الجمعة، 9 فبراير 2024

  مَسائِلُ عَقَديّةٌ (11):

كَراماتُ المؤمنين بين النَفْيِ والإثبات!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

استمعتُ إلى أحدِ الإخوةِ المستنيرينَ من الشيعةِ الإماميّةِ، ينفي أن يكون للرسولِ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلمّ شيءٌ من خوارقِ العاداتِ، التي يدعوها المثبتون «المعجزات» وقصرَ معجزاتِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم على «القرآن الكريم».

مثلما أنكرَ أن تكونَ الكراماتُ تجري على أيدي عبادِ الله الصالحين، فضلاً عن جريانِها على أيدي عوامِّ المؤمنين.

وليس هو أوَّلَ من نفى المعجزةَ عن الرسول، والكرامةَ عن الأولياء والصالحين وعامّةِ المسلمين.

فقد أنكر أكثرُ المعتزلةِ والقدَريّةِ جريانَ الكرامةِ على أيدي المؤمنين، ظنّاً منهم أنّ إثباتَ الكرامةِ للوليّ؛ قدحٌ في معجزة النبيّ، لمشاركتها إيّاها في خرق العادة.

وأنا في هذه المحاضرةِ لن أتحدّثَ عن معجزاتِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم الماديّةِ الواقعيّةِ؛ لأنّ ذلك يتطلّبُ إثباتَ تواترِ تلك المعجزاتِ، إذْ إنّ هذا الأخَ وأمثالَه لا يثبت؛ لأنّ عقولهم لا تتقبّله، وأمزجتهم تدفعه، من مثل حديث:

(من كنت مولاه؛ فعليٌّ مولاه).

وحديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى).

وحديث (يحبّ الله ورسوله).

وإثباتُ تواترِ معجزات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وتواتر أمثال هذه الأحاديثِ في فضل الإمام عليٍّ عليه السلام؛ لا يتمُّ بجرّةِ قلمٍ، أو جملةٍ قالها إنسان!

بل إنّ إثبات تواتر حديثٍ واحدٍ، قد  يحتاج إلى عشر صفحاتٍ من الكتابةِ العلميّة، في أدنى التقديرات!

إنّما سأذكرُ أنواعَ الكراماتِ  التي يمكن جَريانُها على أيدي بعض المسلمين، ثمّ أروي لك أخي الفاضل الكريم بعضَ ما شاهدتُه بعينيّ وسمعتُه بأذنيَّ، ممّا لا يسوغ لمسلمٍ إنكارَه، إلّا إذا كنتُ أنا ومن حضر معي نكذبُ على الله تعالى وعلى المسلمين.

مفهوم الكرامة: هي تعني جريانُ أمرٍ خارقٍ للعادةِ على يد بعض عبادِ الله تعالى المؤمنين بقدرته تبارك وتعالى.

أنواع الكرامات:

النوع الأوّل: جوازُ خرق العادةِ في حقّ الوليّ، باختياره واستدعائه، كأن يقول العبد المؤمن: يا جبلُ اُدنُ مني، أو يا سحابُ ابتعِدْ عني.

النوع الثاني: أن تجري الكرامةُ على يدِ الوليِّ من دون استدعائِه واختياره، إنّما بإكرامِ الله تعالى له.

النوع الثالث: الكَشفُ الروحيّ والفراسة الصادقة (رؤيةُ اليقظة)!

النوع الرابع: إلهامُ الله تعالى بعضَ عبادِه شيئاً من الأمورِ الخارجةِ عن المعتاد.

النوع الخامس: الرؤى الصادقة في النوم.

النوع السادس: أن يدعوَ العبدُ الصالحُ، فيستجيب الله تعالى له.

وجميع هذه الأنواع من الكراماتِ؛ تجري على أيدي بعضِ عبادِ الله المؤمنين بإرادةِ الله تعالى وتوفيقه وعونِه، وليس بقدرةٍ ذاتيّةٍ للوليِّ أو للمسلم!

ولا يرتابُ مسلمٌ في أنّ جميعَ هذه الأنواع من الكرامات؛ جرت على أيدي بعض رسلِ الله تعالى وأنبيائه، وورد ذِكرُ كثيرٍ منها في القرآن الكريم.

وقبلَ سردِ عددٍ من الكراماتِ التي أجراها الله تعالى على أيدي بعض عبادِه الصالحين؛ أنبّه إلى أمرٍ مهمٍّ جدّاً، وهو أنّ منكري الكراماتِ محرومون مِن جريانِ أيّ كرامةٍ على أيديهم؛ إذْ لو أجرى الله تعالى على أيديهم بعضَ الكراماتِ؛ لما أنكروا الكرامات قطعاً، إنّما هم ينكرون ما يجهلون، أو ما هم منه محرومون!

وإذْ هو لا يجري على أيديهم؛ فلا يمكن أن يجري على أيدي غيرهم، وكأنّهم صفوةُ عبادِ الله المكرمين.

قال الله تعالى فيمن يشبه هؤلاء: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ؛ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) والمُشابهةُ من وجهٍ؛ لا تعني التكفيرَ.

يستوي في ذلك المتقدّمون والمتوسطون والمتأخّرون والمعاصرون، ومنهم أخونا صاحب محاضرةِ الأمسِ على «اليوتيوب».

أوّلاً: موسى الكاظم عليه السلام؛ باب الحوائج:

أنكر المحاضرُ المقصودُ بكلامي دعوى الشيعةِ وغيرهم من أنّ الإمام موسى بنَ جعفرٍ باب الحوائج، وطوّل في ردّ ذلك.

وسأذكر ثلاثَ قصص شاهدتها بعينيّ وسمعتها بأذني، وشهدها و سمعها معي كثيرون:

- القصّة الأولى: في بعضِ الأحيانِ يُصابُ أحدنا بمغصٍ أو إسهالٍ، فيتأخّر بإكمالِ وضوئه، ممّا يسبب فواتَ صلاة الجماعةِ في المسجد عليه.

شرعتُ في صلاةِ العصرِ بمنزلي في حيّ الداووديّ ببغداد الحبيبة المحروسة، وراح أحدهم يقرع باب المنزلِ وجرسَه بتكرارٍ مزعج، وعدابٌ بطبيعته حادُّ المزاج، ربما قطع عليه صلاتَه مصلٍّ تنحنح أو سعل بجانبه!

أيقنتُ أنني لن أستطيعُ إكمال صلاتي، ولا صلاةَ ركعتين لأخرج من الصلاةِ بأدب!

قطعتُ صلاتي، وهرعت لأفتح الباب، وأنا في غاية الانزعاج!

وجدتُ طارقَ البابِ بهذه الطريقةِ المؤذيةِ، أخي وصديقي «أبا حمزةَ الحسنَ بن محمّد ديب عصير الشمّريّ الحمويّ الصوفيّ الشاذليّ» رحمه الله تعالى!

استقبلته مندهشاً، ولم أستطع إخفاء انزعاجي، فقلت له: يا رجل، مثلك يقرع الباب بهذه الطريقة، وأنت مستمع للمشايخ وصوفيّ مؤدّب!

قال: شيخي الله يخلّيك، اتركك من العتابِ الآن (الذي يأكل العصي؛ ليس كمن يعدّها) أنا مَلهوفٌ، والملهوفُ معذور!

البس ثيابك على السريع رجاءً، وأنا أنتظرك هنا!

قدّرتُ موقفَه، وقلت له: فاتتني صلاة العصر في المسجد، وكنت أصليّ، فقطعت عليّ صلاتي، ادخل حتى أصلي وألبس، ثمّ أنا حاضر لكلّ ما تريد!

حاول أن يلزمني بتأجيل الصلاةِ إلى حيث نحن ذاهبان، فرفضت منزعجاً أيضاً.   

كنتُ قد حضّرتُ الشايَ؛ لأتناوله بعد الصلاة، فقدّمته إليه وشرعت في صلاتي!

شرب ما شاء من الشاي، ريثما قضيت صلاتي، وما أنْ سلّمتُ حتى وقف وقال: هيّا شيخي البس رجاءً!

قلت له: لن ألبس، ولن أخرج معك حتى أشرب الشايَ، وحتى تخبرني بسبب لهفتك الطارئة التي تركتك لا تجيد التصرّفَ أبداً!

أنسيتَ أنّك خاطبتني بــ «شيخي» خمس مراتٍ حتى الآن، هكذا يكون تعامل المريدُ الصوفيُّ مع الشيخ؟

الشيخُ يأمر، ولا يكون مأموراً أبداً.

سأشرب الشاي، ريثما تقصّ عليّ قصّتك، ثم ألبس ثوبي بعشر ثوانٍ وأخرج معك!

قال: أنت تعرف «شيخي» أنني أشتغل مع «الإخوان المسلمين» السوريين، وقد وضعوا تحت تصرّفي سيارة تويوتّا بنتُ هذه السنة (1992) أو التي قبلها - عدابٌ نسي - وقيمتُها هائلة، وقد أسمعوني كلاماً قاسياً، ولم أعُدْ أحتمل.

قلت له: أنا أدفع لك قيمةَ السيارةِ، لا تهتمَّ ولا تحزن، إذا كان إخوانُك غيرَ مقدّرينَ أنّ هذا مصابٌ من قدر الله تعالى الحتميّ، الذي لا يدَ لك به!

هل هذا ما تريدُه مني؟

قال: لا لا، السيارة ثمنها غالٍ جدّاً، لا أظنك تمتلك ثمنها أصلاً!

أريدُك أن تلبس ثيابك رجاءً، وتذهب معي إلى جدّك «موسى الكاظم»!

ضحكتُ من قلبي حقّا، وقلت له: هو جدي «موسى الكاظم» صاحب خبرةٍ بمعرفة أماكن السياراتِ المسروقة؟

لماذا لا تذهب إليه أنتَ، وتدعو الله تعالى عنده، فأنا والله أشهدُ أنك صوفيٌّ أكثر مني، وأنّ لسانك أعفّ من لساني!

قال بحرقةٍ: شيخي أرجوك، هذا جدّك وأنت نسيبٌ، والحسيبُ غير النسيب!

لبستُ ثيابي، وخرجت معه من بيتي، وأعطيته مفتاح سيارتي ليقودها بنا، وقلت له:

خُذنا إلى جدّي «موسى» عليه السلام، لكنْ حاولْ أن لا أسمعَ تنفّسَكَ حتى نخرجَ من عنده، لديّ وردٌ أحبُّ إكمالَه كلّه قبل الدخول على جدي «موسى» فإذا أشغلتني بالكلام؛ لا يكتمِلْ، فيكون ذنبك على جنبك!

التزم الرجل فعلاً، وقرأت وردي كاملاً، وأنجزته عندما شاهدتُ مرقدَ الإمام موسى عليه السلام.

صلّينا ركعتين تحيّة المسجد، فنحن شافعيّة نجوّز ذلك، ثمّ أجلسته عند الجدار، وأعطيتُه مصحفاً، ليقرأ سور (يس والدخان والواقعة) سرّاً، ثمّ يهب ثوابها إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإلى صالحي آل البيت، وإلى موسى الكاظم.

جلست أنا مقابل رأس جدي الإمام موسى، وقمتُ بمتطلّبات «الرابطةِ النقشبنديّة» ثم رحت أستغفر الله تعالى، وأسبّحه، وأصلّي على الرسول، حتى أحسست بشيءٍ ما في قلبي!

فخاطبت جدي موسى قائلاً: سيّدي وحبيبي نحن نعتقد أنّك عند الله تعالى شهيدُ حيٌّ ترزق، وحين نخاطبك لا ندعو ميتاً ولا بعيداً، وإنّ الناسَ يظنّون بنا خيراً يا جدّي، فأرجوك أن تشفع لنا عند الله تبارك وتعالى، عساه يغيث هذا العبدَ الصالحَ الفقيرَ الملهوفَ!

وكلاماً آخر من هذا الجنس.

ثمّ انتظرتُ الجوابَ، فجاءني الجوابُ في قلبي أنّ السيارةَ سيجدونها يومَ الثلاثاء، ولا أتذكّر إن قال: إن شاء الله تعالى، فقلت أنا: إن شاء الله تعالى.

وقال: انتهت الزيارة.   

قمتُ من مكاني، وقبّلتُ جهةَ رأسِه، وخرجت!

تبعني الأخ أبو حمزة ، وشهادتي أنّه أصفى مني وأتقى، وقال: بشّرني شيخي ما ذا قال لك جدّك؟

لأنني لم أكنْ يومَها واثقاً من صفاءِ قلبي، ولا من نقاءِ صدري، ولا من طهارة لساني عن أذى بعض الناس؛ فلم أتجرّأ أن أقول له: قال لي كذا (والله الشاهد)!

قلت له: يا أبا حمزة، ماذا قال لي؟

دَعَوْنا أنا وإيّاك اللهَ تعالى، ورجوناه بتقوى وإيمان عبده موسى أن يفرّج كربَك، وييسر أمرك!

قال: شيخي لا تخفِ عني، قلبي مثل النار!

لم أتجرّأ حقّاً أن أقول له، لا أنّي تورّعت أن أقولَ، بمنتهى الأمانة!

يومَ الثلاثاء، عقب صلاة المغرب؛ زارني أبو حمزة ضاحكاً مستبشراً ، وقبلَ أن يُسلّم عليَّ أشار إليّ بمفاتيح السيارة!

سعدتُ بهذا، وباركت له، فقال لي: اسمع هذه الكرامةَ النادرةَ الوقوع!

«شرطةُ بغداد وجدت السيارةَ في قريةِ «كاظم» وكان اسمُ مختار القرية «كاظم» والشرطيّ الذي سلّمني مفاتيحها «كاظم» والحرامي اسمه «كاظم»!

تعكّرتُ قليلاً وقلت له: ليتك لم تقل: اسم الحرامي «كاظم»!

كان عندي مجلسٌ لتعليم القرآن الكريم، يمتدّ من بعد صلاة المغربِ، إلى ما بعد منتصف الليل!

فقلتُ له: «قصَّ هذه القصّةَ على هذا الجمعِ، فكثيرٌ منهم سلفيّون، لعلّهم يؤمنون بكراماتِ أهل البيت، ويحبّون الإمام موسى بن جعفر» عليهما السلام!

قصَّ عليهما القصّةَ، ولكنّ بعضهم كصاحب محاضرة اليوم؛ لم يصدّق أبا حمزة فيما قاله!

فموسى الكاظم إذنْ بابٌ من أبوابِ الله تعالى لقضاء حوائجهم!

- القصة الثانية: اشتدَّتْ وطأةُ الحصار على أهل العراق شدّةً هائلةً، حتى إنّ بعضَ أساتذةِ الجامعاتِ باعوا مكتباتهم، وبعضهم باعوا أبواب بيوتهم، كما حدّثوني!

وانتشرت السرقة والنهب في بعض مناطق بغداد.

كنتُ إماماً وخطيباً ومدرّساً في «جامع المثنّى» بحيِّ القاهرة، وكنتُ أبقى مع الناس بعدَ صلاةِ الجمعةِ في المسجد حتى صلاةِ العصرِ، أفتيهم، وأجيب على أسئلتهم، ثمّ أودّعهم وأنصرف!

خرجنا معاً من المسجدِ قرابةَ مئةِ مصلٍّ، وإذا بأخٍ سوريٍّ سلَفيٍّ من حلب، يستوقفني أمام الناس ويصرخ: شيخي أنتم الصوفية تقولون: «المكان من المكين» وقد سُرقت سيارتي من أمامِ مسجدك في أثناءِ صلاة الجمعة؟

قلت له: أين وضعتها؟ فأشار إلى المكان الذي وضعها فيه!

قلت له: سترجع إليك سيّارتك إن شاء الله تعالى!

قال باستخفاف: لا يا سيدي ما حترجع، العام الماضي سرقت لي سيارة أيضاً ولم ترجع!

قلت له: سرقت من هنا؟ قال: لا!

تألمتُ من كلامه، وغلا الدم في رأسي، فقلت لمن حولي: أين قبرُ جدّي موسى الكاظم؟

فأشار عديدون متّفقينَ إلى جهته!

رفعت عمامتي عن رأسي، وقلت بالحرف: «جدي موسى، ترى ما أنت جدّي، إذا لم ترجعْ سيارةُ هذا الحلبيّ السلفيّ» وانصرفنا!

عقبَ انصرافنا؛ استحييت على نفسي كثيراً، ولُمتها على هذا التصرّف القبيح، ورحت أقول لنفسي: من أنت حتى تقول هذا لإمامٍ من أئمة المسلمين، ووليٍّ من أولياء الله تعالى؟!

ظللتُ أستغفر اللهَ تعالى وأتوبُ إليه، حتى وصلتُ إلى بيتي!

ومضى الأسبوع كلّه، وأنا أقيمُ الليل، وأتلو القرآن، وأتوب عن هذه الحماقة، إلى يوم الجمعة!

صلّينا الجمعةَ، وبقينا في المسجدِ كالمعتادِ حتى صلينا العصرَ، وخرجنا من باب المسجد، فإذا الرجل الحلبيُّ السلفيّ يضحكُ أمامي!

قلت له: أراكَ ضاحكاً، بَشّرْ؟

قال: رجعتَ السيارة والحمدُ لله ربّ العالمين.

حمدتُ الله تعالى على ذلك، وقلت له: يجب أن تصبح صوفيّاً، وأن تحبَّ موسى الكاظم وتزورَه!

قال: شيخي تفضّلوا إلى غرفتكم أنت والإخوة، فقد أحضرت لكم (تحلاية).

دخلتُ إلى غرفتي وإذا هي ممتلئة بالناس، تلامذتي وغيرهم، فأزال الورق على «صينية كبيرة جدّاً» مملوءة بالبقلاوة السوريّة، ومعها دلّةٌ من القهوة السورية السمراء!

كان الحاضرون بيقين أكثر من خمسين!

والمحاضر الكريم عراقيّ، يمكنه أن يسألَ سكّان حيِّ القاهرة ببغداد، وسيجد عشراتٍ يروون له هذه القصّة، منهم عشرةٌ من طلّابي على الأقل!

- القصّة الثالثة: كان لي تلميذٌ أنباريّ اسمه «ثامر حسين حميد الفلوجي» حفظه المولى!

وكان يظنُّ بي خيراً، وربما كان يعتقدُ أنني لو سمّيتُ الله تعالى على كأس ماءٍ، فشربَه؛ فسينزل جميع حصى كليتِه وحالبِه، وأنا لست كذلك قطعاً!

ألحّ عليّ في مسألة «حصى» كليته وحالبِه، وأنّه يتأذى منه كثيراً، وأنّ جميعَ الأدويةِ لم تنفع معه!

قلت له: إذا أرشدتُك إلى علاجٍ تطبّقه وتقوم به؟ قال: لو أعطيتني سمّاً وقلت لي: هذا علاجٌ، فسأشربُه!

قلت له: المسألةُ أيسر من ذلك بكثير! ألست تؤمن بولاية جدي موسى الكاظم؟ قال: بلى!

قلت: ألستم أنتم معشرَ العراقيين تدعونه باب الحوائج؟ قال: بلى.

أرشدتُه إلى أشياءَ يقومُ بها، وسورٍ وآياتٍ يتلوها عند جدي موسى، وقلت له: سلّم لي عليه بالاسم!

جاء في اليوم التالي أو بعدَه، وطرق الباب، قُلتُ من؟ قال: ثامر!

قلت له: أنت لم تذهب إلى جدي موسى، لا ترني وجهك قبل أن تذهب إليه، ثمّ ترجع إليّ وأنا بانتظارك!

ذهب إلى مشهد الإمام موسى، وقام بما قام به، ثم رجع إليّ متعباً جدّاً، واستأذن لينام!

لم تطُلْ نومتَه، حتى استيقظ واستأذن بالذهاب إلى الحمّام.

رجع من الحمّام يحمل بيده أو بورقةٍ - نسيت - كميّةً من الحصى، إحداها تقرب من سنتمتر مربّع!

وأخبر بذلك طلّاب الدرس الخاصّ، وكانوا أكثرَ من خمسةٍ وعشرين طالباً

هذه ثلاثُ قصصٍ، من عشراتِ القصص الموسويّة الشريفة!

ولا واللهِ لن أكذبَ على الله تعالى، وأنا على أبوابِ الآخرة، وأظنّ أنّ طلابي العراقيين جميعهم يعرفون هذه القصص وغيرها.

ما هذه الحوادثُ أيها المحاضر الكريم؟ أرجو أن تتفضّل بتوصيفها، والله تعالى يشهد والملكان الموكّلان بي، وتلامذتي يشهدون أنّها وقائع حقٍّ وصدق؟

إذا كنتُ أنا ثقةً عندك؛ فمقتضى ذلك أنّ ما أحدّث به حقٌّ وصدق، ولست أنا من المخرّفين، ولا من الذين يتوهّمون، ولا من الذين يكذبون على الله تعالى، وعلى عباده.

والله المستعان.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأربعاء، 7 فبراير 2024

       مَسائلُ حديثيّةٌ  (70):

يقول الإمام الشافعيّ: «لم أر قوماً أشهَد بالزور من الرافضة»!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

ممّا لا يحتاجُ إلى تأكيدٍ مستمرٍّ أنّ الفقير عداباً يفرّق بين الشيعة والرافضة، ويفرق بين أهل السنّة والنواصب.

استمعت قبل قليل إلى محاضرةٍ على الانترنيت، لشيخٍ رافضيّ اسمه «أحمد الجعفري» في وسطِها سأله المذيع: «سماحةَ الشيخ سيقول الوهابية: كيف نتجرّأ على أمّ المؤمنين عائشة»؟

فأجاب سماحتُه: «نحن لا نتحدّث من عندنا عزيزي، من يأتِ بسبٍّ أو طعنٍ أو لعنٍ من عند نفسه؛ أنا أقول: لعنة الله عليه؛ لأنه لا يجوز لك أن تتكلّم من دون دليل، نحن لا نتحدّث وفق المزاج، لا عزيزي، نحن أولوا أخلاقٍ وأولو علم، عندما نتكلّم؛ نتكلّم بدليل!

هذا الشيخُ الذي قدّمه المذيع على أنّه أستاذُ الدراساتِ العليا؛ هو بالتأكيدِ ممّن عناهم الإمام الشافعيُّ بقوله: «لم أر قوماً أشهَد بالزور من الرافضة»!؟

تناول هذا الرافضيّ أمّ المؤمنين عائشة بالتحليل النفسيّ، الذي بناه على دليلين باطلين:

الدليل الأوّل: أنّ عائشةَ كانت سوداءَ أدماءَ قبيحةَ المنظر!

والدليل الثاني: أنّ الحيض «والاستحاضة» كان يتلبّسها على طول حياتها، فلا تطهر، وهاتان البليّتان سبّبتا لها مرضاً نفسيّاً، إذ الثانية على الأقلّ تمنع الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم من مقاربتها!

وقبل الولوج في هذا الموضوع؛ لا بدّ من تذكير جميع القرّاء الكرام بأنّ الله تبارك وتعالى قال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).

وعائشةُ بيقينٍ كانت إحدى زوجاتِ الرسول، وهي أمّنا.

أنا وأنتَ - أخي القارئ الكريم - لا يعنينا إذا كانت والدتُنا جميلةً أم قبيحةً، سوداءَ أدماءَ، أم بيضاء شقراء!

نظيفةً ذاتَ دورةٍ شهريّةٍ مستقرّةٍ، أم كانت مستحاضةً لا تكاد تطهر!

كان هذا يؤثّر على نفسيّتها أم لا يؤثّر!

هي أمّنا  كيفما كانت، ما دمنا مؤمنين بالله تعالى وبالقرآن الكريم!

نأتي بعد ذلك إلى مناقشة الدليل الأوّل، الذي اعتمد عليه سماحة الرافضيّ الجعفريّ!

ذهبَ إلى تاريخ ابن معين - رواية الدوري (3: 509) فقرأ علينا النصَّ الآتي: « يحيى يَقُول: قَالَ عبّاد: قُلْنَا لسهيلِ بن ذكْوَانَ: رَأَيْت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: نعم!

قُلْنا: صِفْها؟ قالَ: كَانَت سَوْداء».

وزعم الجعفريُّ أنّ علماءَ الحديثِ كذّبوا سهيل بن ذكوانَ هذا؛ لأنّه قال: إنّ عائشةَ سوداء!

ثمّ ذهب إلى تهذيب الكمال (12: 223) وقرأ علينا ترجمةَ سُهيلِ بن أبي صالح، واسم أبي صالح: ذكوان، ونقل أقوال العلماء فيه، وأنّه ثقة أخرجه له الجماعة، ما عدا البخاريَّ، فقد أخرج له مقروناً.

فثبّتَ في ذهن السامعِ أنّ المحدّثين ظلمةٌ منحازون، وأنهم إنما ضعّفوا هذا الرجلَ الثقةَ، انتصاراً للروايات الكاذبةِ التي تقول: إنّ عائشةَ كانت بيضاءَ شقراء!

وهذا جهلٌ فاضحٌ من هذا الرجلِ، أو كذبٌ تعمّده ليضلّ به الناس، ويزيد من غضب الله تعالى وسخط رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليه وعلى من يصدّقون كلامه.

لأنّ سهيلَ بن أبي صالح العالم المحدّث؛ ليس هو سهيلَ بن ذكوان شبه المجهول!

وإليك أدلّة لك.

أوّلاً: إذا رجعنا إلى تاريخ يحيى بن معينٍ برواية الدوري نفسها (3: 182) نجده قال: «أَبُو صَالح السمان: كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ: سُهَيْل بن أَبى صَالح، وَعبّاد بن أَبى صَالح، وَصَالح بن أَبى صَالح، كلهم ثِقَة»!

فابن معينٍ فرّق إذن بين سهيل بن أبي صالح الثقةِ، وبين سهيل بن ذكوان، الزاعم بأنّ عائشةَ سوداء!

ولو رجعنا إلى الإمام النسائيّ؛ لوجدناه قال في كتابه «الضعفاء» رقم (285): «سُهَيْلُ بنُ ذكْوَان - وَلَيْسَ السمّان - مَتْرُوك الحَدِيث».

وترجمه العقيليّ في الضعفاء (2: 154) وقال: «حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: سُهَيْلُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمَكِّيُّ، سَكَنَ وَاسِطَ، أَبُو السِّنْدِيِّ: سَمِعَ عَائِشَةَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ.

سَمِعَ مِنْهُ هُشَيْمٌ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ.

قَالَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ: «كُنَّا نَتَّهِمُهُ بِالْكَذِبِ».

وترجمه ابن حبان في المجروحين (459) واتّهمه بالكذب!

وترجمه ابن عديٍّ في ضعفائه (865) وقال: «وسهيل بْن ذكوان هذا، مع ما يُنسَب إلى الكذبِ؛ ليس له كثيرُ حديث، وإنما لم يعتبر الناس بكذبه؛ لأنّه قليلُ الروايةِ، وإنما تَبيّنوا كَذِبَه بمثل ما بينّا:

- أنّ عائشة كانت سوداء، وعائشة كانت بيضاء!

- وأنّ إِبْرَاهِيم النخعي كان كبيرَ العينين، وإِبْرَاهِيم النخعي أعور، وَهو في مقدار ما يرويه ضعيف.

ثانياً: إنّ العقيليّ وابنَ عديٍّ وغيرهما ترجما سهيل بن أبي صالح في ضعفائهما أيضاً، لورود جرح فيه.

ولو كان سهيل بن أبي صالح هو سهيل بن ذكوان، كما دلّس الشيخ الجعفريّ الرافضيّ؛ لكان تناقضاً منهما، بل كان بعداً لهما عن السبر والتمييز

ترجم العقيليُّ في ضعفائه (659) سهيل بن أبي صالح، ونقل أقوال العلماء فيه.

وترجمه ابن عديٍّ في ضعفائه (866) عقبَ سهيل بن ذكوان مباشرة، ونقل اختلاف العلماء في توثيقه وتليينه، وختم ترجمته بقوله: «لسهيل أحاديثُ كثيرةٌ غيرَ ما ذكرتُ، وله نُسَخٌ، وروى عنه الأئمةُ، مثل الثَّوْريّ وشُعبة ومالكٍ، وغيرهم... وسهيل عندي مقبول الأخبار، ثبت لا بأسَ به».

ثالثاً: ليس لسهيل بن ذكوان الراوي عن عائشةَ أنها سوداء، في الكتب التسعة أيُّ حديثٍ، بينما لسهيل بن أبي صالح في الكتب التسعة (528) منها خمسةُ أحاديث عند البخاري، ومئةٌ وثلاثة عشر حديثاً عند مسلم، أوائلها (35، 55، 76، 101، 122) وأواخرها (2903، 2904، 2912، 2922، 2995).

ثالثاً: قالوا في ترجمة سهيل بن ذكوان الضعيف: إنّه يروي عن عائشةَ، واعتمده الجعفريُّ الرافضيّ، وبنى على مشاهدته أنّ عائشة سوداء أدماءُ قبيحة!

بينما لا يروي سهيل بن أبي صالحٍ عن عائشةَ أيَّ حديث!

وهذا وحدَه ينسف تدليسَ الجعفريِّ وكذبه من أساسه!

أقول: ظهر بما تقدّمَ أنّ صاحبَ السماحةِ الرافضيّ، إمّا جاهلٌ بعلم الرجالِ!

وإمّا كذّابٌ تعمّد تضليلَ مستمعيه، وإهانةَ أمّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها.

الدليل الثاني: أنّ الحيض «والاستحاضة» كان يتلبّس عائشةَ طيلةَ حياتها!

وهذا سبّب لها مرضاً نفسيّاً، انعكسَ على تصرفاتها حدّةً وسوءَ أخلاق!

وجوابُ هذا الافتراء من وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ المرأةَ التي ليس لحيضِها، أو لنقل: لنزيف دمها أيّامٌ معلومةٌ يقال لها في الاصطلاح الفقهيّ «مستحاضة» ولها أحكام مختلفةٌ عن أحكام المرأة الحائض!

المرأة الحائض: لا تصوم ولا تصليّ ولا يجامعها زوجها في مدّةِ أيّام حيضها.

أمّا المستحاضةُ: فتصوم وتصلي ويجامعها زوجها متى شاء.

وهذا يتعلّمه الطلّاب في الصفّ الخامس، من مدارس «إمام وخطيب» عندنا في تركيّا هنا، ومن المحالِ أنّ الجعفريَّ يجهل هذا!

الوجْه الثاني: لم يَرِدْ مطلقاً في أيّ كتابٍ من كتب أهل السنّةِ، بنصٍّ صريحٍ؛ أنّ أمّ المؤمنين عائشةَ كانت مستحاضةً، ولو لمرّةٍ واحدةٍ في تاريخ حياتها، فهذا كذبُ عمْدٍ!

إنّما أخرج البخاريّ في كتاب الحيض (294) ومسلم في كتابِ الحجّ (1211) من حديث القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ قال: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ «قرية بين مكة والمدينة» حِضْتُ!

فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: مَا لَكِ، أَنُفِسْتِ؟ قُلْتُ نَعَمْ!

قَالَ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حتى تطهري!

وفي طرفٍ لهذا الحديث عند البخاريّ (316): أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ.

قالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَالرَّحْمَنِ «بنَ أبي بكرٍ» لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّنْعِيمِ».

في هذا الحديثِ أنّ عائشةَ كانت طاهراً، عندما خرج ركبُ الحجّ من المدينة، ثم حاضت في أثناء السفر، ثمّ طهرت ليلةَ «عَرَفةَ» وهذا نصٌّ في أنها ذات حيضٍ لأيّام معلومةٍ، وليست مستحاضةً.

الشيخ الجعفريّ يقول: إنّه يحتجّ علينا من كتبنا، وهذا الذي تقوله كتبنا، وهي لا تقول أبداً: إنّ عائشةَ كانت مستحاضةً طيلَة عمرها!

الوجه الثالث: قال الرافضيّ هذا: إنّ دليلَه على أنّ عائشةَ كانت غارقةً في مأساةِ الحيضِ؛ أنّ (99%) من أحاديثِ الحيض ترويها عائشة!

وجواب ذلك أنّ عائشةَ هي أفقه الصحابيّات على الإطلاقِ، وحتى لا يغضبَ الرافضةُ نقول: هي أكثر الصحابياتِ روايةً عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ومن الطبيعيّ أن تكون روايتُها النسائيّة أكثر من غيرها من الصحابة والصحابيّات.

وكتابُ الحيض في صحيح البخاريّ مثلاً، فيه (39) حديثاً مكرّرة، منها عن أمّ المؤمنين أمّ سلمة (298، 322)

ومنها عن أمّ المؤمنين ميمونة (303، 333)

ومنها عن أمّ عطيّة قبل (305، 326).

ومنها عن أسماء بنت أبي بكر (307).

ومنها عن حفصة أم المؤمنين (313، 324).

ومنها عن أنس بن مالك (318).

ومنها عن عبدالله بن عباس (329).

ومنها عن أبي سعيدٍ الخدريّ (304).

ومما يجب بيانُه أمامَ هذا الافتراء على أمّ المؤمنين عائشة أنّ قصّة حيضها بمنطقة سَرِف - في طريق المسافر بين مكة والمدينة - (294) كرّره البخاريّ في كتاب الحيض نفسه (305، 316، 317، 319).

وأنّ حديث عائشةَ في قصّة استحاضة فاطمة بنت حُبيش (306) كرّره البخاري في كتاب الحيض نفسه (320، 325، 331).

وأنّ حديثَ عائشة في قصة الأنصاريّة التي سألت الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم عن كيفية الاغتسال من الحيض (314) كرره البخاريّ في كتاب الحيض نفسه (315) فمن أين جاء بأنّ (99%) من أحاديثِ الحيضِ عن عائشة؟

ويلاحظُ القارئ الكريم أنّ عائشةَ تنقلُ ما أفتى بها رسولِ اللهِ أمامَها.

فبدلاً من شكرها على ذلك؛ نجعل ذلك سبّةً عليها، وتعييراً لها بأنّ غارقة طيلةَ عمرها بالحيض؟!

ختاماً: خصماءُ شيوخِ وعلماءِ الرافضة يومَ القيامةِ كثيرون، وإنني أخشى أنْ لا يدخل أحدٌ منهم الجنّة!

والله تعالى أعلم

والحمدُ لله على كلّ حال.

الأحد، 28 يناير 2024

        مَسائل حديثية (68):

تصحيح الحديثِ بتعدّد الطرق؛ إلزامُ المخالفِ بما لا يلزم!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

أرسل إليّ أحدُ الإخوةِ العلماءِ مقالاً بعنوان «إلزامُ طه الدليميّ وعداب بإثبات منقبة النوم في فراش النبوّة لأمير المؤمنين أبي تراب» عليه السلام.

وصفني فيها كاتبُ المقال - هداه الله تعالى - بأنني متشيّع وتشيّعي مشوبٌ بنوعٍ من الرفض!

ثم قال في صدر مقاله: «ونحن نسوق ما وقفنا عليه من طرقِه - حديث النوم في فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم - بما يظهر معه إكذابُ الدليميّ وعداب».

ثمّ ساق للحديثِ اثنتي عشرةَ روايةً وطريقاً، وختم مقالَه هذا بقوله:

«وهذه الرواياتُ كما ترى؛ لا تخلو من مقالٍ، لكنّ مجموعها ينتهضُ دون ريبٍ لتصحيح ثبوتِ هذه المنقبةِ والكرامةِ لأمير المؤمنين عليه السلام، بمجموع هذه الطرق الاثني عشر، التي لم يسمع بها الدليميّ وعداب، وثبت خلافُ ما قالاه، وسقط كلامهما، ولاح لكلّ عاقلٍ منصفٍ تهافتهما وقلّةُ اطّلاعهما على الحديثِ، وإطلاقُهما الكلامَ جزافاً، دون علمٍ أو ورع» انتهى كلامه.

أقول وبالله التوفيق:

أنت عندما تريد أن تصف إنساناً بالرفضِ - وهو يأبى هذا الوصفَ، ويتبرأ منه - عليك أن تسوق أدلّة كافيةً لإثبات تهمةٍ أنت تعدُّ الموصوفَ بها كافراً، أو على شفير الكفر، لا أن تستنبط ذلك استنباطاً وفقَ ظنونك الطائفيّةِ المريضةِ!

في منشوراتي التي يطّلع عليها كاتب هذا المنشور، ويتعلّم منها بالتأكيد - مع الإنكار والنكران - عرّفت الرافضيَّ بأنه (الذي يعتقد بالنصّ والتعيين والعصمة وانحصار الأئمّة في ذرية الحسين، والبداء والرجعة والمهديّ) وأنا لا أعتقد بشيءٍ مما تقدّمَ ظاهراً ولا باطناً!

والرافضيّ يسبّ أبا بكرٍ وعمر ولا يتورع عن لعنهما، ويبغض أصحاب الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل ويبغضُ أبا بكرٍ وعمرَ أكثر مما يبغض معاويةَ وعمرَو بنَ العاص!

ولا يستطيع هو ولا غيره؛ أن يقيم دليلاً واحداً على أنني أقول بشيءٍ ممّا تقدّم.

فكاتب المقال إذنْ هو الكذاب المفتري، وليس الفقير عداباً.

ثم إنّ كاتب هذا المقالِ يناقضُ نفسَه بنفسه، تناقضاً صارخاً مُشيناً لأمثاله!

هو من جهة يقول: «إنّ طرق الأحاديثِ والروايات؛ لا تخلو من مقالٍ - يعني كلّ طريقٍ على حدتها؛ ضعيفةٌ»!

ثم يقول: إنّ هذه الطرقَ يشدُّ بعضُها بعضاً، فتُثبت هذه المنقبة لأمير المؤمنين!

وصاحب المقالِ ليس جاهلاً بعلومِ الحديثِ، لكنّه أنباريٌّ صلفٌ وقح مكابر!

إذْ من المسلّماتِ في علوم الحديثِ، وفي أصول الفقهِ، وحتى في علم الكلامِ؛ أنّك تلزمُ خصمك بما يلتزم به، وبما تشترك وإيّاه على القول به.

وكتبي ومقالاتي ومنشوراتي؛ تصرخُ صراخاً بأنني لا أذهب مذهبَ الترقيع «تقويةُ الضعيفِ بمثله».

ولست أنا وحدي من لا يعتدّ بتقويةِ الضعيف بمثلِه، فهذا مالكُ بن أنسٍ وسفيان الثوريّ وشعبةُ بن الحجّاج ويحيى بن سعيدٍ القطّان وعبدالرحمن بن مهديٍّ وسفيانُ بن عيينةَ، جميعهم لا يعتدّ بهذه النظريّة المهترئةِ من أساسها!

وقد قام باحثٌ جادٌّ بتجليةِ هذه المسألةِ، وتتبّع أقوال العلماء فيها، فوصل إلى أنّ الإمامَ الترمذيّ نفسَه «لم يكنْ يقوّي الضعيفَ بمثيله، كما أنّ التحسين عنده كان على أنواعٍ، ليس من بينها الاصطلاحُ المتعارَف عليه بين متأخّري أهل الحديثِ، وهو «الحسن لغيره» المعروف بشدّ الحديثِ بطرق كلها ضعاف...».

انظر موقف علماء الحديث من نظرية الاعتبار بالضعيف ومثيله للدكتور أسامة عبدالرحيم العَطيانيّ (ص: 198) وانظر خاتمةَ الكتاب (ص: 395) فما بعد.

أنت أيها المتطاول المفتري: لو كنتَ تجهلُ ما قدّمتُ؛ لعذرتُك؛ لأنّ عذْرَ الجهّال لا مناصَ من تفعيلِه، وإلّا أصبنا أمّة الإسلامِ بحرجٍ كبير!

لكنّك تعرفُ أنّ ما أقوله أنا من عدم الاعتداد بتقوية الضعيف بمثيله؛ هو مذهب المتقدّمين من أهلِ الحديثِ بوجهٍ عامٍ، وأنا أتبنّى موقفَهم هذا؛ لأنّه الأحوطِ في الدين.

أليس عيباً على وجهِك أن تتّهم مسلماً بالكذبِ والجهل وقلّة الورع، وأنت تعلمُ في قرارَة نفسك أنّك مفترٍ كذّابٌ، تتّهم الناسَ بما تعلم أنّهم بريئون منه؟

وأمّا اتّهامك إيّاي بالجهل؛ فأنا أشرفتُ عمليّاً على أطروحة الزميل نهاد عبدالحليم عبيد (1985 - 1987) الأحاديث المرفوعة الواردةُ في فضل الإمام عليّ، التي ربما استقيتَ منها أكثرَ طرق حديثك هذا، قبل أن تفطمك أمّك!

وحسبنا الله ونعم الوكيل!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.  

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.

الثلاثاء، 23 يناير 2024

  مَسائل من التفسير وعلوم القرآن (7):

قَولِ الشيعةِ بتحريف القرآن الكريم!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب إلي يقول: قولك: إنّ كلّ إنسان يشهد (أن لا إله إلّا الله محمدٌ رسولُ اللهِ) هو مسلمٌ، لا يخرجه عن هذا الإسلامِ، إلّا ثبوتُ قولٍ أو فعلٍ ناقضٍ عنه، ألا يجعل هذا القولُ الحكمَ على جميع الفرق المنحرفة بأنهم مسلمون؟

الشيعة الزيدية والإمامية والإسماعيليّة والعلويّة «النصيرية» والإباضيّة، جميعهم يشهد (أن لا إله إلّا الله محمدٌ رسولُ اللهِ) فمن الكافرُ إذنْ؟

وقول الرافضة قاطبةً بتحريف القرآن الكريم؛ ألا يخرجهم من الإسلام جملةً وتفصيلاً؟

أقول وبالله التوفيق:

لست في وضعٍ صحيٍّ يسمحُ بكتابةِ كلامٍ علميٍّ صحيح، فإذا وجدتم خطأً في هذا المنشور بالذات؛ فهذا هو سببه، وقد أجّلْت كتابةَ هذا المنشور أيّاماً، ريثما أستعيد قوايَ الجسمية والعقليّة، ولكنّ الأخَ صاحبَ السؤال لم يكتف بإجابتي المختصرة له على الهاتف، وأراد منشوراً موثّقاً بإلحاحٍ، فأقول:

أوّلاً: أنا الفقير عداب لا يسرّني أبداً تكفير واحدٍ يشهد (أن لا إله إلّا الله محمدٌ رسولُ اللهِ) حتى لو كان نصيريّاً، أو درزيّاً أو إسماعيليّاً!

وقولي بضرورة وجود (الناقض) قيد احترازيٌّ، لا بدّ منه، حتى لا يقع الخلق بتكفير بعضهم بعضاً على الشبهةِ والمزاج!

كلّ الذي تنكره على الجعفريّ.

وكل الذي تنكره على الإسماعيليّ.

وكلّ الذي تنكره على النصيريّ؛ اعْرِضْه على القرآن الكريم وحسب، فإنْ وجدتَ معارضاً حقيقيّاً للقرآن الكريم؛ فأمسك به، ثم جادل القائل به حتى تقيم عليه الحجة!

لكنْ لا تحتجّ عليه بمعارضةِ قوله لما في البخاري وما في مسلم، فهو يرى رواياته أصحَّ من رواياتِ البخاريّ ومسلمٍ، وهو وأنت مقلّدان جاهلان!

ثانياً: أنا الفقير عداب بن محمود الحمش؛ لست رافضيّا قطعاً، فأنا أترضى عن أصحابِ رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأتولاهم، سوى الطلقاءِ فلا أحبهم ولا أتولاهم أبداً، وعدداً آخر لا يتجاوز عددهم أربعةَ عشر منافقاً، همّوا بقتلِ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم في عقبةِ تبوكَ، كما في صحيح مسلم (2779).

ولست سنيّاً أترضّى عن جميع جيلِ الصحابة: من الطلقاءِ البغاةِ، والأعرابِ، ومنافقي أهل المدينةِ ومن حولها والمجهولين، فأنا لا  أرى هذا من الدين أصلاً، فضلاً عن أن يكون هو السنّة!

بمعنى آخر: أنا لا يعنيني أن ينتصر أهلُ السنة سياسيا وعسكرياً على الشيعة، ولا العكس، فالساسة المعاصرون من الطرفين، بعضهم شرّ من بعضٍ، والبعض الآخر أخسّ من بعضٍ، لا بارك الله بهم أجمعين.

وبالتالي، فلا يهمني أن يكون المنتصرُ في معركة «تحريف القرآن» السنّةَ أو الشيعةَ!

فأنا في هذه المعركةِ لست من هؤلاء ولا أولئك تماماً، ومن دون أيِّ مجاملة!

لأنني باختصارٍ أتّهم السنةَ والشيعة بالقول بتحريف القرآن الكريم!

ثالثاً: أهل السنّة يتّهمون الشيعةَ بنصوصِ التحريف الموجودة في بعض كتبهم!

والشيعة يتّهمون أهل السنة بنصوص التحريفِ الموجودة في بعض كتبهم!

مع أنّ معتمدَ أهلِ السنّة؛ هو أنّ القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم؛ هو القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسولِه محمّدٍ، في صورته الأخيرةِ التي عرضها الرسول محمّد على جبريل عليهما الصلاة والسلام.

وأنّ معتمدَ الشيعةِ؛ هو أنّ القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم؛ القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسولِه محمّدٍ، ليس فيه زيادةُ آياتٍ نقصان آياتٍ أبداً، إنما هو مرتب على غير ترتيب النزول!

فنصوص التحريفِ  الكثيرةِ، عند أهل السنة يفسّرونها تفسيراً يرونه مُرضياً لهم، بينما لا يقبلون من الشيعةِ أيَّ تفسيرٍ، وهذا هو الهوى، من دون أدنى شكٍّ!

رابعاً: إنّ أهل السنّة يقولون بنسخ القرآن الكريم، وبعض علمائهم يوصلِ دعاوى النسخِ إلى أكثرَ من (300) آية منسوخة، وإذ لا تصحّ دعوى نسخٍ واحدةٍ؛ فهم يقولون بالتحريف في (300) موضع من القرآن، وهم لا يشعرون!

والشيعة لا يقولون بالنسخ، والذين قالوا بالنسخ؛ تردّدوا في نسخ آيةٍ واحدةٍ منه!

فالشيعة الإماميّة لا يقولون بتحريف القرآن الكريم في (299) آية قال أهل السنة بتحريف القرآن فيها!

خامساً: الشيعة أفضل من أهل السنّة أيضاًَ برفضهم القولَ بنسخ التلاوة!

وأهل السنة يقولون بنسخ التلاوة، ويستدلّون على قولهم هذا برواياتٍ صحّحوها، وبنوا عليها القول بنسخ التلاوة، من مثل:

- قول عمر وأُبيّ وزيدِ بن ثابتٍ (الشيخ والشيخة إذا زنيا؛ فارجموهما البتّة نكالاً من الله) أخرجه مالك (1560) وأحمد (20613) والدارمي (2323) وغيرهم كثيرون.

- قول أبي موسى الأشعريّ (لو كان لابن آدم واديان من ذهبٍ؛ لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلّا الترابُ، ويتوب الله على من تاب) أخرجه البخاري (6436) ومسلم (1049).

وقال أبيّ بن كعب: (كنّا نرى هذا من القرآن حتى نزلت (ألهاكم التكاثر) أخرجه البخاري (6439).

- (لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم) أخرجه البخاري (6830) .

- وقال عبدالله بن أحمد في زوائده على مسند أبيه (20260): حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ:

«كَمْ تَقْرَءُونَ سُورَةَ الْأَحْزَابِ؟ قَالَ زِرٌّ: بِضْعًا وَسَبْعِينَ آيَةً.

قَالَ أُبَيٌّ: لَقَدْ قَرَأْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ الْبَقَرَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ».

- عائشة تقول: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ». أخرجه مسلم (1452).

- وتقول عائشة أيضاً: (إِنَّ اللَّهَ وملائكته يصلون على النبي يأيها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَعَلَى الَّذِينَ يَصِلونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ) قَالَتْ: هذا قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ».

- عثمان يقول: «أَرَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» أخرجه الفاكهي في أخبار مكة، وابن أبي داود في كتاب المصاحف (ص: 120).

- عبدالله بن عمر يقول: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَدْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، وَمَا يُدْرِيهِ مَا كُلُّهُ؟

قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ».

الإتقان في علوم القرآن (3: 82).

- أنس يقول: «بعدما غَدروا بالقرّاء الذين أرسلهم معهم وَقَتَلُوهُمْ؛ قَنَتَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم شَهْراً يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ.

قَالَ قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِهِمْ قُرْآنًا: (أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ لَقِيَنَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا) ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ» أخرجه البخاري (3064)

هذه النصوصُ، وفي كتب أهل السنّة أضعافُها، لو ثبتت حقّاً عن الصحابةِ رضي الله عنهم؛ فتلك كارثةٌ، وليست مصيبةً فحسب!

ولو أنّ طالبَ علمٍ ذهبَ، فتصفّح مبحث «نسخ التلاوةِ» في كتاب الإتقان للسيوطي؛ لرأت عيناه العجَبَ، ولقامَ ورقصَ، ليس من الطربِ، إنما من بابة «الطير يرقص مذبوحاً من الألم».

ما أريد أنْ أصلَ إليه؛ أنّ متقدّمي الشيعةِ خيرٌ من متأخّريهم، وأنّ متأخريهم نسبوا إلى متقدميهم كثيراً من الكذبِ والباطل، الذي لا علم لهم به!

وإنّ متأخري أهل السنة أعلم من متقدميهم، بيد أنهم أرادوا أن يعظموهم، فنسبوا إليهم أشياءَ تحطّ من أقدارهم، وتجعلهم جهالاً على الحقيقةِ، ومبحث نسخ التلاوةِ شاهدٌ جليّ على ذلك.

ختاماً: لدى الشيعة الإمامية رواياتٌ في التحريف، وقال به جمهور الأخباريين، وبعض علمائهم من المحدثين والأصوليين.

قال الشيخ محمد جميل حمّود في شرحه على عقائد الإماميّة للشيخ محمد رضا المظفّر (1: 717): «وممن قالوا بالتحريفِ جُمهورَ تأخباريين، وبعضُ المحدّثين من أمثال الكليني والقمّي والنوري الطبرسيّ، وقليلٌ من الأصوليين، منهم المحقّق القمّي، واآخوند الخراساني صاحب الكفاية، وتلميذه المشكيني».

وقال في الصفحة التي قبلها أيضاً: «من معتقداتِ الإماميّةِ عدمُ القول بتحريف القرآن الكريم، وأنّ الموجود بأيدينا هو ما نزل على النبيِّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومن قال بالنقيصةِ؛ فله رأيُه ودليلُه - بل شبهاتٌ وليست أدلّة - ولكنّه لا يُعبّر عن الإجماع الإماميّ القائل بعدم النقيصة».

ومذاهبُ أهل السنّة قاطبة؛ يقولون بعدم وقوع التحريف، فلا خلاف إذنْ بين مذاهب أهل السنّة ومذهب الإماميّة في مسألةِ التحريفِ (القرآن الذي بين أيدينا اليوم؛ هو القرآن الذي أنزله الله على رسولنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ليس فيه نقصان وليس فيه زيادة).

والأقوالُ الشاردة ههنا وههنا؛ ليست أقوالاً معتمدةً لدى الشيعة الإمامية.

فلا معنى لاتّهام الشيعةِ بأنهم يقولون بتحريف القرآن، وأنتم تقولون بما شرٌّ من قولهم وأقبح!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 15 يناير 2024

  التَصَوُّفُ العَليمُ (16):

أدلّةُ التشريعِ وأئمّةُ الفتوى !؟

بسم الله الرحمن الرحيم                                        

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

إنّ مما يحزنني حقّاً أن يقومَ العوامُّ وصغارُ طلبةِ العلمِ بالردّ على ما أكتب، يعاملونني وكأنني واحدٌ من زملائهم!

هذا مزعجٌ حقّاً، لكنْ ماذا نصنع لأمّة تحترم السفهاءَ أكثرَ من العلماءِ، إذا حدّثهم السفهاءُ بما يشتهون، وحدّثهم العلماءُ بغير ما يَرغبون!

ولولا أنّ كثيرين، سيكذّبون ما أكتبُ، فأكون سببَ تكذيبهم واكتسابهم الإثمَ؛ لرويتُ لكم عشراتٍ وعشراتٍ وعشراتٍ مما أكرمني الله تعالى به، ولم يُجري بعضَه على أيدي مَن تقدّسون من شيوخِكم!

أقول هذا خاصّةً للإخوة المتصوّفة؛ ليعرفوا أنّني لا أتكلّم من خارج الدائرة، فأنا ابن التصوّف، مذ عرفتُ العبادةَ والعلم.

لكنّني أقول لكم جميعاً ما تعرفون:

أدلّة التشريع الإسلاميّ؛ هما كتابُ الله تعالى، وسنّةُ رسولِه صلى الله عليه وآله وسلم، فحسب!

والإجماعُ كاشفٌ عن الدليلِ، وليس دليلاً بحدّ ذاتِه، والإجماع إجماع علماءِ الصحابةِ وحسب!

والقياس والاستحسان والاستصلاح والمقاصد والعرف؛ كلّها عَملُ المجتهد!

وهي بمجموعها ظنونُ المجتهدين بأنّ هذا حُكمُ الله تعالى، أو حُكمُ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليست هي حكمَ اللهِ، ولا حكمَ رسولِه!

ولذلك فمن حقّ أيّ عالم أن لا ينظُر إليها كلّها بطرفِ عينه!

- وأئمّة الفتوى في الصحابةِ عند أهل السنّةِ: عمر وعليّ وابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ وعبدالله بن عمر، رضي الله عنهم وأرضاهم.

- وأئمّة الفتوى في التابعين: عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، المعروف بابن الحنفيّة، سعيد بن المسيّب، الحسن البصري، القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ، علقمةُ بن يزيد النخعيّ، إبراهيم بن يزيد النخعيّ، وطبقتهم.

- وأئمة أتباع التابعين: محمّد الباقر، جعفر الصادق، أبو حنيفة النعمان وأصحابه، مالك بن أنس، سفيان الثوريّ، الليث بن سعد، الأوزاعيّ، مسلم بن خالد الجنديّ، وطبقتهم.

- وأئمة تَبعِ أتباع التابعين: موسى الكاظم، علي الرضا،  وكيع بن الجراح، عبدالرحمن بن مهدي، الشافعيّ، وطبقتهم.

- والطبقة التي تليها: أحمدُ ابن حنبلٍ، أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبيّ، أبو عُبيد القاسم بن سلام، وطبقتهم.

والطبقة التي تليها: البخاري، مسلم، أبو داود، النسائيّ، ابن خزيمة، الحسن بن سفيان، وطبقتهم، رحمهم الله تعالى، ورضي عنهم أجمعين.

أليس هؤلاء أئمّةَ المسلمين، يا مسلمون؟

اُذكروا لي واحداً من هؤلاء الأكارم قال: هناك أناسٌ في عالم الغيبِ يُدعَونَ الأغواثَ والأقطابَ وأهلَ التصريفِ، وأنّ لأولياء اللهِ تعالى حكومةً عالميّةً خفيّة، ولهم ديوانٌ ينظّمون فيه أمورَ العالم، من وراءِ حجاب!!

اُذكروا واحداً من هؤلاء الأئمة والعلماء قال بوحدةِ الوجودِ، أو وحدةِ الشهودِ، أو الفناءِ، أو العروجِ الروحيّ!

اُذكروا لي واحداً من هؤلاء الأئمة قال بالحقيقةِ المحمّدية في أيسر معانيها التي هي:

أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أسمى تجلّياتِ الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.

أو في أقبحِ معانيها التي هي: أنّ للرسولِ طبيعةً نورانيّة قديمة هي من نور الله تعالى!

وله طبيعة بشريّة حادثة، يظهر فيها للخلائق!

هل يستطيع أحدٌ من العلماءِ ومن الصالحين ومن الأولياء ومن المؤرخين؛ أن يثبتَ بأنّ واحداً من هؤلاء الأئمة نطقَ بحرفٍ واحدٍ من هذا الكلام، الذي به يَعتقدُ كثيرٌ من العرفانيين، وصوفية هذا الزمان؟

فإنْ لم تفعلوا ولن تفعلوا قطعاً وجزماً؛ فهل يمكن في عقولكم أن تولَد عقائدُ إسلاميةٌ جديدةٌ، بعد ثلاثةِ قرونٍ من عمر الإسلام؟

وهذه العقائدُ المولَّدة، هلْ وَقَفَ مخترعوها على أدلّةٍ من كتابِ الله تعالى، أو من سنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يَعرفها علماءُ وأولياء القرون الثلاثة هذه؟

مَن يقول بهذا؛ فهو كذّابٌ مفترٍ على الله تعالى، وعلى رسولِه، وعلى الصالحين.

والذين قالوا ويقولون بهذا من مشايخنا من أهل التصوّف؛ ليس فيهم واحدٌ مجتهدٌ يمكنُ أن يُنظَر في كلامه أصلاً، إنّما هم مقلّدةٌ لشيوخِهم فيما نقلوه عن شيوخهم!

فالمسألةُ هي التقليدُ الأعمى لبعض المفتونين السابقين، ليس غير!

أنا لا أقول: التصوّف باطل!

أنا لا أقول: مشايخ التصوّف كذّابون، أو مدّعون!

أنا لا أقول: ليس ثمّة أولياء وصالحون ومتّقون وزهّاد، بل هم موجودون، وكثيرون في كلّ قطرٍ من أقطار الإسلام.

وهناك أناسٌ فتح الله على بصائرهم، قد يلهمهم بأشياءَ من الغيب، وقد يطلعُهم على أسرارِ بعضِ الخلقِ لحكمةٍ يعلمها تعالى، وقد يستجيب دعاءَهم في أمورٍ كبيرةٍ، وقد لا يستجيب دعاءَهم فيما هو أدنى منها بكثيرٍ!

اتّفقتُ مع عددٍ من طلّابي هنا في تركيّا على أن نَخرج في نزهةٍ - وقلّما نفعل ذلك - وحضّرنا اللحمَ والفراريجَ لنشويَها خرجَ المدينةِ!

عندما وصلنا موضعَ النزهةِ؛ بدأتِ السماءُ تمطر، والظاهر من غيومِ السماء آنئذٍ أنْ سيكون مطرٌ غزير، وستخربُ علينا الرحلةُ!

كان معنا في هذه النزهةِ أحدُ الصوفية الفقراء، صَعُب عليه مثلُ هذا الأمرِ، فتوجّه إلى الله بدعاءٍ لم يسمعه الحاضرون، ثم التفتَ إلى السحاب المطير، وقال له: اِمَشِ من هنا يا سحاب، ولا ترجع إلّا بعدَ صلاة المغرب!

في أقلّ من دقيقةٍ واحدةٍ؛ انقشعَ السحابُ وطلعتِ الشمسُ، ولم تمطر ثانيةً إلّا ونحن في الركعة الثالثةِ من صلاة المغرب!

حضرَ هذه النزهة الدكتور الشريفُ ناصر ناجي السَلَفيُّ الطرابلسيُّ!

والشريفُ عيسى بن يحيى النينويّ الصوفيّ الحلبيّ.

والأخ محمّد سطلة الدومانيّ الحنبليُّ.

وولدايَ الدكتور السيد محمد والسيد سعيد، الأشعريّان، وربما آخرون، نسيت!

والفقير عداب اللاش!

هذا موجودٌ، وقد يحصل للعالم والعابد والعاملِ والفلاح، وحارسِ الدرب!

لكنْ ليس هذا تصرّفاً في الكونِ، ولا قدرةً على التدبير، ولا هو ولايةٌ تكوينيّة، على حدّ ما يزعم الرافضةُ، كذباً على الله تعالى، وعلى الأئمة الكرام.

إنما هو استجابةُ اللهِ تعالى دعاءَ عبدٍ من عبيده، والله قد يستجيب لعباده الصالحين، وقد يستجيبُ لغير الصالحين أيضاً!

الله يتصرّف هو بحكمته كيف يشاء، ولسنا نحن الذين نعيّن له ما يشاء وما يفعل!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على نبيّنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 7 يناير 2024

  قُطوفٌ من الآلام (12):

رَضيعتي آمنةُ في ذمّة الله تعالى!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

(رحمةُ اللهِ وبركاتُه عليكم أهلَ البيت؛ إنّه حَميدٌ مَجيد).

تُوُفّيتْ قبل قليلٍ ابنةُ عمّي، وأختي من الرضاع، السيّدةُ آمنةُ بنتُ «محمّد حمشو» بنِ حمدو الهبطة بن الشريف محمدّ الحمش، عن عُمرٍ قاربَ ثمانين عاماً (1946 - 2024م) وهي زوجة ابن عمّي الشقيقِ السيّد عدنان بن خالد بن إبراهيم بن محمّد الحمش.

أتقدّم بأحرِّ تَعازيَّ وأصدق كلماتي إلى ابن عمّي السيّد عدنان، وأولاده، وإلى أبناء أخوَي الفقيدة، وبني أعمامها وأعمامنا وأصهارها وأنسبائها.

وعظّم الله أجورَكم، ورزقكم الصبرَ الجميلَ والاحتسابَ.

واللهَ الرحمنَ الرحيمَ أسألُ أن يتغمّدها بواسعِ رحمتِه، وأن يتقبّلها بقَبولٍ حسنٍ، ويوسع لها في مرقدها؛ إنّه هو الرحمن الرحيم.

إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون

ولا حول ولا قوّةَ إلّا بالله العليِّ العظيم

والحمدُ لله على كلّ حال.