مَسائِلُ فكريّةٌ:
مَذاهِبُ التفسيرِ
الإسلاميِّ !؟
بسم
الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ
للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).
أمّا بعد: كانت كليّةُ
الشريعةِ في جامعة دمشقَ؛ تلزمُ المنتسبينَ إليها بالدّوامِ في السنة الدراسيّة
الأولى، حتى يتعرّف الطالبُ إلى أساتذةِ الكليّةِ، وإلى طرائقهم في التعليمِ،
ويتدرّب على البحث العلميّ، وأدبِ الحواراتِ التي تجري بين الأساتذة وطلّابهم.
وقد بدأتُ الدوامَ في هذه
الكليّةِ المباركةِ، في (16/ 1/ 1970) وما مضى الأسبوعُ الدراسيّ الأوّل، حتى
تعرّفتِ إلى معظم إخواننا الحمويّين، الملتحقين بجامعة دمشق!
سألتُ أحدَ الإخوةِ
الأسبقِ من دفعتنا عن مكتبة كليّةِ الشريعةِ، أو مكتبةِ الجامعةِ، وكنتُ أحبّ
القراءةَ كثيراً جدّاً.
دخلتُ إلى المكتبةِ في
نهاياتِ الشهرِ الأوّلِ، وتعرّفت إلى أمينها الذي كان رجلاً دَمثاً متعاوناً، يحبّ
الحمويين كما حدّثني!
قلت له: شيخُنا الذي
لزمناه في مدينة حماةَ «محمّد الحامد» رحمه الله
تعالى؛ كان ينهانا عن قراءة كتب المستشرقين، ويقول: إنّهم يدُسّون السُمَّ في
العسلِ، وهم غير مأمونين على تراثنا العلميّ الإسلاميّ!
وأنا لم أقرأ حتى اليوم
كتاباً لمستشرقٍ، إنما قرأتُ كلاماً كثيراً عن الاستشراق والمستشرقين.
وبصفتك مختصّاً بالمكتباتِ
والكتبِ؛ أريدُ كتاباً لمستشرقٍ مشهورٍ، لأتعرّفَ إلى طريقة تناوله للتراثِ
الإسلاميّ!
قال لي: هل سمعتَ عن «غولدْتسيهر»؟
قلت له: بالتأكيد،
سمعت عنه كثيراً، لكنّني لم أقرأ له كتاباً مباشراً!
قال: سأعطيكَ كتاباً،
يُعَدُّ أفضلَ ما كتبَ «غولدتسيهر» عن الإسلام، وقد ذكر مترجم كتابه هذا؛ أنّه من
أواخر ما كتبَ «زيهِر» عن الإسلام.
ثمّ ذهبَ غير بعيدٍ
وأحضر إليّ كتاب «مذاهب التفسير الإسلاميّ» للمستشرق «إجنتس جولدتسيهر» ترجمة الأستاذ
عبدالحليم النجّار، والصادر عن مكتبة الخانجيّ بالقاهرة، عام (1955م).
طَلبَ لي كأساً من
الشايِ، وأجلسني قريباً منه، وقال لي: كيف تتعرّف إلى الكتاب؟
قلت له: علّمنا شيخنا
محمّد الحامد، رحمه الله تعالى، وشيخنا مروان حديد؛ أنّ معرفةَ الكتابِ لا تكون
إلّا بقراءته كاملاً، بيد أنّ معرفة الكتاب الأوّلية؛ تكون بقراءة مقدّمته وخاتمته
وفهرسه!
تبسّم وقال: تمام
تمام!
تفضّل اجلس ههنا،
وتعرّف إلى الكتابِ، ثمّ إنْ شئتَ قرأتَه في المكتبة، أو استعرتَه.
وهذا ما قمتُ به
فعلاً، قرأتُ تصديرَ الأستاذ عبدالحليم النجار لترجمة الكتاب (3 - 5) ولفتَ نظري
فيه قولُه: «ولكني إذ أستميحُ القارئَ العربيَّ معذرته؛ أؤكّد له أنني لم أُقصّرْ
في إعطائه صورة صادقةً من كتاب «مذاهب التفسير الإسلاميّ» كما وضعه «جولدتسيهر».
ثمّ قرأتُ فهرسَ
الكتاب (6 - 12) بدقّة بالغةٍ، فرأيتُ الكتابَ كثيرَ العنواناتِ، واسع المباحث
والفروع التي تناولها مؤلّفه، بيدَ أنني لم أجد للكتابِ مقدّمةً ولا خاتمة!
أعارني أمين المكتبةِ
هذا الكتابَ على مسؤوليّته، إذْ لم أكن استصدرتُ بطاقةً جامعيّةً بعد، ووعدته أن
أعيدَه إليه في اليوم التالي؛ فالكتاب في حدود (400) صفحة طباعية، وأنا أقرؤ مثلَه
عادةً في ليلة!
بيد أنّ الأستاذ
نبّهني إلى أنّ هذا خطأٌ فادحٌ، إذ للقراءةِ السريعةِ خطران:
الأوّل: مَن يقرأ
بسرعةٍ؛ ينسى بسرعة!
والثاني: مَن يقرأ
بسرعةٍ؛ لا يستطيعُ أن يُقدّم لمستمعيه الكتابَ، في محاضرةٍ مُدّتها ساعةً من الزمانِ،
ومن لا يَقوى على ذلك؛ لم يفهم الكتاب!
حملتُ الكتابَ،
وانصرفتُ إلى بيتي، وقرأتُ الكتابَ في ليلةٍ، كما هي عادتي، ثمّ قرأتُه في أسبوعٍ،
ثمّ لخّصته في أسبوعين أو أكثرَ قليلاً، إذْ لم أجدْ نسخةً منه في مكتبات بيع
الكتب!
وقد سُررت كثيراً
بتعليقاتِ واستدراكاتِ الأستاذ عبدالحليم النجّار مترجم الكتاب، التي كان تطول
وتقصر، على حسب أهميّة الفكرة التي يراد التأكيد عليها - وهذا قليل - والفكرةِ
التي أراد التعقيب والاستدراك على «جولدتسيهر» فيها.
ختاماً: لست أدعو
قرّائي إلى قراءةِ هذا الكتابِ المبذولِ على «النت».
إنّما أريد أنْ
أذكّرهم بأنّ العقولَ البشريّةَ ليست كؤوسَ ماءٍ للشرب، أو للشاي، ليست قالباً
واحداً صادرةً عن معملِ زجاجٍ أو معملِ «بلاستيك».
والعقل البشريّ ينضِج
وينكمشِ بالمعلوماتِ والحواراتِ والمماحكاتِ التي تَرِدُ عليه!
هناك العقل السطحيّ!
وهناك العقلُ العلميّ.
وهناك العقل الأدبيّ.
وهناك العقل الفقهيّ.
وهناك العقل الفلسفيّ.
ومن العسيرُ أن يكون
فهم الفيلسوف للنصّ الدينيّ مماثلاً لفهم الشاعرِ، فضلاً عن فهم العاميّ قليلِ علومِ
اللسان، والعلم والثقافة!
في عام (1982) أُصِبتُ
بانزلاقٍ غضروفيّ في الفقراتِ الثالثة والرابعة والخامسة، أسفلَ ظهري، وغدوتُ
أعاني أشدّ المعاناةِ، بيد أنني أتجمّل أمامَ زوّاري!
كان عدد من الشباب
المصريين يلحّون عليّ لأُقرئَهم، وأنا غيرُ قادرٍ حقيقةً، فتركوني وانصرفوا!
بعد عدّةِ أيّامٍ
نَشِطتُ، فنزلت إلى الحرم المكيّ الشريفِ، فرأيتُ أحدهم وكان اسمه «محمود» قد لبس
دشداشةً إلى تحتِ ركبتيه بقليلٍ، وراح يجلسَ في حلقة شيخ متشنّج أمام ميزاب
الكعبة، تعلّم منه تكفير المعتزلةِ والأشاعرة والجهميّة، وبعد شهورٍ قليلةٍ صار
محمودُ شيخاً يعلّم الناس!
مجتهدوا الصحابة
أربعةٌ.
وعلماء الصحابة ثلاثة
عشر صحابيّاً، مع التساهل!
وبقيّة الصحابة عوامّ،
لا يحسنون القراءةَ ولا الكتابةَ.
وقد اختلفوا حتى
اختصموا، ثمّ اقتتلوا، ثمّ تفرّقوا وكانوا شيَعاً، وقد ورثنا نحن خلافاتهم وزدنا
عليها أضعافاً، فالخلاف ظاهرة اجتماعية، وهي باقية إلى أن يرث الله الأرضَ ومن
عليها، فلا أنت تقوى على إلغائي، ولا أنا أقوى على إلغائك لو كنتُ حريصاً على ذلك!
فلا تجعل من نفسكَ
صورةَ الإسلام الأرقى، وتجعلَ صورَ غيرك محترقة، فقد تكون أنتَ أوّل الواردين على
جهنّم، بعجرفتك ولؤمك وأنانيتك وتحزّبك البغيض!
أخرج البخاري (4918)
ومسلم (2853) من حديثِ حارثة بن وهبٍ الخزاعيّ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟
كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، أَلَا
أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ).
العُتُلّ: الجافي الشديد
الخصومة بالباطل والافتراء والتدليس.
والجوّاظ: الفظّ
الغليظ المستكبر!
فانظروا هذه الصفات
تنطبق على مَن، وبشّروهم بجهنّم!
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وأتوب إليه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق