الثلاثاء، 15 مارس 2022

 اجتماعيات (50):

التِلاوَةُ والخَطابةُ والشِعْرُ والنَشيدُ والغناءُ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).

في حوارٍ هادئٍ، قال لي: هل استمعتَ في حياتِكَ إلى الغِناءِ، وهل يستهويكَ غِناء المُغنّين، أم غناءُ المغنّياتِ، بصراحة!؟

أقول وبالله التوفيق:

التِلاوَةُ والخَطابةُ والشِعْرُ والنَشيدُ والغِناءُ، جميعُها من فنون الأدب العربيّ!؟

والقرُآن العظيمِ أعلى الكلامِ العربيّ وأبلغه وأفصحه، وتلاوته الصحيحة هي غذاء الروح الحقيقيّ!

وفي هذا المنشور؛ لن أتحدّثَ عن الحكمِ الفقهيّ، في الشِعْرِ والغِناءِ والنَشيدِ، إنّما سأتحدّث عن تجربتي مع هذه الفنون، بكلّ وضوحٍ وصدقٍ وصراحة، فأنا لم أدّع أمامكم يوماً أنني من أولياء الله الصالحين، أو من أصحاب الورع في الدين!

على أنَّ الشِعْرَ والغِناءَ والنَشيدَ؛ ليست من كبائر الأعمال بحدّ ذاتها، إنّما يحوط بها ما يخرجها عن دائرة الصغائر إلى ساحةِ الكبائر، في بعض الأحيان.

) الصوتُ:

أرى أنا الفقيرَ عداباً صوتيَ جميلاً في تلاوةِ القرآن العظيم، وفي الخطابةِ، وفي إلقاء الشعرِ، وفي إلقاء المحاضرةِ، وفي النشيد، وفي الغناء، على حدٍّ سواء!

) الأداء:

إنّ تأثير الأداء في السامع؛ مزيج بين جمال الكلام، وبين التناسق الفنيّ الذي يؤدَّى به، وبين جمال الصوت!

وأنا الفقير لا أعرف عن المقامات شيئاً، فأدائي ليس منضبطاً بالموازيين الموسيقيّة!

- أدائي القرآنيّ؛ ممتاز، وَفْقَ قراءة عاصم بن أبي النَجود الكوفيّ، وأعرف أصولَ القراءات السبع، وفرشَ البقرة، فحسب، لكنّ الوقفَ والابتداءَ لديّ إبداعيّ، فلا أعرف أحداً من القرّاء المشهورين الكبار، أو مَن دونهم، يعرف ما أعرفه في ساحة الوقف والابتداء، اللهم إلّا الحمويَّ الكرنازيّ، الشيخَ حسين خالد عشيش الخالديّ البصير، حفظه الله تعالى لنا، فهو آيةٌ في الأداءِ والوقفِ والابتداء، وهو مجازٌ في القراءات العشر!

- أدائي الخَطابيّ: تكلّمت في منشور سابقٍ أنني خطيبٌ مجيد، وأنني تعلّمت فنَّ الخطابةِ من الكتب الأدبيّة المتخصّصة، وأفدتُ من عددٍ من المتقنين، وفي طليعتهم أستاذي الشيخ الأديب الخطيب محمود بن شيخنا محمد الحامد الحمويّ، والشيخ سارية الرفاعي، والشيخ جمال السيروان، حفظهم الله تعالى أجمعين.

ولي في الخطابة لمساتٌ مبتكرة، يمكن مراجعة طلّابي لسماع بعضها.

وقد دَرّستُ الخطابةَ في المعهد الشرعيّ في حماة، عام (1974م) ودرّستها في سلطنة عمان، عام (2003م) وصنّفت فيها كتاباً رضيتُ عنه، علّمتُه للطلبة هناك، ثم أنا لا أدري أين هو اليوم؟!

- أدائي في إلقاء الشعر: هناك شعراءُ كثيرون جدّاً أجملَ شعراً منّي وأبلغ.

منهم أساتذتي في الأدب: الدكتور وجيه البارودي، والأستاذ وليد قنباز، والأستاذ عبدالقادر أحمد الحدّاد، والأستاذ عبدالغني أحمد الحدّاد، وغيرهم.

ومنهم تلامذتي: الدكتور عمر خير الدين الأيّوبي، والدكتور فراس عبدالرزاق السودانيّ، وغيرهما.

بيد أنني أمتاز عن أكثر الشعراء بثلاثةِ أمور:

الأمر الأوّل: النقد الأدبيّ، فأنا ناقد بصيرٌ بعيوب الشعر، وليس كلّ شاعرٍ ناقداً.

والأمر الثاني: إلقاء الشعر، فأنا لم أسمع إلّا قليلين من الشعراء الذين يحسنون الإلقاء!

وقد كان الدكتور وجيه البارودي، في صيف عام (1973) يزورني أحياناً بعد الثانية عشرةَ ليلاً؛ لأسمعه من شعري اليوميّ الجديد، فكان يطربُ لإلقائي، كما يقول، بل كان يصرخ في ذاك الليل الصامت: الله الله!

والأمر الثالث: غزارة الشعر، فلا أعرف أحداً ممّن عاصرتهم من الشعراء أسرعَ كتابةً وارتجالاً للشعر مني.

كنت أقول لبعض زملائي: هذه ورقة وقلم، صِفْ لي هذا الطبقَ من الورق نثراً، وأنا أصفه لك شعراً، فأنا أكتب مِلْءَ الصفحة شعراً، قبل أن تنتهي منها أنت نثراً!

ومجموع ما كتبته من شعرٍ، يزيد على خمسةَ عشر ألفَ بيت شعريّ، صادرت المخابرات السوريّة نصفَها في عام (1975م) وصادرت المخابرات الأردنية ألفي بيتٍ أيضاً.

وما تبقّى، وما نظمته بعد ذلك؛ يحتاج إلى جمعٍ وتصنيفٍ ومراجعة؛ لأنْ ليس لديّ أدنى اهتمام بشعري!

- أدائي في النشيد: جمال النشيد الدينيّ لأهل حلَبٍ، عندنا في سوريّا، وفي أيّام شبابي كنت أنشد في حضرات الذكر أحياناً، وبين الأصدقاء، ولنفسي، وأنا في أداء النشيد مُقلّد، واعتمادي بعد التقليدِ في الأداء؛ على نغمات حنجرتي!

- أدائي في الغناء: مذ كنت طفلاً صغيراً، كنت أغنّي الموّال والعتابا والميجانا، كسائر الشباب عندنا في مدينة حماة، ولم يكن أحدٌ من أهلي يرى ذلك خطأً أو عيباً، ولم ينهني عنه أحدٌ منهم أو من غيرهم!

لكنني لم أكن أستمع إلى الغناءِ مع الموسيقى البتّة، إذ كنّا نعتقد بحرمته، تبعاً لشيخنا الورع الجليل الشيخ محمد الحامد الحمويّ.

وأوّل مرّةٍ استمعتُ إلى الغناء مع الموسيقى - على غالب الظنّ - كانت سنة (1968م) كنت ابنَ ثمانيةَ عشرَ عاماً.

كنتُ أستمع إلى أمّ كلثومٍ وسعاد محمّد وفايزة أحمد، من المذياع في المقهى، إذ لم يكن في تلك الأيّام تلفزيون أو فيديوهات، وبيتنا بالذات لم يكن فيه كهرباء أصلاً!

ثم تركت الاستماعَ إلى الغناء منذ العام (1969) وحتى عام (1994) أو السنة التي تليها، والأمور تقريبيّة!

بعد ذلك رجعتُ أستمع إلى الغناء مع الموسيقى، قليلاً قليلاً!

والذي تبيّن لي من تجربتي الخاصّة؛ أنّ استماعَ الغناء مُطّردٌ عكساً مع القرآن العظيم!

فمتى كنتَ تُكثرُ من تلاوة القرآن العظيم وسماعه؛ تنفر روحُك من الاستماعِ إلى الغناء مع الموسيقى.

ومتى هَجرتَ تلاوةَ القرآن العظيم، أو ضعُفت همّتك في تلاوته وسماعه؛ حلا لك الاستماع إلى الأغاني.

وأنا الفقير، عندما أتجاوزُ تلاوةَ جزءٍ من القرآن العظيم في كلِّ يومٍ؛ من المحالِ أن أتقّبل سماعَ الغناء أو الموسيقى في ذلك اليوم.

وهذا بالنسبة لي أنا؛ معيارٌ مطّردٌ، أزِنُ به صلاحَ روحي، وصلةَ قلبي بالله تبارك وتعالى.

وعندما أستمع إلى الغناء أحياناً - كما قلت - أستمع إلى المغنّيات، ولا أستمع إلى المغنّين، إلّا نادراً، فأنا عرفت مقرئين ومنشدين مجيدين كثيرين، مع جمال الصوت.

لكنني ما رأيتُ رجلاً مغنّياً جميلَ الصوتِ على الإطلاق، أو قل: لا يستهويني أنا غناء الرجال البتّة.

العراقيّون مولعون بناظم الغزالي وكاظم الساهر، ولا ريب أنّ أداء كاظم الساهر أفضلُ مائة مرّةٍ من ناظم الغزالي، بيد أنّ كليهما لا يمتلك صوتاً جميلاً أبداً!

وأكثرُ المغنّياتِ يؤدّين على وجه جيّد، لكنّ أكثر هؤلاء النسوة، لا يمتلكن أصواتاً في جميلةً في حقيقة الأمر!

ويبدو لي أنّ أكثرَ الناسَ يخلطون بين جَودةِ الأداء المتّسقةِ، مع أنغام الموسيقى الجميلة البديعة، مع المقامات الموسيقيّة المعروفة، وبين رخامةِ الصوت وجماله.

وإذا استمعتُ أنا إلى قرّاء القرآن الكريم؛ فأكثرمن أستمع إليه؛ هو المقرئ الشيخ محمّد صدّيق المنشاوي، ثمّ الشيخ محمّد رفعت.

وإذا استمعتُ إلى الغناء؛ فأكثر من أستمع إليه؛ هي أمّ كلثوم «فاطمة بنت إبراهيم السيّد البلتاجي، الشريفة الحسنيّة» وللأسف!

في أغانيها: نهج البردة، وسلوا قلبي، وحديث الروح، ومن النادر أن أستمع إلى غيرها، وأحبّ أغنية «ستّ الحبايب» للمغنية السوريّة الأصل فايزة أحمد، وأغنية «مظلومة ياناس» للمغنية المصرية سعاد محمّد، وأكرر الاستماع إليهما في أيّام الاكتئاب!

]رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[.

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلَّم تَسليماً

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 13 مارس 2022

       قريباً من السياسةِ (28):

التَوبَةُ عن السِياسَةِ !؟

بسم اللهِ الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

إنّ العلماءَ بشرٌ من البَشَرِ، يفرحون كما يفرح البشر، ويغضبون كما يَغضب البشر، ويُخدَعون كما يُخدَع البشر، ويخافون مثلما يخاف البشر!؟

وكلُّ مَن يزعُم أنّه لا يخاف مِن مُخالفةِ السلطاتِ الحاكمة في بلدِه، أو في أيّ بلدٍ آخر يقيم فيه؛ فزَعمه هذا كاذبٌ مُدّعَى!

وليس المطلوب من العالم أن لا يخاف، إنما المطلوبُ منه أن لا يَجبُنَ إذا لزمه أن يقول كلمةَ الحقّ!

عِشتُ في بلدي سوريا في ظلّ شكري القوّتلي، وفي ظلّ عبدالناصر، وفي ظلّ ناظم القدسيّ، وفي ظلّ أمين الحافظ، وفي ظلّ حافظِ الأسدِ، وتعيش سوريّا الآن في ظلّ ابنه بشّار الأسد!

لم أرَ فرقاً بين شكري القوتلي، وبين غيره، من جهة انتسابهم إلى الإسلام، جميعهم علمانيون، وجميعهم يحكمون سوريّا بالقوانين الوضعيّة، والتزام جميعم بتعاليم الإسلام معدومٌ، أو نادر!

غايةُ ما هنالك من خلافٍ حقيقيٍّ أنّ حافظَ الأسد وابنه بشّار علمانيّان نصيريّان علويّان «من فرقِ الشيعةِ الإماميّة» وبقيةُ رؤسائنا علمانيون ينتمون بالولادةِ إلى أهل السنة!

أنا الفقيرُ إلى الله تعالى، مذ عَقلتُ الحياةَ أعلمُ أنّ النصرانيّ كافر، وأنّ اليهوديّ كافر، وأنّ الإسماعيليَ كافر، وأنّ الدرزيّ كافر، وأن اليزيديَّ كافر، وأنّ النصيريّ العلويّ كافر!

وأنّ الخوارجَ والزيديّة والإماميّة، منهم ضلّال، ومنهم كفّارُ تأويل!

هذا ما علَّمنا إيّاه علماؤنا، وقالوا لنا: هذا إجماع الأمة، والأمة عند مشايخنا؛ أهلُ السنة فحسب!

ليس في بلادنا سوريّا خوارجُ ولا زيديّة، والإماميّة في عام (1970) كان عددهم يقرب من مائة ألف إنسانٍ تقديراً، كما حدّثني شيخي حسن حبنّكة، وشيخي محمد لطفي الفيّومي، ومُعظم الإماميّة في حيّ الأمين بدمشق!

وجميعُ هذه الفِرقِ كانت أقلّياتٍ قليلةً، لا تصل بمجموعها إلى (20%) من مجموع عدد سكّان سوريّا، بينما تصل نسبة أهل السنة (80%) من الشعب السوريّ.

لم يكن أكرم الحورانيّ أكبرَ وأشهرَ زعيمٍ في مدينة حماة خاصّةً، وفي سوريّا عامّةً على شيءٍ من الدين!

ولم يكن منافسه في مدينة حماة الدكتور عبدالرحمن العظم على شيءٍ من الدين!

ولم يكن زميله المحامي رئيف الملقي على شيءٍ من الدين!

لكنهم كانوا ينتمون إلى أهل السنة، مجرّد انتماء!

فتعصّب لكلّ واحدٍ منهم قومٌ من أهل السنة وغيرهم، وانتخبوهم ممثلين عن المسلمين السنّة في البرلمان السوريّ!

ليس هذا فحسب، بل قتَل بعضهم بعضاً حبّاً بهم، ودفاعاً عن بعض هؤلاء وغيرهم!

هذا يعني أنّ السوريين لم يكونوا ملتزمين بدين أهل السنّة، ولا بدين غيرهم، وأقصى ما كان منهم أنّ (10%) منهم كانوا يؤدّون الصلوات الخمس ويصومون رمضان!

في عام (1973) سألت أحد شيوخي من الإخوان المسلمين: كم يبلغ عدد سكّان حماة؟

قال: لا أدري والله، لكن لنقل إنّ أهل مدينة حماة مائةُ ألف نسمة!

قلت له: وكم تقدّر عدد الإخوان المسلمين في حماة؟

قال: أيضاً لا أدري، لكن لنقل: إنهم ألف بين صغير وكبير، ما الذي تريد أن تصل إليه؟

قلت له: إذا كان عدد أهل حماة مائة ألف؛ فعليكم أن تربّوا شبابَكم جميعاً على برنامجٍ قياديٍّ، لا أن تربوهم جنوداً «على السمع والطاعة في المنشط والمكره» إذ لا يمكن لمن تربّى جنديّاً أن يقودَ مائةً من الناس!

كانت قيادةُ الإخوان المسلمين تكتم علينا الأمور السياسيّة، فلم نكن نعلم شيئاً، إلّا ما يُلقّنوننا هم إيّاه!

ولم يكن مشايخنا من غير الإخوان المسلمين، والذين كنّا نتلقى عليهم مبادئ العلوم؛ يتعاطون السياسة، ولا يعرفون عنها إلّا النزر اليسير.

ولم يكن أساتذتنا في المدارس الابتدائيّة والإعدادية والثانويّة يعلّموننا شيئاً من السياسةِ داخلَ المدرسة ولا خارجَها.

ولم يكن الإعلام السوريّ يعلّمنا من السياسةِ، إلّا تمجيد فخامة الرئيس، وتعداد إنجازاته التي هي الكذب الصراح!

ومع هذا كنّا نمارس السياسة الجاهلة، ويضرب بعضنا بعضاً، وربما طعن بعضنا بعضاً بالخناجر، انتصاراً للإخوان، أو انتصاراً للإشتراكيّة، أو انتصاراً للناصريّة!

وعندما كبرنا، ودرسنا، وتخرّجنا من الجامعات والمعاهد العليا؛ ظللنا نمارس السياسةَ، ظنّاً منا أننا نفهم السياسة،!       والحقيقة أنني أنا - ولا أتحدّث باسم زملائي - لا أعرف من السياسةِ شيئاً، على الرغم من أني قرأت أكثر من مائة كتابٍ في السياسة، وأكثر من مائة وخمسين من مذكرات القادة السياسيين والعسكريّين!

ولا أظنّ (999%) ينطلقون في الفهم السياسيّ، بأحسن مما انطلقتُ منه أنا!؟

وجميع المثقفين الذين عرفتهم، والذين أقرأ لهم؛ ينطلقون من منطلق مذهبيّ طائفيّ حاقدٍ!

ومواقفهم على مثل المثل العراقي السائد: (أحبّ واحْكِ، وأبغِضْ واحْكِ)!!

وأحوال الساسةِ - كل الساسة - متقلّبة، ما بين حالٍ جيّدةٍ، فنثني عليه وندعو له!

وما بين حال ملتبسةٍ؛ فنُحار ما ذا نقول فيها وفي صاحبها!؟

وما بين حالٍ غير شرعيّةٍ مطلقاً، فلا نجرؤ على معارضتها، لأنّنا مشرّدون في بلادِ الآخرين، ونحن ضيوفٌ فيها!؟

في البلد الذي نعيش فيه اليومَ؛ خمور وزنا وفجور وربا وسفور وعُريّ وتقبيل وضمّ في الشارع وفي المواصلات، ولا يُقام فيها حدٌّ من حدود الله تعالى، ولا يحاسَب فيها أحد على ترك الصلاة والصيام والزكاة، وقادتها هم يصرّحون بأنّ دولتهم علمانيّة!

ولا ترى أحداً منّا ينكر من ذلك شيئاً، بل ترى كثيرين منّا يجعلون حاكمَ البلد هذا حاميَ حمى الإسلام، وناصر الدين، وبعضُنا يرشّحه ليكون خليفةَ المسلمين!؟

وعلماؤنا - في الجملة - ليسوا احسنَ حالاً من حكّامنا!

فهذا أحدُ مشايخنا الكبار يحرّض على قتل رئيسٍ من الرؤساء، ويقول: عليّ ديته!

وهذا الشيخ نفسه يطالبُ الغرب وأمريكا بقتل وقتالِ الجيش السوريّ، وكأنّ الجيش السوريّ ليس جنوده من هؤلاء المسلمين العوامّ السنّة!

وهذا الشيخ نفسه يخالف القرآن الصريح والسنّة، فيزعم أنّ للمرأة الأوربيّة إذا أسلمت أن تبقى على عصمة زوجها غير المسلم، وتعيش معه في البيت!

وهذا الشيخ نفسه يفتي المسلمين الأمريكان والأوربيّين؛ بأن يقاتلوا إخوانهم المسلمين في أفغانستان والعراق وغيرهما، إذا توجّبت عليهم الخدمة العسكرية في بلادهم!

وهذا الشيخ نفسه يفتي بربا النسيئة مَن يريد أن يبني منزلاً في بلادِ الغرب؛ لأنّ التعامل الربويّ جائزٌ في بلاد الكفّار!

أفلا يجوز لي ولأمثالي من طلبة العلم؛ أن يُعرضوا عن الحديثِ بالسياسةِ إعراضاً تامّاً!؟

سألني أحد الإخوة الأحبّة - وهو غاضب يكاد ينفجر من الألم - قائلاً: ما تقول فيما فعلته السعوديّة من إعدام ثمانين مسلماً في يومٍ واحدٍ، ولماذا لم تكتب منشوراً تندّد بذلك؟

قلت له: إنّ الإعلام السعوديَّ يقول: إنّ هؤلاء القتلى عُرضوا على ثلاثةَ عشر قاضياً شرعيّاً، وقد استنفدوا مراحل القضاء الثلاث!

وتقول وزارة الداخليّة: إنّ بعضَ هؤلاء قتلوا، وبعضهم حاولوا القتل، وبعضهم تجّار مخدّرات، وبعضهم تبنّوا الأفكار الضالّة، و بعض هذا كذب وافتراء، إنّما هؤلاء بسطاء لم تعجبهم بعض مواقف الحاكم الظالم، فقتلهم قتله الله!

قال: لكن قطعاً ذكرت هي عدداً كبيراً لا يستحقون القتل، حتى لو كانت صادقة!

قلت له: نحن لا ندري جانبَ الصدق، من جانب الكذب، لكننا نعلم أنّ الحكام ظالمون وحسب، والقتلى قد قُتلوا وانتهى الأمر، وصاروا في ديار الحقّ!

- فإن كانوا مستحقّين للقتل؛ فنسأل الله تعالى أن يجعل قتلَهم كفّارةً لذنوبهم!

- وإن كانوا غير مستحقّين للقتل؛ فنسأل الله تعالى أن يتقبّلهم في الشهداء!

 خِتاماً: أرجو من الإخوة الأفاضل روّادِ صفحتي؛ أن لا يسألوني أيَّ سؤالٍ سياسيّ بعد اليوم، عن أيّ بلدٍ من بلدانِ المسلمين، حتى لا يحرجوني، فلا أنا أفهم بالسياسةِ، ولا حكّامنا صالحون يقبلون «الرأيَ والرأيَ الآخر» فلماذا نُعرّض أنفسنا إلى سخطهم، من دون فائدة نقدمها إلى أمتنا وديننا وأوطاننا؟

أسأل الله تبارك وتعالى أن يُصلح حكامنا، وأن يولّ علينا خيارَنا ممّن يستحقّون الولايةَ، وأن يأخذ الظالمين والفاسقين والمنافقين والكفّار منهم أخذَ عزيزٍ مقتدر.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّد بن عبداللهِ، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كل حال.

الأربعاء، 9 مارس 2022

  مسائل فكريّة (23):

لماذا لا تتحدّثْ عن ابن تيمية والوهّابية؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عددٌ من الإخوة الأحبّة يعاتبني، ويقول: مذ عرفتك في مكة المكرمة، عام (1980) وحتى اليوم، وأنت تقول: إنني لست وهّابيّاً، ولست سلفيّاً، ولست حنبليّاً.

لكنني لا أذكُر أنني قرأتُ لك مقالاً علميّاً في الردّ على أحمد ابن حنبلٍ، أو ابن تيمية، أو ابن عبدالوهّاب!

فحبّذا لو كتبت لنا عن كلّ واحدٍ منهم مقالاً، توضح فيه رأيَك بكلّ واحدٍ منهم حتى لا يقولَ خصومُك: عدابٌ يَجْبُن عن قولِ الحقيقةِ، إذا تعلّق الأمر بالوهّابية وسلفِهِم!

أقول وبالله التوفيق:

كتبتُ في صدر أحدِ كتبي؛ أنني لا أحبّذُ الكتابةَ في موضوعٍ كَتَب فيه غيري، ما دام قد وفّاه حقّه، أو أكثرَ حقّه!

والإمام أحمد ابن حنبلٍ (ت: 241 هـ) حرَمٌ مقدّسٌ عند أهل السنّة، وكلُّ ما ثبتَ عن ابن حنبلٍ مما يخالفُ الأشاعرةَ؛ يكذّبونه، ويتّهمون أتباعَه باختلاقِه، وهو ثابتٌ من طرقٍ عنه!

فأنا عندما أترجم لابن حنبلٍ ترجمةً نقديّة؛ أُسْخِطُ ملياراً ونصف مليارِ مسلمٍ، كلهم يعظّمون أحمد ابن حنبل؛ لأنّ منهج «الترجمة» عند أهل الإسلام؛ تفخيم الشخصية، وتضخيم الحسنات، والسكوت عن الجوانبِ السلبيّة في الشخصيات الكبيرة!

وقد كُتبت عن الإمام أحمد كتبٌ ورسائلُ علميّة من أتباعِه وخصومِه، فليس هو في حاجةٍ إلى المزيد من كتبِه.

وخلاصةُ رأيي في شخصيّة الإمام أحمد؛ أنّه محدّثٌ كبيرٌ وناقد، قرأ روايةَ حفصٍ عن عاصمٍ، ولا يعرف غيرها، ولذلك ثبت عنه أنه كان ينتقد بعض القراءات الأخرى!

ولديه معرفة فقهيّة متوسطة، لا ترقى إلى أن يكون إماماً في الفقه والأصول، وكذلك عدّه الإمام الطبريّ والإمام أبو عمرو ابن عبدالبَرِّ.

وليس هو من أهل الاختصاص في علوم العربيّة والأدب العربيّ!

ولم يثبت أنّ له تفسيراً، ولو في جزءٍ حديثيٍّ واحدٍ، ودعوى أنّ له تفسيراً فيه عشرون ألف رواية؛ دعوى كاذبة!

وهَبْ أنّ له تفسيراً روائيّاً، فهل سيكون إلا مثلَ تفسير شيخِه عبدالرزاق، أو النسائيّ، أو ابن أبي حاتم؟

رواياتٌ أكثرها ضعيفٌ ومنكر، لا تقدّم في الفَهم عن الله تعالى شيئاً، ولا تؤخّر!

أمّا عن شخصيّته؛ فقد كان يغلب عليه الورَع الخشنُ، والحزنُ، وحبّ الوحدة والانزواء!

وأنا أخالفه في بعض آرائه الحديثيّة والعقديّة والفقهيّة، من دون أدنى غضاضة!

ويبدو لي أنّ الشيخ أحمد ابن تيميّة (ت: 728 هـ) كان يحبّ أن يتقمّص شخصيةَ الإمام أحمد، فقد كان دائمَ النكد، وإثارة البلبلة، وكان يحرص على فرض اجتهاداتِه بالشدّةِ، بل وبالعنف أحياناً.

وما عساي أن أكتبَ أكثرَ مما كتبه تلميذاه الذهبيُّ والسبكيُّ من نقدٍ له؟

وهل سيكون كلامي أكثر قبولاً مما كتبه ابن حجر في الدرر الكامنة؟

خلاصة الأمر: أنّ ابن تيمية رجل حنبليّ متعصّبٌ إلى مشاشِه، وهو رجل عزَبٌ لم يتزوّج، ومن شأن مَن هذه حاله؛ أنه يميل إلى القسوة والشدّة غالباً؛ لأنه لم يعاشر المرأة!

ناهيكَ عن أنّه رجل كرديٌّ، صُلبٌ بطبيعته، تكون رِدّة فعله عنيفةً عندما يخالَف!

وقضيّة بُغضه - وبغض الحنابلة في طول تاريخهم وعرضه - للشيعة والتشيّع؛ لا تحتاج إلى بيان!

والمَغولُ والتتارُ الذين عاداهم ابنُ تيميّة، وحضّ على قتلهم وقتالِهم؛ لم يكونوا المغولَ والتتار الوثنيين والكفّار، إنّما كانوا في تلك الحقبةِ مسلمين شيعة، وهو كان يرى تكفيرَهم!

فالبطولاتُ التي ينسبونها إلى ابن تيمية في التعبئة والجهاد؛ ربما سيحاسبه الله تعالى عليها!

وأمّا محمد بن عبد الوهّاب (ت: 1206) فليس هو رجلاً جاهلاً أبداً - كما قلتُ أنا في محاضرةٍ ألقيتها على طلّابي في كليّة التربية في الطائف، فهذا كان تسرّعاً مني - بل كان رجلاً عارفاً بثقافة عصره، محيطاً بمذهبه الحنبليّ، وقد تلقّى علوم مذهبه مُسندةً!

والمذهب الحنبليّ - كسائر المذاهب الأخرى - فيه اتّجاهاتٌ عديدة، منها اتّجاه المجسّمة والمشبّهة، ومنها اتّجاه الناصبة، ومنها اتّجاه الثوّار، ومنها اتّجاه شيوخ السلطان، وغير ذلك.

فقامت بريطانيا باختيار الشخصيّة المناسبة لتمزيق صفوف المسلمين، والمؤهّلة لإضعاف الدولة العثمانيّة، حاميةِ الإسلام السنيّ في تلك الأزمان!

فوقع اختيارها على الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب، الذي كان جافياً قاسياً بطبعه، فنفخت فيه ووجّهته من حيث يَعْلَمُ - على الراجح عندي - ومن حيث لا يعلَم، في رأي كثيرين، واختارت له رجلاً طامحاً إلى الإمرَة والزعامة تحتَ جناحها، هو  «محمد بن سعود»!

فتعاونا على طرح أشدّ ما في المذهب الحنبليّ من أفكارٍ قسوةً - ومنها تكفير مَن لا يتابعهم على مذهبهم - وعلى إجبار الناس على اعتناق تلك الأفكار بحدّ السيف، وبهذه الأفكار استباح دماء المسلمين، ونهب أموالهم، وسمّاهم المشركين!

وقد أوضح «جولد زيهر» (ت: 1340 هـ) التابع لدائرة الاستخباراتٍ في وزارة الخارجيّة البريطانيّة التي كان تابعاً لها، في كتابه «مدارس التفسير الإسلامي»؛ أنّ أشدّ مذاهب الإسلام في فهمه؛ هو المذهب الحنبليّ، وأنّ أشدَّ الحنابلة وأقساهم؛ أولئك الموجودون في «حوطة بني تميم» فهؤلاء يكفّرون أكثر المسلمين من السنّة والشيعة، وكان هذا حالَ ابن عبدالوهّاب وأتباعه!

أنا لا أشكُّ أبداً في صدق ابن حنبلٍ ونصيحته للإسلام وأهله، على قدرِ ذكائه المحدود وعلومِه القليلة!

ولا أشكّ في صدق ابن تيمية لمذهبه الحنبليّ، مع حبّه للتصدّر ورياسةِ المذهب، وحقده العارم على كلّ مخالفٍ له، وخصوصاً الشيعةَ بمذاهبهم المتعدّدة!

لكنني على شكٍّ كبيرٍ جدّاً بمقاصدِ محمدِ بن عبدالوهّاب وإخلاصِه، ولا أراه إلّا من أكثر رجال هذه الأمة سفكاً للدماء المحرّمة (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) [النساء] عليه من الله تعالى ما يستحقّ!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.


الخميس، 3 مارس 2022

             مسائل فكريّة (22):

الشِدّةُ مَعَ المؤمنينَ، والرحمةُ مع الفاسقين!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

في أيّامِ شبابي، كان شيخي الشهيد مروان حديد، رحمه الله تعالى؛ يَغضبُ مني كثيراً، إذا رفعت صوتي، أو أنّبتُ أحدَ تلامذتِه أو ضيوفِه، بحضرته.

ولمّا كنتُ شديداً في مسألة الولاء والبراء، شديداً على الكافرين والفسّاق؛ فلم يكن ليقول لي: أنتَ من قومٍ «أذلّةٍ على الكافرين، أعزّة على المؤمنين» إنما كان يقول لي: أنت يا أخي من قومٍ «أعزّة على الكافرين، أعزّة على المؤمنين» والله تعالى طلب منك أن تكونَ منا جماعةِ: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) فاتّق الله تعالى في إخوانك!

وفي ظنّي أن شيخي الشهيد رحمه الله تعالى، لم يكن يفهم موقفي على حقيقتِه!

إنّ موقفي على حقيقته، هو أنّ شباب الحركة الإسلامية، وفي طليعتهم شباب الشهيد مروان؛ يجب أن يكونوا قُداةً مثاليين، بعيدين على الترخّص والتساهل، ملتزمين بمعالي الأمور وعزائمها، وهذا ما كنت آخذ نفسي به، قدر طاقتي!

كنت أقرّ بوجوب قَبولِ توبةَ أيّ إنسانٍ تائب، ولا أمانع من انخراطِه في الحركة الإسلامية، ما عدا الزناةِ واللوطيينَ، فكنت أقول للشهيد مروان: لُيتُب هؤلاء حتى يتوبَ الله عليهم، الله هو الذي يَقبَل التوبةَ عن عباده، ولست أنا !

لكنْ لا يجوز أن يكون واحدٌ منهم في الحركة الإسلامية على الإطلاق، ألا ترى كيف يتّهم الناسُ الشيوخَ باللواط ومخادنة النساء؟

فكان رأي الشهيد رحمه الله تعالى؛ أنّ الزنا واللواط ليسا أكبر من جريمة الربا.

فما بالي أقبل أن ينخرط في الحركة الإسلامية المرابي التائب، وأرفض الزاني واللوطي التائبين؟!

عندما طبعتُ كتابي «ثعلبة بن حاطب - الصحابيّ المفترى عليه» كنتُ منطلقاً من اعتقادي بنظرية «عدالة جميع الصحابة» التي هي ثقافة أهل السنّة، وهي التي تربينا عليها، قبل أن نعرف الحقَّ الذي هو «وجودُ صحابةٍ غير عدول وغير ثقات»!

بل إنني قبل حملي الكتاب إلى المطبعة في جُدّة، توضّأتُ ونزلت إلى المسجد الحرام، وطفت بالبيت سبعاً، ثم سألت الله تعالى في الملتزم أن يدخلني الجنةَ بهذا الكتاب، الذي ذَببتُ فيه عن عرض صحابيّ جليل!؟

عَقِب طباعةَ الكتابِ وانتشارِه كثيراً؛ زارني أحد الإخوةِ القدامى وقال لي: أراكَ تَغيّرت يا شيخ عداب كثيراً، ألم تجد غير «ثعلبةَ بن حاطبٍ» المجهول، تدافع عنه؟

أفلا دافعت عن أبي بكر وعمر، اللذين هما «صنما قريشٍ» عند الروافض الكفرة، لعنهم الله تعالى؟

أفلا دافعت عن أمّ المؤمنين عائشة، ممّا افتراه ويفتريه عليها أولئك الروافض!

لقد رأيتك ذات يومٍ تؤنّب عدداً كبيراً من الشبابِ، في زاوية الشهيد مروان؛ لأنك رأيتهم يتوكّأون على الوسائد، كأنهم أعراب البادية البطّالين على حدّ قولك!

حقّا لقد تغيّرتَ كثيراً، يا شيخ عداب، وحفظ الله شيخنا «محمد قطب» عندما قال: «دول الخليج مقبرةُ الدعاة، والسعودية هي المقبرة الكبرى»!

أجلْ لقد تغيّرتُ كثيراً، وكثيراً جدّاً، إذ الناس ليسوا متساوين في القدرات الذهنية والنفسيّة والجسمانيّة، وليس جميعُهم أصحابَ تضحية وإقدام!

ألا ترى ماذا قال الله تعالى لرسوله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّمَ؟

(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) [الكهف].

(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) [الشعراء].

(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) [فاطر].

رسولُ الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّمَ؛ كان يحزنُ جدّاً لعدم إيمان الناس بالحقّ من عند ربّهم تعالى، بينما هم مستمسكون بالباطل، وسيكون مصيرهم النار!

فأعلمه الله تعالى أنّ البشر ليسوا متساوين في فهم الحقِّ، ثم في قَبولِه (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) [هود].

لكنْ بقي الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّمَ بالمؤمنين، كما قال الله تعالى في وصفه:

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) [التوبة].

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) [آل عمران].

من هذا المنطلقِ؛ فقد غدوتُ أكثرَ حُنوّاً ورحمةً وإشفاقاً على عُصاة المسلمين، مع كراهيتي الشديدة لأعمالهم الباطلة وانحرافاتهم.

كان بعضُ مشايِخنا المصريّين، يترحّمون على «أمّ كلثوم» ويرجون لها الجنة، فكنت أحتقرُ عقولَهم، وعدمَ وضوح الولاء والبراء لديهم!

عندما أنكرتُ على بعضهم هذا الأمرَ؛ قال لي: «مَن صاحب قصيدة «وُلِد الهدى» قلت له: أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله تعالى!

قال لي: أهوهْ قُلتَها، يا ابني، كان أحمد شوقي فاسقاً سكّيراً بتاع كلّه، لكنه كان يحبّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّمَ.

عندما أنجز قصيدته «نهج البردة» هذه؛ جاءه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّمَ في المنام وأثنى عليه» قال عداب: ونسيتُ الحوار الذي دار بينهما في المنام.

«عِمْلِتْ إيه قصيدة شوقي دي: ولا حاجة، لكنْ لمّا غنّتها أمّ كلثوم؛ ملأت الدنيا إشادةً بالحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّمَ!

ثمّ هيّ فيها إيه أمّ كلثوم من الإغراء الذي تتبجحون به؟

تكشف راسها؟ أهوه روح عشر سيئات!

تلبس ثياباً رقيقةً، أهوه روح عشر سيئات تانية!

وبعدين؟

الذين يستمعون إلى «نهج البردة» من أمّ كلثوم ملايين، ولأحمد شوقي ولها ملايين الحسنات يا ابني»!!؟

ختاماً: أنا لم يتغيّر لديّ شيء من مفهوم الولاء والبراء مع الكافرين، لكنني أسألُ الله تعالى أن يلهم الإعلاميين والفنانين وسائر الفسّاق التوبةَ النصوح، وأن يصفح عنّا وعنهم، فنحن جميعاً ضعفاءُ أمام مُغريات الدنيا، وأمام شهواتنا، ونحن نزعم أنّنا من أهل العلم!

فكيف بعامّة الناس الذين يغمرهم الجهل بدينهم حتى رؤوسهم؟!

اللهم أَبْرِمْ لهذه الأمّة أمرَ رُشدٍ، يُعَزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُذَلّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

اللهم ارزق جميعَ الناسَ هدايَتَك ومعرفتَك، يا ربَّ العالَمين!

اللهم ارزق جميعَ المسلمين التوبةَ النصوحَ والعمل الصالحَ، الذي يُبلّغهم منازلَ كرامتك ورحمتك، يا أرحمَ الراحمين!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.

الأربعاء، 2 مارس 2022

      مسائل فكريّة (21):

الولاء والبراء! مع الكافرين!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

عَدَدٌ من الإخوة الأكارمِ، عتبَ عليَّ بأنّ منشوراتي تجاه الغربِ قاسيةٌ، ولو علم بها الساسة الغربيّون؛ فربما حاسبونا علينا - نحن المقيمين بينهم - أفلا تجدُ مواضيعَ أخرى تتحدّث فيها غيرَ هذه المواضيع التي تعكّر على التعايش السلميَّ بيننا وبينهم؟!

أقول وبالله التوفيق:

بادئ ذي بَدْءٍ، أتمنّى أن يقوم ساسةُ الغربِ بطَردِ كلّ مسلمٍ يعيش في بلادهم، ولا يُبقوا فيها مسلماً واحداً؛ لأنّ عِزّةَ المسلمِ، وكرامةَ الملتزم؛ أعلى وأسمى من وفرةِ العَلَفِ في تلك الديار!

خاصّةً إذا عَلِمنا بأنّ وفرةَ العلفِ هناك؛ أثرٌ عن تسلّط الغرب علينا، ونهبهم ثرواتنا، وتحكّمهم بأسعارها، بل هم الذين يوجهوننا إلى مَن نُصَدّرها، ومَن يحظر علينا تصديرها إليهم!

ولو كان لدى قومي تلك العِزّة الإيمانيّةُ التي أشرت إليها؛ لتركوا تلك البلاد فرادى وجماعاتٍ ، وهاجروا إلى بلدان عربيّة، أو إسلاميةٍ تقبلُ مقامَهم فيها.

بعد الذي شاهدوه - وشاهدناه - على القنوات الفضائيّة، من ذاك التمييز العنصريّ بين الأوكرانيِّ الغربيّ الأشقر، والأزرق العينين، وبين صُفر المشرق الأقصى، وسُمْرِ العربِ، وسود إفريقيّة!

أنتم معاشرَ المقيمين في بلاد الغرب، تطبّقون عمليّاً ما عابَه الله تعالى على أسلافِكم من جيلِ الصحابة، قبل أن تتشبّع أرواحهم بمفاهيم الولاء والبراء!

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ، لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ!

قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ!

قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)

هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ، وَلَا يُحِبُّونَكُمْ!؟ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ!

وَإِذَا لَقُوكُمْ؛ قَالُوا آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا؛ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ!؟

قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119).

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ؛ تَسُؤْهُمْ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ؛ يَفْرَحُوا بِهَا!

وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا؛ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) [آل عمران].

نحن - المسلمينَ - نتمنّى الهدايةَ والرشادَ والسعادةَ لجميع البَشَر، في مشارق الأرض ومغاربها: الأسود والأحمر والأشقر والأصفر والأسمر، والغنيّ والفقير، والقويّ والضعيف، والرجل والمرأة، لماذا؟

قال الله تبارك وتعالى:

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) [الأنبياء].

كيف كان الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم رحمةً للعالمين؟

يَعني يَرحَمُ الملحد والمشرك والوثنيّ والكافر والعلماني والوجوديّ والشيوعيّ؟

كلّا وألفُ كلّا، فهذا افتراءٌ على الله تعالى، وعلى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم!

إنّما رحمته للعالمين بذاتِه، وبرسالته!

أمّا رحمته للعالمين بذاته؛ فلأنّ الله تعالى صرفَ عن البشريّة العذاب العامّ الشامل، كما فعل بعادٍ وثمودَ وفرعون والمؤتفكات!

وأمّا رحمته برسالته؛ فهذا ما قاله الله تعالى:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) [سبأ].

(قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ.

فَآمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ باللهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) [الأعراف].

(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.

وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173).

يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174).

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) [النساء].

هذه هي رحمة رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم للعالمين!

هل يرحم اللهُ يومَ القيامةِ المشركين؟

هل يرحم اللهُ الكافرين؟

هل يرحم اللهُ المنافقين؟

(إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا).

(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ!

مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً؛ يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123).

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) [النساء].

(وَمَنْ يُؤْمِنْ باللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9).

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) [التغابن].

إنّ رحمةَ الله تعالى بخلقِه جميعاً، إنما هي في هذه الدنيا!

أمّا في الآخرة؛ فإنّ الله حرّم على الكافرين حتّى شَربةَ ماء!

(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ!؟

قَالُوا: إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا.

فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) [الأعراف].

إنّ نظرةَ المؤمن إلى الحياة الدنيا؛ أنها وسيلةٌ وسبيلٌ لا بدّ من سلوكِه كما أراد الله تعالى؛ ليحصل في الآخرة على النعيم المقيم!

وليست لذاذاتُ الدنيا وشهواتُها؛ منتهى مطامحِ وأحلام المؤمن، كما هي الحال عند أولئك الشُقْرُ الزُرق، المستكبرين على خلق الله تعالى، والمحادّين لله تعالى في دينه وشرعه!

(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهِ وَرَسُولَهُ؛ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) [التوبة].  

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ، وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) [المجادلة].

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) [المجادلة].

ختاماً:

أكرّر ما قلتُه مراراً: الموقف العقديُّ؛ لا مجاملةَ فيه، أنا مؤمن، وهو كافر!

المؤمن الصالح من أصحاب الجنة، والكافر من أصحاب النار!

لكنْ مِن أجلِ استمرار الحياةِ إلى أجلها، الذي أجّله الله تعالى لها؛ فقد أوضح لنا كيفيّة التعامل مع غير المسلمين!

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ (4).

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6).

عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، واللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)

لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)

إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) [الممتحنة].

والله تعالى أعلم

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.