مَسائِلُ مِن التَفسيرِ وعُلومِ القُرآنِ:
(وَتَقَلُّبَكَ
فِي السَّاجِدِينَ)!؟
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ
وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) [الأنعام].
أمّا بعدُ: لا يَشُكُّ الفقيرُ عداب بأنّ الغلوَّ
يكتسح الأمّةَ كلّها، من أقصاها إلى أدناها: غلوٌّ في الحبّ، غلوّ في التعصّب،
غلوّ في البغضِ، غلوٌّ في الوقاحةِ، غلوٌّ في العلماءِ، غلوٌّ في الأنبياء!
الوهّابية مغالون بصلفٍ، والسلفيّة مغالون بتفرّدٍ
والصوفية مغالون بالحبّ والكمالات!
سألني أحدُ الإخوة قال: كيف ينسجم قول الله تبارك
وتعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي
ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) [الأنعام] مع قوله تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ
الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي
السَّاجِدِينَ (219) [الشعراء].
قلت له: أين التباينُ في الآيتين؟
قال: إنّ من المقرّر لدى علماء التفسيرِ أنّ قوله
تعالى (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) يعني أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وآله
وسلّم كان يتقلّب في ظهور الصالحين وبطون الصالحاتِ، إلى أنْ خلقه الله تعالى
بشراً، وبعثه رسولاً؟
كيف ينسجم هذا مع قول إبراهيم عليه السلام لأبيه (إِنِّي
أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وليس هذا فحسب، فإنّ أبا إبراهيم كان
يعبدُ الأصنام؟!
أقول وبالله التوفيق: إنّ الرواياتِ الضعيفةِ،
والحكاياتِ الموضوعةِ، لم تَغْزُ كتبَ الرواية الحديثية فحسب، بل إنّها غزت ميادينَ
العلومِ والثقافةِ الإسلاميّة كلَّها، فلا يوجد علم من العلوم الإسلاميّة لم
يتلطّخ بشرور الروايات الضعيفةِ والمكذوبة!
وروايةُ أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم «تقلّبَ في
أصلابِ الصالحين، وبطونِ الطاهرات» روايةٌ واهيةٌ
ليس لها إسنادٌ مقبول!
وقد حكى الطبريّ في تفسيرِ قوله تعالى (وَتَقَلُّبَكَ
فِي السَّاجِدِينَ) أقوالاً عديدةً، ثمّ قال في تفسيره (17: 670): «تَأْوِيلُ
الْكَلَامِ إِذَنْ: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَرَاكَ
حِينَ تَقُومُ إِلَى صَلَاتِكَ، وَيَرَى تَقَلُّبَكَ فِي الْمُؤْتَمِّينَ بِكَ
فِيهَا: بَيْنَ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَجُلُوس».
وحكايةُ أنّ الأنبياءَ لا يكونون إلّا أولادَ
أنبياءَ أو صالحين؛ ليس عليها أيّ دليلٍ من كتاب الله تعالى، أو من سنّة الرسول،
أو من الروايات الحديثيّة الصحيحة المنقولةِ عنه.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ حال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق