مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
حديثُ (كان اللهُ ولم يكن شيءٌ) !؟
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ
إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) [الإسراء].
أمّا بعد: قال لي صاحبي: «بصفتك من أهل الحديثِ،
الذين لا يقدّسون صحيح البخاريّ، وصحيح مسلم، واطّلعت على جرأتِك في تضعيف بعض
أحاديثهما.
فما رأيك بحديث عمران بن حصين (كان الله ولا شيء
معه) أصحيح هو، وما معناه المختار لديك، وشكراً»
أقول وبالله التوفيق:
أوّلاً: ورد معنى هذا الحديث من حديث عمران بن حصين
رضي الله عنهما.
وقد ورد هذا الحديث بألفاظٍ متعدّدةٍ، على حسب ضبط
رواتِه عن عمران، أو عمّن دونه.
ثانياً: مدار حديثِ الباب على جامعِ بن شدّاد، رواه
عنه الإمامُ سفيان بن سعيد الثوريّ، وإليك من أخرجه من حديثه:
فأخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في مصنفه (6: 32502)
من طريق وكيعٍ عن سفيانَ.
وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1466) من طريق وكيعٍ
وعبدالرحمن المعنيّ عن سفيان.
وأخرجه أحمد في مسنده الكبير (33: (19822) من طريق
شيخيه وكيعٍ وعبدالرحمن ابن مهدي عن سفيان.
وأعاده أحمد في مسنده (33: 19886) من طريق شيخه
عبدالرزاق الصنعاني عن سفيان.
وأعاده أحمد في مسنده (33: 19910) من طريق شيخه
وكيع عن سفيان.
وأخرجه البخاريّ في صحيحه (3190) من طريق شيخه
محمّد بن كثير عن سفيان.
وأخرجه البخاريّ في صحيحه (4386) من طريق شيخه عمرو
بن عليّ الصيرفيّ عن أبي عاصم النبيل، عن سفيان.
وأخرجه الترمذيّ في جامعه (3951) من طريق شيخه محمّد
بن بشّار العبديّ عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن سفيان، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه البزار في مسنده المعلل (3598) من طريق شيخه
عمرو بن عليّ الصيرفيّ عن عبدالرحمن بن مهديّ، عن سفيان، وقال: (وَهَذَا
الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَداً يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِلَّا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَا نَعْلَمُ
لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ) ورواه جماعةٌ آخرون
عديدون.
جميعهم عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ
شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ [ص:70]
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: (أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ) قَالُوا: إِذْ بَشَّرْتَنَا
فَأَعْطِنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا
بَنُو تَمِيمٍ) قَالُوا: «قَدْ قَبِلْنَاهَا يَا رَسُولَ اللَّه».
وليس في حديثِ سفيانَ عن جامع بن شدّادٍ كلمةٌ
واحدةٌ، عن مسألة بدءِ الخلقِ الذي انفرد بها الأعمش.
ثالثاً: وإليك أبرزُ مَن أخرجه من حديثِ سليمان بن
مهران الأعمش عن جامع بن شدّاد:
فأخرجه الإمام أحمد في مسنده الكبير (19876) من
طريق شيخه أبي معاوية محمّد بن خازم عن الأعمش، عن جامع بن شدّاد.
وأخرجه البخاريّ في صحيحه (3191) قال: حَدَّثَنَا
عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ:
حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ.
وأعاده البخاري في صحيحه (7418) قال: حَدَّثَنَا
عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ محمد بن ميمون عَنِ الأَعْمَشِ.
وأخرجه أبو سعيدٍ الدارميّ في كتابه «الردّ على
الجهميّة» (40) قال: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْأَنْطَاكِيُّ: أَنْبَأَ
أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ.
وأخرجه أبو بكر الفريابيّ في كتابه «القدَر» قال:
حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُالْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ.
وأعاده الفريابيّ برقم (83) قال: حَدَّثَنَا
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضريرُ: حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ.
وأخرجه أبو بكر الروياني في مسنده (140) قال:
حدّثنا محمد بنُ إِسْحَاقَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
الْفَزَارِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (6140) قال: أَخْبَرَنَا
عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِشْكَابٍ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ
الْأَعْمَشِ.
وأخرجه كثيرون غيرُ هؤلاء، جميعهم عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: (كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ
عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ).
وفي بعض الروايات السابقة (ولم يكن شيءٌ غيرُه).
وفي بعضها (ولم يكن شيٌ قبله).
وفي بعضها (كان الله عزّ وجلَّ قبل كلّ شيء).
وقال الشيخ ابن تيمية: وفي بعضها عند البخاريّ (ولم
يكن شيءٌ معه).
ومتى اختلفت ألفاظ الحديث؛ فاعلم أنّ القدرَ
المشترك بين ألفاظه؛ هو الذي يترجّح أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.
رابعاً: النقدُ التطبيقيّ لحديث الباب:
(1) انفرد الإمام البخاريّ
بحديث عمران بن حصينٍ هذا كلّه، فلم يخرّجه مسلمٌ أبداً، لا من رواية سفيانَ
المختصرة، ولا من رواية الأعمش المطوّلة!
ولم يروِ هذا الحديثَ بهذه
الألفاظ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى عمرانَ بن حُصينٍ، رضي الله
عنه، ولم يروه عن عمران، سوى صفوانَ بن محرز، ولم يروه عن صفوان سوى جامع بن
شدّاد، ثم رواه عن جامعٍ سفيان الثوريّ وسليمان الأعمش، فالحديث فرد غريبٌ مطلقٌ في أربع طبقات!
قال الحافظ ابن حجر في
الفتح (13: 410): «لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ
الصَّحَابَةِ عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، الَّتِي ذَكَرَهَا عِمْرَانُ،
وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ؛ لَأَمْكَنَ أَنْ يُعْرَفَ مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ
عِمْرَانُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اتّفِقَ أَنَّ الْحَدِيثَ انْتَهَى عِنْدَ
قِيَامِه»
(2) لا يوجد بهذا الإسنادِ،
في الكتب التسعة - على الأقلّ - سوى هذا الحديثِ الواحد، وهذا يعني أنّه إسنادٌ
غريب مطلقاً، ومعنى قول البزّار «وهذا إسنادٌ حسن» يعني: هو إسنادٌ غريب، وليس
يقصدَ «الحسنَ» الاصطلاحيّ، في نظري!
(3) اختلف سفيان الثوريّ
والأعمش في متن هذا الحديث اختلافاً كبيراً جدّاً.
فسفيان روى مسألةَ عدم
قبول بني تميم البشرى، بينما قبلها أهل اليمن، فحسب!
والأعمش وافقَ سفيانَ
الثوريّ على مسألة البشرى، لكنه زاد جميع ألفاظِ بدءِ الخلق!
(كَانَ اللهُ عَزَّ
وَجَلَّ، وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي
الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ) ورواه عنه
تلامذتُه بالمعنى مختَلِفينَ.
قال الشيخ أحمد ابن تيمية
في رسالته «الصفدية» (1: 15): «وذكرنا أن حديث عمران رواه البخاريُّ في ثلاثةِ
مواضع بثلاثة ألفاظ:
رواه في موضع (7418) بلفظ (كان
الله، ولم يكن شيء قبله).
ورواه في موضعٍ آخرَ (ولم
يكن شيء معه).
ورواه في موضع آخر (3191)
بلفظ (ولم يكن شيء غيره).
وبينّا أنّ المجلسَ كان
واحداً، لم يَقُل النبيُّ صلى الله عليه وسلم، إلا لفظاً واحداً من الثلاثة.
وقد ثبت من حديث أبي هريرة
عند مسلم (2713)أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (اللهم أنتَ الأوّل، فليس قبلك
شيءٌ) واللفطان الآخران رُوِيا بالمعنى» وأكّد هذا المعنى في الصفدية (2: 224).
قال الفقير عداب: وهم
الشيخ ابن تيميةَ ههنا في نسبة لفظ (ولم يكن شيء معه) إلى صحيح البخاريّ، إذ ليس
هذا اللفظ عنده مطلقاً، وقد قال الشيخ ابن تيمة نفسه في مجموع الفتاوى (6: 551): «وَفِي
رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِغَيْرِ البخاريّ: (كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ
مَعَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ
شَيْءٍ).
قال الإمام بدر الدين
العيني في عمدة القاري (15: 109): « (كَانَ اللهُ وَلم يكن شَيْء غَيره) وَفِي
رِوَايَة غير البُخَارِيّ (وَلم يكن شَيْء مَعَه) وَوَقع هَذَا الحَدِيث فِي بعض
الْمَوَاضِع بلفظ: (كَانَ الله وَلَا شَيْء مَعَه، وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ
كَانَ) وَهِي زِيَادَة لَيست فِي شَيْء من كتب الحَدِيثِ، نَبّه عَلَيْهِ الإِمَام
تَقِيّ الدّين ابن تَيْمِية».
قال عداب: قال الشيخ ابن
تيمية في الصفدية (2: 223): «ثم إنّ هذا الحديث يحتج به نفاة الصفات على أنّ
القرآنَ مخلوق، وأنّ اللهَ لا علم له ولا قدرة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: (كان
اللهُ ولا شيء معه) ثم زاد فيه كثيرٌ من المتأخرين (وهو الآن على ما
عليه كان).
ومنهم من يظنّ أنّ هذا من
كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع أنّ هذا لم يَروِه أحدٌ عن النبيّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف».
قال الفقير عداب: هذا وهمٌ
كبيرٌ وقع فيه الشيخ ابن تيمية، وتابعه عليه عددٌ من العلماء بعده، منهم تلميذه
ابن قيّم الجوزيّة في مدارج السالكين (3: 363).
وقد احتفى الشيخ الألباني
بهذه الجملة (كان اللهُ ولا شيء معه) احتفاء شديداً في دروسه ومحاضرته، مع أنّه لم
يخرّجها في شيءٍ من كتبه، وللأسف!
ففي كتاب «موسوعة الشيخ
الألباني في العقيدة» (6: 157) قال: «كما جاء في حديث عمران بن حصين في صحيح
البخاري: (كان الله ولا شيء معه) ثم خلق هذا الكون» وأعاده فيه (7: 600، 651).
وقال في الكتاب نفسه (6:
475): «لأن في الحديث الصحيح: (كان الله ولا شيء معه) وأعاده في (7: 596، 690).
وممن غفلَ عن وهمِ الشيخ
ابن تيمية ؛ الحافظُ ابن حجرٍ أيضاً، فقد قال في فتح الباري (6: 289): «ذَكَرَ
الْمُصَنِّفُ «البخاريّ» فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدُها: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ:
قَوْلُهُ: (كَانَ اللهُ وَلَمْ
يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ وَلَمْ (يَكُنْ
شَيْءٌ قَبْلَهُ) وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ (وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ
مَعَهُ) وَالْقِصَّةُ مُتَّحِدَةٌ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ
بِالْمَعْنَى!
وَلَعَلَّ
رَاوِيهَا أَخَذَهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ
فِي صَلَاة اللَّيْل كَمَا تقدم من حَدِيث بن عَبَّاسٍ: (أَنْتَ الْأَوَّلُ
فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ) لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ أَصْرَحُ فِي الْعَدَمِ.
وَفِيهِ
دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، لَا الْمَاءُ وَلَا
الْعَرْشُ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِك؛ غير الله تَعَالَى».
وقال
ابن حجر في موضع آخر من فتح الباري (13: 410): «قَوْلُهُ: (كانَ اللهُ وَلَمْ
يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) تَقَدَّمَ فِي «بَدْءِ الْخَلْقِ» بِلَفْظِ: (لَمْ يَكُنْ
شَيْءٌ غَيْرُهُ) َفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: (كانَ اللهُ قَبْلَ كُلِّ
شَيْءٍ) وهُيَ فِي مَعْنَى (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) وَهِيَ أَصَرْحُ فِي
الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، مِنْ رِوَايَةِ
الْبَابِ، وَهِيَ مِنْ مُسْتَشْنَعِ الْمَسَائِلِ الْمَنْسُوبَةِ لِابْنِ
تَيْمِيَّةَ!
وَوَقَفْتُ
فِي كَلَامٍ لَهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ يُرَجِّحُ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي
هَذَا الْبَابِ (7418) ولفظُها (كانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) عَلَى
غَيْرِهَا (كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ
مَعَهُ) مَعَ أَنَّ قَضِيَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ تَقْتَضِي حَمْلَ
هَذِهِ عَلَى الَّتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، لَا الْعَكْسَ، وَالْجَمْعُ يُقَدَّمُ
عَلَى التَّرْجِيحِ بِالِاتِّفَاقِ».
وكلام الحافظ ابن حجر في
مسألة الجمع والترجيح؛ تعني أنّه لم ينتبه إلى أنّ جملة (كان الله ولا شيءَ معه)
أو (ليس معه شيء) ليست من حديث عمران بن حصين، ولا غيره، إنّما هي وهمٌ من لدن
الشيخ أحمدَ ابن تيمية، تابعوه عليه!
وابن تيمية لا يحبّ جملة
(كان الله ولا شيءَ معه) ويرجّح رواية (ليس قبله شيءٌ) لأنه يناضل عن فكرة وجود
حوادث لا أوّل لها!
قال
الشيخ ناصر الألباني في صحيحته (1: 258): «وفي هذا الحديثِ (إن أول شيء خلقه الله
تعالى القلمُ، وأمره أن يكتب كل شيء يكون) ردٌّ أيضاً على من يقول بحوادث لا أول
لها، وأنه ما من مخلوق، إلا هومسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى مالا بداية له، بحيث
لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق.
فهذا
الحديث يُبطل هذا القولَ، ويعيّن أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعا أي
مخلوق.
ولقد
أطال ابن تيمية رحمه الله الكلامَ في ردّه على الفلاسفةِ، مُحاولاً إثباتَ «حوادث
لا أول لها» وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى
اتّهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمةٌ، لا أول لها، مع أنه يقول ويصرّح بأن
ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسلِ الحوادثِ إلى ما لا
بداية له، كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير
مقبول، بل هو مرفوضٌ بهذا الحديث، وكم كنّا نودُّ أنْ لا يَلجَ ابن تيمية رحمه
الله هذا المِولجِ؛ لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام، الذي تعلمنا منه
التحذيرَ والتَنفير عنه».
قال ابن تيمية في مجموع
الفتاوى (2: 272): « وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا هَؤُلَاءِ
الِاتِّحَادِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ، الْمُدَّعُونَ لِلتَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ؛
مَا يَأْثُرُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (كَانَ
اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ) عِنْدَ
الِاتِّحَادِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَهُوَ
الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ) كَذِبٌ مُفْتَرًى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ
مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ لَا
كِبَارِهَا وَلَا صِغَارِهَا، وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ، وَإِنَّمَا
تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي مُتَكَلِّمَةِ الْجَهْمِيَّة،
فَتَلَقَّاهَا مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى آخِرِ التَّجَهُّمِ،
وَهُوَ التَّعْطِيلُ وَالْإِلْحَادُ».
انظُر أخي القارئ إلى نضال
الشخ ابن تيمية عن رأيِه، ورميِه مخالفيه بما هو ظاهر، وانظر إلى دعواه العريضة «اتَّفَقَ
أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ... وَلَا
رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادِ لَا صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ
وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ».
أينَ اتّفق العلماء على
أنّ هذه الجملة موضوعة، ومن الذي سبقَ ابنَ تيمية في الكلام عليها، لكنّها هي
الأخرى، لا تروى بإسنادٍ صحيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ وَلَا بِإِسْنَادِ مَجْهُولٍ».
وعندما أقول هذا الكلامَ؛
لا أضعّف الكلام ذاتَه، إنما أنفي نسبتَه إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.
نعم أعتقد أنّ الله تعالى
(كان ولم يكن شيءٌ قبله) و(كان ولم يكن شيءٌ غيرُه) و(كان ولم يكن شيءٌ غيره) لكنّ
هذا شيٌ، ونسبةُ ذلك إلى الرسول؛ شيءٌ آخر مختلف!
ختاماً: حديثُ (كان اللهُ
ولا شيء معه) وما زاده فيه كثيرٌ من المتأخرين (وهو الآن على ما عليه كان) كلاهما
لم يَروِه عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدٌ، لا بإسنادٍ صحيح ولا
ضعيف»!
وحديث عمران كلّه من أوّله
إلى آخره؛ فردٌ غريب مطلقٌ، لايصلح لبناء عقيدة عليه، وهو من مفاريدِ الأعمش عن
جامع بن شدّاد.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق