الثلاثاء، 23 يونيو 2026

  مسائلُ فكريّةٌ:

وحدةُ الوجودِ والوحدةُ المطلقةُ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(قُلْ: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ (84) سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ! قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟ (85).

قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ! قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ؟ (87)

قُلْ: مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُجِيرُ، وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ! قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؟ (89)

بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) [المؤمنون].

أمّا بعد: سألني أحدُ الأصدقاء: ما الفرق بين وحدةِ الوجود، والوحدةِ المُطلقة، وما موقفك من كلٍّ منهما؟

أقول وبالله التوفيق: إنّ المسلمين، من أهلِ السُنّةِ والشيعةِ والخوارجِ؛ أثبتوا وجوداً واجباً أزليّاً أبديّاً لله ربّ العالمين (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) [الحديد].

 وأثبتوا وجوداتٍ جائزةَ الوجود مخلوقةً، خلقها الله واجبُ الوجودِ، القديرُ المقتدرُ القادرُ على كلّ شيءٍ!

وذهبَ بعضُ الصوفيّةِ من أهل السنّة والإباضيّةِ، وبعضُ العِرفانيينَ من الشيعةِ الإماميّة إلى أنّ هناك وجودٌ واحدٌ؛ هو الوجودُ الواجب لله تبارك وتعالى.

أمّا توصيفُ وجوداتِ ما سوى الله تعالى؛ فاختلفوا فيها على مذهبين:

المذهبُ الأوّلُ: وحدةُ الوجودِ، التي تعني في أيسر معانيها؛ أنّ الوجودَ الحقَّ هو وجودُ الله تبارك وتعالى، وسائر الموجوداتِ سوى اللهِ؛ وجودها نسبيٌّ، إذ هي ليست سوى مظاهرَ وتجلّياتٍ لأسماء الله تعالى وصفاته التي لا تتناهى، والإنسانُ أكمل مخلوقاتِ الله تعالى وخليفته في الأرض، خلقه الله تعالى على صورته، ومنحه من تجلّياتِ أسمائه وصفاته.

هذه خلاصة وحدةِ الوجود، عند أبي بكر ابن عربيّ الحاتميّ الأندلسيّ، صاحب الفتوحات المكيّة وفصوص الحكم. فابنُ عربيٍّ  يُفسّرُ الكثرةَ في «العالَـمِ» من خلال نظرية «التجلي» و«المرايا» إذ تكون الذات الإلهيةُ واحدةً، ولكنها تَنعكس في مَرائي الموجودات الكثيرة، فالعالم في نظرِه مِرآةٌ للحَقِّ .

أمّا ابنُ سبعين الأندلسيّ فإنّه ينفي الكثرةَ نَفياً قاطعاً، ويَعُدّها وَهماً، فاللهُ تعالى هو الوجودُ الحقيقيُّ الواحدُ الأحدُ في ذاته، ولا يَعترف بأيّ وجودٍ حقيقيٍّ أو ذاتي سواه في العالَم.

ويمثّل ابن سبعين نظريّته هذه بصخرةٍ ضخمة كبيرةٍ، تراها أنت من ظاهرها صخرةً واحدةً، بينما هي في داخلها تعجّ بالوجودات والجزيئات!

وهاتان العقيدتان باطلتان، لا يجوز لمسلمٍ أن يعتقد بهما أو بإحداهما؛ لأنهما تخالفان مخالفةً ظاهرةً عشراتِ الآياتِ القرآنيةَ، التي تثبت وجود الله الحقّ الواجبَ، وتثبت موجوداتٍ كثيرةً ومتنوعة فقيرة، خلقها الله تبارك وتعالى.

خلق الله تعالى الإنسانَ والحيوانَ والطيور والزواحفَ، وجعلَ لكلِّ مخلوقٍ من هذه المخلوقاتِ نقاطَ ضعفٍ وضروراتٍ، تكتنفه من جميع جوانبه، ومنها الموت!

فإذا كان الإنسانُ عندهم أحدَ وأعظمَ تجلّياتِ الله تعالى في الوجود، فنكون قد جوّزنا على صورةٍ من صور تجلّياتِ الله تعالى المرض والجوعَ والعطشَ والموت!

هذه عن عقيدةِ وحدة الوجود لابن عربيّ.

أمّا عن عقيدة الوحدة المطلقةِ لابن سبعين؛ فنكون جوّزنا أن تحلَّ الحوادثُ بنقائصها وضروراتها وفنائها وموتها، في ذات الله تعالى، وهذا مخالفٌ مخالفةً صريحةً لآيات كثيرات، منها:

(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) [القصص].

(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) [الصافات].

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) [الحشر].

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) [الروم].

(اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) [الزُمر].

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) [الزمر].

ختاماً: الفقير عداب لا يُجوّزُ الاعتقادَ بوحدةِ الوجودِ، ولا بالوحدةِ المطلقةِ، ولا بتجلّي الحقّ تعالى في صور مخلوقاته، وهو يرى «وَحدةَ الشُهودِ» حالاً قلبيّاً مُتخَيَّلاً، يَستولي على قلب الذاكر، فيغيبُ عن «مشاهدةِ الخلقِ بمشاهدةِ الحقِّ» هكذا يقول السادةُ الصوفيّة!

وهذا الذي يقول به كثيرٌ من الصوفيّةِ؛ لم يرِدْ عن الرسولِ فيه نفيٌ ولا إثباتٌ، ولم يُنقَل إلينا أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ انتابَتْهُ مثل هذه الأحوال.

وهم يعتمدون في ذلك على مسألةِ «الإمكان العقليّ» وعلى «التجارب الروحيّة» التي حدّث بها أولياؤهم وشيوخهم.

وأنا الفقير عداب لستُ من «الذاكرين الله تعالى كثيراً» حتماً، إذا قصد بالكثرة مثلَ قوله تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ عِنْدَهُ؛ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، لَا يَفْتُرُونَ (20) [الأنبياء].

وحتى عندما كنت مواظباً على ورد النقشبندية، بذكر الله تعالى (5000) مرّةً في مجلس واحدٍ، وعندما كنت أقرأ خمسةَ أجزاء من القرآن الكريم يوميّاً؛ كنتُ أعيش أحوالاً من اللذة الروحيّةِ والسكينة والطمأنينة، المانحةِ لليقينِ والتوفيق وإجابة الدعاء.

بيد أنّني لم أَغِبْ عن وعيي أبداً، بحيث كان النورُ الإلهيّ يحوطني، فلا أحسّ بشيءٍ سوى مشاهدةِ الحقِّ القلبيّة، يعني (ماكو هيك إشي) عندي.

وقد قلت سابقاً: إنني لا أؤمن بقالٍ وقيلٍ - مهما كان القائل صالحاً وجليلاً - وفي عالم التصوُّف خاصّةً، لا أعتقد إلّا بما وصلتُ إليه من أحوالٍ ومقامٍ، وليس مقام وحدة الشهودِ «الفناء» من تلك الأحوال، ولهذا لا أؤمن به أصلاً، ومن ظنّ أنّ على المسلم الاعتقادَ بكلّ ما يقوله العلماء والأولياء والصالحون؛ فهو جاهل!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق