الجمعة، 26 يونيو 2026

 مَسائِلُ مِنَ التَفسيرِ وعُلومِ القُرآنِ:

مَن هم خيرُ أمّة أُخرجت للناس!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ،

وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ؛ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)  [آل عمران].

أمّا بعد: قال لي أحدُ الإخوةِ القدماء: هل لك أن تشرح لي معنى هذه الآية الكريمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)!؟

الخِطابُ موجّهٌ إلى مَن؟ وما معنى الخيريّة؟ وهل واقع المسلمين منذ عصر الصحابة وإلى يومنا هذا يتوافق مع هذا التقرير القرآنيّ؟

أقول وبالله التوفيق:

وكَم من عائبٍ قولاً سديداً ... وآفتُه من الفهم السقيم.

أوّلاً: سورةُ آل عمرانَ مدنيّة نزلت بعد سورة الأنفال، وهذا يعني أنّها نزلت بعد مرور خمسةَ عشر عاماً على بِعثة الرسولِ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ثانياً: هذه الآيةُ من العامِّ الذي يرادُ به الخاصّ، ولا يصح أن تُفهم على عمومها أبداً؛ لأنّ الصحابةَ الكرامَ المتّقين؛ كانوا قِلّةً في المجتمع المدنيّ، في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

إذ كان المجتمع المدني في ذلك الوقتِ خليطاً من الصحابة الصالحين، ومن المنافقين، ومن الأعرابِ، ومن اليهود، وحولَ المدينة بعضُ المشركين أيضاً.

ثالثاً: اختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية على أقوالٍ كثيرةٍ، منها:

(1) أنّ الخيريّة مقصورةٌ على الصحابةِ الصالحين. 

(2) أنّ الخيريّة مقصورةٌ على المهاجرين من الصحابة فحسب!

(3) أنّ الخيريّة مقصورة على عددٌ يسيرٍ من الصحابة فيهم عبدالله بن مسعودٍ ومعاذ بن جبل.

(4) أنّ الخيريّة مقصورةٌ على أئمّة الشيعة الجعفريّة الاثني عشر إماماً.

(5) أن الخيريّة مقصورة على الصالحين من الصحابة العرب!

(6) ومنهم من ذهب إلى أنّ هذه الخيريّة في أمّةِ الإسلام عامّةً، بيد أنّها لأمّة منهم وليس لكلّهم، والأمّةُ تطلق على الطائفة وعلى الجماعة من الناس.

فمن اتّصف بالصفاتِ التي وُصفت بها هذه الأمّة (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) فهو من الأمّة الخيّرةِ.

رابعاً: الذي يترجّح لدى الفقير عداب؛ ما يقولُه دائماً: مَن مدح قوماً بصفات خيّرة فيهم؛ فإنّه لا يمدح القريةَ كلّها، فلا بدّ أنّ في كلّ قريّةٍ أشراراً وخصوماً للصالحين.

قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) [الأنعام].

ومَن ذمَّ قريةً أو قوماً بلفظٍ عامٍّ؛ فإنّه لا يذمُّ القرية بتمامها، إذْ لا بدّ من وجود بعض عبادِ الله من غير الفجّار فيها.

وأنا - كما تعلمون جميعاً - لست معجباً بجميع الصحابةِ؛ لأنّ في الصحابة الأولياء والأتقياء والصالحون والشهداء، وفيهم من خاطبهم الله تعالى بقوله: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة).  

بيد أنّ أمّةَ الإسلامِ من عصر الصحابة رضي الله عنهم، وإلى عصرنا هذا:

-هي الأمّة الوحيدةُ التي توحّد الله تعالى التوحيدَ الخالص.

-وهي أكثر أمم الأرض عبادةً وطاعةً لله تعالى.

-وهي أكثر الأمم نظافة وطهارةً ظاهراً وباطناً.

-وهي أقلّ أمم الأرض سفكاً للدماء، فما يُقتل في بلادِ الإسلام ظُلماً وعدواناً؛ لا يصل إلى (10%) ممّن يقتل في أمريكا وغيرها من البلدان.

-وهي أقلّ أمم الأرض قتلاً للأطفال بعمليّات «الإجهاض».

-وهي أقل أمم الأرض زناً ولواطاً وشذوذاً جنسيّاً وخيانةً زوجيّة!

-ولأضربَ مثالاً واقعيّاً صغيراً، يمكن لكلّ واحدٍ منّا أن يتحقّق منه بنفسه!

شاهد منشوري «التوسعة على العيال» على صفحتي أربعةَ عشر ألفاً من الأصدقاء، الذين انتقصوني ولم يُعجبهم المنشور؛ كانوا خمسةً فحسب!

ولا أظنّ (5/ 14000) تُشكّل أدنى نسبةٍ مئويّة، تؤثّر على التوجّه العام للأصدقاء والمتابعين!

هذا يعني أنّ حملَ الآية على العموم؛ ليس أمراً مستنكراً، وإن كان حملها على العامّ الذي يُراد به الخاصّ؛ أدقّ وأولى.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق