الخميس، 10 يوليو 2025

     التَصوّفُ العَليمُ:

هو الطريقُ الأمثلُ لوحدةِ المسلمين!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلامٌ عَلَى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطفَى).

أمّا بعد:

قال شيخُ التصوّف في عصره، أبو القاسم القُشيريُّ في رسالته (ص: 45):

«يَحكي الجُنيدُ البغداديّ (ت: 297 هـ) عَنِ خالِه السَريِّ السَقَطيِّ (ت: 257 هـ) أَنَّهُ قَالَ: التَصوّف اسم لثلاثةِ مَعان:

هُوَ الَّذِي لا يُطفئ نورُ مَعرفتِه نورَ وَرَعِه.

ولا يَتَكَلَّم بباطنٍ، فِي عِلمٍ، يَنقضُه عَلَيْهِ ظاهرُ الكتابِ أَوِ السُنّةِ.

ولا تَحمِلُه الكراماتِ عَلَى هَتكِ أستارِ مَحارمِ اللَّه».

وقال (ص: 95): «قال شيخُ الريِّ والجبالِ في وقته يوسفُ بن الحسين (ت: 304 هـ): «إِذَا رأيتَ المُريدَ يَشتغلُ بالرُخَصِ؛ فاعْلَمْ أَنَّهُ لا يَجيءُ مِنه شَيْءٌ.

وكتب إِلَى الجنيدِ يقول: لا أذاقَكَ اللهُ طَعْمَ نَفْسِك، فإنّك إِنْ ذُقْتَه؛ لَمْ تَذُقْ بَعدَها خيراً أبداً».

وقال في (ص: 148):

هَذا هُوَ مَوضِعُ ذِكرِ جَمَاعَةٍ مِن شيوخ هذه الطائفةِ، كَانَ الغرضُ مِن ذِكرهم فِي هَذَا الموضعِ؛ التَنبيه عَلَى أنّهم:

- مُجمعون عَلَى تَعظيم الشريعةِ.

- مُقيمون عَلَى متابعة السُنّةِ.

- غَيْرَ مُخلّين بشيءٍ مِن آدابِ الديانةِ.

- مُتّصفونَ بسلوكِ طُرقِ الرياضةِ.

- مُتفقون عَلَى أَنّ مَن خَلا مِن المُعاملات والمجاهدات، وَلَمْ يَبْنِ أمرَه عَلَى أساسٍ منَ الوَرَعِ والتَقوَى؛ كَانَ مُفترياً عَلَى اللَّهِ سبحانَه وتعالى، مَفتوناً فيما يَدّعيه، هَلَكَ فِي نَفْسِه، وأهْلَك مَن اغْتَرَّ بِهِ، مِمَّن ركَن إِلَى أباطيلِه».

وفي (ص: 153) يوضح لنا مقصوده من الرياضة فيقول:

سمعتُ الأستاذَ الحسنَ بنَ عليٍّ أبا عَلِيٍّ الدقاقَ (ت: 405 هـ) يقول: «الكَيّسُ مَن كَانَ يُحْكِمُ وقتَه:

-إِنْ كَانَ وقتُه الصَحْوَ؛ فقيامُه بالشريعةِ.

-وإنْ كَانَ وقتُه المحْوَ؛ فالغالبُ عَلَيْهِ أحكامُ الحَقيقةِ، ومِن ذَلِكَ المَقامُ.

والمَقامُ: مَا يَتحقّق بِهِ العبدُ بمنازلَتِه مِن الآدابِ، بِمَا يَتوصّلُ إِلَيْهِ بنوعِ تَصرّفٍ، ويَتحقّق بِهِ بضربِ تَطَلُّبٍ ومُقاساةِ تَكَلّفٍ.

فمقامُ كُلّ أحدٍ؛ مَوضعُ إقامته عِنْدَ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ مُشتغِلٌ بالرياضةِ لَهُ.

وشَرطُه أَنْ لا يَرتقيَ مِن مَقامٍ إِلَى مَقامٍ آخرَ؛ مَا لَمْ يَستوفِ أحكامَ ذَلِكَ المقامِ.

فإنّ مَن لا قَناعةَ لَهُ؛ لا يَصحُّ لَهُ التَوكُّلُ.

ومَن لا توَكُّلَ لَهُ؛ لا يَصِحَّ لَهُ التَسليمُ.

وَكَذَلِكَ مَن لا تَوبةَ لَهُ؛ لا تَصِحَّ لَهُ الإنابةُ.

ومَن لا وَرعَ لَهُ؛ لا يَصِحُّ لَهُ الزُهدُ.

والمَقامُ؛ هُوَ الإقامةُ، كالمُدْخَلِ بمعنى الإدخالِ، والمُخْرَجِ بمعنى الإخراجِ.

ولا يَصحُّ لأحدٍ مُنازلةُ مَقامٍ؛ إلا بشهودِ إقامةِ اللَّهِ تَعالَى إيّاه في ذَلِكَ المقامِ؛ ليَصِحَّ بناءُ أمْرِه عَلَى قاعدةٍ صَحيحة».

هذا نموذجٌ من طُرقِ التصوّف، الذي نرجو أن يوفّقنا الله تعالى إلى سلوكِه، وندعو طالبي رضوانَ الله تعالى من الناس إليه، وهو الذي من شأنه أنْ يُصلِحَ النفوسَ، ويلين القلوب، ويؤلّف بين قلوبِ المسلمين.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

  التعايش السلميّ بين المسلمين:

     لماذا التعايش؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102).

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا.

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا.

وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103).

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104).

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا، مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105).

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ؟

فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106).

وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ؛ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107).

تِلْكَ آيَاتُ اللهِ، نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) [آل عمران].

أمّا بعد: كلمةُ «التعايشِ» تعني في أيسرِ معانيها؛ أن تعيشَ معيَ وأعيشَ معكَ، في ضوء المشتركات الاجتماعيّةِ أو الدينية، مع التغاضي عن الاختلافاتِ القليلةِ أو الكثيرة بيننا؛ لأنّ الاختلاف ظاهرةٌ بشريةٌ منذ خلق الله الناسَ وإلى آخر يوم في هذه الدنيا، ومن المحالِ أن يتحقّق «المجتمع المثاليّ» حتى لأصحاب الرسل وأتباعهم، على الرغم من وقوفهم على معجزات أنبيائهم، ومشاهدتهم كمالات سلوكهم وأخلاقهم!

ومجتمعُ الصحابةِ عندنا - نحن أهلَ السنّةِ - هو (الجيل القرآني الفريد) وهو (المجتمع الأمثل) وهو الطبقةُ المقدّسةُ التي لا يجوزُ أن تقوّمَ أعمالُها.

ومع كلِّ هذه الإطراءاتِ والمبالغاتِ:

فقد كان بعضهم يرفع صوتَه أمامَ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم!

وكان بعضهم يقول له: «أعطني، فإنك لا تعطيني من مال أبيك وأمّك»!

وبعضهم يقول له: «أنْ كان ابن عمّتك».

وبعضهم يقول له: «اعدل وأقسط في كلامك».

وبعضهم يقول له: «ألست تزعم أنك رسول الله»؟

وبعضهم يرمي زوجةَ رسولِه بالفاحشةِ، وبعضهم يُشيع ذلك ولا يخجلُ منه!

وبعضهم يدعو بدعوى الجاهليّة، فيقول: (يا لَلأنصار!) فيجيبه الآخر (يا لَلمهاجرين) ويتضاربون فيما بينهم، حتى يحجز بينهم رسولهم، صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم.

وعَقبَ استراحةِ رسولهم الأكرم في مرقده الشريف مباشرةً؛ ارتدّ بعضهم، وخرجَ على خليفةِ الرسولِ بعضهم، ومنع الزكاةَ بعضهم، واستحلّ بعضهم دماءَ بعضٍ على التأويل والشبهة!

يصدُر هذا عن خير أجيالِ الأمة وأكثرها قداسةً، عند مليارٍ ونصفِ مليار مسلم!

فكيف يُرادُ منّا أنْ نكون خيراً من هذا الجيلِ، وأكثرَ تسامحاً، وأوزن حُلوماً وصبراً؟

إنّ ممّا لا يختلف عليه علماءُ الإسلامِ؛ أنّ الاجتهادَ أمرٌ مرغوبٌ فيه لمن تملّك أدواته، وامتلاكُ أدواته ليس ضرباً من الإعجاز ولا الخيال، بل هي ميسورةٌ لمن وفّقه الله تعالى، قبل أن يبلغ سنّ الثلاثينَ من عمره!

هذا الذي جوّزنا له الاجتهادَ؛ كانَ أعلمَ بلسان العربِ، من غيره ممّن امتلك أدنى أدواتِ الاجتهاد المتّفق عليها.

وذاك الذي جوّزنا له الاجتهادَ؛ كان في أعلم بالمعقولاتِ من صاحبه.

وذلك الذي جوّزنا له الاجتهادَ؛ كان أغوصَ على مقاصدِ الشارع من صاحبيه!

فالنتيجةُ الحتميّةُ هي اختلافُ النتائجِ بين هذا وذاك وذُليّاك!

متى يكونُ هذا الاجتهادُ أو ذاك مبتدَعاً مرفوضاً؟

إذا تحقّق فيه دلالةُ هذين الحديثين الصحيحين:

(أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَيِ؛ هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ؛ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) أخرجه جمع من الحفاظ منهم مسلم في صحيحه (867).

(مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ؛ فَهُوَ رَدٌّ) أخرجه جمع من الحفاظ منهم البخاريّ (2697) ومسلم (1718).

وقد اتّفق علماءُ أهل السنّة على أنّ من أنكرَ معلوماً من الدينِ بالضرورةِ إثباتاً أو نفياً، ومن خالفَ الإجماعَ الأصوليَّ؛ فهو داخلٌ تحتَ مسمّى بدعة الضلالة، وخارج من أمر الإسلام المقصود في الحديث الثاني.

يبقى ما وراءَ ذلك جميعُه اجتهاداتٍ نقول لصاحبها إن أصاب؛ أصبتَ، وإن أخطأ؛ أخطأت!

وقد يكون ما خطّناه به هو الصوابَ في الواقع ونفس الأمر، وقد يكون ما صوّبناه هو الخطأ!

نحن نرفع شعار (أهل السنّة) ونزعم أنّها الأمّة، ونزعم أنها الفرقة الناجية، ونزعم أنها على الحقّ المبين، وما من مذهبٍ من مذاهبِ أهل السنّة العقدية أو الفقهيّة، إلّا يكَفّر مخالفيه في بعض ما خالفوه فيه!

وكلُّ واحدٍ منهم يجزم بأنه على الحقِّ، وأنّ أخاه المخالف له على الباطل، وقد لا يكون من أهل العلم أساساً!

وأرى أنْ لا مخرجَ لنا من الصراعاتِ الفكرية والعسكريّة، إلّا بقَبولِ بعضنا من بعضهم الحدَّ الأدنى الذي لا يكون الإنسانُ مسلماً إلّا به، ثمّ يسكتُ بعضُنا عن بعضٍ فيما وراءَ ذلك، مع القيام بواجب الأمر بالمعروف بمعروف!

أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ:

أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَعَمْ) أخرجه جمع من الحفاظ، منهم مسلم (15).

فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فهو مؤمن!

ومن نطق بالشهادتين وأقرّ بفرضيّة الطهارةِ والصلاةِ والزكاة والصيام والحجّ والجهاد في سبيلِ الله تعالى؛ فهو مسلم، له ما لنا وعليه ما علينا، وما وراء ذلك؛ هو إلزاماتٌ والتزاماتٌ يحرّرها العلماءُ، لا عامّةُ المسلمين الذين هم (999%).

ويجب أن يشيعَ بيننا أدبُ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) [الحجرات].

ويجب أن يشيعَ بيننا قَولُ رَسُولِ اللهِ، صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم: (لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا.

الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ.

 كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ.

التَّقْوَى هَاهُنَا «وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».

إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ) وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ» أخرجه مسلم (2564).

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلِّ حال.

  إلى سوريّا من جديد:

اعتقال الشهيد مروان حديد، رحمه الله تعالى (3):

بسم الله الرحمنِ الرحيم

(الحمد للهِ، وسلام على عباده الذين اصطفى).

أمّا بعد:

في الساعة السابعة إلا ربعاً صباحاً، تقريباً، قُرع الباب، فحملت سكيناً، واستأذنت الشيخَ بفتح الباب، فأذن، وقال: احذر، وتريّث، وأخبرني، فأنا مُنقبِضْ!

فنظرتُ من المنظار السحري، فرأيت الدكتور عبدالستار الزعيم، فقلت للشيخ: عبدالستار، ثم فتحت الباب، فدخل الدكتور عبدالستار، وتعانقنا طويلاً؛ لأننا كنا من الأحباب، ثم سلمت على الأستاذ فريد قدّاح، وعلى الأخ مصطفى عادلة «المصريّ» وطلبت من الجميع أن يجلسوا، ولكن الدكتور الزعيم اعتذر بأنه سيتقدّم إلى امتحانٍ في الثامنة والنصف، واستأذن، فأذن له الشيخ مروان، وودعته وداعَ السفر، ثم انصرف.

إرهاصات الاعتقال:

جلست بجانب الشهيد مروان، وجلس مقابلنا الأستاذ فريد قدّاح، والأخ مصطفى عادلة، وتبادلنا التحيّاتِ، وأطراف الحديث.

بادَرَ الأستاذ قدّاح، وأخرج مبلغاً من المال، ووضعه تحت الفراش، وقال للشيخ مروان: نعتذر عن التقصير، هذا المبلغ المتواضع للأكل والشرب، وليس لشيء آخرَ!

أغضبني هذا التصرف جداً، والتفتّ إلى الشهيد مروان، فرأيته صامتاً، فلا هو شَكره حتى أعلم أنه راضٍ بهذا التصرّف السمج عندي، ولا هو ردّ عَلَيْهِ بشيء.

فالتفتُّ إلى الأستاذ فريد، ولم تكن الأمور بيننا سيئة أبداً، وقلت له: احمل فلوسَك وأطعِم بها أولادك، الشيخ مروان لا يقال له هذا الكلام! الشيخ مروان يُطعم الدنيا كلها (وأنا أعلم بيقين أنّ الشهيد مروان لا يملك ليرةً سورية واحدة)!

قال فريد: أنت لا تتدخل بيني وبين الشيخ مروان رجاءً، هذا شيء يخصّه وحده!

فازداد غضبي، وكدت أضربُه، لولا مبادرةُ الشيخ مروان، وأمرُه إياي بالسكوت!

يبدو لي أنني إذ غضبت من الأستاذ فريد؛ صرت أتضايق من كلّ كلام يقوله، خصوصاً وأنّ أسلوبه بالكلام كأنه تحقيقٌ استخباراتيّ!

عقبَ قليل عاد الأستاذ فريد إلى إثارتي أكثر، فقال: لا أرى معكم سلاحاً!

أين السلاحُ، أين أسلحتكم، يمكن الآن تُداهَم الشقة، هل تستسلمون بدون مقاومةٍ، كم قطعة سلاح عندكم، وكم كمية الذخيرة؟

فازددتُ منه غضباً، وقلت: نحن ليس عندنا سلاح، ونحن لا نملك ثمن السلاح أصلاً، حبذا لو اشتريت لنا جميعاً أسلحة! قال: وأنا لا أملك قيمة الأسلحة، هل أنا أغنى منكم؟

قلت: لماذا تسأل عن السلاح إذن، ولماذا تستغرب عدمَ وجود السلاح عندنا؟

قال: سبحان الله! الشيخ مروان مطلوبٌ بغاية الشدة، وليس معه إلا ثلاثة رجال، ليس معهم سلاح؟ إذن لماذا أنتم هنا؟

والتفتَ إلى الشيخ مروان وقال: فعلاً أنا أسأل جاداً عن السلاح، فأنت في كل لحظة مُعرّضٌ لمداهمةِ بيتك؟

ضحك الشهيد مروان، وقال له: كفى أبا صفوان، كفى تستفّز الشيخ عداباً، الآن يقوم، ويضربنا!

يا أبا محمود! لو سمحت أنت الآن صاحب البيت، قم أحضر لنا فطوراً من السوق القريب!

في لحظات الغضب الشديد؛ لم أنتبه إلى أنّ الشيخ يريد تهدئةَ الموقف، وإبعادي عن الاحتكاك مع «أبو صفوان القداح».

فقمتُ، وطرقت الباب على زوجتي، وطلبت منها وعاءً كبيراً للحليب، فأعطتني وعاءَ الحليب، وقالت: يا أبا محمود بحقّ الله تَعالَى  أخرجني من هذا البيت، واللهِ أشعر أن حبلاً يلتفّ على عنقي، يريد أن يخنقني، أسألك بالله، خُذني إلى أي مكان، أكاد أموتُ في هذا البيت؟!

فاستفهمت عمّا إذا كانت زوجةُ الشهيد مروان متضايقةً منك؟

فنفت ذلك، وقالت: هي أشد مني رُعباً، وتخوّفاً، وقلقاً، وقد استأذن أخوها من الشيخِ؛ ليأخذها معه، فرفضَتْ من أجلي!

قلت لزوجتي: بعد الفطور إن شاء الله؛ سنَزور أخاك نصف ساعة، ثم نخرج إلى المطار فنحن يجب أن نكون في المطار الساعةَ العاشرة، والشيخ حمّلني عدداً من الرسائل إلى ليبيا، وهو مُصِرٌّ على أن نسافر.

وخرجتُ من البيتِ، وقَفَل مأمون كاخي البابَ ورائي، ونزلت من الدور الخامس إلى الدور الأرضي، ولم ألاحظ أي شيء، سوى أنّ رجلاً نحيلاً كان يدخّن وهو يصعد الدرج، فلم أستظرف حتى السلامَ عَلَيْهِ!

لكنني عندما خرجت من العمارة؛ أحسست أن النهار في باكورته، وأن المحلات التجارية مُغلقة! فهممت بالرجوع، وإذا برجل خرج من أحد المحلاّت التجاريّة القريبة، فعلمت أن ثمّة محلاً مفتوحاً.

كان الشهيد مروان أخبرني مساءَ يوم الأحد؛ أن أخواته سيَزُرنه يومَ الاثنين بعد الظهر، وكانت زوجتي أخبرتني أن المطبخ يحتاج بعض الحاجيات، وكتبتها لي على ورقة.

دخلت الدكانَ، وسلّمت على صاحبها الدمشقي، وأعطيته الورقة، فأعطاني الأغراض، وقبل خروجي من الدكان؛ جاء الفرّان ومعه كمية جيدة من الخبز الطازج الساخن، فرأيت من المناسب لوضع منْزل الشيخ شراءَها كلهّا!

ما عدا ثلاثةَ أرغفة اشتراها الزَبونُ الوحيد الذي دخل المحلّ.

حاول صاحب المحل أن يساعدني في حمل الأغراض؛ لأن حملها صعبٌ على شخصٍ واحدٍ، فرفضت، وطلبتُ منه أن يضعها في أكياس كبيرة، وفعل فعلاً.

لكن صبيّاً صغيراً قال: عمّو أنا جاركم في الدور الخامس، وقد اشتريت لوالدتي شيئاً، وأنا طالعٌ معك، فأنا أساعدك.

فحمّله صاحب المحل طبقَ البيض وفوقه عدد يسير من الأغراض الخفيفة، وسرنا إلى العمارةِ، وأنا أستفهم عن اسمه واسم والده وعمله، وكيف عرف أنني في الدور الخامس؟

فقال الصبيُّ على سجيته: أنا اسمي فلانٌ، وأبي فلانٌ، وأمي فلانة، وأبي ضابط في جهاز كذا «نسيت!» وشقة الشيخ بجوارنا، كل يوم يأتي ويروح إليه كثيرون.

وهي بالأصل شقةُ الخالة «أمّ حسني» لكن أجّرتها، وسافرت إلى أمريكا!

فغصصتُ من كلامه، وقلت في نفسي: نحن إذنْ مفضوحون، من غير جلاجل، الله يستر!

لحظات اعتقالي:

وصلنا إلى الدور الثالثِ، والطفل يتكلم على سجيّته؛ رافعاً صوته، وأنا أصغي إليه وألاطفه، ولم أنتبه إلى شيء.

ولمّا وصلتُ إلى الدور الرابع؛ إذا بي أرى رجلاً، وبيده مسدس، فلما أحسّ بي؛ جَفِل؛ فأيقنت أنه من الأمن، فتمالكتُ نفسي، وقلت: السلام عليكم، فرد عليّ جمعٌ: وعَلَيكُم السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَركاتُه.

وتابعت طريقي متماسكاً، فنادى عليّ: عفوا اسمك هويتك، هويتك اسمك، وهو يشير إليّ بالمسدّس، فضحكت، ورفعت يده التي يمسك بها المسدس إلى أعلى، وقلت له: بيدك مسدس ومرعوب؟ خيراً إن شاء الله، ما لك؟

فلم يقل الرجل شيئاً، وتابعت سيري، حتى وصلت الساحةَ التي أمام شقق الدور الخامس، فإذا على الدرج السابق واحدٌ آخر انضم إليه من كان في الرابع، وعلى باب الشقة اثنان وعلى الدرج الصاعد إلى الدور السادس اثنان، فصاروا ستةَ رجالٍ، كلّ منهم يشهر مسدسه نحوي، ويَدُه ترتَجف.

جاء كبيرهُم - فيما بدا لي - نحوي، وقال بارتباكٍ شديد: اسمك، هويتك! اسمك هويتك! من أنت، وإلى أين قادم؟

فأزحت مسدسه عن وجهي قائلا: أبعدْ مسدسك عن وجهي، المسدسُ لا يخيف الرجال، أنت مَن، وماذا تريد؟ ورفعت صوتي عالياً جدّاً، حتى قلتُ: إن الجيران استيقظوا.

وكلّ غرضي أن يَسمع الشهيد مروان، فيأخذَ حِذرَه.

فغضب الرجل، وحملق عينيه قائلاً: ورَبّكَ أقتلك، لا ترفع صوتك أبداً!

فتجاهلتُ، ورفعتُ صوتي أكثر، ومشيتُ إلى الباب بعنف، ولكنهم أمسكوا بي بقوةٍ ومنعوني من قرع الباب، واقتادوني إلى أعلى، فتابعت صراخي: من أنتم، وماذا تريدون مني؟

فقال كبيرهم: نحن ..أنا.. أمن.. أمن دولة، هذه بطاقتي، انظر بها، اصمتْ، اسكتْ!

فقلت: أهلاً وسهلاً بكم، ماذا تريدون؟

قال كبيرهم: أين شقتك؟ قلت هذه شقتي، فقال: هذه شقتك؟

قلت: نعم، وأخرجتُ مفتاح بيتي في دمشق من جيبي، وقلت: تعالَ معي، تفضّل حتى أفتح لك الباب، وكان غرضي أن أقرع الجرس، وأضربه بشدّة، وليعتقلوني بعد ذلك، أو يقتلوني، فلا فرق!

فقال: أنا أريد أسألك سؤالاً واحداً، لكن لا ترفع صوتك، وإلا «بشنكلك لتحت» أو «بشنتلك»!

قلت ساخراً متكلفاً الضحكَ: تفضل لنشوف؟

قال: أبو خالد جَوَّه ولا لأ؟ قلت: من أبو خالد هذا؟

قال: ألا تعرف أحداً اسمه أبو خالد؟

قلت: بلى! جدي أبو خالد، وابن عمّي أبو خالد، لكن من الذي تسألون عنه، ولماذا؟

قال: أبو خالد مروان .

فكدتُ والله أختنقُ بريقي، ولكني تجلّدت، وقلت: من هذا مروان ؟

قال: لا تعرف مروان حديد؟

قلت: ولا مروان خشب!

[كان لنا أخ اسمه عادل لبابيدي، رحمه الله تعالى، يلاطف الشهيد مروان، ويقول له: مروان من المرو، وهو الحجر الصلب، والحديد معروفٌ، لو قلنا: مروان خشب ألطف قليلاً]!

ففي هذه اللحظات الحرجة؛ تذكرت كلمات ذلك الأخ الطيب، وقلت له: ولا مروان خشب، فهمّ بضربي على رأسي، ولكنه تراجع، لا أدري لم؟

في تلك اللحظات اقتادوني إلى أسفل، فمشى واحدٌ إلى جانبي، ومسدسه في خاصرتي اليمنى من جهة «الدرابزين» والآخر يمشي خلفي، ومسدسه في وسط ظهري، وكان الذي يمشي ورائي رئيسَهم.

بدليل أنه التفت إلى الأربعة الباقين، وقال: إذا نحن نزلنا إلى الأسفل؛ اقرعوا الباب، فإذا سمعتم حركة، فاضربوا الباب حتى «يِتْخِلِع» وحاولوا ألا تصيبوه، ونزلنا بهدوءٍ تامٍ، وأنا واجم، كأنني منوّم مغناطيسياً، وهم كذلك، فلا هم كلموني بكلمة، ولا أنا كلمتهم بكلمة، حتى وصلنا الدور الأول فنّي «المائدة» نظرت فإذا بثماني سيارات عسكريّة (لاندروفر) فيما يبدو، وفيها جنود على رؤوسهم خَوذات حربيّة، فقلت في نفسي: انتهى الشيخ مروان!

في تلك اللحظة صحوتُ من سباتي الرهيب، وحاولت أن أتحرك بهدوءٍ، ولكن مُرافقيَّ كانا يقظين تماماً.

في اللحظة التي وصلنا فيها إلى باب العمارة؛ سمعت صوت الشهيد مروان يصرخ: الله أكبر .. الله أكبر ..عداب، عداب، عداب، وكان في الحقيقة يشتمهم ويقول: (كلاب.. كلاب.. كلاب).

وأعقب صراخَه إطلاقُ عياراتٍ ناريَة قَدرتُّها بين أربع إلى ست عيارات، وخَمَد صوت الشهيد مروان بعدها نهائياً، فذرفتْ عينايَ، وقلت في نفسي: ما قيمةُ عيشك بعد شيخك؟

في هذه اللحظاتِ؛ صرنا خارج العمارة، وأسرع عدد من رجال الأمن المسلحين نحونا وقالوا لمن معي: هذا هو؟

قال الرئيس: لا.. خذوه..خذوه..خذوه!

ورجعا راكضين مسرعين إلى العمارة.

نظرت أمامي، فرأيت ستةً من رجال الأمن المدنيين، ونظرت خلفي إلى جهة اليمين؛ فرأيت السياراتِ الثماني التي أشرت إليها، وتذكرت ما قاله لي الشهيد مروان من أن أخواته سيأتين بعد ظهر ذلك اليوم، وسيأتي إلى لقائه عددٌ من إخوانه «جماعة مروان» من عِدَّة محافظات قال لي: إنهم قد يصلون إلى سبعين شابّاً!

فأقنعت نفسي بأن المصلحةَ تقتضي أن أُفلت من أيدي رجال الأمن، ما دام الشهيد مروان قد قُتل، والشباب سوف يستسلمون؛ لأنني لم أكنْ أعلم أنّ لديهم  سلاحاً أصلاً.

ورأيتُ الرجالَ أمامي غيرَ منتبهين إليّ، ولا مهتمّين بي، وأنا بدوري أشعرتهم باستسلامي التام لهم، ووقفت قريباً منهم، أنظر إلى أعلى العمارة، ثم استللتُ سكيناً صغيراً حادّاً كان معي، وصرخت فيهم، وهجمت عَلَيْهِم بأقصى درجات العنف، فتفرقوا من أمامي، وهربت من بينهم، ولم يكن غرضي جرحَ أحد منهم، إلا إذا أرادوا الإمساك بي.

وهم لم يجرؤوا على الإمساك بي، لكنهم أمطروني برصاص المسدسات والرشاشات، وأنا أسابق الريح، وأتمايل في جريي تمايلَ الحصان، والرصاص يحوطني من كل اتجاه.

فلم أشعر إلا وأنا واقع في حفرة عريضةٍ، عمقها يزيد على ثلاثة أمتار بيقين، ودخل سيخُ حديدٍ في قدمي اليُسرى فمزّقها، وعندها لم أعد أسمعُ رَميَ الرصاص، وأغمي عليّ - فيما يبدو - لكن لا أدري كم كانت مُدّة الإغماء!

حين صحوتُ؛ وجدتُ بِركةً من الدم تحتي، والسيخُ ما يزالُ عالقاً في قدميّ.

سحبتُ السيخ بعنف، ثم نظرت، فرأيت مكان خروج الآليات من تلك الحفرة الواسعة في الجهة المقابلة، فخرجتُ، فرأيت أمامي طريقاً مسدوداً، وأنا لا أعرف تلك المنطقةَ أصلاً!

رَميت بنفسي في حديقةِ أحد المنازل، وإذا بصاحبها يسقيها، فصرخ بي مؤنّباً، فصرخت به: اخرس!

فسكتَ الرجل، وخاف من السكين التي بيدي، فيما يبدو، وتابعت طريقي إلى مَنـزل الشهيد الطبيب «رياض جعمور» رحمه الله تعالى، في حيّ الميدان.

قصة الطريق من العدويّ إلى المجتهد؛ تحتاج إلى مقالٍ خاصٍّ، فقد كان الدم لا يزال ينزف من قدمي، ويزداد نزفه كلما مشيتُ على رجليّ، وأنا حافي القدمين...إلخ.

قصدت منزل الدكتور رياض جعمور؛ لما أعرفه من حذره الشديد، وحرصه على عدم الظهور بمظهر الإسلاميّ اللافت للنظر، وكان أخوه الدكتور مُحَمّد يدرس الطبّ، فطببني الرجل، وخاط لي جرحي الغائر الممزق، وأخبرتهم بما حدث، وطلبت منهم الاتصال بأهل الشيخ، وإعلام الإخوة بعدم الذهاب إلى منـزل الشيخ؛ فإن الشيخ إما قتيل، أو جريح، وغفوتُ، وأنا أحدّثهم، ولم أستيقظ من غفوتي إلا بعد صلاة الظهر؛ لأجد أمامي الدكتور الطبيب مُحَمّد، والأخ صفوان عقميق، وعدداً من الإخوة الآخرين!

أعطاني الدكتور مُحَمّد حقنة (كزاز) وقال: من الأفضل أن نأخذك إلى المشفى؛ لأن جرحك عميق، وقد نزفت دماً كثيراً.

كيفية اعتقال الشيخ:

كيفية اعتقال الشيخ لا يعرفها إلا الذين اعتقلوه، ومن ساعدهم على اعتقاله، وهو يَعرفُ لحظات التنفيذ.

ومن أقدار الله تَعالَى  أن الأستاذَ فريد قداح، كان في الشقّة في أثناء اعتقال الشيخِ، وهو حيّ يرزق، يمكن سؤاله عن كلّ حرفٍ في كلامي هذا.

والشهيد مروان أضرب في السجن عن الطعام أياماً طويلة، فساءت حالته الصحية والنَفسيّة، فأحضروا أحدَ السجناء الدمشقيين، وهو الأخ «عادل حيدر» حفظه المولى، ليراقب حالتَه ويخفف عنه في زنزانته، كما حدّثني عادلٌ في شهادته.

فأنسَ به الشهيدُ مروان، وأسرّ إليه بما جرى أثناء اعتقاله.

وقد التقيتُ به في مكة المكرمة، واستضفته في بيتي، وأنا لا أعرفه من سابق، وسألته عن أيام اعتقاله مع الشهيد مروان، فأملى عليّ أوراقاً عديدة، مهرها بتوقيعه، وهي في مكتبتي في الأردن حتى اليوم، وقد أودعتها بتمامها في ملحق الكتاب.

حدثني الأخُ عادل أبو عبدُالرحمن قال: كان مما قاله لي الشهيد مروان في الزنزانة (9): دخل الأخ أبو صفوان، وبدأ يتكلم بكلامِ مداعبةٍ، لم يحتمله الشيخ عداب، وبدأ يصرخ في وجهِ أبي صفوان، ويؤنّبه، فخشيتُ أن يتطوّرَ الأمر بينهم؛ وعدابٌ عنيفٌ، فطلبتُ منه أن يذهب إلى السوق ليشتري لنا طعامَ الفطور، ولم يكن غرضي إلا إبعادَه، حتى لا يتطور الأمر بينهما؛ لأن عداباً استاء من دخول أبي صفوان إلى مَنْزلي أصلاً، ولم يستقبله الاستقبالَ اللائقَ أبداً!

وعقبَ خروج عداب بلحظات؛ طُرق الباب، فقلت لهم: رجع الشيخ عداب؛ لأنه لا توجد دكاكين تُفتح الآن!

قال الشيخ مروانُ: لما نظرت من العين السحرية؛ فوجئت بأنّ «مصطفى جيرو» على البابِ، ففتحتُ له، ودخلت معه إلى غرفة خاصة، وقلت له: هل أوصلتَ ما طلبتُه منك إلى أصحابه؟ قال: لا، لم أتمكن!

قال الشهيد مروان: فوقع في قلبي شيءٌ، فقلت: يعني هل يمكن أن تكون الرسائلُ وصلتْ للأمن؟ فقال «جيرو»: ممكن، والله أعلم؟

قال الشيخ: وكان الرجل قلقاً مُرتبكاً، ثم استأذن للانصراف، قال الشيخ: فقلت له: انتظر حتى نضيفك؟!

قال: لا.. الآن ليس وقت ضيافة.. أنا مُستعجلٌ أريدُ أن أصل إلى القطعة العسكرية «موضع خدمته» قبل الدوام، فقد اتصلوا بي، وقالوا: اقطع إجازتك فوراً.

قال الشهيد مروان: ولما وصلنا إلى باب الشقة؛ أخرج إحدى رجليه، وأبقى الأخرى داخل العتبة، وصار يكلمني، وأنا مستغرب من موقفه، فقد كان في داخل المنـزلِ مُستعجلاً.

وما هي إلى لحظات حتى جاء عدد من رجال الأمن، فضربوا الباب، وأطلقوا رصاصةً أو رصاصات للإرهاب، واحتضنوني، وضربني أحدهم على رأسي، فأُغميَ عليّ، فلم أفق إلا في السجن».

قال عداب: وقد تيقّن تلامذةُ الشهيد مروان من هذا الأمر، وقتلوا الخائن «مصطفى جيرو» شر قتلة، عَلَيْهِ من الله ما يستحقّ.

هذه هي قصّةُ اعتقالي، واعتقال شيخنا الشهيد مروان في صباح (30) حزيران من شهور عام (1975) وهي الحقيقةُ الوحيدةُ الصادقة، والله تعالى هو الشهيد الرقيب.

والحمد لله على كلّ حال.

  إلى سوريا من جديد:

اعتقال الشهيد مروان حديد، رحمه الله تعالى (2):

بسم الله الرحمنِ الرحيم

(الحمد للهِ، وسلام على عباده الذين اصطفى).

أمّا بعد: تابع للمنشور (1) الأسباب القريبة لاعتقال الشهيد مروان:

في صبيحة يوم الأحد؛ جرى حديث طويل بيني وبين الشهيد مروان حيالَ العمل معه، وعاتبني على ترك العمل، وأبدى استياءه من سفري من دون مشورته، وسفرِ بعض إخوانه الكبار، فقلتُ له متأثراً بكلامه:

أنا سأبقى معك، سأحيا معك، وأموت معك، وأنا لن أسافر بعد اليوم!

أقسم بالله العظيم لن أسافر، وكرّرت القسمَ ثلاثَ مرّاتٍ!

قال: لا تحلف..لا تحلف.. بل ستسافر، وتكفّر عن يمينك؟! أنا ألزمك بهذا؟

أنت في ليبيا تنفعنا، عسى الله أن ييسر لك الأمور، ونحن لسنا على وشكِ صدامٍ مع الدولة!

كنت على موعدٍ مع ثلاثةٍ من تلامذة الشهيد مروان، عقبَ صلاة الظهر من يومِ الأحد (29/6/1975م) وثلاثتهم منتظمون في جماعة الإخوان، وتغدينا معاً في بيت أحدهم في حيّ (المزة) ورجوتهم غايةَ الرجاء أن ينقلوا الشهيد من بيته المعروف لدى جميع خصومه، فرفضوا إلا أن ينصاع شيخُهم لأوامرهم، وأراني أحدهم (مفتاحَ) الشقة التي استأجروها للشهيد، لكنهم لن ينقلوه إليها، حتى يأتمر بأوامرهم، ويلتزم بما تريده الجماعةُ منه.

قلت لهم: إنّ شيخنا مؤمن صالحٌ، وقلبه يحدثه أنه سيعتقل الليلةَ، أو غداً؟

فقال أحد الثلاثة، وهو يقهقه: «بريّح وبيستريح والله، إذا ما وجد أمامه أحداً فليرجع»!

وأخرج الآخرُ المفتاحَ من جيبه، وقال: «والله ما يلمسه بيده، حتى يعطيني عهداً على الالتزام بما تريده الجماعةُ لصالحه».

قلت له: يا فلان، هذا كلام كبيرٌ وخطير، الشيخ قد يعتقل، وقد يقتلُ؟

قال: «أخي عداب، أنت عارف، الشيخ يريد الشهادة، خلّه يستشهد ويريّحنا، هو نحن ما عندنا شغل إلا هو؟».

قلت لهما: هل تحبّون أن أنقلَ كلامَكما إلى الشيخِ مروان، الذي كنتم في أسرة واحدة عنده؟

فوافقا على أن أنقل كلامهما للشيخ بصريح العبارة!

وأمّا الأخُ الثالثُ، وكان أكثرَهم أدباً؛ فلم ينطق بكلمة إساءةٍ لشيخه مروان، لكنهم جميعاً متّفقون على النتيجة.

صحيحٌ أنّهم يقصدون بوجوب التزام الشهيد بما يريدون مَصلحتَه بتقليل عَددِ زوّاره وموافقتهم المسبقة على زياراتهم للشهيد، لكنّ الوقت لم يكن وقتَ إملاءاتٍ، وهم لم يكن لديهم خوفٌ أو خشيةٌ من اعتقاله؛ لأنهم يفكرون في دراستهم، وتخرجهم من الجامعاتِ، وليسوا في وارد التغيير والجهادِ في قبيلٍ ولا دبيرٍ!

كان الشهيدُ طاقةً متفجّرةً، أكبرَ وأضخم من أن تستوعبها جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، وحتى في هذا الوقت، هذا صحيح!

لكن أنْ يُسلِموا شيخَهم، ويحاولوا إذلالَه، ويعرّضوه للمهانة والاعتقال، ثم للتعذيب والآلام في السجن، بأحقر دمٍ باردٍ؛ فهذا ما يجب أن يحاسبوا عَلَيْهِ، مثلما يجب أن يحاسَب قاتلوه ومعذبوه، في هذه الحياة الدنيا، وإلا فعند الله تجتمع الخصوم.

حين شرحتُ في مكة المكرمة للشيخ سعيد حَوّى رحمه الله تعالى ظروفَ اعتقالِ الشهيد مروان؛ بكى بكاءً شديداً وقال: الله أكبر! إلى أيّ مستوىً منحطٍّ وصلتْ أخلاقُ هؤلاء التلاميذ؟

رجعتُ إلى الشهيد مروان قبيل صلاة العصر، وقلت له: تدبيرُ الشقة ليس أمراً صعباً لكن الإخوة يقولون: من أجل سلامتكم الغالية على الجميع؛ يريدون منك وعداً بتنسيق مسائل الزيارة؛ ليطمئنوا عليك من جهة، وليطمئنوا إليك من جهة أخرى!

التفت إليّ، وقال: صدقتَ، الثانية هي التي تُهمهم، هم يريدون الدنيا، يريدون المال، يريدون السعادة، أشكّ في أنهم يعنيهم أمر الدعوة في شيء (الرواية بالمعنى).

ثم قال لي: أحد المسؤولين، سيأتي لهذا الغرض، بعد قليل، فننتظر حتى نرى ما لديه!

وعقب صلاة العصر جاء مسؤولٌ من الإخوانِ، كان هو الصلةَ بين الجماعة وبين الشهيد مروان، وكان يرفض أن يجتمع مع أحدٍ من ضيوف الشهيد مروانَ، أو تلامذتِه.

وكان هذا المسؤول هو الأخ القياديّ المهندس (فاروق طيفور) كما أفصح لي هو بذلك بمنزله في القصيم، بعد سنواتٍ من هذه الحادثة.

سألني: هل تعلم من الزائر الذي لم يعجبك أن ينفردَ بالشيخ مروان وحده، فرفعتَ صوتَك، وقلت: مَن هذه الشخصية العظيمة الذي يخافنا على نفسه؟

قلت له: والله لا أدري، وليس من عادتي الاستفصال من شيخنا مروان، ولا من غيره.

قال: أنا هو! وضحكَ، غفر الله له.

التقى الأخ فاروقٌ الشهيدَ مروانَ على انفراد، وغادرَ قبيل المغرب، وعاد الشهيد مروان، وأخبرنا أنهما تكلّما بشأن البيت، واستنكر وصايةَ الإخوان عَلَيْهِ، وكان الشيخ غضبانَ جداً، وما سمعته أنا شخصياً دعا على الإخوان إلا هذه المرّة.

فإذا قدّر اللهُ لشباب الشهيد مروان قوّةً وتمكّناً؛ فعَلَيْهِم أن يحاكموا هؤلاء الثلاثةَ «وهم أحياءُ يعيشون من دون تأنيبِ ضميرٍ فيما أرى» ويحاكموا المهندس السيد (فاروق طيفور) الذي كان في زيارةِ الشهيد، بعد صلاة عصر الأحد.

وهو الذي نقلَ إليه؛ أنّ الجماعةَ قد فصلتُه من صفوفها.

وأنّ الجماعةَ قطعت عنه مساعدَته الشهريّة.

وأنّها ليست مسؤولةٍ عن تأمين بيتٍ له، أو حمايتِه.

وكثر زوّار البيت في نهار ذلك اليوم وليلته كثرةً مُذهلةً، أغاظتني للغايةِ!

فقلت للشيخ مروان: كل هؤلاء الزوار يأتون إليك، وتريد من الإخوان أن يُوافقوا على نقلك إلى بيت آخر، ما الفائدةُ من ذلك يا شيخي؟

يا شيخي! هذا وضع غير صحيح، والله لو كان الإنسان الذي يأتيه كل هؤلاء الشباب في يوم واحدٍ من أركان الدولة؛ لراقبته الدولةُ، وشكّت فيه، سبحان الله العظيم!

وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل تقريباً؛ قُرع جرس البيت، فحملت سكينَ المطبخ واقتربتُ من الباب، فرأيت من المنظار السري الشيخ محموداً الحامدَ، ففتحتُ لهم الباب فدخل الشيخ محمود ومعه الشهداء بدر ذكرى، وبسام أرناؤوط، وهشام جنباز، ومُحَمّد عجعوج، وزهير الظريف وحسّان كيلاني

وما أن انتهينا من السلام والعناق، حتى انطلق الأخ مُحَمّد عجعوج يقول: ضيعناهم والله ضيعناهم! قلتُ: ضيّعتم مَن؟ قال: المخابرات!

قلت: كيف ضيعتموهم، بل كيف عرفوا بكم؟

قال: جاء إليّ ابن خالتِك (بدر ذكرى) فأخذني ثم ذهبنا إلى بسام، ثم إلى هشام، ثم إلى فلان وفلان، ثم جئنا إلى الشيخ محمود، فتأكدنا أن سيارتين كانتا وراءنا إلى «الرستن» ثم اختفتا، فما عدنا نراهما، فيبدو أننا ضيعناهم، والله أعلم!

وفي هذه الأثناء دخل الشهيد مروان والشيخ محمود إلى غرفة مستقلة، وتابعنا حديثنا عن متابعة المخابرات إياهم، فقلت للأخ عجعوج: يا أخي يغفر الله لكم، حَماة مكهربة من خطبة الشيخ محمود، ومن المؤكد أنه مراقب، فكان ينبغي أن يأتي متخفّياً وحده، أو يأتي معه واحد منكم فقط؟ فلماذا جئتم ستة، وكيف وسعتكم السيارة؟ وهل من ضرورة لذلك؟

قال: جئنا حمايةً للشيخ محمودٍ، وضحك، ثم قال: اللهُ يستر في الرجعة؟

قلت أنا: اللهُ يستر الآن قبل الرجعة، اليوم دخل إلى بيتنا هذا أكثرُ من ثلاثين زائراً؟!

ثم جئتم أنتم قُبَيل الفجر؛ أإلى هذا الحدّ تظنون الدولة غافلة؟

قال أحدُ الحاضرين: أنا أتوقع أنهم تابعونا إلى باب العمارة، وربما إلى باب الشقة؟

قال له: كيف؟

قال: عندما كنتُ أخدم في الجيش؛ كنتُ في دائرة الاتصالات، وحين كانوا يريدون رَصدَ شيء؛ كانت الدورية المكلفة في هذا القطاع تتابع الهدَفَ حتى نهاية قطاعها، ثم تتصل بدورية القطاع التالي، حيث تتابع هذه الدورية المهمة، وهكذا إلى نهاية الهدف.

فالسيارة التي كانت تتابعنا إلى «الرستن» ربما أعطت معلوماتٍ عن سيارتنا إلى دورية «الرستن» التابعة لمحافظة حمص، ونحن لا نعرفها.. وهكذا.. فالله يستر!

فصرتُ أسأل كلّ واحد منهم: لماذا جئت أنت؟ فكان كل واحد يقول شيئاً!

ومحصّلة ذلك كلّه؛ أن يصحبوا الشيخ محموداً، ويفوزوا برؤية الشهيد مروان!

وانتهى لقاء الشهيد مروان مع الشيخ محمود، وخرجا إلينا عند أذان الفجر!

صلّينا الصبح، وطلب الشهيد مروان من الشيخ محمود وصحبه أن يستلقوا قليلاً، حتى يُسافروا قبل حَرَكةِ العمارة، حين بدء دوام الموظفين.

وعند الساعة السادسة غادر الجميع الشقة، ولم يبق سوى الشهيد مروان، وأنا الفقير والأخ الصامت الصابر زكي صفدي، والأخ مأمون كاخي، والمرأتان في قسم النساء مع طفلتي التي لم تكن جاوزت العشرين شهراً من عمرها!

استلقى الشهيد مروان على ظهره، رافعاً رأسه على طرف الجدار، وأغمض عينيه لحظاتٍ، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله! لقد تراءت لي الزنزانة الانفرادية الآن؛ أضيَقَ من هذا الفراش، لكن في الزنزانة رأسك في مكان منخفضٍ، وجسمك في مكان أعلى، والمرحاض القذر تحت رجليك، حسبنا الله ونعم الوكيل.

اللهم شهادةً في سبيلك يا ربّ.. اللهم نجنا من السجن.. أعوذ بالله من سجونهم!

فأمنّا على دعائه، وأغمض عينيه ثانية!

فيما أخذ كل من الأخوين زكي ومأمون مضجيعهما، وراحا في سبات عميقٍ، إذ نحن لم ننم أبداً نهارَ السبت وليلةَ الأحد، ونهارَه، وليلة الاثنين، إلا ما كان من إغفاءة قاهرةٍ، ونحن جالسون!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

يتبع منشورٌ ثالثٌ إن شاء الله تعالى.

  إلى سوريا من جديد:

اعتقال الشهيد مروان حديد، رحمه الله تعالى (1):

بسم الله الرحمنِ الرحيم

(الحمد للهِ، وسلام على عباده الذين اصطفى).

أمّا بعد: نشر أحدُ الإخوة الحمويين مقالاً عرضَ فيه ساعةَ اعتقال الشهيد مروان رحمه الله تعالى.

وصاحبُ المقالِ والذي نقلَ عنه؛ لم يكونا معنا عند اعتقالي واعتقال الشهيد مروان.

وأنا وحدي - والله شاهدي وحاضري وناظر إليّ - الذي يحقّ له شرعاً أن ينقلَ الواقعةَ كما حصلت، من دون شخصناتٍ وادّعاءاتٍ وطنون!

كتبت في كتابي (الشهيد مروان حديد ومنهجه في الدعوة والجهاد) عن الأسباب البعيدة لاعتقال الشهيد مروان، فيمكن لكلِّ أحدٍ أن يراجعها في الكتاب.

وكتبت تحت عنوان:

الأسباب القريبة لاعتقال الشهيد مروان:

حين علّقت عملي مع الشهيد مروان في (3/ 11/ 1974) حَصلَتْ عِدَّة أمورٍ، أدّتْ إلى تركي التدريس في ثانوية ابن العميد في دمشق، وفي المعهد الشرعي في حماة.

ورغبتُ أن يتحقق الشهيد مروان من كلّ كلمةٍ قلتها له، من أنني لا أغدرُ، ولا أخونُ، ولا يمكن أن أجعلَ شبابه مدارَ عملي الدعوي، فاستغلّيت أنني بدون عملٍ، وقررت السفر من سوريا كلها!

في (9/2/ 1975م) غادرت دمشق إلى القاهرة، ومنها إلى ليبيا، وحين سافرت؛ لم أمرّ على الشهيد مروان، ولم أسلّم عَلَيْهِ؛ لأنه سيثنيني عن السفر، وأنا مصرٌّ عَلَيْهِ.

وعدت إلى دمشق من ليبيا في (17/6/1975م) حيث كان امتحان مادة القانون المدنيّ، التي سأقدمها في (19/6) ومادة أخرى في (21/6).

وفي هذه الأثناء دعاني الشيخ إلى زيارته، وقال في دعوته إنه غيّر البيت، لكن هنا البيت مكشوف أكثر!

وعقب أداء الاختبار الثاني في (21/6) زرته لمدة ساعة، أو ساعتين، ووعدته أن أزوره وأنا مغادر إلى ليبيا في الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الاثنين (30/6/1975م).

فقال: بل تأتينا قبل يومين، أو ثلاثة على الأقلّ، لنستأنس بك أكثر، ولتستأنس زوجتي بزميلتها زوجتك، فقد مضى عَلَيْها عِدَّة أشهر، لم ترى فيها عتبة المنـزل، ولا يزورنا من النساء أحدٌ تقريباً.

وانطلقتُ إلى حَماة.. والتقيت بشباب الشهيد مروان وغيرهِم من الإخوة الأكارم، وكنتُ قلقاً غايةَ القلق على الشيخ، كما كنت أتوقّع في كلّ لحظة سماعَ مفاجئة تأتي من دمشق.

جاء الإخوة الأحباب إلى زيارتي، وبحثوا معي مسألة العودة إلى العملِ، فرفضت رفضاً قاطعاً، وقلت لهم يومها: طريقُكم هذه، وبصورتها الحالية؛ بدايةُ دمارِ هذا البلد، ودمارُ الدعوة إلى الله فيه، وأنا تاركٌ سوريّا كلّها؛ حتى لا أتحمّل شيئاً من ذلك أمام اللهِ، وأمام أهلها.

أنا لا يمكن أن أُطردَ من عملٍ، ثم أعودُ إليه بحالٍ من الأحوال؛ لأنّ الذي طردني من العمل، رأى بي ما سوّغَ له ذلك، وأنا لا أرى ذلك المسوغَ عندي سائغاً.

أنا أرى نفسي أكبر من جميع الشبه والارتياب والتطلّع والطموح، ومَن يتوقع مني احتمالَ أن أغدر به؛ فيستحيل أن أعمل معه إلى أن أموت!

قالوا: هو خيّرك، ولم يطردك؟! قلت: هو يعرف الطريقة اللائقة بطرد عدابٍ، وعدابٌ فهم مرادَه وانتهى!

وجاء يوم الجمعة الأخيرة، الموافق (27) حزيران، عام (1975م) وخطب الشيخ محمود الحامد خطبته الشهيرة في حَماة، والتي سُميّت بالخطبة الناريّة، كما سمعت بعدُ.

وانزعجتُ أنا من هذه الخطبة التي افتقدتِ الدقَّة التي كان الشيخ محمود يُعرف بها.

بل يسعني القولُ: إنّ تلك الخطبة؛ كانت كأنها تهديد هارون الرشيد لنقفور ملك الروم، بل هي أشدّ!

كانت العلاقة مع الأخ الشهيد مُحَمّد عجعوج  متينةً وحميمة، وكان في أثناء الخطبة جالساً بجواري، وهو يَفرك كفّيه، مُكفهرَّ الوجه، مما يسمع ويرى في جامع «السلطان».

وكان الأخ بسام أرناؤوط يجلس خلفي وينفخ، ويحوقل بصوتٍ مسموعٍ يملؤه الضجر!

بينما كان الأخ الشهيد هشام في إحدى زوايا المسجد، يسجّل الخطبة؛ ليحملها إلى الشهيد مروان.

كنّا جميعاً متوقّعين مصادمةً مع السلطة، عقب خروجنا من المسجد، وكان واقع حالنا فعلاً يقول: جدّدوا إيمانكم، توبوا إلى ربكم تَعالَى ، أخلصوا دينكم لله! أكثروا من الاستغفار، فليس بينكم وبين الشهادة، إلا أن تخرجوا من باب المسجد!

حين انتهت الخطبةُ، وفي أثناء إقامة الصلاة؛ أشرت إلى بسّام، فاقترب مني، فقلت له: لا تصلّ السنة البعديةِ، لكن انظر مَن هنا من شبابنا، فاجعلهم حول الشيخ؛ لنحميَه، وأخبرهم أن يكون سلاحُ كلٍّ منهم ملقّماً، فأنا أتوقع مصادمةً مع رجال الأمن بعد الصلاة!

وعقب انتهاءِ الصلاةِ مباشرة؛ كان يسرع أكثرُ الناس للخروج، بينما نحن أسرعنا بالاتجاه المعاكس، وصرنا قريبين جدّاً من الشيخ محمود، من دون أن نلفت نظره لشيءٍ!

وحين أراد الشيخ محمود الانصراف؛ سلّمت عَلَيْهِ، واستأذنته بزيارته في بيته عشرَ دقائق فرحّب، وقال: أنا أنتظرك في البيت!

خرجنا معه جميعاً، وجعلناه داخل حلقةٍ، حتى استقلّ السيّارةَ التي انطلقت به لتوصله إلى البيت، وقُضي الأمر على خير.

رجعنا إلى المسجد، وتبادلنا التحيات الطيبة مع كثير من شباب الجامع، وقد حاول بعضهم أن يصحبني إلى مَنْزله، أو أصحبه إلى مَنْزلي، لكنني اعتذرت من الجميع بأسباب كانت مقبولةً لدى الجميع!

وصرفتُ الإخوةَ هشاماً وبساماً ومأموناً، على أمل اللقاء بهم في مسجد سعد بن معاذ في حيّنا، بعد صلاة العصر!

انطلقتُ ومعي الشهيد مُحَمّد عجعوج، مسرعين في الوصول إلى مَنْزل الشيخ محمود الحامد، ونحن نتبادل وُجهات النظر فيما نقوله له!

ثمّ اتفقنا على أن لا يتكلّم الشهيد عجعوج بكلمة واحدةٍ؛ لأن الشيخَ محموداً مُفرطُ الحساسيّة، وما كان بيني وبينه من ثقة ومودة وصحبة طويلةٍ وجوار في المسكن؛ يجعلني مقبولاً لديه أكثرَ من غيري!

وحين دخلنا بيت الشيخ محمود، وتحاورت معه حيال موضوع الخطبةِ، وجرت موضوعات أخرى، وانتهت الجلسةُ وقد عاهدني على الأمور الثلاثة الآتية:

الأول: أن لا يخطب بعد هذه الخطبة، ما دامت الأجواء متوترةً.

الثاني: أن لا يخرج إلى منطقة ريف حَماة وبساتينها وحده، ومن غير سلاحٍ بتاتاً.

الثالث: أن لا يخرج إلى منطقة الغاب في الجمعة التالية، ليفتتح مسجداً أسسته جماعة الدعوة والتبليغِ، بالتعاون مع أهل القرية هناك.

وفي صبيحة اليوم الثاني اتفقت مع عدد من الإخوة منهم: هشام جنباز، ومأمون كاخي على السفر إلى دمشق ظهراً.

واستقلّينا سيارةً خاصة، وسافرنا بها من حَماة إلى مَنْزل الشهيد مروان بدمشق، فوصلنا قبيل العصر إلى منـزله العامر.

دخلت زوجتي إلى مخدع النساء، وجلسنا نحن معه في صالة الاستقبال.

ما أن دخلنا مَنْزلَ الشهيد مروان، حتى طلبتُ منه الإذنَ بالوضوء؛ لأداء الصلاة فذهبت لأتوضأ، ولما عُدت؛ إذا بالشيخ يستمع إلى الخطبة الأخيرة للشيخ محمود الحامد بضجرٍ وحزن، وبعد أدائي الصلاةَ؛ قال لي: أترى ماذا يصنع ابن حارتكم؟

وكان الشيخ محمود الحامد جاري في الحيّ، فضحكتُ أنا تلطيفاً للجّو، وقلت: أليس هذا الذي تريدُه يا شيخ مروان؟

قال: لا! لا والله ما هذا الذي نريده، ولا هذا الذي طلبناه منه، ولا أدري ماذا دهاه؟

قلت له: حدثني الشيخ محمود، والأخ مُحَمّد عجعوج حاضرٌ؛ أنه لم يكن في ذهنه موضوعُ الخطبة هذا إطلاقاً، ولكن أحدهم لقيه في الطريق، فكلّمه بكلام هيّجه، فخطب ما خطب، وهو غير راضٍ عما حدث.

قال: وماذا ينفع هذا الكلام! إنّ هذا الكلام لا يفيدنا أبداً، ثم لماذا أنتم مستعجلون؟

نحن الآن وَضَعنا أقدامنا على عتبة العمل، ولم ندخل ساحة العمل الحقيقي بعد!

مِن الممكن أن نقطفَ نحن ثمارَ عملنا، ومن الممكن ألا يقطفه أولادنا، بل أحفادُنا، ويمكن بعد!

فقلت: آلآن يا شيخنا؟ آلآن تقول هذا الكلام يا شيخ مروان؟ على كل حال هذا كلام طيبٌ، كنت أحبُّ أن أسمعه منك منذ سنوات!

قال: ماذا نعمل الآن؟

قلت: أنا أخذتُ على الشيخ محمود الحامد عهداً قطعه على نفسه بثلاثة أمورٍـ وذكرتها له.

فقال: ممتاز، أنا سمعت منه أنه يحبك كثيراً، ويثق برجولتك وعقلك.

قلت: وهذا هشام سوف ينـزل إلى حماة، فحمّله رسالة شفويةً، أو تحريرية تؤكد على هذه الأمور الثلاثة، ثم زد عَلَيْها ما تراه مناسباً، والشيخ رجل طيب يَسمعُ النُصحَ.

وإن شئت فأرسل إليه ليحضر، وناقشه في جميع أمور الخطبة وغيرها، فهو رجل يستمع النصيحة بكلّ أدبٍ واحترامٍ!

وقلت: إذا جاء الشيخ محمودٌ؛ فليأت سرّاً متخفّياً، متنكراً، فأنا أخاف أن يكون مراقباً بعد هذه الخطبة، وليأت هو وهشام فقط، وفي وقتٍ تعرف السلطة أنّ الشيخ محموداً فيها نائم.

في تلك الليلةِ؛ ضاق صدر الشهيدِ مروان كثيراً، وحدثنا عن تباطؤ الإخوان في تأمين بيتٍ له، وهو خائف أن يُداهَم البيت، من أجل زوجته، فهو يرغب عن تعريضها لمثل هذه المواقف الصعبة.

ضمّت هذه الجلسةُ الشهداء: مروان، وهشام، ومأمون، وزكي، والفقير عداباً.

قال الشهيد مروان: أخ عداب، ألا ترى من الأكرم لنا أن ننزل إلى حماة الآن، ونرتاح من هذا العناء؟

المقسوم لنا هنا؛ هو المقسوم لنا هناك، إخوانك (مو مُسمّين بالله!).

قلت له: والله يا شيخي هذا أفضلُ، الآن يذهب أحدنا، ويحضر (تاكسي) ويقول له: إلى حلب، أو إلى إدلب، أو إلى المعرة، وننزل إلى حماة، على الأقلّ، ريثما يتدبّر بيتٌ آمن!

فغضب الإخوة رَحمةُ اللهِ عَلَيْهِم، وقال هشام: البيت هنا غير آمن صحيح، لكن فكروا تطلعوا على الزبداني، على الغوطة، أما حماة؛ فمكهربة الآن أكيد بعد خطبة الشيخ محمود الأخيرة.

قال لي مأمون: أما قلتَ: إن عندك وعداً بعد صلاة الظهر غداً، من أجل هذا الموضوع، فلم العجلة يا شيخي؟

قلت له: كأنك فهمتَ أنني أنا مَن يحرض الشيخ على النزول؟ الشيخ ضجران ومتضايق، والجماعة لا يتجاوبون معه، وحتى لو اعتقل الشيخ؛ فلن يحزنوا عَلَيْهِ، ولن تؤنبهم ضمائرهم بأنّه اعتقل بسبب تقصيرهم!

ثمّ افرضْ دوهمنا الآن يا مأمون، ألن يبقى في نفس الشيخ شيء، إذا أثنيناه عن رغبته؟

قال زكي: لا تختلفوا يا جماعة..خالي (خالتي؟) مسافر إلى العمرة، ولن يعود قبل أسبوعين، فما رأيكم أن أستأذن الوالدة، وأحضر المفتاح منها، وننقل الشيخَ وأهله إلى هناك، ونبدأ نحن نبحث عن بيتٍ، لماذا ننتظر الجماعة وغير الجماعة؟

راق لي هذا العرضُ، لكنني لم أتفوّه بشيء، فشكره الشيخ مروان، ورفض الفكرة من أساسها.

وقال: (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً) ننتظر غداً، لنرى ماذا سيتمّ بين الأخ عداب وإخوانه، وغدا بعد العصر سيأتي لزيارتي أحدُ المسؤولين في الجماعة.

فإن عشنا إلى غدٍ يكون خيراً، وإن كان غير ذلك؛ فهو من الله خير.

ثم كتب الشهيد مروان رسالةً أرسلها إلى الشيخ محمود، مع الشهيد هشام، وانطلق هشامٌ في صبيحة يوم الأحد إلى حَماة.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.