التَصوّفُ العَليمُ:
الكَراماتُ الماديّةُ!؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلامٌ عَلَى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطفَى).
أمّا بعد: طلبَ
أحدُ الإخوة الأصدقاء أن أعطي رأيي بكراماتِ الصوفيّةِ الماديّة، من مثل ضربِ
الشيش والرمح، وأكل الزجاج، وتمكين الثعبانِ من مصّ لسان المريد وإمساك «الكابل»
الكهربائيّ الرعيب!
أقول وبالله
التوفيق:
حدّثني جدّي
السيّد إبراهيم بن محمّد الحمش (1868 - 1968م).
وحدّثني والدي
السيد محمود (1918 - 2012م).
وحدّثني عمي
السيد محمد حمشو (1913 - 1970م).
كلٌّ منهم
حدّثني على حِدته قالوا ما معناه: جدّك السيّد محمد الحمش (1813 - 1936م) كان آخر
شيخٍ للطريقة القادريّة الخلوتية المتوارثة في «آل كنعان» حيث انتقل من الطريقةِ
الخلوتيّة إلى الطريقةِ النقشبندية، وسلك على يدي العالم الصوفيّ الشيخ أحمد بن
سليم المراد الزوركي الحمويّ (1876 - 1960) على الرغم أنّه من جيلِ أولاده، لما
كان عليه الشيخ أحمدُ من العلم والتقوى، رحمهم الله تعالى.
ثمّ حدَثت
جفوةٌ بين جدّي السيّد إبراهيم وبين شيوخِ الصوفيّة عامّة لأسبابٍ اجتماعية، فصحب
جدي إبراهيم ووالدي وعمّي السيّدُ خالدٌ الشيخَ محمد سعيد الجابي (1879 - 1948م) وكانوا
من أنصاره، حتى وفاته، رحمهم الله تعالى أجمعين.
لم أشهَدْ في
حياتي جدّي ووالدي وأعمامي يحضرون مجلساً عامّاً من مجالس التصوّف!
بيد أنّ جدّي كان
مواظباً على أورادٍ طويلةٍ قبل صلاةِ الفجر وبعدها، وبين الظهر والعصر، وقبيل
المغرب وبعدها، وبعد صلاة العشاء.
ومع أنني
عاصرته ووعيت تصرفاته بعد التسعين من عمره المبارك، إلّا أنّه كان يصوم شهر رمضان
تامّاً، وكان كثيرَ صلاةِ النافلة.
وأوّل حدثٍ
صوفيّ شهدته في حياتي، كان في عام (1959م) عندما زوّج ابن عمّة والدي السيّد مصطفى
أحمد دروش الإعزازيّ ابنته الآنسة مريم إلى أحد أبناء عمومتها في إعزاز، وكانوا
أهلَ «نوبةٍ» صوفيّة.
في مزرعتنا
خلفَ المشتل الزراعيّ بحماة؛ أقيمت حفلةُ الزفاف، واستعرض أهلُ الزوج «العروس»
كراماتهم، فكان منها غرس أشياش الحديد في أفواههم، وضرب بطونهم بأشياش أضخم منها،
ويومها خفتُ كثيراً وبكيت!
في أثناء
تعاطيهم ضربَ الشيش هذا؛ كان ابن عمي «حمدو» يشعل كميّة كبيرةً من الفحم في «صاج»
ضخم، كانت نساؤنا يخبزن عليه «خبز الرقاق» في الولائم.
عندما انتهى القوم
من ضرب الشيش؛ كوّنوا حلقةً كبيرةً جدّاً، وبدأوا يذكرون الله تعالى.
في هذه الأثناء
ذهب والدي رحمه الله تعالى إلى جهة «الصاج» وهو أحمر من داخله وخارجه، ورفعه بكلتا
يديه، ووضعه على رأسه، وصار يدور به داخل حلقة الذِكر.
صرخت صوتاً
عالياً جدّاً، وهربت إلى جهة جدي وخبّأت رأسي خلفه، وكنت أظنّ أنّ والدي سيموت!
ظل والدي
حاملاً «الصاج» على رأسه، وممسكاً به بيديه حتى انتهى مجلس الذكر!
كنت صغيراً،
وكنت أخاف من والدي كثيراً، فلم أجرؤ أن أكلّمه بشيءٍ!
لكنني كنت
جريئاً على والدتي رحمة الله عليها، فقصصت عليها ما فعله والدي، وقلت لها: نظرت إلى
رأس والدي وكفّيه، لماذا لم يحترقا؟
تبسّمت الوالدة
وقالت: هذه كرامة يا ابني، أنتم أولاد جَدّ!
قلت لها: ماذا
تعني الكرامة؟ قالت: كما رأيتَ الشيش لا يضرّ، وجمر الفحم لا يضرّ!
قلت لها: وما
معنى أولاد جدّ؟ قالت: يعني أنتم أصلاء جدّك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجدّتكم
فاطمة الزهراء بروحي أفتديها.
في عام (1960)
وفي منزل السيّد أحمد فارس السالم في منطقة الحاضر؛ أخذتُ الطريق على الشيخ
عبدالقادر عيسى، رحمه الله تعالى، بعدما استأذن الشيخ جدّي!
ووكّل بي الشيخ
فارس بن أحمد السالم، رحمهم الله تعالى أجمعين.
انتقلتُ من
الطريقة الشاذليّة إلى الطريقة النقشبندية عام (1964) إذ سلكت الطريق على يد سيّدي
الشيخ محمّد الحامد، في جامع السلطان قبل هدمه.
عندما كبرتُ
واغتربتُ؛ تعرّفت إلى الطريقةِ القادرية والطريقة الرفاعيّة، وكلتا الطريقتان
تمارسان «الفعاليّات» الماديّة هذه.
سلكتُ الطريق
الرفاعيّ على يدي الشيخ «علي أبو زيد» الفلسطينيّ، رحمه الله تعالى.
ثم على يد
الشيخ حاتم كاظم الدليميّ، ثم على يد الشيخ فَهد الشمّري «الجربا» حفظهما المولى، وأجازني
بكلّ الفعاليّات!
طلبت من الشيخ
حاتم أن يأذن لي بممارسة الفعاليّات؛ فلم يأذن لي، ودخلتُ إلى ساحة الضرب، وبيدي
الشيش، فمنعني.
وأذن لي الشيخ
فهد بالشيش والأفعى والنار وكلّ شيءٍ، لكنّه قال لي: إذا لم تُضطَرَّ إلى شيءٍ،
فلا تمارس بنفسك، ويمكنك أن تمارس ببعض مريديك، ولا تخف!
في عام (1996)
سلكت الطريقة القادرية الكسنزانية على يد سيّدي الشيخ محمد بن عبدالكريم الكسنزان،
وكانوا يمارسون عدداً كبيراً من «الفعاليّات».
استأذنت حضرةَ
الشيخ بممارسةِ بعض هذه الفعاليّات، فلم يأذن لي، وقال: نحن نكفيك هذا الأمر، أنت
عالم كبير، أنت فوق هذه الممارسات، لكن قم الآن اضرب مَن شئتَ من الدراويش، فلم
أفعل.
في أحد هذه
المجالس المباركة؛ صحبني ولدي الدكتور محمّد بن عداب، وكان يومها صغيراً، ربما كان
ابن ثلاث عشرة سنة.
شاهد الدراويش
يأكلون الزجاج، ويضربون أنفسهم بالشيش، ونحو ذلك، فلم يقل شيئاً.
عندما خرجنا من
التكية إلى البيت سألني قال: أبي هؤلاء الجماعة مأذونون بممارسة هذه الكراماتِ،
نحن غير مأذونين؟
قلت له: بلى
نحن في الأصل مأذونون وراثةً، لكنْ لم يتيسّر لأبيك ممارسةَ ذلك، فما لم يأذن لي
أحد المشايخ بذلك؛ فأنا لا أجرؤ أن أمارس!
لم يردّ عليّ
بشيءٍ، لكنّه لمّا دخل منزلهم؛ وجد والدته وإخوانه على مائدة العشاء.
قال لهم: إنّه
تعشى في التكية، لكنّه يشرب معهم الشاي!
شربَ كوبَ
الشاي، ثم مضع كأس الشاي وأكلها.
كنت ليلتها في
بيتي الثاني، فاتّصلت بي والدته باكية تصرخ: تعال خذ ابنك المجنون إلى المشفى!
قلت لها: ما
به؟ قالت: أكل كأس الشاي وابتلعها، أكيد تمزّقت معدته وأمعاؤه.
قلت لها: لا
تخافي عليه، لن يصيبه شيءٌ بإذن الله تعالى، إذا شعرت بتغّيرٍ عليه، فاتّصلي.
هي لم تقتنع
بكلامي، لكن لم يكن لديها خيار، وأغلقتُ الهاتف!
بعد هذه الرحلة
التاريخيّة مع الفعاليّات، هل هذه الفعاليّات كرامات، أو هي سحر، أو هي تعامل مع
الجنّ؟ والأهمّ من هذا كلّه؛ أنّ هذه الكرامات يقوم بها أناس صالحون، وقد يقوم بها
أناس ليس لديهم استقامةٌ وصلاح؟!
لديّ عدد من
التلاميذِ مارسوا هذه الفعاليّات، سألتهم عمّا يقومون به، وهل هم يتألّمون؟ وهل
يستطيع الواحد منهم أن يضرب نفسه بالشيش متى شاء؟
فبعضهم قال:
نعم، وبعضهم قال: لا بدّ من تلاوةِ أورادٍ، وصلاة ركعتين، ثم إذن الشيخ.
ولمسألةِ الضرب
بالشيش قصّة طريفةٌ، يحسن سوقها.
كان درسُ شيخنا
محمّد الحامد علميّاً، وكان مشوقاً، وكان يستطرد أحياناً استطراداتٍ تبعد عنّا الاسترخاء
والسكون الذي يصحب درس العلم عادة.
ففي إحدى هذه الاستطرادات
قال: يُروَى أنّ سيّدي أحمد ابن الرفاعيّ، كان يشرح لتلامذته قول الله تعالى (ألم
نشرح لك صدرك) فذكر أنّ لها معنيين، أحدهما معنويّ بمعنى الراحة والسكينة وانشراح
النفس.
والآخر حسّيٌ
ماديٌّ، جاء في الحديث الصحيح أنّ الملك شقّ صدر الرسول صلّى الله عليه وآله
وسلّم، وشقّ قلبه، واستخرج منه حظّ الشيطان!
فاستغرب أحدُ
تلامذة الشيخ الرفاعيّ هذا التفسير، وقال له: كيف يُشقّ صدر إنسانٍ ويشق قلبُه ثم
يبقى حيّاً؟ قال الرفاعيُّ: غداً أجيبك إن شاء الله تعالى!
في الدرس
التالي قام الرفاعي وشقّ صدره بخنجرٍ واستخرج قلبه فشقّه، واستخرج منه سواده، وقال
لذاك المنكر: هكذا فُعل بجدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
قال شيخنا
الحامد رحمه الله تعالى: يقال: إنّ هذه الحادثةُ هي أصلُ كرامة الضرب بالشيش، وهي
من خصوصيات الطريقةِ الرفاعية، فيما يقال، والله أعلم.
ختاماً: أنا
الفقيرُ لن أذكر شيئاً مما أكرمني الله تعالى به، لكنّه بعيدٌ عن ضرب الشيش!
وأنا شاهدتُ
بعينيّ والدي يحمل «صاج» النار بيديه، ويضعه على رأسه، ووالدي من تلامذة الشيخ
سعيد الجابي، وليس صوفيّاً.
وولدي الدكتور
محمّد أكل كأس الشاي وما يزال حيّاً.
وعددٌ من
تلامذتي الثقات يمارسون هذه الفعاليّات، وأقطع وأجزم أنهم لا يعرفون السحر ولا
التعامل مع الجنّ!
وليس لهذه
الفعاليّات عندي من تفسيرٍ، سوى أنها من إكرام الله تعالى، لمن شاء من عباده.
أمّا ظهور بعض
هذه الكرامات على أيدي أناسٍ ليسوا بمستقيمين؛ فأنا لا أعرف مثلَ هذا، وعلى افتراض
وجوده؛ فلا أظنّ واحداً من هؤلاء يجرؤ على ضرب نفسه بحديدة قبل أن يستغفر الله
تعالى ويتوب إليه من أعماق قلبه؛ لأنّ وراء هذا الضرب حياةٌ أو موت!
والله تعالى
أعلم.
والحمد لله على
كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق