السبت، 12 فبراير 2022

 مَسائِلُ عَقَدِيّةٌ (10):

أَصْنافُ المُسلمينَ والكافِرينَ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عددٌ من الإخوة طلبوا أن أوضح لهم القولَ الفصل في أتباع الديانات المعاصرة، أهم كافرون، أم مؤمنون، أم منافقون، أمْ ما توصيفُهم؟

خصوصاً وقد صار هناك تمازج بين أتباع الديانات، وصارت في المجتمعاتِ الغربية أقليّاتٌ إسلاميّة كثيرة؟

أقول وبالله التوفيق:

قبل أن نتحدّث عن المجتمعاتِ غير الإسلاميّة؛ علينا أن نتحدّث عن المجتمعات الإسلاميّة، حتى يتوضّح لكلّ قارئٍ أننّا لا ننطلق في أحكامنا على البشرِ من أهوائنا وتعصّبنا لما نحن عليه من دينٍ أو مذهب!

المجتمعاتُ الإسلامية في الرقعة الإسلامية الواسعة التي تشمل الوطن العربيّ والوطن التركي، والوطن الإيرانيّ، والوطن الهندي، والوطن الماليزيّ، والوطن الأندونيسيّ، وغيرها من الأوطان، ومن الأقليّات؛ ينقسم إلى خمسة أقسام:

القسم الأوّل: المؤمنون، وهم الذين فهموا دينَ الإسلام فهماً صحيحاً، واقتنعوا علميّاً بأركان الإيمان وأركان الإسلام، وكلّ ما يتصّل بالحلال والحرام، فالتزموا بالواجبات الدينيّة، وانتهوا عن المنهيات الدينية تماماً، وسارعوا في مندوبات الأقوال والأفعال (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) [الأنفال].

القسم الثاني: المسلمون، وهم الذين لا يَفقهون دين الإسلامِ، كما يفقهه الأولون، لكنْ لديهم اعتقاد عام بدين الإسلام، وهم يقرّون بأركان الإيمان وأركان الإسلام ويقيمون الشعائر الدينيّة، ويمتنعون عن المنهيّات، كلما علموا أنها كذلك.

القسم الثالث: عامّة المنتسبين إلى الإسلام، وهم الذين وُلدوا من أبوين مسلمين، في بيئةٍ إسلامية، لديهم عواطف إسلاميّة، وإقرار بأركان الإيمان وأركان الإسلام، لكنهم لا يلتزمون بالعباداتِ المفروضة، من طهارةٍ أو صلاة أو صيام أو زكاة أو حجٍّ مع القدرة، فهؤلاء فسّاقٌ، ومعنى الفاسق: هو الكافر كفراً عمليّاً، لا نخرجه من دائرة الإسلام العامّة، ولا ندخله بين المسلمين، فضلاً عن المؤمنين.

القسم الرابع: المنكرون بعضَ دين الإسلام، كمنكري آيةٍ من القرآن الكريم، أو المنكرون لحرمة الربا أو الزنا أو اللواط أو أيّ شيءٍ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهم اليومَ كثيرون جدّاً جدّاً، في المجتمعات الإسلامية!

فهؤلاء لا نَعدّهم مسلمين أبداً، ولا نحكم عليهم بالكفر، حتى نقيمَ على الواحد منهم الحجّة الشرعيّة، من دون أدنى إكراه، فمن رجع إلى الإسلام، ونطق بالشهادتين؛ نقول: إنّه في دائرة الإسلام العامّة، ثم نحكم عليه بالإيمان أو الإسلام أو الفِسق، على حسب أقواله وأفعاله، بعد إعلانه الرجوع إلى الإسلام.

ومَن أُقيمت عليه الحجّةُ، فبقي منكراً بعضَ ما تقدّمَ من المعلوم من الدين بالضرورة؛ فقد خرج من الإسلام تماماً (وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم)!

- القسم الخامس: العلمانيون بطوائفهم، ومنهم الملاحدة والشيوعيون والماركسيون والوجوديون، والذين يؤمنون بالدولة المدنيّة، التي تسوّي بين المسلم والكافر، والتي ليس فيها حلالُ ما أحلّ اللهُ، وحرامُ ما حرّم الله تعالى.

فهؤلاء كفّار مرتدّون، وإن عاشوا بين المسلمين، أو انتسبوا فقالوا: نحن مسلمون؛ لأنّ مَن أنكر مَعلوماً واحداً من الإسلام بالضرورة؛ يُبيّنُ له الحقّ فيه، وتقام عليه الحجة، فإن أصرّ؛ فهو كافر مرتّدٌ!

وليس كلّ كافرٌ حلالُ الدمِ، كما يتبادَر إلى الأذهان، مِن رَبط الكفر بالقَتل، فالكافر الذي يُقتَل إجماعاً؛ هو الكافر المُقاتِل الحربيُّ، وما وراء ذلك من أصناف الكافرين، لا يُقتلون إلّا بأسبابٍ أخرى سوى الكُفر، تفصيلاتُها في كتب الفقه الإسلامي.

ولا يكون شيءٌ من ذلك أصلاً، قبل أن تقومَ دولةٌ إسلاميّة تُحكِّم شريعةَ الله تعالى في جميع شؤون الحياة الدينية والدنيويّة، هي وحدها التي يحقّ لها أن تنظر في انحرافاتِ الرعيّة، وليس لآحادِ المسلمين، مهما علا شأنهم؛ فِعلُ شيءٍ من ذلك!

ممّا تقدّم يتوضّح أن أكثر المسلمين اليومَ، هم في دائرة العوّام الفسّاق، وليسوا مسلمين ملتزمين بشرائع الإسلام، فضلاً عن كونهم مؤمنين!

وكثيرٌ ممّن ينتسب إلى الإسلام؛ هم كفّار في الحقيقةِ ونفس الأمر!

فلا غَرْوَ بعد ذلكَ مِن القَول: مَن لا يؤمن بوحدانيّةِ الله تعالى، ونفيِ الولد والوالد والشريك عنه، أو لا يؤمن بأنّ القرآن الكريم من عند الله تعالى، أو كان لا يؤمن بأنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلم، رسولٌ من عند الله تعالى، أو كان لا يؤمن  بالبعث والنشور.

لا يعود صعباً ولا غريباً أن نقول: إنّ جميع هؤلاء كفّار؛ لأنّ حقيقةَ الإيمان هي اليقين، وحقيقةَ الإسلام هي الإقرار والعمل، وحقيقة الكفر هي الإنكار.

وجميع غير المسلمين من أهل الكتابِ، ومن الوثنيين، والطبائعيين والوجوديين؛ ينكرون جميع ما تقدّم، ويرفضون عقائدَ الإيمانِ وشرائعَ الإسلام ونبوّة نبيّ الإسلام محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلم، وينكرون إلهيّة القرآن العظيم.

وهذا كافٍ لتعرف أخي القارئ الجوابَ التفصيليّ بنفسك عن كلّ ملّةٍ من الملل.

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 4 فبراير 2022

 عَلَى جَناحِ الخَيالِ (1)!؟

حكاياتٌ ذاتُ مَغْزىً وأهدافٍ تربويّة!؟

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

تمهيد:

كان هذا العُنوانُ « على جناح الخيال» عنواناً لدفتر من مذكّراتي، كتبتُه عام (1971) في ليالي الشتاء القارسة، في مدينة «حلفايا» العربية الأصيلة الجميلةِ، وعرضتُ مقدّمةَ هذا الدفتر على أستاذي وزميلي في هيئة التدريس بالمدرسة ذاتها، الأستاذ الجميل الشريف عبدالغنيّ بن أحمد الحدّاد الجيلانيّ، مثلما كنتُ أعرِضُ عليه شِعري؛ ليوجهني إلى الأفضل، له خالص تحيّاتي واحترامي!

كانت مقدمةُ الكراسِ في إحدى عشرة صفحة، قرأ منها ثلاثَ صفحاتٍ فيما أذكر، ثم راحَتْ دموعُه تهطل من عينيه النبيلتين غِزاراً، ورمى إليّ الدفتر قائلاً: ما هذا يا شيخ عداب؟

هل من المعقولِ أنّك عانيت كلَّ هذه المعاناةِ، ثمّ تستطيع أن تضحك؟!

عندما اعتُقلتُ مع زوجتي وطفلتي في بيت سيّدي الشهيد مروان خالد حديد، رحمه الله تعالى، عام (1975م) والله يشهد أننا كنّا في زيارة عائليّة له، بناء على طلبه وإصراره!

إذ كنّا وزوجتي وبنتي الطفلة آنئذٍ «أمّ فيصل» اليوم، مسافرين إلى مدينة «بني غازي» الحبيبةِ، في ليبيا.

عَقِبَ هذا الحدثِ القَدَريّ؛ صادرت الأجهزة الأمنيةُ أغراضَنا وجوازاتِ سَفرنا، وما مَعنا من المال القليل، وهو لا يزيد على (400) دولار أمريكيّ!

وكان ممّا صادرت هذا الدفتر «على جناح الخيال» ودفترين كنتُ كتبتُ فيهما «منهج الحركة والتغيير في سوريا» بأمرٍ من الشهيد مروان، رضي الله عنه، وعدّةَ دفاتر فيها قرابةُ (8000) بيتٍ من شعر الشباب القويّ الرصين، قريبِ عَهْدٍ بمقدرتي الأدبيّة!

في مكّة المكرّمة، بعد عام (1978م) بدأتُ أكتب ذكرياتٍ عن صلتي بالشهيد مروان حديد، وأستكتب بعضَ المقرّبين منه شهاداتٍ، تطوّرت فيما بعدُ إلى كتابي «الشهيد مروان حديد ومنهجه في الدعوة والجهاد» فورد على خاطري إعادةُ كتابة مذكّراتي الأليمة الحزينة «على جناح الخيال»!

كتبتُ منها، وبأسلوبٍ ألطفَ مما كتبته عام (1971م) وأكثر واقعيّةً، قرابةَ (300) صفحة (فولسكاب) وحجبتُها عن أولادي، حتى لا يتأثّروا بما فيها.

عِندما اعتقلتني السلطاتُ السعوديةُ، في صباح الحادي والعشرين من رمضان، من شهور سنة (1411 هـ) ثمّ سفّروني مشكورين إلى الأردنّ، بعدما كانوا قرّروا تسليمي إلى سوريّا؛ حمّل تلامذتي الأفاضلُ، وفي طليعتهم الشريف صالح بن سليمان الموسى أغراضَ بيتيّ ومخطوطاتي وأبحاثي في سيّارة كبيرة جدّاً، قيل لي يومها: تُدعى «سكسويل».

ألقتْ السيارةُ الأغراضَ في جمارك الأردن، ريثما استطعنا إخراجها من هناك، بعد عشرة أيّام تقريباً!

في هذه المدّة؛ فقدنا أغراضاً عديدة نفيسة نفيسة نسبياً عندنا، وإلا فهي لا تساوي إلا قدراً يسيراً من المال وفقدنا ثلاثَةَ صناديق كرتونية، فيها أبحاثٌ لي، وتعليقاتٌ كنت أسجّلها عن شيوخي الأكارم، وخاصّة عن الدكتور إبراهيم خليفة، الذي قرأت عليه، ما لم أقرأ بعضَه، على أيّ شيخٍ آخر في الجامعة.

وعندما راجعتُ ثبتَ الأبحاث، الذي أعدّته زوجتي أمّ سعيد بنت الشيخ سعيد حوّى، عافاها الله تعالى وشفاها، وكان عدد الأبحاث في الفهرس المسجّل، دون غير المسجّل (226) بحثاً، أو (216) بحثاً؛ فقدنا من المسجّل (13) عشر بحثاً، ومن غير المسجّل جميعَ ما كتبتُه عن شيوخي، وجميع ما كتبتُه من أبحاثٍ صغيرةٍ كلفوني بها في أثناء دراستي عليهم.

ومن أهمّ ما فقدناه، كتابي «ظاهرة الانحراف السياسيّ في القرن الأوّل» وبحثي الماتع «بين منهج المحدثين والمؤرخين في نقد الخبر» الذي أعجب أستاذي الدكتور أحمد محمد نور سيف كثيراً، وقال لي يومها: «لو طوّرت هذا البحث قليلاً، لصَلُح رسالةً للحصول على درجة الماجستير» ومذكراتي التي أشرتُ إليها «على جناح الخيال».

وللحق والأمانة؛ لم يكن فيها كلمةٌ واحدةٌ من نسج الخيالِ، لكنني أطلقتُ عليها هذا العنوان، بصفتها تجربةً يُفيد منها كلُّ قارئ، من دون أنْ يُكذّب كاتبَها، أو يستريب في بعض مضامينها؛ لأنّها صعبةُ التصوّر والتصديق!

وتحت وطأةِ حظر «الفيسبوك» الذي بلغ ثلاثَ عشرةَ مَرّة، حتى اليوم!

وحتّى أُعجِز الفيسبوك وزبانيّته الصغار عن حظري؛ خطر لي في أيّامي هذه «يوميّات الغروب» أن أكتب مقالاتٍ، أدبيةً تحت هذا العنوان «على جناح الخيال» لها كبيرُ صلةٍ بمذكراتي، وبتاريخ حياتي مباشرةً!

ولا يخفى على مثّقف منكم أنّ كتابةَ القصص والحكايات على ألسنة السباع والبهائم والطيور؛ معروفةٌ ميسورة، ولا أظنّ مثقفاً لم يقرأ كتابَ كليلة ودمنة مثلاً!

ومن وراء ذاك الهدفِ الأسمى؛ سيكون فيها متعةٌ بيانية، وصوَرٌ جميلةٌ، وخيالٌ خِصبٌ واسع، وأشعارٌ ارتجاليّة على ألسنة أبطال المقالات!

وسأصّدر هذه المقالاتِ جميعِها بقولي: قال الراوي!

فمتى قرأتَ أخي القارئ هذه الجملة؛ فاعلم أنّ الكلامَ الذي وراءها هو للمتعة الأدبيّة والتسلية، وإفادةِ بعض الحِكَم المبتكرة من قِبلي، أو المستقاة من مقولات المتقدمين، فاستفدْ ممّا تقرأ، ولا تحاكم الكاتب إلى خيالِك أنت، فالكلمة الحكمة؛ ضالّةُ المؤمن، كما ورد في حديثٍ غريب!

والله المستعان وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.

الخميس، 3 فبراير 2022

 مَسائِلُ عَقَدِيّةٌ (9):

رَسولُ السماواتِ الجَديدُ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عددٌ من الإخوةِ طلبوا مني البيانَ بشأنِ مُدّعي الرسالةِ «نشأت منذر» وبعضهم ألحّ بطريقةٍ أزعجتني؛ لأنّ إلحاحَه؛ دليل جهلِه بمبادئ الإسلام الأولى!

لكنْ ماذا نصنع في عصرٍ طَمَى فيه الجهلٌ، وفشا الارتيابُ، ولا حول ولا قوّةَ إلّا بالله العليّ العظيم!

أقول وبالله التوفيق:

- أوّل توضيحٍ لأولئك المساكين، وليس ردّاً على ذلك الدعيّ الغبيّ الجاهل؛ هو أنّ الله تبارك وتعالى قال: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ، وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) [الأحزاب].

هذا الجاهل الدعيّ يقول: إنّه مرسلٌ من السماواتِ، وليس بنبيّ وهذا مزيد جهلٍ منه، إذ كلّ رسولٍ نبيٍّ، من دون عكس!

إذ الرسولُ صاحبُ رسالة جديدةٍ، والنبيّ قد يكون تابعاً لرسولٍ قبله، كما كان زكريّا ويحيى تابعَيْن شريعة موسى، عليهم السلام.

قال الله تعالى مخاطباً عبدَه محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) [الأعراف].

(يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (67) [المائدة].

(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) [الأحزاب].  

- والتوضيح الثاني: أنّ هذا الدعيَّ الجاهلَ يقول: إنّ اللهَ والآلهةَ يزورونه في بيتِه، ويلتقي معهم، ومقتضى هذا أنّه يرى الله تبارك وتعالى!

وحين سألَ بنو إسرائيلَ البدائيّون الجهّال موسى عليه السلامُ بأن يريهم اللهَ تعالى جهرة، ماذا جرى!

(سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) [النساء].

فمن يطلبُ رؤيةَ الله تعالى؛ عقوبته صاعقةٌ من السماء، فكيف بمن يزعم أنّه يلتقي مع الله تعالى، ويجتمع به!

- التوضيح الثالث: هذا الدعيُّ الغبيّ الجاهلُ، يزعم أنّ الآلهة تزوره في موضع إقامته!

ومعلومٌ لدى جميع الأديان الإلهيّة أنّه (ما مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) [المائدة].

وأنّ القائلَ بوجود إلهٍ سوى الله تعالى مجرم، وليس برسول!

(إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافّات].  

- التوضيح الرابع: يقول هذا الدعيّ الجاهل: إنّه إذا كان فوق مجرّة الزُهرة، فإنه يخضع لقوانينها، وإذا كان فوق المريخ؛ يخضع لقوانينه، وهكذا!

ومعلومٌ لدى البشر جميعاً؛ أنّ النزولَ على سطح القمر القريب؛ كلّف أمريكا وروسيا ملياراتِ الدولارات، فإذا كان هذا الدعيّ يستطيع السفر إلى الزهرة والمريخ مباشرةً؛ فليأخذ معه واحداً من العقلاء، برهاناً على صدق دعواه.

أعلم أنّه يقصدُ العروجَ الروحيَّ، وليس العروجَ الماديّ، لكنّ العروجَ الروحيّ دعوى، لا يصعب على أيّ مؤمن أو كافر، صغير أو كبيرٍ، ادّعاؤها، وبالتالي، فهي لا تصلح برهاناً على صدق الدعوى!

ومثلُ هذا، دعواه أنّ الأنبياءَ من لدن إبراهيم إلى محمّدٍ العظيم، صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين، يزورونه في مقرّه المعظّم أيضاً!

خِتاماً: كُنْ على يقينٍ من دينك أخي المسلم، ولا يخدعنّك عنه كلُّ صائح!

وتعلّم البراهينَ الدالّةَ على صدق القرآن الكريم، من داخلِه، وتعلّم الأدلّة على صدق رسولك محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم من داخلِ القرآن أيضاً، ثمّ سلّم لما في هذا القرآن العظيم، ولما صحّ عن الرسول الكريم.

وإيّاك والجدالَ والخصومات في الدين، فقد عاب الله تعالى الخصوماتِ والجدالَ في الدين، فقال جلّ شأنُه:

(وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) [الزخرف].

رُوي أنّ رجلاً كان يُتّهم بالإرجاء، فقال لمالكِ بن أنسٍ الإمام: يا أبا عبدالله: اسمع شيئا مني، أكلّمْك به، وأحاجَّك!

قال مالك: فإنْ غَلبتَني؟ قال: تَتْبَعني!

قال مالك: فإن جاءَ رجلٌ آخرُ، فغلبني وإياك؟ قال: تبعناه.

فقال مالك: بعث الله محمداً صلّى الله عليه وسلم بدين واحدٍ، وأراك تَنتقِل من دين إلى دين».

ورحم الله عمر بن عبدالعزيز الخليفة الأمويَّ، إذ يقول: « مَنْ جَعَلَ دِينَهُ عَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ».

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 1 فبراير 2022

 مَسائِلُ مِنْ عُلومِ القرآنِ والتَفسيرِ (9):

 أثرُ العَددِ (19) على يقينِ أهل الكتاب!؟ 

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

تواصل معي أحد الإخوةِ، يسألني عن قول الله تبارك وتعالى:

(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً، وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ!

وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ: مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا؟

كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ، وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) [المدّثر].

قال: لم أفهم والله!

- عدّةُ أصحابِ النار، التِسعةَ عَشَرَ؛ فتنةٌ للذين كفروا، لماذا تكون لهم فتنة، وكيف؟

وكيف يستقين الذين أوتوا الكتاب، ولا يرتابون، إذا علموا أنّ عدّةَ أصحاب النار تسعة عشر؟

وكيف يزداد الذين آمنوا إيماناً، عند تلاوتهم هذه الآية الكريمة؟

هذه الآياتِ كلّها مفهومة واضحة، إلا هذه الآية الواحدة، فما في التفاسير التي اطّلعتُ عليها شيءٌ مُقنع!

أقول وبالله التوفيق:

قال الطبري في تفسيره (23: 438): وَقَوْلُهُ تعالى: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) [المدثر: 31].

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِيَسْتَيْقِنَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ حَقِيقَةَ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عِدَّةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، إِذْ وَافَقَ ذَلِكَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وروى الطبريُّ عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: «إِنَّهَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَسْتَيْقِنَ أَهْلُ الْكِتَابِ».

ونحوه قال الزمخشري في تفسيره (4: 652) بينما قال الإمام الرازي في تفسيره (30: 709) ما نصّه:

في قوله تعالى: (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ مَاذَا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذَا الْعَدَدُ إِنَّمَا صَارَ سَبَباً لِفِتْنَةِ الْكُفَّارِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْتَهْزِئُونَ، يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ يَكُونُوا عِشْرِينَ، وَمَا الْمُقْتَضَى لِتَخْصِيصِ هَذَا الْعَدَدِ بِالْوُجُودِ؟

الثَّانِي: أَنَّ الْكُفَّارَ يَقُولُونَ هَذَا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ، كَيْفَ يَكُونُونَ وَافِينَ بِتَعْذِيبِ أَكْثَرِ خَلْقِ الْعَالَمِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مِنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ، إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ؟

ثمّ قال (30: 710):

«السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا وَجْهُ تَأْثِيرِ إِنْزَالِ هَذَا الْمُتَشَابِهِ، فِي اسْتِيقَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟

الْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ، لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا فِي كِتَابِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ دِرَاسَةٍ وَتَعَلُّمٍ؛ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا حَصَلَ له صلّى الله عليه وسلّم بِسَبَبِ الْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ.

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَزْدَادُونَ بِهِ إِيمَانًا.

وَثَانِيهَا: أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَانَا مُحَرَّفَيْنِ، فَأَهْلُ الْكِتَابِ كَانُوا يَقْرَءُونَ فِيهِمَا أَنَّ عَدَدَ الزَّبَانِيَةِ؛ هُوَ هَذَا الْقَدْرُ، وَلَكِنَّهُمْ مَا كَانُوا يُعَوِّلُونَ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ التَّعْوِيلِ؛ لِعِلْمِهِمْ بِتَطَرُّقِ التَّحْرِيفِ إِلَى هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ.

فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَوِيَ إِيمَانُهُمْ بِذَلِكَ، وَاسْتَيْقَنُوا أَنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ؛ هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ...» إلخ كلامه.

أقول: هؤلاء الأئمة وغيرهم زعموا أنّ عدة أصحاب النار الـ (19) مذكورة في التوراة والإنجيل، وليس هذا صحيحاً أبداً، فليس في التوراة ذِكرٌ لكلمة جهنّم، وليس فيها ذِكرٌ لملائكةٍ موكّلين بالنار!

وليس في التوراة ذكر للعدد تسعة عشر، إلّا مرّة واحدة (وَفُقِدَ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً وَعَسَائِيلُ).

أمّا في الإنجيل؛ فقد وَرَدَ ذكر جهنّم عدّة مرّاتٍ، غير أنّ الرقم تسعة عشرَ لم يرد مطلقاً.

وقد ورد عن ملائكة العذاب، في إنجيل متّى، الإصحاح الثالثَ عشرَ، الآية (50) النصُّ التالي: (هكذا يكون انقضاء العالم، يخرج الملائكةُ، ويَفرِزون الأشرارَ من بين الأبرار، ويطرحونهم في أتون النار، هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان).

والحقّ - كما ذكر الأخُ السائلُ - ليس في كلام المفسّرين الذين قرأت تفسيراتهم شيء يريح القلبَ، ويوضح المقصود من هذه الآية الكريمة!

ثمّ رأيتُ أن أذهبَ إلى المهتمّين بالتفسير العدديّ للقرآن العظيم، من المعاصرين، إذ ليس فهم القرآن العظيم حِكراً على الأقدمين؛ فوجدت الدكتور عبدالدائم الكحيل يقول ما مختصره: «إنّ هدفَ العدد (19) في سورة المدّثر؛ أن يستيقن الذين أوتوا الكتابَ بصدق الرسالة المحمّدية، فما علاقة استيقانهم بالعدد (19)؟  

قال: المنظومة الرقميّة الموجهة إلى أهل الكتاب؛ مدارها على الرقم (19).

وسورة المدّثر من أوائل السور التي نزلت على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، والرقم (19) هو أوّل رقم ينزل في القرآن الكريم.

فإذا علم أهلُ الكتاب حقيقةَ هذه المنظومةِ الرقمية؛ سيستيقنون ولا يرتابون.

أمّا الكفرون والملاحدة؛ فلا فائدة من ذكر هذه الأرقام لهم، أو لدى الأكثرين منهم (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا؛ لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ؛ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون) الأنفال].

وقد خصّ الله تبارك وتعالى السيّدة مريم، بهذه المنظومة الرقميّة الموجّهة إلى أهل الكتاب، من جهاتٍ شتّى:

الأولى: أنّ رقم سورة مريم (19) ومريم مقدسة لدى أهل الكتاب، وقصتها محبّبة إلى نفوسهم.

الثانية: إنّ قصّة مريم في داخل سورة مريم تبدأ بقوله تعالى:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16).

وتنتهي بقوله تعالى:

(ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34).

وعدد آياتِ هذه القصّة، من أوّلها إلى آخرها (19) آية تامّة.

الثالثة: أنّ عدد المرّات التي ذكرت فيها مريم بمفردها، في القرآن، من دون عيسى عليهما السلام (11) مرّة.

ومن بداية قصّة مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ) إلى نهاية القرآن العظيم (3971) آيةً!

لو قمنا بتحليل هذا الرقم إلى جذوره؛ لوجدناه = (19 × 19 × 11).

والعدد الأوّل (19): موجّه إلى أهل الكتابِ، في سورة المدّثر.

والعدد الثاني (19): يشير إلى رقم سورة مريم في القرآن الكريم.

والعدد الثالث (11): يشير إلى عددِ المرّات التي ذكرت فيها مريم وحدها، من دون ذكر ابنها المسيح معها، وإليك هذه الآيات الكريمات:

1(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى، وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) [آل عمران].

2(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) [آل عمران].

3(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) آل عمران.

4(يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) [آل عمران].

5(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) [آل عمران].

6(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ (45) [آل عمران].

7(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) [النساء].

8(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ.

فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ (171) [النساء] والمقصود كلمة مريم الثانية المفردة.

9(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) [سورة مريم].

10(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) [مريم].

11(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) [التحريم].

قال الفقير عداب: هذا والله هو التفسير، الذي يقبله العقل، وهو الذي يمكن أن يحاجَّ به المسلم أهل الكتاب النصارى.

إذ لا يَعقل العقلُ البشريُّ أن الإنسان العربيَّ في ذلك الزمان، يمكنه أن يرتّب هذا الترتيب الدقيق، فيجعل الرقم (19) سبيلاً إلى يقين أهل الكتاب بصدق القرآن، ويرتّب سورة مريم برقم (19) ويذكر اسم مريم مجرّداً (11) مرّةً، ويجعل من بداية قصة مريم إلى نهاية القرآن العظيم عدداً جذره (19 × 19 × 11).

هذا محالٌ، إن لم يكن الرحمن الرحيم؛ هو الذي رتّب هذا الترتيبَ المعجز، بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى!

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحمد لله على كلّ حال.

         مِنْ عِبَرِ التاريخِ (9):

بين الشيخين جودةَ سعيدٍ ومروانِ حديدٍ، رضي الله عنهما.

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

قرأتُ لأحدِ الإخوةِ الأحباب كلاماً قاسياً، تجاه مَن رثى الشيخَ «جودة سعيد» أوتوجّع على فراقِه، رحمه الله تعالى، وأنا واحدٌ منهم، بدعوى أنّ أولئك الباكين عليه، ممّن يخالفونه في الرأي، وممّن حمل السلاح مناهضاً للسلطة الحاكمة!

فكتبتُ إليه ما خلاصته: إنّ هذا لا يليق، فالخلاف بين أئّمة الإسلام قديماً وحديثاً؛ لا يجعلهم يحقدون على بعض، ولا يشمتون بوفاة أحدهم إذا مات.

وأقول وبالله التوفيق:

أوّل مرّة أسمعُ باسم «جودة سعيد» كانت عام (1964م) عَقِبَ خروج شيخنا الشهيد مروان حديد، من السجن.

حدّثنا عن رجلٍ عابدٍ، تقيّ، صابرٍ، مفكّر، اسمه «جودة سعيد» قال: وهو على نقيض منهجنا في التغيير، فهو لا يرى الخروجَ على الحاكم، حتى لو كان كافراً، إنما يكون التغيير بالصراع الفكريّ!

كنتُ صغيرَ السنّ، وكان في المجلس مَن هو أسنّ مني بكثير، فانتقص أحدُ الحاضرين من فكرة الشيخ «جودة سعيد» هذه، فغضب الشهيد مروان وقال له ما معناه: لا يا أخي لا أسمح لك أن تتكلّم بهذه اللغة، فهذا رجلٌ ربّاني، أحسبه من أولياءِ الله تعالى، وهو خير منّي وأتقى!

فانتظرت حتى انفضّ أكثرُ الجمعِ، واستأذنت بسؤال، فأذن لي الشهيد!

قلت له: كيف يكون هذا الرجل من أولياء الله تعالى، ويكون رجلاً ربّانياً، وهو يُعطّل حكماً شرعيّاً متفقاً عليه عند العلماء!؟

قال بهدوءٍ شديد ما معناه: من أين فهمتَ أنّه يعطّل حكماً شرعيّاً هو الجهاد؟

الجهادُ المعروف عند علماء الإسلام؛ هو جهادُ الكافرين، وهو نوعان:

جهاد دفع الصائل: وهو حين يغزونا أعداء الإسلام.

وجهاد الدعوة: وهو مصاحبٌ لدعوة المرشدين إلى الإسلام، ويسمّونه جهادَ الطلب، فهل الذي أنكره الشيخ «جودة» واحدٌ من هذين الجهادين؟

نحن والشيخ جودة متّفقون على أنّ السلطة الحاكمة غير شرعيّة، لكنْ اسمعني:

هل كان معاوية بن أبي سفيان حاكماً شرعيّاً؟

هل كان يزيد بن معاوية الفاجر الملعون حاكماً شرعياً؟

هل كان حكام بني أمية وبني العباس حكاماً شرعيين؟

كلّا لم يكن واحدٌ من هؤلاء حاكماً شرعيّاً، ومع هذا أجمع علماء المذاهب الأربعة على عدم جوازِ الخروج بالسيف على واحدٍ منهم، أمّا لماذا؟

فقد قالوا: حفاظاً على وحدة المسلمين، وحَقنا لدمائهم؛ لأنّ الحاكم الذي استولى على الحكم بالقوّة، وأراق الدماء حتى وصل إلى مبتغاه؛ فهو لن يتنازل عن السلطة، إلّا بالقوة، وهذا سبيل إراقةِ مزيدٍ من دماء المسلمين المعصومة!

والشيخ جودة يرى أبعدَ من ذلك، فهو يرى أنّ الحاكمَ الكافرَ المتغلّبَ؛ سيكون أقسى على المسلمين، وأكثرَ هدراً لدمائهم؛ لأنه لا يقيم وزناً لأحكام الله تعالى، ومثل هذا؛ لا سبيلَ إلى تخفيف ظلمه بالمواجهة المسلحة، وإنما بالإقناع الفكريّ، حتى لو قتلك، أو سجنك، أو طردك من البلاد، أو صادر مالك.

وعلماء أهل السنة كلهم يقولون بمثل قوله تقريباً، فلم التطاول عليه وحده، أم لأنك تجهلون ما قال علماء المسلمين أصلاً؟!

قلت له: إذنْ!

فقال: لم أنتهِ من كلامي، عفواً!

ستقولون: كيف تقول أنت يا مروان حديد: يجب الثورة على الحاكم الظالم، ومقاومته، ولو بالسيف، إذا لم ينزجر بالنصح والكلام؟

وأقول لكم: هذا رأيُ بعضِ علماء الإسلام، ومنهم ابن حزم الظاهريّ، فهو يقول ما معناه: إذا ضربَ السلطانُ الشرعيُّ مسلماً سوطاً ظلماً، ورفض أن يُقتصّ منه لذلك المسلم؛ وجب الخروج عليه وإقالتُه بالقوّة، إن لم يمكن بالنصح والحوار.

وهذا الذي تقتضيه أدلّه القرآن والسنّة، وهذا الذي أراه رأياً، ولا ألزم به أحداً!

ثمّ راح يسرد الآيات القرآنية العديدة، من مثل قوله تعالى:

(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ اللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) [النساء].

ومن مثل قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(كَلَّا وَاللهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً).

أخرجه الأئمة أحمدُ وابن ماجه وأبو داود، والترمذيّ (3047) وقال: حسن غريب!

تابع الشهيد مروان كلامه رحمه الله تعالى قائلاً: فيجب علينا أن يعذر بعضنا بعضاً عند اختلاف الاجتهاد؛ لأنّه لا سبيل إلى وجود عقلين متطابقين!

ثمّ ظلّ الشهيد مروان، يذكر الشيخ جودة بالخير، ويتزاوران قليلاً قليلاً، كلما سنحت لهما الفرصة طيلةَ أيام حياته!

وآخر زيارةٍ علمتُ عنها، كانت في عام (1974م) طلب الشيخ جودةُ زيارة الشيخِ مروان، وهو مختفٍ عن الأنظار، فأذن له، فزاره الشيخُ جودة في مخبئه، ودار بينهما حديث طويلٌ، لا أعرف عنه شيئاً.

وحين زاره بعضُ إخوانه عقب خروج الشيخ جودة من عنده؛ قال له مروان: كان في زيارتي قبل قليلٍ الشيخ جودةُ سعيدٍ، جزاه الله خيراً!

فالشيخ جودة سعيد موضع سرّ الشهيد مروان، وموضع ثقته، ولولا ذلك ما أذن له بزيارته، وهو مطلوبٌ للسلطة حيّاً أو ميتاً!

والشيخ جودة سعيد ثقة أمين مأمون - مع اختلاف الاجتهاد - وإلّا لبلّغ عن منزلِ الشهيد مروانَ السلطة، لتقوم باعتقاله.

أقول: جميع الحمويين يعلمون أنني بين أقرب المقرّبين من الشهيد مروان حديد!

بل قال لي الشهيد مروان حديد مواجهة: ليس عندي في مدينة حماة عشرةُ أشخاصٍ أعتمدُ عليهم، وأنت واحدٌ من هؤلاء العشرة!

وحدثني أحد الإخوة - ولا يحبّ ذكر اسمه - قال: حدثني الشهيد مروان قال:

«الشيخ عداب أحدُ خمسة شبابٍ، أعتمد عليهم في مدينة حماة.

الشيخ عداب يعدل خمسةً من شجعان الرجال»!

رحم الله تعالى شيخينا:

المفكر العاقل الشيخ جودة سعيد.

والشهيد المؤمن الحرّ مروان حديد.

هكذا تكون المحبّة والثقة، على الرغم من اختلاف الاجتهادات.

ختاماً:

مع ما تقدّم كلّه أقول: أنا اليومَ - وقد جاوزت الرابعةَ والسبعين من عمري- أقول: إنّ التغيير بالقوّة المسلّحة في أيّ بلدٍ عربيٍّ أو مسلمٍ؛ غلطٌ قاتلٌ، وإنّ أقصى ما أفتي به اليوم؛ هو العصيان المدنيّ، مهما قَتَل الحاكم، ومهما سجن، ومهما عاقب وعذّب!

لأنّ العصيان المدنيّ لن يقود حاكماً ليقتل (500000) مسلم، أو يسجن (100000) مسلم، أو يهجّر خمسة ملايين مسلمٍ من ديارهم، والنتيجة ماذا؟

خرابُ الديارِ، وزيادة عدد الثكالى والأيامى والأيتام والجهّال.

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحمد لله على كلّ حال.

مَسائِلُ مِنْ عُلومِ القرآنِ والتَفسيرِ (8):

القُرآنُ الكريمُ الذي نُؤمِنُ بِهِ!؟

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

سأني عددٌ من الإخوةِ القرّاء الغيورين: «كيف ترفضُ تكفير الشيعة الإماميّة، وهم يقولون بتحريفِ القرآن الكريم؟

وما هو القرآن العظيمُ الذي تؤمن به أنتَ، وينجيك وينجينا اعتقادُه عند الله تبارك وتعالى»؟

أقول وبالله التوفيقُ:

القرآن الذي أعتقده، وأدين الله تعالى به: «هو كلامُ الله تعالى الذي نزلَ به جبريلُ على قلب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بلفظه ومعناه، المُتَعَبّدُ بتلاوته، المُعجِزُ بأقصر سورة منه، المجموعُ بين دفتي المصحف، مرتّباً من أوّل سورة الفاتحة، إلى آخر سورة الناس، من دون زيادةِ آيةٍ واحدةٍ، أو نُقصانِ آية، بإجماع أصحاب الرسول رضي الله عنهم».

وكلّ حديثٍ آحاديٍّ ينسب زيادةَ أونقصانَ آيةٍ إلى كتاب الله تعالى؛ فهو حديثٌ باطلٌ، حتى لو كان في الصحيحين.

والمصحف الذي جمعه أصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في عهد أبي بكر، والذي صنعوه في عهد عثمان؛ هو كلماتُ القرآن الكريم، التي أوحى بها الله إلى رسوله، بمعزلٍ عن قراءاتِه المتعدّدة، التي يُشير إليها حديثُ الأحرف السبعة.

أمّا حكمُ القَوْلِ بتحريف القرآن الكريم؛ فيوجِبُ علينا أنّ نحدّد معنى التحريفِ، بعد أن علمنا معنى القرآن الكريم.

- التَحريفُ في لغة العرب: قال ابن فارس في مقاييسه (2: 42):

(حَرَفَ): الْحَاءُ الرَّاءُ وَالْفَاءُ؛ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: حَدُّ الشَّيْءِ، وَالْعُدُولُ، وَتَقْدِيرُ الشَّيْءِ.

فَأَمَّا الْحَدُّ: فَحَرْفُ كُلِّ شَيْءٍ؛ حَدُّهُ، كَالسَّيْفِ وَغَيْرُهُ.

وَمِنْهُ الْحَرْفُ، وَهُوَ الْوَجْهُ، تَقُولُ: هُوَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، أَيْ طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ) [الحج: 11] أَيْ: عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ.

وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَةُ رَبِّهِ تَعَالَى عِنْدَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَإِذَا أَطَاعَهُ عِنْدَ السَّرَّاءِ، وَعَصَاهُ عِنْدَ الضَّرَّاءِ؛ فَقَدْ عَبَدَهُ عَلَى حَرْفٍ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ؛ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ؛ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) [الحج: 11] .

وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الِانْحِرَافُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: انْحَرَفَ عَنْهُ، يَنْحَرِفُ انْحِرَافًا.

وَحَرَفْتُهُ أَنَا عَنْهُ: أَيْ عَدَلْتُ بِهِ عَنْهُ، وَذَلِكَ كَتَحْرِيفِ الْكَلَامِ، وَهُوَ عَدْلُهُ عَنْ جِهَتِهِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) [النساء: 46] .

وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ: الْمِحْرَافُ، حَدِيدَةٌ يُقَدَّرُ بِهَا الْجِرَاحَاتُ عِنْدَ الْعِلَاجِ.. إلخ»

قال عداب: فعلى المعنيين الأوّل والثاني المتّصلين بمسألتنا؛ لا مكان للزيادةِ والنُقصان إنما التحريفُ فيهما بمعنى تأويلِ وتفسير الآيةِ، وَفقَ وُجهةٍ مقصودةٍ لدى المُفسّر.

فأنتَ عندما تتّهم الشيعةَ الإماميّةَ أو غيرهم بتحريف القرآن العظيم؛ يجب أن يكونَ قَصدُك تأويلَهم القرآن الكريم، أو بعضَ آياتِه على نحوٍ غير مَرضيٍّ لك.

مِنْ مثل تأويلِهم قولَ الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) بأنّ المقصودَ بهذا الشطر من الآيةِ؛ أهلُ الكساءِ خاصّةً، دون أزواج رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، متجاهلين سباق الآية وسياقها تماماً.

(يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ، وَآتِينَ الزَّكَاةَ، وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ؛ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) [الأحزاب]

هذا النوعُ من التحريفِ، الذي هو التفسيرُ والتأويلُ غيرُ المَرضيّ؛ موجودٌ لدى أهل السنّة والشيعة الإماميّة والإسماعيليّة وغيرهم، أثراً من آثار استخدامِ الروايات الحديثيّة الآحادية الصحيحةِ والحسنة والضعيفةِ في التفسير.

أمّا مسألة الزيادةَ والنقصان في آيات القرآن الكريم؛ فيجب التريّث في الجواب!

مثال موضح: آية (بسم الله الرحمن الرحيم) هل هي آية من سورة النمل فحسب؟

(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30).

أم هي أية من سورة النمل، وآية من سورة الفاتحة، دون غيرها من السور، أم هي آية من أوّل كلّ سورةٍ، كما ذهب إليه الإمامُ الشافعيُّ والشيعة الإماميّة والشيعة الزيديّة والإباضيّة؟

قال الإمام النووي الشافعيُّ في المجموع (3: 334) ما نصّه:

«اعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَسْمَلَةِ عَظِيمَةٌ مُهِمَّةٌ، يَنْبَنِي عَلَيْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، وَلِهَذَا الْمَحَلِّ الْأَعْلَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ وَصْفِهَا؛ اعْتَنَى الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بِشَأْنِهَا وَأَكْثَرُوا التَّصَانِيفَ فِيهَا مُفْرَدَةً.

وَقَدْ جَمَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ، وَحَوَى فِيهِ مُعْظَمَ الْمُصَنَّفَاتِ فِي ذَلِكَ مُجَلَّداً كَبِيراً.

وَأَنَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى أَذْكُرُ هُنَا جَمِيعَ مَقَاصِدِهِ مُخْتَصَرَةً وَأَضُمُّ إلَيْهَا تَتِمَّاتٍ لابد مِنْهَا فَأَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا - الشافعيّة - أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ هِيَ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرَ بَرَاءَةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا.

وَبِهَذَا قَالَ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ من السلف، قال الحافظ أبو عمرو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ المالكيُّ:

هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ.

قَالَ: وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ فِي كونها من الفاتحة أحمدُ وإسحقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَكَّةَ وأكثر أهل العراق.

وحكاه الخطابيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْخِلَافِيَّاتُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَالزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.

وَفِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.

وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد الظاهريّ: لَيْسَتْ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ كُلِّها؛ قُرْآناً، لَا فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا!

وَقَالَ أَحْمَدُ: هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ.

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَيْضاً.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ: هِيَ آيَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ، غَيْرَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ، وَلَيْسَتْ آيةً مِنْ السُّوَرِ، بَلْ هِيَ قرآن كسورة قَصِيرَةٍ!

وقال محمد بن الْحَسَنِ - تلميذ أبي جنيفةَ -: مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ.

قال النوويّ: «وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ مَنْ أَثْبَتَهَا وَلَا مَنْ نَفَاهَا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَفَى حَرْفًا مُجْمَعاً عَلَيْهِ، أَوْ أَثْبَتَ مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِالْإِجْمَاعِ» انتهى المقصود من كلامه هنا، ومراجعته بتمامه مفيدة جدّاً.

وقد طوّل الباقلانيُّ المالكيّ في «نكت الانتصار لنقل القرآن» بالردّ على مَن يقول: إنّ (بسم الله الرحمن الرحيم) آيةٌ من الفاتحة، فضلاً عن أن تكون آية في صدر كلّ سورةٍ سوى براءة، وجزم بأنها آية من سورة النمل فحسب، ثمّ قال (1: 264) ما نصّه:

«فإن قيل: فإذا قُلتم: (إن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ليست آيةً من (الحُمْدُ للهِ ربِّ العالَمينَ) ولا مِن جُمَل سُورٍ هيَ في افتتاحها، فهل تكفّرون مَن قال إنّها من الحمد، وأنّه بمثابةِ من قال إنَّ «قِفا نَبْكِ» من (الحُمْدُ للهِ ربِّ العالَمينَ) أم لا؟» قيل له: لا!

وإنما يلزمُ هذا الكلامُ مَن قال من أصحابنا: لو كانت من (الحُمْدُ للهِ ربِّ العالَمينَ) ومن كل سورةٍ؛ لوجبَ إكفارُ من أنكر كونَها من (الحُمْدُ للهِ ربِّ العالَمين) فيُقال له: ولو لم تكن من (الحَمْدُ) لوجب إكفارُ من قال إنّها من (الحَمْدُ)!

وليست هذه عندَنا طريقةً صحيحةً ولا مَرضِيةً في النظرَ، ولا واجبةً في حكم الدّين، بل الواجبُ أن نقول: إن مُعتقِدَ كونها من (الحَمْدُ) ومن كل سورة، أو آيةً منزَلةً مُفردةً فاصلةً بين السُوَرِ؛ مخطىءٌ ذاهبٌ عن الحق، لأجل عُدُوله عمّا وجبَ عليه من العلم بأن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّمَ، لو كان قد نصّ على ذلك من حكمها؛ لوجبَ تواترُ نقلِه وظهورِه وانتشارِه، ولَزِمَ في القلوبِ العلمُ بصحّتِه، وأنّ ذلك عادةُ الرسول في بيانِ جميعِ ما أنزل عليه من القرآن.

فلما عَدَل عن ذلك، وعَمِلَ على ظاهرِ افتتاحِ الرسولِ بها، وأَمْرِه بكتبها للفصل بين السّور، وجهرِه بها تارةً، فظَنّ بهذا أنَّها من جملة القرآن؛ كان بذلك غالطاً وعادلاً عن بعضِ ما لزمه ووجبَ عليه في العلمِ ببيانِ الرسولِ بمثل القرآنِ وعادتهِ فيه، وكان بذلك متأوّلاً ضَرباً من التأويلِ، لا يُصيِّرُهُ بمنزلةِ من ألحقَ بالقرآنِ ما قد عُلِمَ ضرورةً من دين الرسول، وباتفاقِ أمّته أنّه ليس من القرآن».

فهذا علَمان مختلفان في المذهب:

أحدهما يقول: البسملة آية من أوّل سورة الفاتحة، وآية من أوّل كلّ سورة سوى براءة.

والثاني يقول: البسملةُ ليست آيةً من أوّل سورة الفاتحة، وليست آية من أوّل كلّ سورة، إنما هي بعضُ آيةٍ من سورة النمل.

ولم يكفّرْ المثبتُ النافيَ، ولم يكفّر النافي المثبتَ، فلماذا لا تثور ثائرتكم تجاه هذا النقصِ الاجتهاديّ من أبي حنيفة ومالكٍ وغيرهما من أهل السنة؟

عند أهل السنة، وعند الشيعة الإماميّة رواياتٌ كثيرةٌ تقول بنقصان القرآن الكريم، وهي كلّها رواياتٌ غرائب، لا تعكّر على تواتر القرآن العظيم، وإجماع الصحابة عليه.

وحتى يسهل التصوّر على عامّة أهل السنّة؛ أسوق لهم بعض الروايات من كتبهم المعتمدة!

أخرج الإمام مسلم في صحيحه (1050) من حديث أَبِي الْأَسْوَدِ الديلي - ظالم بن عمرو - قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - أمير البصرة - إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ مِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ.

وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ!

وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً، كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ، فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْها: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ؛ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ)

وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً، كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ، فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

هذا فهم أبي موسى، وذوقه في عدم تمييزه بين كلام الله تعالى، وما يُظنّ أنّه من كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو من حديث نفسه!

فهذا الكلامُ؛ لم يثبت أنّه من القرآن العظيم؛ لأنّه ليس بين دفتي المصحف من جهة!

ولأنْ ليس له بلاغة القرآن العظيم وفصاحته، من جهة ثانية.

ولا يثبت أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قاله؛ لأنّ أبا موسى نسبه إلى الله تعالى وليس إلى الرسول.

وأخرج الإمام أحمد في مسنده (20261) من حديث عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بنِ حُبَيشٍ قَالَ: قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْأَحْزَابِ. أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّها؟

قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً!

فَقَالَ أُبَيٌّ: قَطُّ! لَقَدْ رَأَيْتُها، وَإِنَّهَا لَتُعَادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَقَدْ قَرَأْنَا فِيها: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا؛ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ، نَكَالاً مِنْ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

فهذا ليس من القرآن الكريم، ولا من الحديث الشريفِ، إنما هو توهّم ممن قاله.

وأخرج الإمام البخاريّ (4976، 4977) والإمام أحمد (20244) واللفظ له، من حديثِ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ؟

فَقَالَ أُبيٌّ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) فَقُلْتُهَا!

فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وإنما اخترت لفظ الإمام أحمد؛ لأنّ لفظَ حديث البخاريّ لُغزٌ، لا يَفهم منه قارئه شيئاً، بل يزيده ارتباكاً وحيرة!

وهذا لفظه في الموضعين: زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ؟

فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (قِيلَ لِي، فَقُلْتُ)!

فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال ابن تيمية عدوّ الشيعةِ الأكبر في مجموع الفتاوى (12: 492):

«كَانَ الْقَاضِي شريحٌ، يُنْكِرُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ (12) [الصّافات] وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ!

فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، فَقَالَ: إنَّمَا شُرَيحٌ شَاعِر، يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ. كَانَ عَبْداللَّهِ بن مسعودٍ أُفُقه مِنْهُ، فَكَانَ يَقُولُ: (بَلْ عَجِبْتُ).

فَهَذَا شُريحٌ قَدْ أَنْكَرَ قِرَاءَةً ثَابِتَةً...وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ!

وَكَذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْكَر بَعْضُهُمْ حُرُوفَ الْقُرْآنِ مِثْلَ إنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) [الرعد: 31] وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ: أو لَمْ يَتَبَيَّنْ الَّذِينَ آمَنُوا.

وَإِنْكَارِ الْآخَرِ قِرَاءَةَ قَوْلِهِ: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ) [الإسراء: 23] وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ: وَوَصَّى رَبُّك.

وَبَعْضُهُمْ - يعني ابنَ مسعودٍ - كَانَ حَذَفَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَآخَرُ يَكْتُبُ سُورَةَ الْقُنُوتِ. وَهَذَا خَطَأٌ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمَعَ هَذَا، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ؛ لَمْ يُكَفَّرُوا، وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ.

قال عداب: أمامَ هذه الرواياتِ الكثيرة جدّاً، وهي لدى أهل السنةِ أكثرُ منها لدى الشيعة، وأمام أقوال أولئك العلماء المحترمين لدى أهل السنّة؛ فيجب علينا أن لا نُطلق القولَ بتكفير مَن يقول بزيادةٍ في القرآنِ، أو بنقص منه؛ لأنّ وجودَ هذه الرواياتِ عند أهل السنّة وعند الشيعةِ؛ شبهةٌ قويّةٌ توجب علينا عدم التسرّع بالتكفير، وإلّا لزمنا أن نكفّر عمر بن الخطّاب وأبا موسى وغيرهما من القائلين:

إنّ (الشيخ والشيخة) من القرآن، وأن نكفّر عبدالله بن مسعود القائل: إنّ المعوّذتين ليستا من القرآن.

ولا يخفى أنّ أكثر علماء أهل السنة والشيعة جهّال جهلاً مطبقاً بنقد الرواياتِ، ناهيك عن أنّ أكثر علماء أهل السنّة يقولون: «كلّ ما في الصحيحين صحيح» وتلك بليّةٌ من أكبر بلايا التناقض الفكريّ لدى أهل السنّة!

والواجب الشرعيّ عليّ وعلى أمثالي؛ أن يجمعوا جميع الروايات الحديثيّة في كتب أهل السنة وكتب الشيعة الإماميّة، وعرض أسانيدها على ميزان النقد الحديثيّ، ثم عرض متونها على القرآن الكريم، وستجدونها كلها ضعيفة الإسنادِ أو منكرة المتن!

وأنا شخصيّاً أقول: أرى أنّ نسخَ التلاوةِ ونسخ الأحكامِ من التحريف الحقيقيّ، ويقول به أهل السنة وحدهم، بينما لا يقول الشيعة بنسخ التلاوة البغيض مطلقاً، ولا يقولون إلا بنسخ آيةٍ واحدةٍ، أو عدّة آياتٍ من القرآن العظيم.

أمّا أنا الفقير فأقول: لا يوجدُ في القرآن العظيم ولا في السنّة النبويّة الصحيحة ناسخٌ ولا منسوخٌ البتّة!

ومَن أشكل عليه كلامي؛ فليرسل إليّ الآية أو الحديث المشكل لديه، حتى أوضح له أنْ ليس في هذا أو تلك ناسخ ولا منسوخ.

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

والحمد لله على كلّ حال.