مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
مناقبُ معاويةَ بن أبي سفيان!؟
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
لم يعد خافياً على
مطالعٍ لمواقع التواصل الاجتماعيّ؛ أنّ النصبَ ذرّّ قَرنُه ثَمّةَ، ويُخشى
من استفحاله، إذْ كثر الذين يَنتقصون آلَ البيت الطاهر عامّةً، والإمامَ عليّاً
والإمامَ الحسين - عليهما السلام - خاصّة!
ويُفضّلون طُلقاءَ بني أميّةَ عليهم، ويخترعون لهم
مناقبَ وبطولاتٍ ومكارمَ، ليس لهم منها أدنى نصيب!
وإذْ كان عثمانُ بن عفّانَ - رضي الله عنه، وغفر له
- صهرَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم؛ فإنّني أُعرضُ عن ذكر أخطائه
السياسيّةِ والاجتماعيّةِ، التي كانت سبَبَ بلايا الأمّة، من زمانِه وحتّى يومنا
هذا، وربما إلى قيامِ الساعة!
وممّا لا ارتياب فيه عندي؛ أنْ ليس جميعُ بني
أميّةَ نواصبَ، وليس جميعُهم فجرةً ظلمةً!
بل كان فيهم أفاضلُ كثيرون، نترحّم عليهم، وندعو
لهم بالجنّة.
بيد أنّ الذي تولّى كِبرَ «النَصبِ» في تاريخنا
الإسلاميّ، وحاربَ الإمام عليّاً، طمعاً بالملك والزعامةِ وحيازةِ الدنيا؛ هو
معاويةُ بن أبي سفيان (ت: 60 هـ).
وقد غالى في معاويةَ كثيرون من جيلِ التابعين، وجعلَه
بعضُهم رابعَ الخلفاء، ونفوا أن يكون عليٌّ عليه السلام خليفةً.
وعددٌ من العلماءِ، صنّف كلٌّ منهم جزءاً في فضائلِ
معاوية، منهم:
محمّد بن عبدالواحد البغداديّ (ت: 345 هـ).
ويوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القوّاس الزاهد
(ت: 385 هـ).
وعبيدُالله بن محمّد أبو القاسم السقطيّ (ت: 406
هـ) وفي مكتبتي نسخةٌ من جزءٍ له في فضائل معاويةَ، جمع فيه اثنين وثلاثين حديثاً،
كلّها باطلة!
وأورد الذهبيُّ في ترجمة معاويةَ، من سير أعلام
النبلاء (3: 131) أحاديثَ كثيرةً في مناقبه، وقال: «هَذِهِ الأَحَادِيْثُ
ظَاهِرَةُ الوَضْعِ، وَيُرْوَى فِي فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ أَشْيَاءُ ضَعِيْفَةٌ
تُحْتَمَلُ، مِنْهَا» وذكر عدداً من الأحاديثِ الضعيفةِ، التي تُحتَمَل عنده!
ونقل عن الحافظ إسحاق بن راهويه (ت: 238 هـ) أنّه
قال: «لاَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ
مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ».
وقال
في موضعٍ آخر من ترجمة معاوية (3: 137): « اعْتَمَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ فِي
رَجَبٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحُسَيْنِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ
الزُّبَيْرِ، وَابْنِ أَبِي بَكْرٍ، كَلاَمٌ فِي بَيْعَةِ العَهْدِ لِيَزِيْدَ
ثُمَّ
قَالَ: إِنِّيْ مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ، فَلاَ تَرُدُّوا عَلَيَّ، أَقْتُلْكُم! [انتبه
أخي القارئ]
فَخَطَبَ،
وَأَظْهَرَ أَنَّهُم قَدْ بَايَعُوا، وَسَكَتُوا، وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَرَحَلَ
عَلَى هَذَا.
وَادَّعَى زِيَاداً أَنَّهُ أَخُوْهُ، فَوَلّاه
الكُوْفَةَ بَعْدَ المُغِيْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي حُجْرِ بنِ عَدِيٍّ
وَأَصْحَابِهِ، وَحَمَلَهُم إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُم مُعاويةُ بِمَرْجِ عَذْرَاءَ».
وفي
النبلاء (14: 129) قال الذهبيّ: « وَقَالَ الوَزِيْرُ ابْنُ حِنْزَابَةَ «هو الفضل
بْن جَعْفَرٍ، أبو الفتح ابن حِنزابةَ الكاتبُ (ت: 327 هـ) قال: سَمِعْتُ
مُحَمَّدَ بنَ مُوْسَى المأَمونِيَّ، صَاحِبَ النَّسَائِيّ قَالَ: سَمِعْتُ
قَوْماً يُنْكِرُوْنَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ كِتَابَ «الخَصَائِص»
لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَتَرْكَهُ تَصْنِيْفَ فَضَائِلِ الشَّيْخَيْنِ،
فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَخَلتُ دِمَشْقَ وَالمُنْحَرِفُ بِهَا عَنْ
عَلِيٍّ كَثِيرٌ، فَصَنَّفْتُ كِتَابَ «الخَصَائِصِ» رَجَوْتُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ
اللهُ تَعَالَى.
ثُمَّ
إِنَّهُ صَنَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ، فَقِيْلَ لَهُ وَأَنَا
أَسْمَعُ: أَلاَ تُخْرِجُ فَضَائِلَ مُعَاوِيَةَ ؟
فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أُخْرِجُ؟ حَدِيْثَ:
(اللَّهُمَّ لاَ تُشْبِعْ بَطْنَهُ).
هذه هي حالُ معاويةَ بن أبي سفيان، لا يصحّ في فضله
عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم أيُّ حديثٍ، والنواصبُ الأوغادُ يفضّلونه
على الإمامِ عليٍّ ناصرِ الدينِ، وعالمِ الأمّةِ، وإمامِ الزاهدين، الذي قال فيه
الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7: 71):
قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي
وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: «لَمْ يَرِدْ
فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ؛ أَكْثَرُ مِمَّا
جَاءَ فِي عَلِيٍّ» عليه السلام!
ختاماً: أجدُ من المناسبِ أنْ أنقلَ حادثةً تُظهِر
قسوةَ النصبِ على أهلِ العلمِ، من غير النواصب!
في
ترجمةِ أحمد بْن سَعِيد، أبي بكر الطّائيّ الْمَصْرِيّ الكاتب (ت: بعد (313 هـ) من
كتابِ تاريخ الإسلام (7: 382) قال الإمام الذهبيّ: « قال أبو سليمانَ بنُ زَبْرٍ:
اجتمعتُ أَنَا وعشرةٌ، فيهم أبو بَكْر الطّائيّ يقرأ فضائل عليّ رضي الله عنه في
الجامع بدمشق، فوثب إلينا نحوُ المائة من أهل الجامعِ، يُريدون ضربنا، وأخذ شخصٌ
بلحيتي.
فجاء
بعضُ الشيوخ، وكان قاضياً، فخلّصني، وعلّقوا أبا بَكْر «الطائيّ» فضربوه، وعملوا
على سَوْقِهِ إلى الوالي في الخضراء.
فقال
لهم أبو بَكْر: يا سادة، إنّما في كتابي فضائل عليّ، وأنا أُخرج لكم غدًا فضائل
معاوية أمير المؤمنين، واسمعوا هذه الأبيات الّتي قلتها الآن:
حُبُّ
عليّ كلّه ضَرْبُ ... يَرجُف مِن خيفتهِ القلبُ
فمذهبي
حبُّ إمام الهُدَى ... يَزيدَ، والدّينُ هُوَ النَّصْبُ
مَن
غيرَ هذا قَالَ؛ فهو امرؤٌ ... مخالفٌ، لَيْسَ لَهُ لُبُّ
والنّاسُ
مَن يَنْقَدْ لأهوائهم ... يَسْلَمْ، وإلّا فالقَفا نَهبُ».
وأنا
الفقير عداب؛ سأعرضُ عليكم جميعَ الأحاديث التي صحّت عندي، في فضل الإمام عليّ، في
منشوراتٍ تاليةٍ، إنْ شاء الله تعالى.
والله
تعالى أعلم.
والحمدُ
لله على كلِّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق