مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
النَصْبُ بِدعةٌ لطيفةٌ!؟
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا
مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، بِغَيْرِ
مَا اكْتَسَبُوا؛ فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (58)
[الأحزاب].
أمّا بعدُ: عَقبَ المنشورِ الأسبَق (فضائلُ عليٍّ
وفَضائلُ غيرِه) استغربَ عددٌ من الإخوةِ الكرامُ مضمون هذا المنشورِ، حتى إنّ
أحدهم قال لي: «يُحزنني يا شيخَنا أنّك ضَعُفتَ أمام ضغوط النَصبِ الشاميّ، وكنّا
نظنّ أنّك ستقف موقفاً أشدّ صلابةً في وجوه النواصبِ القميئة».
أقول وبالله التوفيق:
إنّ مما لا ينتبه إليه كثيرٌ من أهل العلم
المتخصّصين - فضلاً عن المثقّفين والعامّة - أنّ معالجةَ مبحث «البدعةِ» في علوم
الحديث؛ قائمٌ على القطيعةِ مع الشيعةِ والتشيّعِ، والوصال الظريفِ مع النَصبِ
والنواصب!
إذا روى الناصبيّ حديثَ (أوّل من أسلم أبو بكرٍ)
قبله المحدّثون قاطبةً، من دون نظرٍ إلى أنّ في رواته ناصبّياً أو أكثر!
وإذا روى الشيعيّ حديثَ (أوّل من أسلم عليّ) ردّه
جمهور المحدّثين، أو أفرغوه من مضمونه، وفسّروه تفسيراً، لا يتعارض مع وُجهةِ
«العقلِ الجمعيّ» فقالوا: «أوّل من أسلم من الرجال؛ أبو بكر، وأوّل من أسلم من
النساء؛ خديجة، وأوّل من أسلم من الصِبيانِ عليّ، وأوّل من أسلم من الموالي
«العبيد» زيدُ بن حارثة، رضي الله عنهم وأرضاهم.
والحقّ الذي يجب أن يعرفه كلُّ باحثٍ؛ أنّ النصبَ
كان سائداً في الشامِ والبصرة واليمن، فلا يكاد يوجد في هذه البلدان محدّثٌ أو
راوٍ ليس بناصبيّ!
فإذا أراد المحدّثون أن يتعاملوا مع الرواة
النواصبِ، مثلما يتعاملون مع الرواة الشيعةِ؛ فسيردّون أكثرَ الأحاديثِ التي
مدارها على الرواةِ الشاميين والبصريين واليمانيين!
أمامِ هذه الكثرة الكاثرة من الرواة النواصبِ؛
تغاضى المحدّثون عن بدعة «النصبِ» من أساسها، ولم يحفظ لنا التاريخ إلّا أسماءَ
عددٍ يسيرٍ من النواصبِ، الذين لم يردّ المحدّثون حديثَهم من أجل نصبهم أبداً، إنّما
ردّوا حديثَ الضعفاء منهم؛ لأنّ النواصبَ لطفاءُ أهلُ دينٍ وتقوى وعبادة، وسترى !!
قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (8: 458) في
ترجمةِ «لِمازةُ بنُ زَبّار الأزديّ أبو لبيدٍ الجهضميّ البصريّ، وكان ممن يسبّ
الإمام عليّاً عليه السلام:
«ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة،
وقال: سمع من عليٍّ، وكان ثقةً وله أحاديث.
وقال حَربٌ عن أبيه: كان أبو لبيدَ صالحُ الحديثِ،
وأثنى عليه ثناءً حسناً.
وقال موسى بنُ إسماعيلَ عن مطر بن حِمرانَ: كنا عند
أبي لبيدٍ، فقيل له: أتحبُّ عليّاً؟
فقال: أُحبُّ عليّاً وقَد قتل من قومي في غداةٍ
واحدةٍ ستةَ آلافٍ؟!
وذكره ابنُ حبّان في الثقاتِ
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: حدثنا وهبُ بن
جريرٍ عن أبيه، عن أبي لبيدٍ، وكان شتّاماً.
قال ابن حجر: زاد العُقيليُّ: قال وهبٌ: قلتُ لأبي:
مَن كان يَشتُم؟ قال: كان يشتم علي ابن أبي طالب.
وقال ابنُ حزمٍ جزاه الله خيراً: غيرُ مَعروف
العدالةِ» وقال ابن حجر في التقريب (5681): صدوق ناصبيّ!
وقال ابن حجر في ترجمة المذكور نفسها من التهذيب أيضاً:
«وقد كنتُ أستشكلُ توثيقَهم النَاصبيَّ غالِباً، وتَوهينَهم
الشيعةَ مُطلقاً ولا سيما أنّ عَليّاً، ورد في حقّه (لا يحبّه إلا مؤمنٌ، ولا يُبغضه
إلّا مُنافقٌ !!) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (78)؟
ثم ظهر لي في الجوابِ عن ذلكَ؛ أنّ البُغضَ ها هنا
مُقيّدٌ بِسببٍ، وهو كونُه نَصرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لأنّ مِن الطبعِ البَشريِّ
بُغضَ مَن وَقعت منه إساءةٌ في حقِّ المُبغضِ، والحُبُّ بِعكسِه، وذلك ممّا يَرجع
إلى أمورِ الدنيا غالباً.
والخبرُ في حبِّ عليٍّ وبُغضِه؛ ليس على العَمومِ،
فقد أحبّه مَن أفرطَ فيه، حتى ادّعى أنّه نَبيٌّ، أو أنّه إلهٌ، تَعالى اللهُ عن
إفكِهم.
والذي وَردَ في حَقِّ عَليٍّ مِن ذلك؛ قد وَرد مِثلُه
في حقِّ الأنصار (لا يحبّهم إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق) أخرجه البخاريّ
(3783) ومسلم (75)!
وأجاب عنه العلماءُ أنّ بُغضَهم لأجل النَصرِ؛ كان
ذلك علامةَ نِفاقٍ وبالعكس، فكذا يُقالُ في حقِّ عَليٍّ.
وأيضاً فأكثرُ مَن يُوصفُ بالنَصبِ؛ يَكون مَشهوراً
بصدقِ اللَهجةِ والتّمسكِ بأمورِ الديانةِ بخلافِ مَن يُوصف بالرفْض؛ فإنّ غالبَهم
كاذبٌ، ولا يَتورّعُ في الأخبار.
والأصلُ فيه أنّ الناصبةَ اعتقدوا أنّ عليّاً رضي
الله عنه قتلَ عُثمانَ، أو كان أعان عليه، فكان بُغضُهم له ديانةً بزَعمِهِم، ثم
انضاف إلى ذلك أنّ منهم مَن قُتلَ أقاربُه في حروبِ عَليٍّ» انتهى.
ألا ترى كيف غدت بدعة النصبِ ظريفةً خفيفةً، لا
تؤثّر على عدالةِ الراوي؟
ومن يستعرض الرواةَ الذين رُموا بالنصبِ؛ يجد ابنَ
حجر منحَ بعضهم درجة الثقة، انظر تقريب التهذيب على سبيل المثال (74، 273، 1184، 2092،
3385، 7178).
ومنهم من منحه درجة صدوق، أو لا بأس به (1389،
2584، 7357).
أمّا من رُمي بالرفض؛ فلم يوثّق واحداً منهم، ومنح
ثلاثةً منهم درجة صدوق (5014، 5350، 7227) ومنح أربعة منهم درجة صدوق يخطئ (492،
1018، 3446، 7903) ووصف عدداً آخر بالضعف (862، 1029، 4995، 4996).
ووصف عدداً منهم بالتَرك أو الوضع أو الكذب (537،
1445، 5901، 6805، 7059).
هذه معضلةٌ من أكبر معضلات علم نقدِ الحديثِ، أدخلت
كثيراً من أحاديث الفضائل والمناقب في كتب الحديث، وأخرجت كثيراً منها، من تلك
الكتب!
فأنا عندما أقول: لنُحيِّدْ أبوابَ فضائل الأقوام
والأفراد والأماكن ثقافتنا المعاصرةَ؛ فلأنّ «الغُرمَ بالغُنم» ويصحّ «الغُنمُ
بالغُرمِ» أيضاً!
إذْ إنّ هذا يسري على فضائل الإمام عليّ، كما يسري
على فضائل الخلفاء والصحابة والملوك والطلقاء!
والله تعالى أعلم.
والحمد للهِ على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق