مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
الحديثُ المُرسَلُ وحُجّيّتُه!؟
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
قرأتُ لأحدِ علماءِ الحديثِ المعاصرين كلاماً يدلُّ
على تعظيمِه للحديثِ المرسلِ والعمل به.
فرأيتُ من المناسبِ إبداءَ رأيي العلميّ في هذه
المسألة العويصَةِ، في فقرات:
أوّلاً: ليس للحديثِ المرسلِ تعريفٌ متّفق عليه بين
أهل الحديث، أو تعريف متّفقٌ عليه بين الأصوليين!
فمن المحدّثين من عرّف
الحديث المرسل بقوله: «هو الحديثُ الذي يرويه التابعيُّ الكبيرُ عن
الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، من دون تصريحٍ باسم الصحابيّ الذي حدّثه به»
ومن المحدّثين من عرّف
الحديث المرسل بأنّه: «الحديثُ الذي سقط من إسنادِه ذِكْرُ الصحابيّ
الذي حدّث به عن الرسول» وهذا يشمل كبارَ التابعين وأوساطهم وصغارهم.
ومنهم مَن قال: «الحديث
المرسَلُ: هو الحديثُ الذي ينسبه الثقةُ من أهل القرون الثلاثةِ الفاضلةِ إلى
الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سواءٌ ذكرَ بعضَ إسنادِه أو حذفه كلّه!
فيدخل في تعريف الحديث
المرسل بالتضمّن: المعلّق والمنقطع والمدلّس والمعضل ومرسل التابعيّ ومرسل
الصحابيّ!
فنحن إذا قلنا: يُحتجُّ
بالحديثِ المرسَلِ، أو قلنا: لا يُحتجُّ بالحديثِ المرسَلِ، فعن أيّ مُرسلٍ من هذه
المراسيل المتنوّعة نتحدّث؟
ثانياً: إذا قلنا: يُحتجُّ
بالحديث المرسلِ وَفقَ التعريفِ الأخير، الذي عليه جمهور المتقدّمين من الحنفيّة
والمالكية؛ فلا نعود بحاجةٍ إلى علوم الحديثِ كلّها «شلع قلع»
كما يقولون بالمثل العراقي!
ثالثاً: إنّ الحديثَ
المرسلَ بجميع تعريفاتِه؛ يخالف تعريف الحديث الصحيح مخالفةً صريحةً تامّة!
إذْ تعريف الحديث
الصحيح هو «الحديثُ الذي يتّصل إسناده بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثله، من أوّل السند
إلى منتهاه، ثم لا يكون شاذّاً ولا مُعلّاً» والحديث المرسلُ ليس بمتّصل الإسناد،
سواء رواه عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الحسنُ والحسين وسعيدُ بن المسيّب،
من كبار التابعين، أو رواه محمد بن مسلم ابن شهاب الزهريُّ، وإبراهيم بن ميسرةَ
الطائفيّ، وثابت بن أسلم البُنانيّ، من صغار التابعين.
وأنا شخصيّاً لا أقبل
مرسلَ الصحابيّ مطلقاً، متى ترجّح عندي أنّه لم يسمع الحديثَ من الرسول مباشرةً،
فضلاً عن مراسيلِ مّن دونه.
رابعاً: يجب علينا في
عصرنا هذا؛ أن نتخلّص نهائيّاً من هيمنةِ سلطةِ المتقدّم، كائناً من كان!
وأن يكون القَبولُ
والردّ خاضعين لقواعد علميّة، يشهد العقل السليم بصحّتها.
لا أن نكرر: كان
العلماء قبلَ الشافعيّ يحتجون بالمرسل: أبو حنيفة ومالك، وفي إحدى الروايتين عن
أحمد، حتى جاء الشافعيّ فتابعه أكثر المحدّثين على تضعيفِ الحديثِ المرسل، إلّا
بشروطٍ ثلاثةٍ أو أربعةٍ، ذكروها!
هذا الكلام لا يجوزُ
الالتفاتُ إليه وتكرارُه أبداً، ولا يجوز الاعتمادُ عليه في قَبول الأحاديثِ
وردّها!
لا لأنّ فلاناً قبلَه
وفلاناً رفضَه، بل لأنّ اتّصال السندِ من مداره إلى منتهاه؛ هو الحديثُ الأضعف بين
أحاديثِ الآحادِ، وليس دون ذلك مرتبةٌ يمكن قَبولُها في العقلِ السليم.
توضيح ذلك بمثال:
أخرج البخاريّ في كتاب
العلم، باب مَن خصّ بالعلم قوماً دون قوم (127) حديثَ الإمام عليّ عليه السلام قالَ:
(حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ)؟!
قال البخاريّ: «حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ،
عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ».
على مستوى الكتب
التسعة التي حوت (57) ألفَ حديثٍ بالمكرّرات؛ لا يوجد بهذا الإسنادِ، سوى هذا
الحديثِ الموقوف على الإمام، وهو حديث موقوف صحيح عند جماهير أهل السنة اليوم،
فكيف نحكم عليه؟
نقول: هذا حديثٌ
موقوفٌ فردٌ مطلقٌ غريبٌ في أربعِ طبقاتٍ، لم يُروَ مَتنُه عن أحدٍ من الصحابةِ
سوى عليّ، ولم يروه عن عليّ سوى أبي الطفيل، ولم يروه عن أبي الطفيل غيرُ معروفٍ،
تفرّد به عنه عُبيدُالله بن موسى العبسيُّ الكوفيّ!
وهذا هو الحدُّ الأدنى
من الحديثِ الموصوف بالصحيح، فأين يقع المرسلُ من هذا؟ لا شيءَ البتّةَ.
ولهذا فالفقير عدابٌ
لا يحتجّ بالحديث المرسل - بتعريفاته جميعها - سواء احتجّ به أبو حنيفةَ ومالك
وأحمد، أو اعتبرَ به الشافعيّ بشروط، أم لم يحتجّوا به، فالاحتجاج بالحديث المرسلِ
والمعلّق والمنقطع والمعضل والمدلّس ومرسل الصحابيّ؛ لا يجوزُ في الدين مطلقاً؛
لأنّه لا يتحقّق فيه أدنى شروط الصحّة وهو الاتّصال.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ
حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق