مَسائِلُ مِنَ التَفسيرِ وعُلومِ القُرآنِ:
الوُقوف على «ما» الاستفهاميّة !؟
بسم
الله الرحمن الرحيم
(لَا
تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) [سورةُ القيامة].
أمّا
بعدُ: يعلم القريبون مني، والذين قرؤوا عليَّ؛ أنّ لي منهجاً خاصّاً في الوقف
والابتداء، لا يخضع أحياناً للمتعارفِ عليه بين علماء القراءة!
وربَما
رجّحت وَقفاً انفرد به واحدٌ من القرّاء، أو اللغويين؛ لمعنىً إضافيٍّ، أو صورةٍ
بيانيّة ظهرت لي.
وأوّلَ
مِن أمسِ؛ كنت جالساً في إحدى حدائق استانبول، مع وَلديَّ محمّد وفاطمة، وطلبت من
فاطمة أن تقرأ عليّ سورة النازعاتِ.
فقرأتْ،
حتى وصلت إلى قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا
(42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) فقلت لها: قفي على (فيمَ) فوقفَتْ بالفتحِ
(فيمَ)!
قلت
لها: بل تقفين عليها ساكنةً، وتبتدئين بقوله تعالى (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) ففيها
صورةٌ بيانيّة، ومعنىً إضافيّ!
اعترض
ولدي محمّدٌ، وقال: «علماء الوقف يقولون: معنى الآية: ليسَ إليكَ ذِكْرُها؛ لأنّك
لم تَعرِفْ وَقْتَها».
قلت
له: صحيح هم يقولون ذلك، بيد أنني أرى الوقفَ على (فيمْ) والابتداء بقوله تعالى (أَنْتَ
مِنْ ذِكْراهَا) أجملُ؛ لأنّك تقدّر محذوفاً من جنس السباق (يَسألونك) «فيمَ
سؤالُهم هذا»؟ وجودُك أنت في هذا الزمان مِنْ ذِكْرَاهَا، استئناساً بقوله تعالى
(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
وانفصلنا
على غيرِ وِفاق، وبدا لي أنّ الوقف على (فيمْ) يجعل الاستفهام غامضاً جدّاً، فقلت:
أراجعُ المسألةَ في مظانّها؛ لأتذكّر ما قد نسيتُه، أو أتعلّمَ جديداً !
قال جمال الدين ابن هشام في المغني (ص: 393):
«يَجبُ
حَذفُ ألفِ (ما) الاستفهاميةِ، إِذا جُرّتْ، وإبقاءُ الفَتحةِ دَلِيلاً عَلَيْها،
نَحْوُ: «فيمَ وإلامَ وعَلامَ وَبِمَ».
وَعِلّةُ
حَذفِ الْألفِ؛ الفَرْقُ بَين الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي
نَحْو: (فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا) و(فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ) و(لمَ
تَقولُونَ ما لا تَفعَونَ).
وَثَبتَتْ
فِي نحوِ: (لَمَسّكُم فِيما أَفَضْتُم فِيهِ، عَذَابٌ عَظِيمٌ) و(يُؤمنُونَ بِما
أنزل إِلَيْك) و(ما مَنعك أَن تسْجد لما خلقتُ بِيَديَّ).
وقال
أبو جعفر النحّاس، في إعراب القرآن (5: 93):
«سورة
النازعات: 43» (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها): أَيْ: ليسَ إليكَ ذِكْرُها؛ لأنّك لم
تَعرِفْ وَقْتَها، والأصلُ في «ما» حَذْفُ الألفِ، فَرقاً بين الاستفهامِ والخبرِ.
فإنّ
قَبلَ «ما» حَرفٌ خافِضٌ «في».
والوُقوفُ
عليه (فيمَهْ) لا يَجوز غيرُه؛ لئلّا تَذهبَ الألفُ وحَركَةُ الميم.
[انتبه
جيّداً جوّز الجمهور الوقف عليه بالسكون، وهو يقول: لا يجوز الوقف بالسكون]
والصوابُ
أنْ لا يُوقفَ عليه؛ لئلّا يُخالفَ السَوادَ «جُمهورَ القُرّاء في عَدَمِ زيادَتِهم
هاءَ السَكْتِ» أو يَلْحَنَ، إنْ وَقَفَ عليه بِغيرِ الهاء (فيمْ)».
وقال
أبو عَمرُو الداني، في كتابه «التيسير في القراءات السبع» (ص: 61): «وَتفرّدَ «أبو
الحسن أحمد بن محمّد» البَزِيّ «أحدُ الرواةِ عن ابن كثيرٍ المكيّ» بِزِيَادَةِ
هَاءِ السَكْتِ، عِنْدَ الوَقْفِ على (ما) إذا كَانَت استفهاماً، ووَلِيَتْ حَرْفَ
جَرٍّ، نَحْوُ قَوْلِه تعالى: (فَلِمَ تَقَتُلونَ) و (لِمَ تَقولُونَ) و (فيمَ
أَنْت مِنْ ذِكراها) و (فَبِمَ تُبَشّرون) و (بِمَ يَرجِعُ المُرْسلون) و (عَمَّ
يَتساءلون).
وقال
أبو جعفر ابنُ الباذِش في كتابه «الإقناعُ في القراءات السبع (ص: 260): «وقفَ
البَزيُّ مِن طِريق ابنِ غَلبونَ عليه بالهاء، فيقول في الوقفِ: (فَلِمَهْ) و(فِيمَهْ)
و(فَبِمَهْ) و(عَمّهْ) ووقفَ الباقونَ بِغيرِ هاء، ويُسكّنونَ الحَرفَ المَوقوفَ عَليهِ
(فيمْ).
وما
رُوِيَ عن البَزيّ؛ أجودُ في العَربيّةِ، وأكثرُ في كَلامِ العَرب».
خلاصةُ
ما تقدّمَ: أنّ قراءةَ قولِه تعالى (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) وصلةً واحدةً،
على رأي أبي جعفر النحاس؛ سيكون معناه: مالك وذكراها، فأنت لا تعرف عن ميقاتها
شيئاً؟
أمّا
إذا وقفنا على (فيمَهْ) على رأي البَزيّ؛ فيتوضّح لنا معنىً إضافيّ، هو أنّ
الرسولَ وبعثتَه صلّى الله عليه وآله وسلّم، من علاماتِ الساعة.
والله
تعالى أعلم.
والحمد
لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق