مَسائِلُ فكريّةٌ:
لماذا
لا تُبغِضُ الروافضَ؟!
بسم
الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ
للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).
قرأتُ لعددٍ من كتّاب
«الفيسبوك» بعضُهم من حملة الدكتوراه في الشريعة الإسلاميّة، وجدتُهم يرسلون
الافتراءاتِ إلى مَن يخالفُهم الرأيَ، ويكيلون له الاتّهاماتِ الباطلةَ، بل ويطعن
بعضهم بعقيدته ودينه وشرفه!
وجدتهم يخلطونَ بين القواعدِ
الإسلاميّةِ الكليّةِ، وبين فقه الجُزئيّاتِ والنوازلِ، كما يخلطون بين تلك
الجزئيّات ومواقفهم المصلحيّةِ الحاليّةِ والمستقبليّة!
من القواعدِ الإسلاميّةِ
الكليّةِ موالاةُ المسلمين على قدر قُربهم من الإسلام، وبعدهم عنه.
ومعاداةُ الكافرين على
قَدْر قُربهم من أذى المسلمين، وبعدهم عنه.
(لَا تَجِدُ قَوْمًا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ
أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ
بِرُوحٍ مِنْهُ (22) [المجادلة].
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (72)
[الأنفال].
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) [الأنفال].
هذه قاعدةٌ إسلاميّة
كليّةٌ، لا يجوز لأيّ باحثٍ مسلمٍ جهلُها، أو إغفالُها عند تصديره فتوى شرعيّة، أو
موقفٍ إسلاميّ!
وعلماء المسلمين قاطبةً
يفرّقون بين القولِ أو العملِ الكُفريِّ، وبين تكفير المتلبّس به، فقد
يَتَلازَمان، وقد يفترقان!
كان الإمام أحمدُ ابن
حنبلَ أكبرَ القائلين بتكفير القائل بــ(خلق القرآن الكريم) وكان في الوقت ذاتِه
يدعو للخليفة العبّاسي المأمون، الذي كان يأمر بجلده وتعذيبه!
والشيعةُ هم الشيعةُ
قديماً وحديثاً، شأنهم شأنْ بقيّة أمّة الإسلام (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ).
هناك شيعيٌّ صالحٌ تقيٌّ
وروعٌ.
وهناك شيعيٌّ متوسّط
الورعِ، ملتزمٌ شرائع الإسلام.
وهناك ظالم لنفسه،
بارتكابه كثيراً أو قليلاً من المعاصي.
هناك شيعيٌّ يفضّل الإمامَ
عليّاً على سائر أصحاب الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويراه أولى بخلافةِ
المسلمين، بعد الرسول مباشرة، وأَقدرَ على تبعاتها!
لكنّه لا يُكفّر ولا يفسّق
ولا يضلّل الخلفاء الثلاثةَ السابقين على الإمام عليّ، رضي الله عنهم، إنّما يراهم
مخطئين في بعض ما ذهبوا إليه من اجتهاداتٍ.
لكنَّ هذا الشيعيَّ يعتمد
في ثقافته وعلمه على مصادر أهل السنّة والجماعة، وخاصّةً القرآن الكريم، والكتب الأصول
(صحاح البخاريّ ومسلمٌ وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبّان).
هذا الشيعيُّ لا يقيم
وزناً علميّاً لمسندِ الإمامِ زيد بن عليّ، ولا لكتب الجعفريّة الأربعة، ولا
لكتبهم الثقافيّة الأخرى.
وهناك رافضيٌّ يُبغِضُ
الخلفاءَ الراشدين الثلاثةَ وبقيّة العشرة، وربما يكفرهم، ويعتمد كتب الرافضة
الأربعة (الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار) وهي كتبٌ ساقطةٌ في نظر علماء
الحديث، وأنا منهم!
ذاك الرافضيّ يقول: بالنصّ
والتعيين والعصمة والولاية وانحصار الإمامة في ذريّة الحسين، ويقول بالبداء
والرجعة وولادةِ المهديّ.
هذا المذهبُ ليس هو تشيّعَ
آلِ البيتِ حتماً، إنّما هو الرفض التامّ، وهو مذهبٌ بغيضٌ إليَّ، لا أنتمي إليه
ولا أحبُّه، ولا أرجو له الانتصار على بقيّة مذاهب المسلمين، لا بالدعوة والإعلام،
ولا بالسيف والإجرام.
وأرى رؤساءَ وقادةَ هذا
المذهب الرافضيَّ مجرمين قتلَة، لا يجوز لمسلم أن يناصرهم في عداوتهم لأمّةِ
الإسلام، حتى لو قاموا بنصرة أهل فلسطين، وأمدّوهم بالمال والسلاح، فهذا جانب
حسنٌ، يقابلُه جوانبُ أخرى كثيرةٌ من السوء والباطل.
أمّا الشعب المسلم
الرافضيّ - ما عدا قادته الدينيين والسياسيين والعسكريين - فهو شعبٌ جاهلٌ، كسائر
شعوب الأمّة الإسلاميّةِ، نشأ في هذه البيئةِ، ولا يعرف سوى مذهبها الدينيّ
وثقافتها، فماذا يصنع؟
أنا شخصيّاً لا أُبغِضُ
هذا الشعبَ بتاتاً، وقد عشتُ بينهم في العراق تسع سنواتٍ، لم يعاملوني إلّا بأكرمَ
وأفضلَ من معاملةِ كثيرٍ من أهل السنّةِ هناك!
لكنني أُشفق عليهم من
اعتناقِ هذا المذهبِ الباطلِ، الذي لا أظنّ الله تعالى يَعذُرُ مَن يَعتنقه، ولا
أراه مذهباً ينجي يومَ القيامةِ بتاتاً.
ها هنا يَبرُزُ فهم الشيخ
أحمدَ ابن تيمية «رحمه الله تعالى» لكلّيات الإسلام، فَيُظهِر الفرقَ بين المسلمين
السنّة، والمسلمين الروافضِ، في منظومةٍ من الكلام التأصيليّ البديع!
قال
في كتاب منهاج السنّة (6: 374): «الرَّافِضَةُ يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ، وَيَنْصُرُونَهُمْ عَلَى
الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَدْ شَاهَدَهُ النَّاسُ، لَمَّا دَخَلَ «هُولَاكُو» مَلِكُ
الْكُفَّارِ التُّرْكِ الشَّامَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ،
فَإِنَّ الرَّافِضَةَ الَّذِينَ كَانُوا بِـــ«الشَّامِ» بِالْمَدَائِنِ
وَالْعَوَاصِمِ، مِنْ أَهْلِ حَلَبَ وَمَا حَوْلَهَا، وَمِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ
وَمَا حَوْلَهَا، وَغَيْرَهُمْ؛ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ أَنْصَارًا
وَأَعْوَانًا عَلَى إِقَامَةِ مُلْكِهِ «هولاكو» وَتَنْفِيذِ أَمْرِهِ فِي زَوَالِ
مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَكَذَا
يَعْرِفُ النَّاسُ - عَامَّةً وَخَاصَّةً - مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ لَمَّا قَدِمَ «هُولَاكُو»
إِلَى الْعِرَاقِ، وَقَتَلَ الْخَلِيفَةَ «العبّاسيّ» وَسَفَكَ فِيهَا مِنَ
الدِّمَاءِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ، فَكَانَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ - ابْنَ
الْعَلْقَمِيِّ وَالرَّافِضَةَ - هُمْ بِطَانَتَهُ، الَّذِينَ أَعَانُوهُ عَلَى
ذَلِكَ بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ، بَاطِنَةٍ وَظَاهِرَةٍ، يَطُولُ وَصْفُهَا،
وَهَكَذَا ذُكِرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ جِنْكِزْخَانْ.
وَقَدْ
رَآهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِسَوَاحِلِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا، إِذَا اقْتَتَلَ
الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى؛ هَوَاهُمْ مَعَ النَّصَارَى، يَنْصُرُونَهُمْ
بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَيَكْرَهُونَ فَتْحَ مَدَائِنِهِمْ، كَمَا كَرِهُوا
فَتْحَ
عَكَّا
وَغَيْرِهَا، وَيَخْتَارُونَ إِدَالَتَهُمْ «نُصرتَهم» عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
حَتَّى إنَّهُمْ لَمَّا انْكَسَرَ عَسْكَرُ
الْمُسْلِمِينَ «سَنَةَ غَازَانَ» سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ،
وَخَلَتِ الشَّامُ مِنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ عَاثُوا فِي الْبِلَادِ، وَسَعَوْا
فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَسَادِ، مِنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَحَمْلِ
رَايَةِ الصَّلِيبِ، وَتَفْضِيلِ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَحَمْلِ
السَّبْيِ وَالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّصَارَى،
أَهْلِ الْحَرْبِ بِقُبْرُسَ وَغَيْرِهَا.
فَهَذَا
- وَأَمْثَالُهُ - قَدْ عَايَنَهُ النَّاسُ، وَتَوَاتَرَ عِنْدَ مَنْ لَمْ
يُعَايِنْهُ، وَلَوْ ذَكَرْتُ أَنَا مَا سَمِعْتُهُ وَرَأَيْتُهُ مِنْ آثَارِ
ذَلِكَ؛ لَطَالَ الْكِتَابُ، وَعِنْدَ غَيْرِي مِنْ أَخْبَارِ ذَلِكَ وَتَفَاصِيلِهِ؛
مَا لَا أَعْلَمُهُ.
فَهَذَا
أَمْرٌ مَشْهُودٌ، مِنْ مُعَاوَنَتِهِمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
وَمِنَ اخْتِيَارِهِمْ «ظُهُورَ» الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ
وَأَهْلِهِ.
وَلَوْ
قُدِّرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ «أهلَ السُنّةِ» ظَلَمَةٌ فَسَقَةٌ، وَمُظْهِرُونَ
لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ سَبِّ «عَلِيٍّ
وَعُثْمَانَ» لَكَانَ على الْعَاقِلِ «من الرافضةِ وغيرهِم» أنْ
يَنْظُرَ فِي خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ وَشَرِّ الشَّرَّيْنِ».
[ها
هنا انتبه جيّداً أخي الكريم]:
«أَلَا تَرَى أَنَّ «أَهْلَ
السُّنَّةِ» - وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ
وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ - لَكِنّهم لَا يُعَاوِنُونَ
الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ «ظُهُورَ» الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ،
عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ!
وَالرَّافِضَةُ إِذَا
تَمَكَّنُوا؛ لَا يَتَّقُونَ، وَانْظُرْ مَا حَصَلَ لَهُمْ فِي دَوْلَةِ
السُّلْطَانِ «خَدَابَنْدَا» الَّذِي صَنِّفَ لَهُ «ابنُ المُطهّر الحليُّ» هَذَا
الْكِتَابَ «منهاج الكرامة» كَيْفَ ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الشَّرِّ، الَّذِي لَوْ
دَامَ وَقَوِيَ؛ أَبْطَلُوا بِهِ عَامَّةَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ!
لَكِنْ (يُرِيدُونَ أَنْ
يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ
نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) [التوبة].
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّافِضِيَّ
يُوَالِي أُولَئِكَ الرَّافِضَةَ، وَيُعَادِي الصَّحَابَةَ «رضي اللهُ عنهم» فَهَلْ
هَذَا إِلَّا مِنْ شَرِّ مَنْ أَعْمَى اللهُ بَصِيرَتَهُ؟
(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى
الْأَبْصَارُ، وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحجّ].
خِتاماً: أنا لا أدعو أهلَ
السنّةِ - بمذاهبهم وأحزابهم - إلى نُصرةِ الرافضةِ في إيران؛ لأنّ هذا تعدٍّ في
الطلب، إنّما أدعوهم إلى أن لا يفقدوا بَوصلة «الولاء والبراء» الإيمانيّةَ
القلبيّةَ، إذْ إنّهم بفقدها يحقّقون أموراً شرّيرةً ثلاثة:
الأوّل: أنّ الكافر
الأصليّ يَطمئنُّ ويأمنُ إلى أنّ ملياراً ونصف مليارِ مسلمٍ خارج دائرةِ حربه!
والثاني: أنهم يغضبون
المسلمين الشيعةَ والرافضةَ، ويزيدون من عداوتهم إيّاهم.
والثالث، والأهمّ: أنّهم نَصَروا
- ولو نصراً معنويّاً - أعداءَ الإسلامِ على أتباع بدعٍ غليظةٍ من قومٍ مسلمين،
وهذا يغضب الله تعالى حتماً، وينقض قاعدة (موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين).
أرجو أن أكونَ وُفّقتُ في
بيان ما أصبو إليه من المقالاتِ الخمسِ الماضية الأخيرة.
وسأسكت سكوتاً تامّاً -
بعد هذا البيان - حتى تَنتهي هذه الحرب الظالمة، مُكتفياً بالدعاء:
أن ينصرَ الله العزيزُ القديرُ الإسلامَ وأهلَه، وأن يذلَّ الباطل وأهلَه، متبرّئاً إلى الله تعالى من كلّ نظام ينصر الكافرين على المسلمين.
والحمد لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق