن لزم أيَّ إنسانٍ ممن ذكرتَ؛ فإنما لزمه هو.

فإذا روى من طريق شيخه حديثاً صحيح الإسناد والمتن؛ يكون تبع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم.

وما سوى ذلك؛ فهؤلاء اجتهدوا، فأصابوا وأخطأوا، فنسبتهم إلى لزوم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، من كيسك وأكياس مَن يزعم مثل زعمك هذا!

أبو حنيفة يجيزُ إيجارَ بيتٍ ليُتّخذ خمّارةً، أو دار بغاءٍ، فهل ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، شيءٌ من ذلك؟

اتّقوا الله فيما تقولون، وتعلّموا قبل أن تكتبوا»!؟

فتبيّن أنّ الكاتبَ من الرعاع الجهلة، فعقّب على كلامي بقوله: «مَدد يا سيّدنا أبا حنيفة!».

ثم انهال عليّ الطعنُ والسبّ والشتم، وبعضهم رماني بالطعن على أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى.

كان الهدف من المنشور؛ بيانُ أنّ لزوم أيّ مذهبٍ من مذاهب الإسلام؛ ليس لزوماً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالضرورة؛ لأنّ جميع المذاهب قد اجتهد أصحابها فيما وراء النصوص الشرعيّة، فأصابوا كثيراً، وأخطأوا كثيراً أيضاً.

فلا يجوز أن يعتقد أحدٌ أنّ مَن لزم مذهب أبي حنيفة أو مالكٍ أو الشافعي، وغيرِهم؛ يكون قد لزم السنّة النبويّة تماماً، بل هذا خلافُ ما نصّ عليه الأئمّة جميعهم، رحمهم الله تعالى.

أما تكذيبي فيما نسبته إلى الإمام أبي حنيفة؛ فإليك توثيقه، وإن كان من مشهور مذهبه ولا يحتاجُ إلى توثيق!

قال الإمامُ محمّد بن الحسن في الأصل (4: 17) ما نصّه:

«قال: إذا استأجر الذميّ من المسلم داراً ليسكنها؛ فلا بأس بذلك. فإن شرب فيها الخمرَ، أو عبدَ فيها الصَليبَ، أو أدخل فيها الخنازير لم يلحق المسلمَ مِن ذلك شيءٌ من الإثم؛ لأنه لم يؤاجرها لذلك، والإجارةُ جائزةٌ لازمة له.

وكذلك لو اتخذ فيها بِيعةً أو كنيسةً أو بيتَ نارٍ، بعد أن يكون ذلك بالسواد «سواد الكوفة» فإنّ الإجارة جائزة، ولا يلحق المسلم من ذلك شيء، وكذلك لو باع فيها الخمر، وكذلك هذا في الأمصار».

وقال في الهداية للمرغينانيّ (4: 378): «ومَن أجَر بيتاً لِيُتَّخَذ فيه بيتُ نارٍ أو كنيسةٌ، أو بِيعةٌ أو يُباع فيه الخَمرُ بالسواد؛ فلا بأس به، وهذا عند أبي حنيفة!

وقالا - يعني أبا يوسفَ ومحمّداً - لا ينبغي أن يُكريَه لشيءٍ من ذلك؛ لأنه إعانةٌ على المعصية».

فهذان أكبرُ أصحاب أبي حنيفة خالفاه، ولم يلزما قولَه؛ لأنهما لا يريان لزوم قولِه؛ هو لزوم قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم!

فما بال رعاع قومي (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ)؟

وانظر هذا الكلام ذاتَه في المصادر الحنفيةِ الآتية:

بداية المبتدي (ص: 224) والاختيار (4: 162) وتبيين الحقائق (6: 29) والعناية بشرح الهداية (10: 59) وملتقى الأبحر (ص: 186) وشرحه (2: 529) والبحر الرائق (8: 230).

أقول: أنا الفقير لا أقول شيئاً لست على يقينٍ منه، وما عليّ إذا لم يفهم البقر؟

حاشاكم روّاد صفحتي الأكارم.

ختاماً: لا يوجد بشرٌ من البشر - سوى النبيين - جميعُ ما يقوله صحيح وحقّ، على الإطلاق، من الصحابة رضي الله عنهم، فمن دونهم.

ولو لم يكن للمذهبيّة من شرٍّ، سوى هذا التعصّب المقيت؛ لكفى بها جهلاً وغوغائيّة!

ولست أدري أيسكتُ أحدنا عن قول الحقّ، حتى لا يشتمه السفلة الرعاع الجهلة؟

]رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[.

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلَّم تَسليماً

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 12 فبراير 2022

      مَسائل حديثية (27):

حديث رَزيّة الخميسِ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

قرأت لأحد الإخوةِ الأحبابِ تعليقةً يقول فيها: «ليس كلّ حديثٍ صحيحٍ متواتراً، بالتواتر يشترط معرفةَ جميع الناس، بجميع الطبقات.

وهذا الحديث - رَزيّة الخميس - لا يعرفه أحد في الأجيال السابقة، حتى منتصف القرن الثالث الهجريّ (فلان عن فلان) فإنّ حديثَ رزيّة الخميس حديثُ آحادٍ ضعيفٌ، ولا يمكن أن يكون صحيحاً، فضلاً عن أن يكون متواتراً» انتهى.

أقول وبالله التوفيق:

في هذا الكلام نظر من وجوه شتّى:

الوجه الأوّل: أنّ التواتر نوعٌ، تحته جنسان: التواتر الضروري، والتواتر الاستدلاليّ.

أمّا التواتر الضروريّ: فيحمل الخبرَ الذي إذا سمعه المسلم، عالماً أم عاميّاً؛ أيقن بصحّته، كما قال الأخ الكاتب.

وأمّا التواتر الاستدلاليّ: فهو التواتُر الذي تقتصر معرفته على أهل الاختصاص من العلماء.

الوجه الثاني: لا يُشتَرطُ لقَبولِ الخبر أن يكون متواتراً، لا عند أهل السنّةِ ولا عند الزيدية ولا عند الإماميّة ولا عند الإباضيّة، إنما يَشترطون لقَبول الخبر أن يكون صحيحاً، إذا لم يكن في أمّهات الاعتقادات.

وحديثُ رزيّةِ الخميس خبرٌ تاريخيّ، لا يُشتَرط لقَبوله أكثرَ من كونه صحيحاً؛ لأنه يحمل حدثاً تاريخيّاً صدَر عن بعضِ الصحابةِ مثلُه وأشدّ منه.

الوجه الثالث: هل صحيح أنّ خبر رزيّة الخميس لا يعرفه أحدٌ من الناس، إلا في منتصف القرن الثالث الهجريّ؟

لو سألنا كاتبَ التعليقةِ: عمّن أخذتَ العلمَ؟

سيقولُ عن شيخي أبي الحسن الخوئيّ.

وشيخُك عمّن أخَذَ العلم؟

سيقول عن شيخِه فلان!

وفلانٌ عمّن أخّ العلمَ؟

سيقول عن شيخه فلان!

فهؤلاء الشيوخ الذين يوقن الكاتبُ أنّ أحدهم أخذَ العلم عن الآخر؛ استغرقت حياتُهم قرنين من الزمان تقريباً، ونحن قد لا نعرف هذا الخبرَ إلّا من جهة الكاتب.

فهل نَقبَلُ كلامَه أو نرفضُه؟

الجواب: إذا كان الكاتب عندنا ثقةً صادقاً؛ قبلنا كلامَه، لأننا إذا رفضنا كلامَه؛ كذّبناه، ونحن سبقَ أن أقررنا بأنّه ثقة!

وحديث رزيّة الخميس أخرجه جمعٌ غفير من المحدثين، منهم: عبدالرزاق الصنعاني في مصنّفه (5: 438) والنسائيّ في السنن الكبرى (5: 316) و(7: 63) وأبو عوانة في مستخرجه (12: 589) وابن حبان في صحيحه (14: 562) واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (2443) وغيرهم.

لكنني سأحصي عددَ الرواةِ في كلّ طبقةٍ، من ثلاثة مصادر فحسب، تخفيفاً على القارئ الكريم، وتوضيحاً للأخ الكاتب، حتى لا يتسرّع فيضعّف ما لا يروق له بعقله، بعيداً عن القواعد العلميّة للتصحيح والتضعيف، فيأثم!

قال الإمام أحمد (241 هـ) في مسنده (1834): حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عيينة (196 هـ ) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ المكي (120 - 130 هـ) سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ (94 هـ) يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (68 هـ): يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ.

وقال الإمام أحمد في مسنده (2544): حَدَّثَنَا حَسَنٌ بن موسى الأشيب (209 هـ) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بن عبدالرحمن المؤدّب (164 هـ) عَنْ لَيْثِ بن أبي سليم (148 هـ) عَنْ طَاوُسٍ (106 هـ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) أَنَّهُ قَالَ لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقال الإمام أحمد في مسنده (2835): حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بن حازمٍ (206 هـ) حَدَّثَنَا أَبِي (170 هـ) قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ بن يزيد النجّاد (159 هـ) يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ (124 هـ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (98 هـ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) قَالَ لَمَّا حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَفَاةُ.

وقال الإمام أحمد في مسنده (2945): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بن همام (211 هـ) حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بن راشد (154 هـ) عَنِ الزُّهْرِيِّ (124 هـ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (98 هـ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) قَالَ لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقال الإمام أحمد في مسنده (3165): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ بن الجراح (196 هـ) حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ (159 هـ) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ (112 هـ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (94 هـ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) قَالَ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ.

وقال البخاريّ (256 هـ) في صحيحه (114) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الجعفي (237 هـ) قَالَ: حَدَّثَنِي عبدالله بْنُ وَهْبٍ (197 هـ) قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بن يزيد النجّاد (159 هـ) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ (124 هـ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (98 هـ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) قَالَ لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ.

وقال البخاريّ في صحيحه (3053) حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بن عُقبة (215 هـ)حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ (196 هـ) عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ (120 - 130 هـ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (94 هـ)عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ فَقَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ.

وقال البخاريّ في صحيحه (3168) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بن سلّام البيكنديّ (227 هـ): حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ (196 هـ) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلِ  (120 - 130 هـ) سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ (94 هـ)سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ (68 هـ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ.

وقال البخاريّ في صحيحه (4431) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد (240 هـ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عيينة (196 هـ)عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ  (120 - 130 هـ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (94 هـ) قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (68 هـ) يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ.

وقال البخاريّ في صحيحه (5669) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى التميميّ (220 هـ) حَدَّثَنَا هِشَامُ بن يوسف الأبناويّ (197 هـ) عَنْ مَعْمَرٍ بن راشد (154 هـ).

وقال البخاريّ في صحيحه (5669) وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجعفيّ (229 هـ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بن همّام (211 هـ): أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (154 هـ) عَنْ الزُّهْرِيِّ (124 هـ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (98 هـ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ.

فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ!

فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:قُومُوا!

قَالَ:عُبَيْدُاللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ».

وقال البخاريّ في صحيحه (7366) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى التميميّ (220 هـ) أَخْبَرَنَا هِشَامٌ بن يوسف الأبناويّ (197 هـ) عَنْ مَعْمَر بن راشد (154 هـ) عَنْ الزُّهْرِيِّ (124 هـ) عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (98 هـ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (68 هـ) قَالَ لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقال الإمام مسلم في صحيحه (1637) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (227 هـ) وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (240 هـ) وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (235 هـ) وَعَمْرٌو بن محمد النَّاقِدُ (232 هـ) - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ - قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عيينة (196 هـ) عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ  (120 - 130 هـ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (94 هـ) قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (68 هـ): يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ.

قال عداب عفا الله عنه بفضله:

الطبقة الأولى هي طبقة البخاري (256 هـ) ومسلم (261 هـ) من طبقة واحدة، فهما مشتركان في أكثر شيوخهما، وأحمد نفسه من شيوخهما.

وقد رواه مع البخاري ومسلم، ومن طبقتهما:

زكريا بن يحيى، عند النسائيّ في الكبرى (5821).

ومحمد بن عبدالله بن المبارك، عند النسائيّ في الكبرى (5826).

ومحمد بن منصور، عند النسائيّ في الكبرى (5823).

وبكار بن قتيبة البكراوي، عند أبي عوانة في مستخرجه (6198).

ومحمد بن يحيى الذهلي، عند أبي عوانة في مستخرجه (6193).

ويونس بن عبدالأعلى، عند أبي عوانة في مستخرجه (6196).

أما مَن وفياتهم بين (230 - 250 هـ) من طبقة شيوخهم، فهم:

أحمد ابن حنبل (241 هـ).

وأبو بكر بن أبي شيبة (235 هـ).

وعمرو بن محمد الناقد (232 هـ).

وقتيبة بن سعيد (240 هـ)

ويحيى بن سليمان الجعفيّ (237 هـ).

فهؤلاء خمسة من شيوخ البخاري ومسلم يعرفون الحديث، وهم طبقة واحدة!

وأما مَن كانت وفياتهم بين (215 - 230 هـ) فهم:

إبراهيم بن موسى التميميّ (220 هـ).

وسعيد بن منصور (227 هـ).

وعبدالله بن محمد الجعفي (229 هـ).

وقبيصة بن عقبة (215 هـ).

ومحمد بن سلام البيكنديّ (227 هـ).

وهؤلاء خمسة من طبقة كبار شيوخ البخاري ومسلم أيضاً.

فصار لدينا في نصف قرن عشرة شيوخ يعرفون هذا الحديث، وليس كما قال الكاتب، لا يعرفه أحد قبل منتصف القرن الثالث الهجريّ.

فإذا جئنا إلى الطبقة الثالثة، طبقة شيوخ الإمام أحمد، وشيوخ شيوخِ الشيخين؛ وجدنا:

حسن بن موسى الأشيب (209 هـ).

وسفيان بن عيينة (196 هـ).

وعبدالرزاق بن همام (211 هـ).

وعبدالله بن وهب (197 هـ).

وهشام بن يوسف (197 هـ)

ووكيع بن الجراح (196 هـ).

ووهب بن جرير (206 هـ)

فهؤلاء سبعة ثقاتٍ، رووا هذا الحديث وعلموا به في أقلّ من عشرين سنة!

وأمّا الطبقة الرابعة؛ فوجدنا فيها خمسة رواة ثقاتٍ، هم:

جرير بن حازم (170 هـ).

شيبان بن عبدالرحمن (164 هـ).

مالك بن مِغْوَلٍ (159 هـ).

معمر بن راشد (154 هـ).

ويونس بن يزيد (159 هـ).

أمّا الطبقة الخامسة؛ فوجدنا فيها:

 سليمان بن أبي مسلمٍ الأحول (130 هـ).

وليث بن أبي سليم (148 هـ).

ومحمد بن مسلم الزهريّ (124 هـ).

أمّا طبقة الرواة عن ابن عبّاس، وهي الطبقة الأخيرة؛ فوجدنا فيها:

سعيد بن جبير الشهيد (94 هـ).

وطاوس بن كيسان (106 هـ).

وعبيدالله بن عبدالله المسعودي (98 هـ).  

فالحديث مستفيضٌ أو مشهور عن ابن عبّاسٍ، رواه عنه ثلاثة من ثقات أصحابه، ورواه عنهم في حدود هذه الكتب الثلاثة فحسب، ثلاثة أيضاً، ثم اشتُهر أكثر بعد ذلك.

فكيف يمكن لرجل مسلمٍ يخاف الله تعالى، ويعلم أنّه سيحاسب يوم القيامة على كلّ كلمة يقولها؛ أن يقول: هذا حديث ضعيف؛ لأنه لم يوافق هواه؟

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.  

        والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.

 مَسائِلُ عَقَدِيّةٌ (10):

أَصْنافُ المُسلمينَ والكافِرينَ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عددٌ من الإخوة طلبوا أن أوضح لهم القولَ الفصل في أتباع الديانات المعاصرة، أهم كافرون، أم مؤمنون، أم منافقون، أمْ ما توصيفُهم؟

خصوصاً وقد صار هناك تمازج بين أتباع الديانات، وصارت في المجتمعاتِ الغربية أقليّاتٌ إسلاميّة كثيرة؟

أقول وبالله التوفيق:

قبل أن نتحدّث عن المجتمعاتِ غير الإسلاميّة؛ علينا أن نتحدّث عن المجتمعات الإسلاميّة، حتى يتوضّح لكلّ قارئٍ أننّا لا ننطلق في أحكامنا على البشرِ من أهوائنا وتعصّبنا لما نحن عليه من دينٍ أو مذهب!

المجتمعاتُ الإسلامية في الرقعة الإسلامية الواسعة التي تشمل الوطن العربيّ والوطن التركي، والوطن الإيرانيّ، والوطن الهندي، والوطن الماليزيّ، والوطن الأندونيسيّ، وغيرها من الأوطان، ومن الأقليّات؛ ينقسم إلى خمسة أقسام:

القسم الأوّل: المؤمنون، وهم الذين فهموا دينَ الإسلام فهماً صحيحاً، واقتنعوا علميّاً بأركان الإيمان وأركان الإسلام، وكلّ ما يتصّل بالحلال والحرام، فالتزموا بالواجبات الدينيّة، وانتهوا عن المنهيات الدينية تماماً، وسارعوا في مندوبات الأقوال والأفعال (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) [الأنفال].

القسم الثاني: المسلمون، وهم الذين لا يَفقهون دين الإسلامِ، كما يفقهه الأولون، لكنْ لديهم اعتقاد عام بدين الإسلام، وهم يقرّون بأركان الإيمان وأركان الإسلام ويقيمون الشعائر الدينيّة، ويمتنعون عن المنهيّات، كلما علموا أنها كذلك.

القسم الثالث: عامّة المنتسبين إلى الإسلام، وهم الذين وُلدوا من أبوين مسلمين، في بيئةٍ إسلامية، لديهم عواطف إسلاميّة، وإقرار بأركان الإيمان وأركان الإسلام، لكنهم لا يلتزمون بالعباداتِ المفروضة، من طهارةٍ أو صلاة أو صيام أو زكاة أو حجٍّ مع القدرة، فهؤلاء فسّاقٌ، ومعنى الفاسق: هو الكافر كفراً عمليّاً، لا نخرجه من دائرة الإسلام العامّة، ولا ندخله بين المسلمين، فضلاً عن المؤمنين.

القسم الرابع: المنكرون بعضَ دين الإسلام، كمنكري آيةٍ من القرآن الكريم، أو المنكرون لحرمة الربا أو الزنا أو اللواط أو أيّ شيءٍ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهم اليومَ كثيرون جدّاً جدّاً، في المجتمعات الإسلامية!

فهؤلاء لا نَعدّهم مسلمين أبداً، ولا نحكم عليهم بالكفر، حتى نقيمَ على الواحد منهم الحجّة الشرعيّة، من دون أدنى إكراه، فمن رجع إلى الإسلام، ونطق بالشهادتين؛ نقول: إنّه في دائرة الإسلام العامّة، ثم نحكم عليه بالإيمان أو الإسلام أو الفِسق، على حسب أقواله وأفعاله، بعد إعلانه الرجوع إلى الإسلام.

ومَن أُقيمت عليه الحجّةُ، فبقي منكراً بعضَ ما تقدّمَ من المعلوم من الدين بالضرورة؛ فقد خرج من الإسلام تماماً (وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم)!

- القسم الخامس: العلمانيون بطوائفهم، ومنهم الملاحدة والشيوعيون والماركسيون والوجوديون، والذين يؤمنون بالدولة المدنيّة، التي تسوّي بين المسلم والكافر، والتي ليس فيها حلالُ ما أحلّ اللهُ، وحرامُ ما حرّم الله تعالى.

فهؤلاء كفّار مرتدّون، وإن عاشوا بين المسلمين، أو انتسبوا فقالوا: نحن مسلمون؛ لأنّ مَن أنكر مَعلوماً واحداً من الإسلام بالضرورة؛ يُبيّنُ له الحقّ فيه، وتقام عليه الحجة، فإن أصرّ؛ فهو كافر مرتّدٌ!

وليس كلّ كافرٌ حلالُ الدمِ، كما يتبادَر إلى الأذهان، مِن رَبط الكفر بالقَتل، فالكافر الذي يُقتَل إجماعاً؛ هو الكافر المُقاتِل الحربيُّ، وما وراء ذلك من أصناف الكافرين، لا يُقتلون إلّا بأسبابٍ أخرى سوى الكُفر، تفصيلاتُها في كتب الفقه الإسلامي.

ولا يكون شيءٌ من ذلك أصلاً، قبل أن تقومَ دولةٌ إسلاميّة تُحكِّم شريعةَ الله تعالى في جميع شؤون الحياة الدينية والدنيويّة، هي وحدها التي يحقّ لها أن تنظر في انحرافاتِ الرعيّة، وليس لآحادِ المسلمين، مهما علا شأنهم؛ فِعلُ شيءٍ من ذلك!

ممّا تقدّم يتوضّح أن أكثر المسلمين اليومَ، هم في دائرة العوّام الفسّاق، وليسوا مسلمين ملتزمين بشرائع الإسلام، فضلاً عن كونهم مؤمنين!

وكثيرٌ ممّن ينتسب إلى الإسلام؛ هم كفّار في الحقيقةِ ونفس الأمر!

فلا غَرْوَ بعد ذلكَ مِن القَول: مَن لا يؤمن بوحدانيّةِ الله تعالى، ونفيِ الولد والوالد والشريك عنه، أو لا يؤمن بأنّ القرآن الكريم من عند الله تعالى، أو كان لا يؤمن بأنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلم، رسولٌ من عند الله تعالى، أو كان لا يؤمن  بالبعث والنشور.

لا يعود صعباً ولا غريباً أن نقول: إنّ جميع هؤلاء كفّار؛ لأنّ حقيقةَ الإيمان هي اليقين، وحقيقةَ الإسلام هي الإقرار والعمل، وحقيقة الكفر هي الإنكار.

وجميع غير المسلمين من أهل الكتابِ، ومن الوثنيين، والطبائعيين والوجوديين؛ ينكرون جميع ما تقدّم، ويرفضون عقائدَ الإيمانِ وشرائعَ الإسلام ونبوّة نبيّ الإسلام محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلم، وينكرون إلهيّة القرآن العظيم.

وهذا كافٍ لتعرف أخي القارئ الجوابَ التفصيليّ بنفسك عن كلّ ملّةٍ من الملل.

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 4 فبراير 2022

 عَلَى جَناحِ الخَيالِ (1)!؟

حكاياتٌ ذاتُ مَغْزىً وأهدافٍ تربويّة!؟

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

تمهيد:

كان هذا العُنوانُ « على جناح الخيال» عنواناً لدفتر من مذكّراتي، كتبتُه عام (1971) في ليالي الشتاء القارسة، في مدينة «حلفايا» العربية الأصيلة الجميلةِ، وعرضتُ مقدّمةَ هذا الدفتر على أستاذي وزميلي في هيئة التدريس بالمدرسة ذاتها، الأستاذ الجميل الشريف عبدالغنيّ بن أحمد الحدّاد الجيلانيّ، مثلما كنتُ أعرِضُ عليه شِعري؛ ليوجهني إلى الأفضل، له خالص تحيّاتي واحترامي!

كانت مقدمةُ الكراسِ في إحدى عشرة صفحة، قرأ منها ثلاثَ صفحاتٍ فيما أذكر، ثم راحَتْ دموعُه تهطل من عينيه النبيلتين غِزاراً، ورمى إليّ الدفتر قائلاً: ما هذا يا شيخ عداب؟

هل من المعقولِ أنّك عانيت كلَّ هذه المعاناةِ، ثمّ تستطيع أن تضحك؟!

عندما اعتُقلتُ مع زوجتي وطفلتي في بيت سيّدي الشهيد مروان خالد حديد، رحمه الله تعالى، عام (1975م) والله يشهد أننا كنّا في زيارة عائليّة له، بناء على طلبه وإصراره!

إذ كنّا وزوجتي وبنتي الطفلة آنئذٍ «أمّ فيصل» اليوم، مسافرين إلى مدينة «بني غازي» الحبيبةِ، في ليبيا.

عَقِبَ هذا الحدثِ القَدَريّ؛ صادرت الأجهزة الأمنيةُ أغراضَنا وجوازاتِ سَفرنا، وما مَعنا من المال القليل، وهو لا يزيد على (400) دولار أمريكيّ!

وكان ممّا صادرت هذا الدفتر «على جناح الخيال» ودفترين كنتُ كتبتُ فيهما «منهج الحركة والتغيير في سوريا» بأمرٍ من الشهيد مروان، رضي الله عنه، وعدّةَ دفاتر فيها قرابةُ (8000) بيتٍ من شعر الشباب القويّ الرصين، قريبِ عَهْدٍ بمقدرتي الأدبيّة!

في مكّة المكرّمة، بعد عام (1978م) بدأتُ أكتب ذكرياتٍ عن صلتي بالشهيد مروان حديد، وأستكتب بعضَ المقرّبين منه شهاداتٍ، تطوّرت فيما بعدُ إلى كتابي «الشهيد مروان حديد ومنهجه في الدعوة والجهاد» فورد على خاطري إعادةُ كتابة مذكّراتي الأليمة الحزينة «على جناح الخيال»!

كتبتُ منها، وبأسلوبٍ ألطفَ مما كتبته عام (1971م) وأكثر واقعيّةً، قرابةَ (300) صفحة (فولسكاب) وحجبتُها عن أولادي، حتى لا يتأثّروا بما فيها.

عِندما اعتقلتني السلطاتُ السعوديةُ، في صباح الحادي والعشرين من رمضان، من شهور سنة (1411 هـ) ثمّ سفّروني مشكورين إلى الأردنّ، بعدما كانوا قرّروا تسليمي إلى سوريّا؛ حمّل تلامذتي الأفاضلُ، وفي طليعتهم الشريف صالح بن سليمان الموسى أغراضَ بيتيّ ومخطوطاتي وأبحاثي في سيّارة كبيرة جدّاً، قيل لي يومها: تُدعى «سكسويل».

ألقتْ السيارةُ الأغراضَ في جمارك الأردن، ريثما استطعنا إخراجها من هناك، بعد عشرة أيّام تقريباً!

في هذه المدّة؛ فقدنا أغراضاً عديدة نفيسة نفيسة نسبياً عندنا، وإلا فهي لا تساوي إلا قدراً يسيراً من المال وفقدنا ثلاثَةَ صناديق كرتونية، فيها أبحاثٌ لي، وتعليقاتٌ كنت أسجّلها عن شيوخي الأكارم، وخاصّة عن الدكتور إبراهيم خليفة، الذي قرأت عليه، ما لم أقرأ بعضَه، على أيّ شيخٍ آخر في الجامعة.

وعندما راجعتُ ثبتَ الأبحاث، الذي أعدّته زوجتي أمّ سعيد بنت الشيخ سعيد حوّى، عافاها الله تعالى وشفاها، وكان عدد الأبحاث في الفهرس المسجّل، دون غير المسجّل (226) بحثاً، أو (216) بحثاً؛ فقدنا من المسجّل (13) عشر بحثاً، ومن غير المسجّل جميعَ ما كتبتُه عن شيوخي، وجميع ما كتبتُه من أبحاثٍ صغيرةٍ كلفوني بها في أثناء دراستي عليهم.

ومن أهمّ ما فقدناه، كتابي «ظاهرة الانحراف السياسيّ في القرن الأوّل» وبحثي الماتع «بين منهج المحدثين والمؤرخين في نقد الخبر» الذي أعجب أستاذي الدكتور أحمد محمد نور سيف كثيراً، وقال لي يومها: «لو طوّرت هذا البحث قليلاً، لصَلُح رسالةً للحصول على درجة الماجستير» ومذكراتي التي أشرتُ إليها «على جناح الخيال».

وللحق والأمانة؛ لم يكن فيها كلمةٌ واحدةٌ من نسج الخيالِ، لكنني أطلقتُ عليها هذا العنوان، بصفتها تجربةً يُفيد منها كلُّ قارئ، من دون أنْ يُكذّب كاتبَها، أو يستريب في بعض مضامينها؛ لأنّها صعبةُ التصوّر والتصديق!

وتحت وطأةِ حظر «الفيسبوك» الذي بلغ ثلاثَ عشرةَ مَرّة، حتى اليوم!

وحتّى أُعجِز الفيسبوك وزبانيّته الصغار عن حظري؛ خطر لي في أيّامي هذه «يوميّات الغروب» أن أكتب مقالاتٍ، أدبيةً تحت هذا العنوان «على جناح الخيال» لها كبيرُ صلةٍ بمذكراتي، وبتاريخ حياتي مباشرةً!

ولا يخفى على مثّقف منكم أنّ كتابةَ القصص والحكايات على ألسنة السباع والبهائم والطيور؛ معروفةٌ ميسورة، ولا أظنّ مثقفاً لم يقرأ كتابَ كليلة ودمنة مثلاً!

ومن وراء ذاك الهدفِ الأسمى؛ سيكون فيها متعةٌ بيانية، وصوَرٌ جميلةٌ، وخيالٌ خِصبٌ واسع، وأشعارٌ ارتجاليّة على ألسنة أبطال المقالات!

وسأصّدر هذه المقالاتِ جميعِها بقولي: قال الراوي!

فمتى قرأتَ أخي القارئ هذه الجملة؛ فاعلم أنّ الكلامَ الذي وراءها هو للمتعة الأدبيّة والتسلية، وإفادةِ بعض الحِكَم المبتكرة من قِبلي، أو المستقاة من مقولات المتقدمين، فاستفدْ ممّا تقرأ، ولا تحاكم الكاتب إلى خيالِك أنت، فالكلمة الحكمة؛ ضالّةُ المؤمن، كما ورد في حديثٍ غريب!

والله المستعان وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.

الخميس، 3 فبراير 2022

 مَسائِلُ عَقَدِيّةٌ (9):

رَسولُ السماواتِ الجَديدُ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عددٌ من الإخوةِ طلبوا مني البيانَ بشأنِ مُدّعي الرسالةِ «نشأت منذر» وبعضهم ألحّ بطريقةٍ أزعجتني؛ لأنّ إلحاحَه؛ دليل جهلِه بمبادئ الإسلام الأولى!

لكنْ ماذا نصنع في عصرٍ طَمَى فيه الجهلٌ، وفشا الارتيابُ، ولا حول ولا قوّةَ إلّا بالله العليّ العظيم!

أقول وبالله التوفيق:

- أوّل توضيحٍ لأولئك المساكين، وليس ردّاً على ذلك الدعيّ الغبيّ الجاهل؛ هو أنّ الله تبارك وتعالى قال: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ، وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) [الأحزاب].

هذا الجاهل الدعيّ يقول: إنّه مرسلٌ من السماواتِ، وليس بنبيّ وهذا مزيد جهلٍ منه، إذ كلّ رسولٍ نبيٍّ، من دون عكس!

إذ الرسولُ صاحبُ رسالة جديدةٍ، والنبيّ قد يكون تابعاً لرسولٍ قبله، كما كان زكريّا ويحيى تابعَيْن شريعة موسى، عليهم السلام.

قال الله تعالى مخاطباً عبدَه محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) [الأعراف].

(يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (67) [المائدة].

(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) [الأحزاب].  

- والتوضيح الثاني: أنّ هذا الدعيَّ الجاهلَ يقول: إنّ اللهَ والآلهةَ يزورونه في بيتِه، ويلتقي معهم، ومقتضى هذا أنّه يرى الله تبارك وتعالى!

وحين سألَ بنو إسرائيلَ البدائيّون الجهّال موسى عليه السلامُ بأن يريهم اللهَ تعالى جهرة، ماذا جرى!

(سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) [النساء].

فمن يطلبُ رؤيةَ الله تعالى؛ عقوبته صاعقةٌ من السماء، فكيف بمن يزعم أنّه يلتقي مع الله تعالى، ويجتمع به!

- التوضيح الثالث: هذا الدعيُّ الغبيّ الجاهلُ، يزعم أنّ الآلهة تزوره في موضع إقامته!

ومعلومٌ لدى جميع الأديان الإلهيّة أنّه (ما مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) [المائدة].

وأنّ القائلَ بوجود إلهٍ سوى الله تعالى مجرم، وليس برسول!

(إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافّات].  

- التوضيح الرابع: يقول هذا الدعيّ الجاهل: إنّه إذا كان فوق مجرّة الزُهرة، فإنه يخضع لقوانينها، وإذا كان فوق المريخ؛ يخضع لقوانينه، وهكذا!

ومعلومٌ لدى البشر جميعاً؛ أنّ النزولَ على سطح القمر القريب؛ كلّف أمريكا وروسيا ملياراتِ الدولارات، فإذا كان هذا الدعيّ يستطيع السفر إلى الزهرة والمريخ مباشرةً؛ فليأخذ معه واحداً من العقلاء، برهاناً على صدق دعواه.

أعلم أنّه يقصدُ العروجَ الروحيَّ، وليس العروجَ الماديّ، لكنّ العروجَ الروحيّ دعوى، لا يصعب على أيّ مؤمن أو كافر، صغير أو كبيرٍ، ادّعاؤها، وبالتالي، فهي لا تصلح برهاناً على صدق الدعوى!

ومثلُ هذا، دعواه أنّ الأنبياءَ من لدن إبراهيم إلى محمّدٍ العظيم، صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين، يزورونه في مقرّه المعظّم أيضاً!

خِتاماً: كُنْ على يقينٍ من دينك أخي المسلم، ولا يخدعنّك عنه كلُّ صائح!

وتعلّم البراهينَ الدالّةَ على صدق القرآن الكريم، من داخلِه، وتعلّم الأدلّة على صدق رسولك محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم من داخلِ القرآن أيضاً، ثمّ سلّم لما في هذا القرآن العظيم، ولما صحّ عن الرسول الكريم.

وإيّاك والجدالَ والخصومات في الدين، فقد عاب الله تعالى الخصوماتِ والجدالَ في الدين، فقال جلّ شأنُه:

(وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) [الزخرف].

رُوي أنّ رجلاً كان يُتّهم بالإرجاء، فقال لمالكِ بن أنسٍ الإمام: يا أبا عبدالله: اسمع شيئا مني، أكلّمْك به، وأحاجَّك!

قال مالك: فإنْ غَلبتَني؟ قال: تَتْبَعني!

قال مالك: فإن جاءَ رجلٌ آخرُ، فغلبني وإياك؟ قال: تبعناه.

فقال مالك: بعث الله محمداً صلّى الله عليه وسلم بدين واحدٍ، وأراك تَنتقِل من دين إلى دين».

ورحم الله عمر بن عبدالعزيز الخليفة الأمويَّ، إذ يقول: « مَنْ جَعَلَ دِينَهُ عَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ».

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.