مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:
عَددُ ركَعاتِ صلاةِ التراويح؟!
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
(يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ
إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ
عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) [المُزّمل].
أمّا
بعد: يَعرف العبدُ الفقير «عدابٌ» مذاهبَ أهل الإسلامِ في حُكمِ صلاةِ التراويحِ،
ما بين البدعةِ والسنّةِ المؤكّدة!
ولو
كنتُ حاكماً في بلدٍ من البلدان، أو كنتَ وزيرَ أوقافٍ مُفوّضٍ؛ لخصصت في كلِّ
مدينةٍ من مدن الإسلامِ مسجداً، تُفتَحُ أبوابُه على مدار الساعةِ للعبادة!
وجَعلتُ
له موارِدَ خاصّةً للمطعَم والملبس والمسكن، كِفاءَ أن يقومَ روّادُ هذه المساجد
بالأعمال الآتية: قيام الليلِ (التراويح) و(التهجُّد) و(تلاوة القرآن الكريم)
و(ذِكر الله تعالى) بأذكار واردةٍ في القرآن الكريم حصراً.
بهؤلاء
العُبّادِ والذاكرين؛ يبسطُ الله تعالى رحمتَه على العبادِ، ويَغمرهم ببركات
السماء، ويخرج لهم من بركات الأرض!
قال
نوحٌ نبيُّ الله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا
(12) [سورة نوح].
وإنّي أرى مسألةَ «البدعة» ضُخّمت كثيراً في
تاريخنا العلميّ والسلوكيّ، حتى إنّ لبعضِ العلماءِ في تعيين مفهومها أقوالاً
متعدّدةً، وكأنها من الألغاز!
قال الله تبارك وتعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى
آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ
الْإِنْجِيلَ.
وَجَعَلْنَا
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) [انتبه].
(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.
«ما ابتدعوها»
(إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ، فَمَا
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها.
فَآتَيْنَا
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)
[الحديد].
هؤلاء
قومٌ [ابتدعوا] منهاجَ حياةٍ «الرهبانيّة» ابتغاء مرضاةِ اللهِ في ظنّهم، والرغبةُ
في رضا الله تعالى؛ شأنُ كلّ مسلمٍ يرغبُ في مزيد طاعةٍ للهِ تبارك وتعالى، ولا
يُظنّ بمسلمٍ أنّه يرغب بعصيان الله ومخالفتِه وهو عابد!
فهل
حكمَ عليهم بالضلال والكفرِ، أوأدخلهم الله تعالى جهنّم، كما يفعل جهّال الأعراب
ومقلّدوهم؟
إنّهم ابتدعوا بدعةً سكت الشارع الحكيم عنها،
بنيّةِ التقرّب إلى الله، فآتى المخلصينَ منهم أجرهم، وذمّ منهم الفاسقين!
ومسألةُ صلاةِ التراويحِ؛ لم يُداوم الرسولُ محمّد
صلّى الله عليه وآله وسلّم عليها، خشيةَ أنْ تُفرَضَ على أمّته، فهي من
المندوباتِ، التي ينبغي أنْ لا يتنازَع المسلمون حِيالها أصلاً.
صلّها في البيت، صلّها في المسجد، صلّها في
الفلاةِ، أو لا تُصلّها من أصلِها!
شأنُها شأنُ كلِّ نافلةٍ، إنْ أنت قُمت بها
محتسباً؛ أثابَك الله تعالى عليها.
وإنْ أنتَ تركتَها غيرَ معرضٍ عن سنّة الرسولِ؛ فلن
يسألَك الله تعالى يومَ القيامةِ عن تركك إيّاها.
في أيّام
الشبابِ، كنّا نسافر من حماةَ إلى دمشقَ؛ لنُصلّي التراويحَ في غرفةِ رأس الإمام
الحسين في الجامع الأمويّ، وراء شيخِنا حُسين خطّاب رحمه الله تعالى، وكان يقرأ في
كلِّ يومٍ جُزؤاً من أجزاء القرآن الكريم، بروايةٍ من الروايات القرآنية.
بينما كان بعض مشايخنا في حماة، يصلّون بالناس
التراويحَ، وكأنها عبءٌ ثقيلٌ، يَجهدون في إزاحتِه عن كواهلهم.
يَقرأ أحدُهم في الركعة الأولى الفاتحةَ بنَفَسٍ
واحدٍ، كأنّه في حلبة سباقٍ!
ثم يتلو بعدها، من دون أيّ فاصلٍ: (وَمِنْ
دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) ثم
يركع!
ويقرأ في الركعة الثانية الفاتحة، ثم يتلو: (مُدْهَامَّتَانِ
(64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) ثم يركع!
وإذْ إنّ أكثرَ الذين يجادلون في مسألة «البدعة» هم
الحنابلةُ «الوهّابيّون» فإنّ إمامَهم الشيخ أحمدُ ابن تيميةَ - رحمه الله تعالى -
يقول في الفتاوى الكبرى (2: 119):
«إِنَّ نَفْسَ قِيَامِ رَمَضَانَ؛ لَمْ يُوَقِّتْ
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ عَدَدًا مُعَيَّنًا؛ بَلْ
كَانَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ
وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، لَكِنْ كَانَ يُطِيلُ
الرَّكَعَاتِ. فَلَمَّا جَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ كَانَ
يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، وَكَانَ يُخِفِّفُ
الْقِرَاءَةَ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنْ الرَّكَعَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ عَلَى
الْمَأْمُومِينَ مِنْ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ.
ثُمَّ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَقُومُونَ
بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَآخَرُونَ قَامُوا بِسِتٍّ
وَثَلَاثِينَ، وَأَوْتَرُوا بِثَلَاثٍ، وَهَذَا كُلُّهُ سَائِغٌ، فَكَيْفَمَا
قَامَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، فَقَدْ أَحْسَنَ...
وَمَنْ
ظَنَّ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَدٌ مُوَقَّتٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ فَقَدْ
أَخْطَأَ».
وقال
في منهاج السُنّة النبويّة (8: 308): «لَوْ كَانَ «أداءُ صلاةِ التراويحِ» قَبِيحًا
مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ لَكَانَ عَلِيٌّ «عليه السلامُ» أَبْطَلَهُ، لَمَّا صَارَ
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ.
فَلَمَّا
كَانَ جَارِياً فِي ذَلِكَ مَجْرَى عُمَرَ «رضي الله عنه» دَلَّ عَلَى
اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ.
بَلْ
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «نَوَّرَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ قَبْرَهُ؛
كَمَا نَوَّرَ عَلَيْنَا مَسَاجِدَنَا».
وَعَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّ
عَلِيّاً دَعا الْقُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ يُصَلِّي
بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَكَانَ عَلِيٌّ يُوتِرُ بِهِمْ».
خِتاماً: إصرارُ الوهّابية على صلاةِ ثماني ركعاتٍ،
أو عشر ركعاتٍ وثلاثَ ركعاتِ الوتر؛ هذا الإصرارُ خطأٌ، والخصام فيه أقبحُ، وهم
مثابون على نيّتهم الالتزامَ بالسنّة الواردة عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله
عنها.
وإصرارُ المقلّدةِ على صلاةِ عشرين ركعةً، وثلاثَ
ركعاتِ الوتر، هذا الإصرار خطأٌ، وهم مثابون على إكثارهم من طاعة الله تبارك
وتعالى.
ومن يصلّي أربعين ركعةً؛ فقد ربح من الحسنات أكثر
بكثيرٍ من الذي يصلّي عشر ركعاتٍ، حتى لو قالت ذلك عائشةُ، فكلام عائشة (مَا كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا
فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً!
يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ
حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ!
ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ
حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ.
ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً.
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَنَامُ قَبْلَ
أَنْ تُوتِرَ؟
قَالَ يَا عَائِشَةُ: (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ،
وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) أخرجه البخاريّ (1147) ومسلم (738).
يمكن أن يُحمَل هذا الحديثُ على محاملَ، تؤولُ إلى
أن يكون عامَّ اللفظِ خاصَّ المعنى!
نحن لا ندري في أيّ سنةً قالت عائشة هذا الكلام،
أفي السنة الثانية عندما كانت طفلةً في التاسعة من عمرها؟ أم عندما غدت شابّةً في السادسة
عشرة من عمرها؟
ونحن نعلم أنّ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم
زوجاتٌ كثيرات، فيُحتملُ أن يكون الرسول يصلّي في بيتها إحدى عشرةَ ركعةً؛
ليؤانسها ويرعاها عندما كانت طفلةً، وكان يعطيها مزيداً من وقته حناناً وعاطفةً
عندما غدت شابّةً، لها حاجاتها الجسديّة والنفسيّة أكثر!
إنّ حديثَ عائشةَ من العلمِ الخاصِّ الذي لم يروِه
عن الرسولِ سواها، وكلّ حديثٍ فردٍ غريبٍ؛ لا يَحسُن التعصّب له البتّةَ، حتى لو
رواه عليُّ بن أبي طالبٍ عليه السلام.
والله تعالى أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق