الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

     مَسائِلُ فكريّةٌ:

هَجْرُ المبتدع !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعدُ: قَرأتُ لأحدِ علماءِ الأشاعرةِ الأفاضلِ كلمةً يقولُ فيها:

«هديةً -ويصحّ: هديّةٌ - إلى دعاةِ جَمع الكلمةِ مع أهلِ التَجسيم والتَكفيرِ!

قال الفُضيلُ بن عِياضٍ، رحمه الله تعالى : «مَن عظّم صاحبَ بِدعة؛ فقد أعان على هَدْم الإسلامِ، ومَن تَبسّم في وَجه مُبتدعٍ؛ فقد استخفَّ بما أنزل الله تعالى على محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومَن تبعَ جنازةَ مُبتدعٍ؛ لم يَزل في سَخطِ اللهِ حتَّى يرجع، ومَن زوّج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها» يريدُ الفُضيل: حتى يرجع عَن بدعته.

أقول وبالله التوفيق:

أوّلاً: إنّ أمّتنا ابتُليت بالاختلافِ، في حياة الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم!

وبعد انتقالِه إلى الرفيق الأعلى؛ ذرّ الخلاف قرنه، حتى قتل بعضُ الصحابة بعضاً، ولا أجدُ بدعةً أكبرَ من اقتتال المسلمين بعضهم مع بعض، تحت دعوى الاجتهاد في الوصولِ إلى الصواب!

ثانياً: سأقرّب إليك - أخي القارئ المسلم - المسألة ببعض الأمثلة، بعد تعريف البدعة عمليّاً.

الناس فريقان من جهة الاجتهاد: مجتهد، ومقلّد «متّبع».

فنتائجُ بذل المجتهدِ جهدَه في الوصولِ إلى حكم مسألة ما «أصليّةً كانت أم فروعية» هي تكليفه الشرعيّ الذي لا يلزمه غيره.

واختلاف هذا المجتهدِ مع غيره من المجتهدين؛ سائغ ومفهوم!

أمّا تعصّبُ المقلّد لرأي مَن يقلّده، ونضالُه عنه، وعَقدُ الولاء والبراء، بناءً على اجتهادِ ذاك المجتهد؛ فهذا في نظري اعتداءٌ على العلم والأدب، وهو مذمة لهذا المقلّدِ، مهما طالت لحيته، وقصر ثوبه، وحلق شاربيه!

وهو جنس المثل الحمويّ الشعبيّ (القَرعاءُ تتباهى بشَعْرِ جارتها).

خلاصة الأمر: البدعة اجتهاد مجتهدٍ، أو قاصر عن رتبة الاجتهاد، في الأصولِ أو الفروع، والتفرقة بين الاختلاف في الأصول والفروع؛ لا دليلَ عليه!

 ثالثاً: يقول ابن أبي يعلى الفرّاء الحنبليّ في رسالة الاعتقاد (ص: 43):

«ويجب «انتبه إلى الوجوب» هجران أهل البدع والضلال كالمشبهة والمجسمة والأشعرية والمعتزلة والرافضة والمرجئة والقدريّة والجهميّة والخوارج والسالمية والكرامية، وبقية الفرق المذمومة «يعني ما انتهينا!!» هذا اعتقادي وما أدين به لربي، وهو الذي مضى عليه والدي رحمه الله» تبارك وتعالى.

والسؤال المطروح: إذا كان يجب هجر أتباع هذه الفرق كلّها، فمن بقي من المسلمين، يجوز التواصل معه، ومودّته، والابتعاد عن هجره؟

قال هذا الكلامَ أبو يعلى الفرّاء الحنبليّ، أم قاله أحمدُ ابن حنبلٍ وأبو حنيفة ومالك والشافعيّ وداود الظاهريّ مجتمعين؛ فلا يجوز اعتمادُ هذا المذهب على عمومه وشموله البتة!

رابعاً: عندما يقول الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا - عِبَادَ اللهِ -  إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أخرجه البخاري (6065، 6076) ومسلم (2559).

فهل يقصدُ بهذا التوجيهِ الشريف مقلّدي أبي يعلى من الحنابلةِ، أم يقصد مقلّدي أبي الحسن الأشعريّ، أم يقصد مقلّدي أبي منصورٍ الماتريديّ، أم يفرّق الحديث الشريف الصحيح هذا، بين تقليدِ الفروع وتقليد الأصول؟

خامساً: يستدلّ القائلون بوجوب هجر المبتدع، بقول الله تبارك وتعالى:

(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة].

ويستدلون بهجر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الصحابيَّ كعبَ بن مالكٍ الأنصاريّ خمسين ليلةً، كما في صحيح البخاري (4418) ومسلم (2769).

وأسأل هؤلاء القائلين بوجوب هجر المبتدع:

هل المبتدع «الحنبليّ» عند الأشاعرةِ، يحادُّ الله تعالى ورسوله؟

وهل المبتدع «الأشعريّ» عند الحنابلة، يحادُّ الله تعالى ورسوله؟

وهل أهل السنة والشيعة والإباضيّة والمعتزلة والقدريّة وغيرهم ممن جعلوهم أهل بدع وضلال؛ جميعهم يحادّون الله تعالى ورسوله، أم إنّ المجتهدَ أوصله اجتهادُه إلى ما عدّه الآخرون بدعةً، وتابعه على اجتهاده جماعةٌ من المسلمين، كثروا مع الزمن بأسبابٍ كثيرةٍ، فغدوا مذهباً أو فرقةً أو طائفة؟

إنّ الحنفيّ يعتقد بأنّ الإمامَ أبا حنيفةَ أعلم خلق الله تعالى بالفروع!

وأنّ أبا منصورٍ الماتريديّ أعلم خلق الله تعالى بالأصول العقدية!

وإنّ المالكيّ والشافعيّ يعتقدان أنّ أبا الحسن الأشعريّ أعلم خلق الله بالأصول.

وإنّ الحنابلة يعتقدون أنّ الإمام أحمدَ ابن حنبلٍ؛ أعلم الخلق بكل علمٍ إسلاميّ، في الأصول والفروع والحديث والتفسير..إلخ.

وواقع حال هؤلاء الأئمة والعلماء؛ ليس على هذا النحوِ من الخيالِ والغلوّ والتعصّب، فلا يوجد بينهم واحدٌ برز بثلاثةِ علومٍ أصلاً، سوى الإمام الشافعيّ رضي الله عنه وعنهم، فقد كان إماماً في اللغة والبيان والأصول والفروع والتفسير والحديثِ والتاريخ..إلخ.

ومع إمامته في اعتقادي؛ فلا يجوز تقليدُه في كلّ اجتهادٍ ذهب إليه.

وقبل الخاتمة أقول: جميع مذاهب أهل الإسلام وطوائفهم وفرقهم؛ كان للسياسة أثر بالغٌ في رواجها، ولا يُنجي أمّةَ الإسلام اليومَ، سوى الساسة والعلماء!

انظروا إلى بلدنا سوريا، كيف غدت أمويّةً بين ليلةٍ وضحاها، وغدا حتى بعض الأشراف يتغنى بأمجاد بني أميّة ورجالاتها.

مع أنّه لا يوجد ملك واحدٌ من بني أميّة، يصلح للاقتداء به في بعض أعماله أو كثير منها، بَدْءاً من عثمان بن عفّان، وانتهاءً بمروان الجعديّ «الحمار».

هل إعراض عثمان عن كبار صحابة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في إمرة الولايات، وتسليمها لشباب بني أمية وحلفائهم؛ أمرٌ مقبول؟

هل جعل جمع المصحف الشريف ونسخه إلى ثلاثة من شباب قريش، مع زيدِ بن ثابت الأنصاريّ، وإعراضه عن عليّ وابن مسعودٍ وأبي بن كعبٍ، رضي الله عنهم؛ أمر مقبول؟

هل حرقه نسخَ المصحف الشريفِ؛ أمر مقبول؟

هل يكون لدى الإنسان وثائق متعدّدة لكتابٍ واحدٍ، مكتوبةٌ بعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فيقوم بحرقها؟

هل إغداقه المالَ والمناصبَ على بني أميّة؛ أمر مقبول؟

وهل تصدّقون تلك الروايات الساقطةَ التي تقول: إنّ الغوغاء ثاروا على عثمان؟

إنّ الذين ثاروا على عثمان سادةُ المهاجرين، مثل طلحة والزبير وعائشة ومحمد بن أبي بكر.

وسائر الأنصار - كما يقول الإمامُ المزيّ في ترجمته - حتى إنهم منعوا دفنَه في مقبرة البقيع، وانظر ترجمته في تهذيب الكمال!

وجميع من جاءَ بعد عثمان رضي الله عنه من بني أميّة؛ لا يساوي خنصرَ عثمان في الدين والورع.

ما أريد قوله: لا بدّ من أن يقوم سياسيّ مؤمن واعٌ، بإنشاء مؤسسات علمية، تؤهّل العلماءَ للوصولِ إلى درجة الاجتهادِ المقيّدِ والترجيح، ثم يقوم هؤلاء المؤهّلون بالاجتهادِ الجماعيّ في مسائل الخلافِ الأصليّةِ أوّلاً، ثم الفرعيّة بعد ذلك، واعتماد نتائج إجماعِ أولئك المجتهدين ديناً للأمةِ، وجعل ذلك قانوناً، وكتابة الدستور في ضوء ذلك، إذْ من الخطأ العلميّ والتربويّ؛ اعتقاد أنّ الأوّلين أعلم منّا وأتقى منّا وأكثر أدباً وتهذيباً منّا، ولا دليل أبداً على هذا الكلام، وجميع الأحاديث التي تتحدّث عن الخيريّة - إنْ صحّ شيءٌ منها - فالفضل شيٌ والعلم شيءٌ آخر.

ختاماً: أنا الفقير لا أرى جوازَ هجر المبتدع مطلقاً - لا في الأصول ولا في الفروع - لأنّ طبيعةَ البشرِ؛ تقليدُ معظَّميهم، وتقديس أقوالهم.

ولا يعنيني أبداً مخالفتي لأحمدَ ابن حنبلٍ ولغيره من العلماء في هذه المسألةِ التي مزّقت الأمّة واستباح بعضها بها دماء بعض!

إنّما أرى جعلَ تعلّم الدين إلزاميّاً في الأمّة، مثلما تعتمد الحكومات في أكثر دول العالم نظاماً يطلق عليه (التعليم الإلزاميّ).

والله تعالى أسألُ أن يلهمنا رُشدنا، وأن يعلّمنا ما جهلنا، وأن يجمع قلوب المسلمين على الحبّ، وإعذار بعضهم بعضاً.

وأشهد الله تعالى - وأشهدكم - أنني أحبّ المسلم السنيّ والزيديّ والإماميّ والإباضيّ، والأشعريّ والماتريديّ والسلفيّ والصوفيّ، والإخوانيّ والتحريريّ.

بيد أنّ مولاةَ كلّ واحدٍ من هؤلاء المسلمين ومحبّتَه؛ على قدر قُربه من الحقّ والعدلِ.

فإذا انحرف - وعلمت بانحرافه - وجب عليَّ نصحه باللسانِ، والتقرّبُ منه والإحسان إليه، حتى يتقبّل الحقَّ، ويذعن إليه.

أمّا قال السلف، وترك الخلف، وقال أحمد ابن حنبل، وقال ابن تيمية رحمهم الله تعالى؛ فإنما يبكي على تقليدِ هؤلاء وأمثالهم الجهّالُ!

وأخشى أن تتكرّس في حياتنا العلمية والفكرية والسلوكية؛ آثارُ ما ورد في حديثٍ يُصححه الأكثرون، يقول فيه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً.

سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ «الجدب والقحط» فَأَعْطَانِيهَا.

وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ؛ فَأَعْطَانِيهَا.

وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ؛ فَمَنَعَنِيهَا) أخرجه مسلم (2890).

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق