الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

 قُطوفٌ من الآلام:

أخي حاتم في ذمّة الله تعالى!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

(رحمةُ اللهِ وبركاتُه عليكم أهلَ البيت؛ إنّه حَميدٌ مَجيد).

علمتُ قبل ثوانٍ بانتقالِ أخي الحبيبِ، فضيلةِ الدكتور الشيخ المقرئ السيّد «محمّد حاتم» بن عبدالحميد الحسيني النعيمي الطَبشيّ الحمويّ، إلى رحمةِ الله تعالى ورضوانه، إن شاء الله تبارك وتعالى.

الشيخ «محمد حاتم» نبراسٌ في الصبر والتصميم والإرادة، لم تتيسّر له الدراسةُ النظامية الحكوميّة، لأسبابٍ عديدةٍ، فانتسب إلى المعهد الشرعيّ في حماةَ، وحصل منه على الثانويّة الشرعية، ثمّ تابع تحصيلَه الجامعيّ، في جامعاتٍ متعدّدة، حتى حصل على درجة «الدكتوراه» في التفسير وعلوم القرآن.

ولازم في مكّة المكرمة شيخَنا المقرئ الكبير الشيخ سعيد بن عبدالله الخالديّ، وتلقّى عليه القراءات السبعِ من طريق الشاطبيّة، على مدى سنواتٍ طويلةٍ، تدلّ على حرصه وصبره، إذ كان شيخنا سعيدٌ شديداً جدّاً، في تعليمِ التلاوة والقراءات، حرصاً على إتقان الطلبةِ، وأداءً لأمانةِ القرآن العظيم.

رحم الله فضيلة شيخنا سعيد العبد لله الخالدي رحمة واسعة.

ورحم الله تعالى أخانا الفاضل الكريم الحبيبَ «محمد حاتم» رحمةً واسعةً، وأسكنهما فسيح جناته.

ورفع من مقامهما لديه، ببركة القرآن الكريم، وخدمة العلوم الإسلامية الشريفة.

وألهم أهله الصبر الجميل والاحتساب، وأعظم لهم ولنا ولكم الأجر.

إنّا لله وإنا إليه راجعون.

ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

والحمد للهِ على كلّ حال.

 فَضائِلُ الصَحابَةِ رضي الله عنهم:

حين تبنى الثقافةُ على الكذب!؟

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) [التوبة].

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8).

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ - وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ؛ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر].

أحدُ الإخوة أصدقاء الصفحة؛ علّق على أحدِ منشوراتي يقول:

«ماذا تقول يا شيخ في ما يلي:

(1) روى البخاري في المناقب، باب ما لقي النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه من المشركين (3856) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عبدَاللهِ بنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قلت: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم) [غافر] وأخرجه البخاريّ في موضعين آخرين من صحيحه (3678، 4815) بألفاظ مقاربة.

قال الفقير عداب: رضي الله عن أبي بكر وعمر وبقيّة العشرة، وعن جميع الصحابة الكرام المشار إليهم في الآيات القرآنية الكريمة.

وإذا كان الإمام عليّ جدّي من جهة الآباء والنسب؛ فإنّ أبا بكر وعمر جدّايَ من جهة أمّهاتي.

وتقويم الشخصية العلميُّ من جميع جوانها؛ لا يعني انتقاصاً لتلك الشخصيّة، إلّا عند الجهّالِ والمتعصّبين، على مبدأ (عنزة ولو طارت)!؟

وهذا الحديث عائليٌّ من مداره حتى التابعيّ عروةَ، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى اضطراب الحديثِ في فتح الباري (7: 168 - 169).

ولوسلّمنا بعدمِ اضطرابه - جدلاً - فماذا في الشجاعة والقوّة أن يقومَ رجل ذو شأنٍ في قومه - كما يقول أهل السنة - فيدفع بيديه رجلاً قويّاً عن رجلٍ ضعيفٍ مسكين !؟

الناس قديماً وحديثاً يسمّون هذا الفعلَ محاجزةً بين متخاصمَين، حتى إذا أُشهر السلاحُ؛ أمست مقاتلةً!

وفي إسنادِ هذا الحديثِ التيميِّ محمد بن إبراهيم التيميّ، قال ابن حجر في التقريب: «ثقة له أفراد» وهذا من مفاريده!

وترجمه العقيلي في الضعفاء (1574) وقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ الْمَدِينِيَّ، فَقَالَ: فِي حَدِيثِهِ شَيْءٌ يَرْوِي أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ أَوْ مُنْكَرَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

والله لو روى مثل هذا الروايةَ المضطربةَ رجالٌ مثلُ عروةَ بن الزبيرِ؛ لا أحتجّ به!

بعد أن سمعتُ البراءَ بنَ عازبٍ رضي الله عنه يقول: (كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ؛ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد (1776) وأصل الحديث عند البخاريّ في الجهاد (2864).

أكانَ الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم ضعيفاً، إلى الحدِّ الذي يَسمحُ لكلبٍ مشركٍ أن يخنقه خنقاً شديداً، وهو مستسلمٌ، لا يقوى أنْ يدفع عن نفسه؟!

(2) قال المعلّق: وعن علي رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس ! أخبروني من أشجع الناس؟ إلخِ.

أقول: أخرج البزار في مسنده - كما في زوائد البزار (2481) قال رحمه الله تعالى:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي ثُمَامَةَ الأَنْصَارِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الله الْعِجْلِيُّ الْمُقْرِئُ، ثنا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَخْبِرُونِي مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ؟ قَالُوا - أَوْ قَالَ -: قُلْنَا: أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ: أَمَا إِنِّي مَا بَارَزْتُ أَحَدًا إِلا انْتَصَفْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ أَخْبِرُونِي بِأَشْجَعِ النَّاسِ، قَالُوا: لا نَعْلَمُ، فَمَنْ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرِيشًا.

فَقُلْنَا: مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلا يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنْهُ أَحَدٌ إِلا أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلا أَهْوَى إِلَيْهِ، فَهَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ)...الحديث بطوله.

قَالَ الْبَزَّارُ: لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ» انتهى.

قال الفقير عداب: مسندُ البزّار؛ مثل علل الدارقطنيّ، فإذا لم يوجد الحديثُ في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد؛ فيكون الحديث ضعيفاً ابتداءً، وقد يكون واهياً أو موضوعاً، وقد انفرد البزّار بتخريج هذا الحديث دونهم!

قال النسائي في الضعفاء (158): حسان بن إِبْرَاهِيم الْكرْمَانِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ.

وقال العقيلي في الضعفاء (309): حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ.

وترجمه ابن عديّ في الضعفاء (501) وأورد له عدداً من مناكير حديثه، وقال:

 ذُكِرَ لِأَحْمَد حَدِيثُه، فَلم يعبأ بِهِ.

وختم ابن عديٍّ ترجمتَه بقوله: «ولحسان شيء من الأصناف وله حديث كثير وقد حدث بإفرادات كثيرة عن أَبَان بن تغلب، وأَيضًا عن إبراهيم الصائغ وعن لَيْث بن أبِي سُلَيم وعاصم الأحول وسائر الشيوخ فلم أجد له أنكر مما ذكرته من هذه الأحاديث وحسان عندي من أهل الصدق إلاَّ أنه يغلط في الشيء وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنادا أو متنا وإنما هو وهم منه، وَهو عندي لا بأس به».

(3) قال المعلّق: قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - وثبت أبو بكر - رضي الله عنه - ثبوت الجبال يوم أحد حولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدافع عنه.

قال عداب: لا يستطيع ابن القيّم ولا جميع العلماء أن يثبتوا هذه الدعوى!

(4) قال المعلق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني فزارة سنة سبع للهجرة بقيادة أبي بكر - رضي الله عنه - فوردت الماء، وغنمت، وسبت، وعادت سالمة.

قال عداب: هب أنّ هذه الرواية صحيحةً، فقد أمّرَ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على أبي بكر عمرَو بن العاص، وأسامةَ بن زيدٍ، وهو من جيل أحفاده!

أخرج الإمام مسلم حديثَ سريّة فزارةَ هذه في كتاب الجهاد (1755) وفي إسنادها عكرمة بن عمّار، قال ابن حجر في التقريب: «صدوق يغلط».

قال الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».

وقال ابن حجر في النكت على علوم ابن الصلاح (2: 690): «حاصلُ كلامِ هؤلاء الأئمة أنّ الزيادةَ إنّما تُقبل ممّن يكون حافظاً مُتقناً، حيث يَستوي مَع مَن زاد عليهم في ذلك.

فإنْ كانوا أكثرَ عدداً منه، أو كان فيهم مَن هو أحفظُ منه، أو كان غيرَ حافظٍ، ولو كان في الأصلِ صَدوقاً؛ فإنّ زيادتَه لا تُقبَلُ».

وهذا الحديثُ من هذه البابة، والخلاف في قائد سريّة بني فزارة طويل، انظر كتاب «غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية (ص: 129)».

(5) قال المعلق: «وفي غزوة تبوك ساعة العسرة؛ كانت راية المسلمين بيد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه».

قال الفقير عداب: جاء في كتاب «الذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك» (ص: 182) ما نصّه: «قال الواقدي: فلما رجع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، من ثنية الوداع الى تبوك، فعقد الالوية، والرآيات، فدفع لوائه الاعظم الى أبى بكر الصديق رضي اللَّه عنه، ورايته العظمي الى الزبير» وقال المؤلّف في تخريج هذه الحكاية: «قلت: أخرج ابن عساكر فى تاريخ دمشق هذا النص باسناده عن الواقدي، وفيه سماع محمد ابن شجاع الثلجى عنه، انظر تاريخ دمشق (1: 415) وقال الذهبي فى الميزان (3: 577): محمد بن شجاع بن الثلجى، الفقيه البغدادى الحنفى، أبو عبد اللَّه صاحب التصانيف، قال ابن عدى: كان يضع الحديث فى التشبيه، وينسبه الى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك، وقال زكريا الساجي: محمد بن شجاع كذاب، احتال فى أبطال الحديث. نصرة للرأى».

(6) قال المعلق: «ويوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغنهم شيئًا، وولوا مدبرين بعد أن كمن لهم أعداء الله في شعاب الوادي، وكان أول من ثبت حول رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، وأرضاه».

قال الفقير عداب: رضي الله عن أبي بكرٍ وأرضاه، لكن الرواياتِ الصحيحةَ تقول: إنّ الصحابةَ كلهم هربوا يوم حنين، ما عدا العبّاسَ وأبا سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب.

 وعند أبي يعلى والطبراني في الأوسط؛ أنّ عليّ بن أبي طالب، كان أشدّ الناس قتالاً في ذلك اليوم، رضي الله عنهم، انظر كتاب مرويات غزوة حنين (1: 203).

ختاماً: إنّ الرغبةَ في تعظيم شخصيّةٍ مقبولةٍ، أو في تهوين شخصيّة مرغوبٍ عنها، برواياتٍ واهية هزيلةٍ؛ لا ينفع تلك الشخصيّةَ عند الله تعالى شيئاً، ولا يضرّها!

إنّما يؤذي الكذبةَ المفترين، والمروّجين العارفين بأنهم كاذبون، ويُشيع في الأمّة ثقافةً كاذبةً باطلةً، يعتقد بها العوامّ الجهالِ، ويقتلون مخالفيهم بسببها.

وقد قلت مراراً: إنّ المحدّثين لم يخرّجوا أحاديثَ الفضائل ليتّخذها المسلمون عقيدةً!

إنّما أخرجوها دفاعاً عن جميع الصحابةِ الذين كفّرهم الرافضةُ وسبّوهم وتنقّصوهم برواياتٍ أضعفُ وأنكر وأحطّ من هذه الرواياتِ بكثير!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

 مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

صلاةُ الاستسقاءِ ؟!

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(الحمدُ للهِ، وسَلامٌ على عبادِه الذين اصْطَفى).

أمّا بعد: الأصلُ في الاستسقاءِ قول اللِه تبارك وتعالى، حكايةً عن دعاء نوحٍ عليه السلام:

(ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) [سورة نوح].

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (96) [الأعراف].

ومن الحديث الشريفِ؛ ما أخرجه البخاريّ في كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (932) من حديث ثابتٍ البُنانيِّ عن أنسِ بن مالك قال: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَ الكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعا).

وقد جاء هذا الحديثُ عن أنسٍ، بصيغٍ متعدّدة (933، 1013، 1014، 1015، 1016، 6342).

وقد أخرج البخاريّ في كتاب الجمعة، باب تحويل الرداء في الاستسقاء (1011، 1012) من حديث عبدالله بن زيدٍ المازنيّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وأخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء (894).

ويقرأُ في الركعتين ما تيسّر، ولو قرأ سورة «الأعلى» في الأولى، وسورة «الغاشية» في الثانية؛ فقد أحسن.

وتحويل الرداءِ، إنما يكون إذا خرج الإمامُ أو وكيله إلى مصلّى العيد.

أمّا إذا صلّى صلاة الاستسقاء في المسجد، أو منزله؛ فلا يُحوّل رداءه، إذ ورد أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على المنبر، ولم يحوّل رداءَه.

وأندبُ إخواني المسلمين؛ أنْ يستسقي كلّ واحدٍ منهم في بيته قَدْرَ نشاطِه، ولو دعا كلَّ يوم ثمّ صلّى ركعتين؛ فهو خير، ولو اقتصر على الدعاء فحسب؛ فهو حسن، إنْ شاءَ الله تعالى، وأنا أفعلُ ذلك!

والذي ترجّح لديّ أنّ خُطبةَ الاستسقاء والدعاء؛ يكونان قبل صلاة ركعتين، مثلَ صلاةِ العيد.

وإنّ مما يُحزنُ أنّ رواةَ الحديثِ من الصحابةِ فمن دونهم؛ يقولون: «استسقى، دعا» وقلّما يذكرون ماذا قال في دعائه!

وقد جمعتُ ما وجدتُه في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديثِ عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو عن بعضِ الصحابةِ والتابعين، ورتّبته على النحو الآتي.

وأُحبّ أن يكرّر الداعي الجملةَ من الدعاء ثلاثاً، كما هو ظاهر في الدعاء الأوّل:

(اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا.

يا غياث المستغيثين أغثنا

(اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا)

(اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ.

(اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، صَيِّبًا نَافِعًا)

(اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ)

اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ وَالْبَهَائِمِ وَالْخَلْقِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالْفَتْكِ؛ مَا لَا يُشْكَى إِلَّا إِلَيْكَ.

اللَّهُمَّ أَنَبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ.

اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، واكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفْهُ غَيْرُكَ.

اللهُم ضَاحَتْ بِلَادُنَا، وَاغْبَرَّت أرْضنَا، وَهَامَتْ دوَابُّنَا.

اللهم ارْحَمْ بَهَائِمَنَا الحَائِمَةَ، وَالأنْعَامَ السَّائِمَةَ، وَالأطْفَالَ الرضيعة.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ، إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا.

نستغفر الله ونتوب إليه.

نستغفر الله العظيم ونتوب إليه.

نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلّا هو، الحيَّ القيومَ، ونتوب إليه.

اللهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللهُمَّ عَلَى الْآكَامِ، وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ.

اللهم آمين آمين.

وصلّى الله على نبيّنا ورسولنا وحبيبنا محمّدٍ رسولِ ربّ العالمين.

ثمّ يقومُ فيصلّي ركعتين، وهو الأفضل والأكمل.

والله تعالى أعلم.

والحمد للهِ الذي بنعمته تتمّ الصالحات.

الأحد، 28 ديسمبر 2025

 فَضائِلُ الصَحابَةِ رضي الله عنهم:

آلُ البيتِ أفضل الناس أجمعين!؟

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) [الزخرف].

(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) [الشعراء].

(ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) [الشورى].

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) [الأنفال].

(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) [الحَشْر].

أمّا بعدُ: إنّ نَشْرَ فضائلِ أهل البيت، عليهم السلام؛ يُثير حساسيّة مفرطةً لدى النواصبِ وتابعيهم من أهل السنّة عامّةً، والجهّال منهم خاصّة؛ ردودً على أفعال الرافضةِ، الذين قال الله تعالى بأمثالهم من الحاقدين اللئام: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) [التوبة].

وقد شاهدنا، وشاهد العالمُ ماذا فعلوا بالمسلمين في سوريّا والعراق، عندما مُكّنوا من قِبَل أعداءِ الإسلامِ!  

وإذْ إنّ «الفيسبوك» مرتعٌ للعامّةِ والجهّال والسفلة أيضاً؛ فقد قال الحكماءُ: لا يحسن أن يَنشر العالم، أو طالب العلم منشوراتٍ لا تستوعبها هذه الشرائحُ البعيدةِ عن العلم الخاصّ، الذي قد يستوعبه المثقفون وأهلُ العلم، وقد لا يستوعبون، بل قد لا يسيغون!

بيد أنّ لي وُجهةَ نظرٍ أخرى، هي أنّ نسبة العوام تبلغ (95%) في الأمّة، فإذا لم يُصدَمِ العامّةُ بمنشوراتٍ جديدةٍ عليهم؛ سيظلّون يمارسون أحقادَهم على بقيّةِ طوائف المسلمين، ويَصرخون بكفرهم واستحلال دمائهم؛ لأنّ الجهّال والعوامّ لا يحسنون الحوار، إذ ليس لديهم ما يحاورون به أصلاً، سوى كلمتين «نعم، أو لا» ثم تشتغل الأيدي والأرجل بالضرب وقد يتطوّر الأمر إلى القتال والقتل!

فوجودُ صوتٍ أو أصواتٍ، تنبّههم إلى بعضِ ما لديهم من غلوٍّ في الأشخاص، وأحقادٍ على غيرهم من المسلمين؛ فلن يَتغيّر في الأمّةِ شيء!

حدّثني ضابط عراقيّ ثقةٌ صالح عندي، قال: كان الجنودُ الإيرانيون يهجمون علينا هجوما عنيفاً بالعشراتِ، بل بالمئات، ليس لهم هدفٌ سوى أن نَقتلهم!

ما الذي يجعل هؤلاء الجنودَ المساكينَ، يُلقون بأنفسهم إلى التهلكةِ، لولا الحقدُ والبغضاءُ التي زرعها في قلوبهم وعقولهم «وعّاظُ» الرافضةِ الجهّالُ الحاقدون.

وأنا أقول لكم بكلِّ صراحةٍ ووضوحٍ أدين الله تعالى به: أنا لست راضياً عن سلوك أهل السنّة الفكريّ والاجتماعيّ، ولست راضياً عن سلوك الشيعة العقديّ والفكريّ والاجتماعيّ، وإنّ لي رأيي الخاصّ في كلّ مسألة أقدّمها إليكم!

وبكلّ صدقٍ وأمانةٍ أقول: أنا لست مقدّساً للصحابةِ أجمعين - من دون استثناءِ أحدٍ - مع عرفاني بفضل كثيرين منهم، وخاصّةً الأبطالَ الذين قدّموا أرواحَهم في سبيلِ نُصرةِ هذا الدين الحنيف في جزيرة العرب، وأسهموا في قيام دولة الإسلام.

إنّ المقرئ والمفتي والقاضي والعابد الزاهد - إذا لم يكونوا فرساناً ابتداءً- هم يحتاجون إلى مَن يحميهم من كيد الأعداء ولؤمهم، ولا يَستطيعونَ إقامةَ دولةٍ، وتمكينَ دين!

الذي أريدُ أنْ أخلص إليه أنّ ألفَ رجلٍ مثلِ أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن مسعودٍ وأبيّ بن كعبٍ وزيد بن ثابتٍ - على فضلهم - رضي الله عنهم أجمعين - لا يستطيعون أن يُؤمّنوا قريةٍ واحدةٍ، تدين بمعتقداتهم وأفكارهم.

ولم يذكر لنا التاريخُ أنّه كان لهؤلاء الأفاضل وأمثالهم أثرٌ في معارك الإسلامِ الكبرى، في عهد الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم يكن في قدرتهم أن يُواجهوا صناديد المشركين واليهود، وقد ظهر هذا جليّاً في جميع المعاركِ الكبرى!

والذين كان لهم الأثر الحقيقيّ في انتصار الصحابةِ على المشركين، في معارك الإسلام في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ ثُلّةٌ من الصحابة الشجعان الأبطال: أمثالِ الزبير بن العوامّ وطلحةِ بن عبيدالله وسعد بن أبي وقّاص وأبي دجانة سماك بن حرب، وأمثالهم.

وفي طليعة هؤلاء جميعها السادةُ: حمزةُ بن عبدالمطّلب وجعفرُ وعليُّ ابنا أبي طالبٍ، عليهم الصلاةُ وأزكى السلام، وعلى كَواهلِ هؤلاء قامت دولةِ الإسلام، رضي الله تعالى عنهم، وأرضاهم أجمعين.

 ومع ما تقدّمَ كلِّه؛ ترى فريقاً من المسلمين يخترعون فضائلَ ومناقبَ وخصائصَ لعددٍ من الصحابةِ مِن وهم الخيالِ، ويتجاهلون ذكر أولئك الأبطالَ البواسل!

ترى شبابنا اليوم يصرخون مبتهجين قائلين: يا أحفادَ خالدٍ والقعقاع والمثنى!

ولم يكن لواحدٍ من هؤلاء أثرٌ في نصرةِ الإسلام وإقامةِ دولته، في عهد الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل كان خالدٌ من أشدّ أعداء الإسلامِ والمسلمين، وأبرزهم في هزيمةِ الصحابةِ في معركة «أحُد» ولم يؤمن بالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلّا بعدما دان أكثرُ عربِ الجزيرة بالإسلام، قبيلَ فتح مكّةَ المكرّمة.

أخرج ابن الجوزي في كتابه المنتظم (5: 129) وفي كتاب الموضوعاتِ (2: 24) عن عبدالله بن أحمد ابن حنبلٍ قال: «سَأَلْتُ أَبِي، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ؟ فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: أَيْشٍ أَقُولُ فِيهِما؟

إِنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ،كَانَ كَثِيرَ الأَعْدَاءِ، فَفَتَّشَ أَعْدَاؤُهُ لَهُ عَيْباً، فَلَمْ يَجِدُوا، فَجَاءُوا إِلَى رَجُلٍ، قَدْ حَارَبَهُ وَقَاتَلَهُ، فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لَهُ».

وأخرج ابنُ الجوزيّ في مناقب أحمد ابن حنبل (ص: 219) من طريق عبدالله بن أحمدَ ابن حنبلٍ قال: حدّث أبي بحديثِ سفينةَ (خلافةُ النبوّة ثلاثون سنة) فقلت: يا أبه: ما تقول في التفضيل؟

قال: في الخلافةِ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ «رضي الله عنهم».

فقلت: فعليُّ بن أبي طالب؟ قال: يا بُنيّ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ مِن أهل بيتٍ لا يقاس بهم أحد» وأورده ابن الجوزي في التبصرة (1: 458).

وقال الشيخُ ابن تيمية في كتاب منهاج السنّة (7: 244): «مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، يَقُولُونَ: بَنُو هَاشِمٍ أَفْضَلُ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ أَفْضَلُ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ أَفْضَلُ بَنِي آدَمَ.

وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ حَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ عَمَّنْ لَقِيَهُمْ مِثْلَ أَحْمَدَ ابنِ حنبلٍ، وَإِسْحَاقَ بن إبراهيم «راهويه» وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى مَنْعِ التَّفْضِيلِ بِذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «ابنُ الطيّب الباقلانيّ» وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي «الْمُعْتَمَدِ» وَغَيرُهما.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ; فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مسلمٍ (2276) أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى هَاشِمًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ).  

ختاماً: لا يجوزُ بحالٍ من الأحوالِ؛ أن تبنى المعتقداتُ والمواقفُ الشرعيةُ على ردودِ الأفعالِ، والخصوماتِ والعداواتِ السياسيّة، وإجرامُ الرافضةِ في سوريّا والعراق؛ لا يجوز أن يَتّخذه النواصب اللئامُ ذريعةً لإيقاظِ النصبِ الذي كان شعارَ أهلِ السنّة ودثارَهم، في القرون الستّةِ الأولى من تاريخ الإسلام.

إنّما يجب أن نعرفَ بأنّ «آل البيت» لا يقاس بهم أحدٌ من الناسِ، لا في الجاهية، ولا في الإسلام، وأن نبني عقيدتنا ومواقفنا اعتماداً على كتابِ الله تعالى وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيُروَ عن رسول اللهِ أنّه قال: (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ؛ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا؛ ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ؛ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا؛ فَلَا تَظْلِمُوا) أخرجه البزّار في مسنده المعلّل (7: 229) والترمذي في جامعه (2007) وقَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ» وانظر تحفة الأشراف (3: 44).

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلّ حال.

السبت، 27 ديسمبر 2025

 فَضائِلُ الصَحابَةِ رضي الله عنهم:

مِن فَضائلِ جدّتنا خديجةَ بنتِ خُويلدٍ الأسديّة عليها السلام!؟

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

أمّا بعدٌ: إنّ المعلوماتِ الصحيحةَ الواردةَ عن الفترة المكيّةِ، التي امتدّت من (10 - 13) عاماً؛ شحيحةٌ  جدّاً، مع أنّ المرحلةَ المكيّة؛ هي مرحلة الإعدادِ والمعاناةِ والمكابدة!

ولستُ أدري أكان إهمالُها اجتهاداً من عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ حتى ينسى  القرشيون - مسلمُهم وطليقُهم - الأحقادَ التي خلّفتها حروب بدرٍ وأحدٍ والخندق؟

أو إنّ الأميّة التي كان عليها المسلمون في تلك الحقبة؛ هي السبب؟

أو إنّ ثمّةَ أسباباً أخرى وراء ذلك؟

إنّ أهل السنّةِ لا يهتمّون كثيراً بتفسيرِ هذه المسألة، وينظرون إليها بواقعيّة، فالموجودُ الصحيحُ من الروايات التاريخية؛ هو تكليفنا الشرعيّ، ونحن نتعاملُ مع هذا الواقع كما هو، ولسنا في حاجةٍ إلى الروايات التاريخيّة الواهية؛ لسدّ نقصٍ كبيرٍ في عمق ثلاثةَ عشر عاماً من الفترةِ المكيّةِ، كما لسنا في حاجةٍ إلى التحليلِ والتأويل والتفسير، التي ليس لها قوائم!

بينما يعتمد الشيعة الإماميّةُ الرواياتِ الواهيةَ والخياليّة، والتحليلَ والتفسير الافتراضيّين ويجعلون ذلك تاريخاً، يبنون عليه ولاءهم وبراءهم!

وأنا في هذا المنشور؛ لن أتحدّث عن ولادةِ جدّتنا خديجة بنت خويلدٍ الأسديّة، ولا عن جمالها الأخّاذ، وتسابقِ شباب قريشٍ إلى خطبتها «وأنا أستغرب نقلَ مثل هذا الكلام السخيف» ولا إلى عدد أزواجها قبل جدّنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا إلى سنّها عند زواجها منه، إذ ليس في ذلك روايةٌ واحدةٌ تصلحُ للاعتمادِ عليها تاريخيّاً، فضلاً عن جعلها عقيدةً، نبني عليها ولاءً وبراءً!

يكفينا أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ تزوّجها زواجاً صحيحاً، بإيجابٍ وقَبولٍ وشهودٍ كثيرين، وأنجبَ منها بناتِه «زينبَ ورُقيّةَ وأمّ كلثومٍ وفاطمةَ الزهراء» وولديه القاسمَ الذي كان يُكنى به صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعبدَالله الملقّب بالطيّبِ والطاهر، عليهم السلام والرضوان، وجميع أولاده منها؛ انتقلوا إلى الدار الآخرة في حياته صلّى الله عليه وآله وسلّم، ما عدا أمَّنا فاطمةَ الزهراء عليها السلام.

ومن المؤكّدِ الواقعيّ؛ أنّ خديجة بنت خُويلدٍ عليها السلام؛ هي أوّل من آمنَ برسولِ الله؛ لأنها التي عايشته سنواتٍ طوالاً قبل بعثته، وأيقنت من صدقه وأمانته، وشاهدت إرهاصاتِ نبوّته صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فهي السابقةُ الأولى، وكان أباناً عليّاً هو المصلّي، عليه السلامُ، ودعْك من الكلامِ الطائفيّ، الذي لا ينجي أمامَ الله تعالى وحقائق التاريخ!

(1) بإسنادي إلى الإمام البخاريّ في فضائل أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، باب تزويج النبيّ خديجةَ وفضلِها (3821) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ؛ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ) وأعاده البخاري في كتاب التوحيد (7497) وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة (2432).

وإسنادُه إلى أبي هريرة حسنٌ، لكنّ أبا هريرة لم يُدرك ذلك الزمان، فحديثه مرسلٌ!

وله شاهدٌ أخرجه البخاري في الكتاب نفسه (3816، 3817، 3818) ومسلم في الفضائل (3435) من حديث أمّ المؤمنين عائشة قالت: (مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ - هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي - لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ، فَيُهْدِي فِي خَلاَئِلِهَا مِنْها مَا يَسَعُهُنَّ).

وله شاهد ثانٍ، أخرجه البخاري في الفضائل (3819) وكان أخرجه من قبل في كتاب الحجّ (1792) ومسلم في الفضائل (2433) من حديث عبدالله بن أبي أوفى قال: (بَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ).
(2) وبإسنادي إلى الإمام مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أمّ المؤمنين (2437) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ فَقَالَ: (اللهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ)!

فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: «وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ، مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا) وأخرجه البخاري في الفضائل، عقب حديث أبي هريرة المتقدم (3821) معلّقاً من حديث إسماعيل بن خليل عن عليّ بنِ مسهر، به بنحوه.

مع أنّ إسماعيل بن خليلٍ، من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج له في صحيحه أحاديث عديدةً، صرح فيها بسماعه منه، منها (302، 511، 1290) وهذه جميعها عن عليّ بن مسهرٍ، وأخرجه أحمد في مسنده (24864) والطبراني في الكبير (23: (22) وفيه زيادة: (مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِها، إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا، إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ).

وفي سنده مجالد بن سعيد - من رجال مسلم - قال فيه ابن حجر في التقريب: «ليس بالقويّ، وقد تغيّر في آخر عمره» بيد أنّ كلامَ عائشةَ يقتضيّ من رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلم جواباً، ربما حفظه مجالدٌ، والله تعالى أعلم.  

(3) وبإسنادي إلى الإمام البخاريّ في الفضائل، باب تزويج النبيّ خديجة (3815) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ «هو ابنُ سلام البيكنديّ» أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ «هو ابن سليمان الكلابيّ» عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُويلِدَ) وكان البخاريّ أخرج الحديثَ في أحاديث الأنبياء، في فضائل مريم (3432) وأخرجه مسلم (2430).

قال عداب: مدار الحديث على هشام بن عروة، وهو ومن فوقه ثقاتٌ عند المحدّثين.

(4) وبإسنادي إلى الإمام أحمد في مسنده، باب ومن مسند المكثرين (12391) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) وأخرجه الترمذيّ في جامعه (3878) وقال: هذا حديث صحيح.

قال عداب: ذهبَ بعضُ المشتغلين بتخريج الحديث، إلى أنّ هذا الإسناد على شرط الشيخين، وهذا غير صحيح؛ لأنّ مدار الحديث عند المحدّثين هو عبدالرزاق بن همّام الصنعاني، ولم يخرّج الشيخان بهذا الإسنادِ أيَّ حديثٍ أصلاً، إنّما خرّج مسلمٌ بهذا الإسنادِ متابعةً واحدةً، عقب حديث شيبان بن عبدالرحمن النحويّ (2802) في حادثة انشقاق القمر، والله تعالى أعلم.

(5) وبإسنادي إلى الإمام مسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل خديجة (2435) قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا.

قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ؛ يَقُولُ: أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ.

قَالَتْ عائشةُ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟ [خديجةَ: منصوبٌ على المدح، تريدُ: تظلّ تمدح خديجةَ أمامي]؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا).

قال عداب: هذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، ما عدا سهلَ بن عثمان، فهو من شيوخِ مسلمٍ، أخرج له في صحيحه (14) حديثاً.

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليماً كثيراً.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

 فَضائِلُ الصَحابَةِ رضي الله عنهم:

مِن فَضائلِ الإمامِ عليّ الصحيحةِ، عليه السلام!؟

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) [التوبة].

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8).

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ - وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ؛ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر].

أمّا بعدُ: كتب أخونا الدكتور نهاد عبدالحليم عُبيد الطرابلسيّ أطروحتَه للحصول على درجة الدكتوراه في الحديثِ وعلومه، من جامعة أمّ القرى المباركة، في مكّة المكرّمة بعنوان (الأحاديث المرفوعة في فضل الإمام عليّ رضي الله عنه بين السنة والشيعة) عام (1987).

وقد صحبني في إعداد رسالتيه الماجستير والدكتوراه، من ساعة وضع خطّتيهما، إلى حين نوقشتا، وحصل بها على الدرجتين بتقدير (جيّد جدّاً).

والأخ الفاضل نهادٌ، رحمه الله تعالى؛ سلفيٌّ معتدٌّ بنفسه كثيراً، كان يأتيني بالفصل من رسالته «الماجستير» يكتب فيه: «وهذا ممّا مَنّ الله تعالى به عليّ، ولم يسبقني إليه أحد»!

فأبيّن له أنّه مسبوقٌ من واحدٍ أو أكثر، وطال الوقتُ حتى اقتنع بحذف هذه الجملة من كتاباته!

عندما انتهى من رسالته «الماجستير» وطبعها؛ قال لي: أتبشّرني شيخي بالحصول على درجة الامتياز؟ قلت له: سيعطونك «جيّد جدّاً» فتغيّر لونه، وقال لماذا طيّب؟

قلت له: لأنك عنيد للغاية، وهناك عشرات المواضع، التي أصررت فيها على رأيك الخطأ!

وعندما ناقشته اللجنة؛ منحته درجة «جيّد جدّاً» مع التعديل!

والأمر ذاته حصل في أطروحة الدكتوراه، رفض فيها رأيي في نقدِ أكثرَ من ثلاثين حديثاً، فمنحوه درجة «جيّد جدّاً» مع التعديل!

جاءت أطروحة أخينا الفاضل، في (1156) صفحةً علميّة، سوى الفهارس التي بلغت (143) صفحة.

درس فيها (751) حديثاً، صحّح منها (58) حديثاً، فيكون الضعيف والواهي والمنكر والموضوع في أطروحته البديعة هذه (693) حديثاً، اتّفقتُ معه على تصحيح (24) حديثاً، وانفرد هو بتصحيح أربعةٍ وثلاثين حديثاً.

هذا يعني أنّني لست شيعيّاً زيديّاً ولا إماميّاً - كما يشيعُ الجهّال - إذ لو كنت كذلك؛ لوافقت تلميذي هذا على تصحيح (58) حديثاً في الحدّ الأدنى، وسكتُّ!

قال الدكتور نهاد عبيد في خاتمة أطروحته (ص: 1147) ما نصّه: «لعلّ أبرز النتائجِ التي توصّلت إليها في دراستي هذه تتلخّص بكلمة واحدة، هي أنّ الفرقاء جميعاً لم ينصفوا الإمامَ عليّاً وأهل بيته إنصافاً حقيقيّاً، بل كان بعضهم جانحاً في تعظيمه وتعظيم أهل بيته، والقول بعصمتهم، والسموِّ بهم إلى درجة الملائكة، بل إلى درجة الآلهة، والعِياذُ بالله!

وبعضُهم حاول أن يردّ غلوَّ هؤلاء، فذهب يقارن بين عليّ وغيره من أكابر الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، فوقع من حيث لا يدري في انتقاص الإمام عليٍّ، والتهوين من بعض شأنه، قياساً على أولئك الأفاضل، من إخوانه الصحابة!

وراح بعضهم يردّ أحاديثَ صحيحةً بأدلّة لا تقوى على الصمودِ، ولا تصلح عللاً تعلّ بها الأحاديث، فوقعوا في تجريدِ عليٍّ من خصالٍ، لو أنهم تجرّدوا وأنصفوا؛ لأثبتوها له، ولما ضرّ إخوانَه الصحابةَ شيئاً».

وقال في (ص: 1151): «ومع أنني أعترف بأنّ أهل السنّةِ كانوا أكثر إنصافاً واعتدالاً في حبّ آل البيت، إلّا أنني وجدت بعض علمائهم، لم يوقّروهم حقَّ توقيرهم، ولم يقفوا عندَ وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيهم».

وقال في (ص: 1154) من خاتمة أطروحته:

1-«لقد تواتر عندي حديث (مَن كنت مولاه؛ فعليّ مولاه).

قال الفقير عداب: تواتر هذا الحديث عندي ثلاث مرّات:

الأولى: على منهاج الأصوليين.

والثانية: على منهاج المحدثين.

والثالثة: عن الإمام عليّ نفسه، عليه السلام.

وليس هذا الثبوت لأيّ حديثٍ ورد عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، في حدود ما لدينا من مصادر أهل السنّة، وفي حدود معرفتي الحديثيّة واجتهادي.

2- وصحّ عندي أيضاً زيادةُ (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) خلافاً لمن ذهبَ إلى وضعها أو ضعفها!

وقد بيّنت في موضع تخريج هذا الحديث من الأطروحة؛ أنّ ما قاله ابن حزمٍ من أنّ هذا الحديث لم يثبت من طريق الثقات أصلاً؛ فيه غُلوٌّ لا يقلّ عن غُلوّ الشيعة بالمقابل!

3- لقد تواتر عندي حديثُ إعطاء الراية لعليٍّ رضي الله عنه يومَ خيبر!

قال عداب يقصد حديث سعدِ بن أبي وقّاص، وحديث سلمة بن الأكوع.

بإسنادي إلى الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة، بابٌ من فضائل عليِّ بن أبي طالبٍ، رضي الله عنه (2404) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ «وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ» عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا، قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ، وقد خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ: خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي)؟

وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» قَالَ «سعدٌ»:فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: (ادْعُوا لِي عَلِيًّا) فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ!

وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَقُلْ: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) [آل عمران: 61] دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: (اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي) وأخرج البخاري منه جملة (أنتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبيَّ بَعْدِي)!

قال الفقير عداب: هذا حديثٌ مشهورٌ، رواه عن سعد بن أبي وقّاصٍ عند مسلمٍ أولاده الثلاثةُ: إبراهيم وعامرٌ ومصعبُ، وأخرجه البخاري (4416، 3706) من طريق إبراهيم ومصعبٍ عن والدهما سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه، وله شاهدٌ من حديث سلمةَ بن الأكوع، رضي الله عنه، أخرجه البخاريّ في الباب نفسه (3702) ومسلم (2407).

4- وقد تواتر عندي أيضاً حديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي) قال عداب: أخرجه البخاري (3706) ومسلم (2404).

5- وتواتر عندي أيضاً حديثُ سدّ الأبوابِ إلى المسجد، إلّا باب عليّ!

قال الفقير عداب: أخرجه أحمد (2903) والحاكم والترمذي (3732) وقال: حديث غريب من حديث شعبة.

هذه الأحاديثُ السابقةُ؛ بعضُ ما صحّ، ممّا لم يصحّحه كثيرٌ من علماءِ أهل السنّة، كابن حزمٍ وابن تيمية وغيرهما، ناهيك عن الأحاديث الصحيحة الكثيرةِ الواردةِ في فضله، والتي بلغت ثمانية وخمسين حديثاً، من غير المكرّرةِ.

وهي تنقسم إلي قسمين:

- فضائل مقرونةٌ بغيره من الصحابةِ، وعددها عشرةُ أحاديثَ.

- وفضائلُ مفردة «خاصّة بالإمام» وعددها ثمانيةٌ وأربعون حديثاً.

ثمّ إنّ الفضائل المفردة تنقسم إلى قسمين:

أ-فضائل عامّةٌ: وعددها سبعةٌ وثلاثون حديثاً.

ب-وفضائل خاصّة «وهي الخصائص» وعددها أحدَ عشرَ حديثاً».

وقال في (ص: 1153) من خاتمة أطروحته:

6- «لقد صحّ عندي حديثُ الطائر.

7- وصحّ عندي حديث (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها).

8- وصحّ عندي حديثُ (من أحبَّ عليّاً؛ فقد أحبّني، ومن أبغض عليّاً؛ فقد أبغضني)».

9- وصحّ عندي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بشّر عليّاً بالشهادةِ، وأنّه يُقتَلُ قتلاً»

 وقال في (ص: 1155): «إنّ كثيراً من الرواياتِ التاريخيّة الواردة في خصومة عليّ مع البغاةِ عليه؛ صحيحةٌ، وفيها من السوءِ الشيءُ الكثير، الذي لا يجوز تبريره «تسويغُه» مهما حاول الناس التماس المعاذير، وينبغي بيانُ أنّه خطأ وسوءٌ وقبيحٌ، إلى جانب أنّه واجبٌ شرعيٌّ، ما دام خالياً عن الشتم والسبِّ والتشفيّ؛ فأنّه يفوّتُ الفرضة على الشيعةِ في دعواهم تحزّبَنا لخصوم عليٍّ، وكراهيتنا لأهل بيته.

 وإنني أدعو علماءَ الشيعةِ الذين اتّصلتُ بهم في العراق ولبنان وفي مكّةَ المكرّمةِ القادمين لأداء فريضة الحجّ - وخاصّةً الإيرانيين - أو الذين لم أتّصل بهم في أصقاع العالم إلى كتابةِ أبحاثٍ في نقدِ الحديثِ، وبيانِ دخائلِ كتبِ الشيعةِ، وما فيها من موضوعاتٍ ومنكراتٍ وأباطيل، هم أنفسهم يعتقدون كذبها وبطلانها، ولكنّهم لا ينبّهون على ذلك.

ممّا يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على عقول عوامّهم وجهلتهم - وما أكثرهم! - وبالتالي يحول بينهم وبين رؤيةِ الحقّ.

وأخيراً أدعو علماء أهلِ السنّةِ المتخصّصين ليقوموا بدراسات علميّة متجرّدةٍ منصفةٍ، يوازنون فيها بين مناهج نقّادنا ومناهج علماء الحديث من الشيعةِ، ليكون ذلك سبيلاً لأن ينظر الشيعةُ بعين الإنصاف والعدلِ إلى علمائنا، بدلاً من نظرتهم الحانقة الحاقدةِ إليهم!

كما أدعو علماءنا الأفاضل «من أهل السنّةِ» إلى هجر العباراتِ القاسيةِ والكبيرةِ، التي يرمون بها الشيعة؛ لأننا دعاةٌ إلى الله تعالى، ولسان الداعية أنظف من لسان الخصم الحاقد أو المحارب» انتهى المرادُ نقله عن الدكتور نهادٍ، رحمه الله تعالى.

قال الفقير عداب: بعد هذا البيان الطويلِ نسبيّاً؛ لا حاجة بي إلى أيّ بيانٍ، ويكفينا هذه الأحاديث التسعةُ التي تواتر عند الدكتور الفاضل نهاد عبيد أربعةٌ منها، وصحّح خمسةٌ أُخَر.

ونترك نقدَ خمسين حديثاً أخرى، سأقوم بها في تحقيقي وتخريجي أحاديثَ كتاب «خصائص علي» عليه السلام، للإمام أحمد بن شعيب النسائيّ، إنْ شاء الله تعالى.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

 فَضائِلُ الصَحابَةِ رضي الله عنهم:

مِن فَضائلِ الإمامِ عليّ الصحيحةِ، عليه السلام!؟

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) [التوبة].

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8).

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ - وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ؛ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر].

أمّا بعدُ: كتب أخونا الدكتور نهاد عبدالحليم عُبيد الطرابلسيّ أطروحتَه للحصول على درجة الدكتوراه في الحديثِ وعلومه، من جامعة أمّ القرى المباركة، في مكّة المكرّمة بعنوان (الأحاديث المرفوعة في فضل الإمام عليّ رضي الله عنه بين السنة والشيعة) عام (1987).

وقد صحبني في إعداد رسالتيه الماجستير والدكتوراه، من ساعة وضع خطّتيهما، إلى حين نوقشتا، وحصل بها على الدرجتين بتقدير (جيّد جدّاً).

والأخ الفاضل نهادٌ، رحمه الله تعالى؛ سلفيٌّ معتدٌّ بنفسه كثيراً، كان يأتيني بالفصل من رسالته «الماجستير» يكتب فيه: «وهذا ممّا مَنّ الله تعالى به عليّ، ولم يسبقني إليه أحد»!

فأبيّن له أنّه مسبوقٌ من واحدٍ أو أكثر، وطال الوقتُ حتى اقتنع بحذف هذه الجملة من كتاباته!

عندما انتهى من رسالته «الماجستير» وطبعها؛ قال لي: أتبشّرني شيخي بالحصول على درجة الامتياز؟ قلت له: سيعطونك «جيّد جدّاً» فتغيّر لونه، وقال لماذا طيّب؟ قلت له: لأنك عنيد للغاية، وهناك عشرات المواضع، التي أصررت فيها على رأيك الخطأ!

وعندما ناقشته اللجنة؛ منحته درجة «جيّد جدّاً» مع التعديل!

والأمر ذاته حصل في أطروحة الدكتوراه، رفض فيها رأيي في نقدِ أكثرَ من ثلاثين حديثاً، فمنحوه درجة «جيّد جدّاً» مع التعديل!

جاءت أطروحة أخينا في (1156) صفحةً علميّة، سوى الفهارس التي بلغت (143) صفحة.

درس فيها (751) حديثاً، صحّح منها (58) حديثاً، فيكون الضعيف والواهي والمنكر والموضوع في أطروحته البديعة هذه (693) حديثاً، اتّفقت معه على تصحيح (24) حديثاً، وانفرد هو بتصحيح أربعةٍ وثلاثين حديثاً.

هذا يعني أنّني لست شيعيّاً زيديّاً ولا إماميّاً، إذ لو كنت كذلك؛ لوافقت تلميذي هذا على تصحيح (58) حديثاً في الحدّ الأدنى، وسكتُّ!

قال الدكتور نهاد عبيد في خاتمة أطروحته (ص: 1147) ما نصّه: «لعلّ أبرز النتائجِ التي توصّلت إليها في دراستي هذه تتلخّص بكلمة واحدة، هي أنّ الفرقاء جميعاً لم ينصفوا الإمامَ عليّاً وأهل بيته إنصافاً حقيقيّاً، بل كان بعضهم جانحاً في تعظيمه وتعظيم أهل بيته، والقول بعصمتهم، والسموِّ بهم إلى درجة الملائكة، بل إلى درجة الآلهة، والعِياذُ بالله!

وبعضُهم حاول أن يردّ غلوَّ هؤلاء، فذهب يقارن بين عليّ وغيره من أكابر الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، فوقع من حيث لا يدري في انتقاص الإمام عليٍّ، والتهوين من بعض شأنه، قياساً على أولئك الأفاضل، من إخوانه الصحابة!

وراح بعضهم يردّ أحاديثَ صحيحةً بأدلّة لا تقوى على الصمودِ، ولا تصلح عللاً تعلّ بها الأحاديث، فوقعوا في تجريدِ عليٍّ من خصالٍ، لو أنهم تجرّدوا وأنصفوا؛ لأثبتوها له، ولما ضرّ إخوانَه الصحابةَ شيئاً».

وقال في (ص: 1151): «ومع أنني أعترف بأنّ أهل السنّةِ كانوا أكثر إنصافاً واعتدالاً في حبّ آل البيت، إلّا أنني وجدت بعض علمائهم، لم يوقّروهم حقَّ توقيرهم، ولم يقفوا عندَ وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيهم».

وقال في (ص: 1154) من خاتمة أطروحته:

1-«لقد تواتر عندي حديث (مَن كنت مولاه؛ فعليّ مولاه).

2- وصحّ عندي أيضاً زيادةُ (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) خلافاً لمن ذهبَ إلى وضعها أو ضعفها!

وقد بيّنت في موضع تخريج هذا الحديث من الأطروحة؛ أنّ ما قاله ابن حزمٍ من أنّ هذا الحديث لم يثبت من طريق الثقات أصلاً؛ فيه غُلوٌّ لا يقلّ عن غُلوّ الشيعة بالمقابل!

3- لقد تواتر عندي حديثُ إعطاء الراية لعليٍّ رضي الله عنه يومَ خيبر!

4- وقد تواتر عندي أيضاً حديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي)!

5- وتواتر عندي أيضاً حديثُ سدّ الأبوابِ إلى المسجد، إلّا باب عليّ!

هذه الأحاديثُ السابقةُ؛ بعضُ ما صحّ، ممّا لم يصحّحه كثيرٌ من علماءِ أهل السنّة، كابن حزمٍ وابن تيمية وغيرهما، ناهيك عن الأحاديث الصحيحة الكثيرةِ الواردةِ في فضله، والتي بلغت ثمانية وخمسين حديثاً، من غير المكرّرةِ.

وهي تنقسم إلي قسمين:

- فضائل مقرونةٌ بغيره من الصحابةِ، وعددها عشرةُ أحاديثَ.

- وفضائلُ مفردة «خاصّة بالإمام» وعددها ثمانيةٌ وأربعون حديثاً.

ثمّ إنّ الفضائل المفردة تنقسم إلى قسمين:

أ-فضائل عامّةٌ: وعددها سبعةٌ وثلاثون حديثاً.

ب-وفضائل خاصّة «وهي الخصائص» وعددها أحدَ عشرَ حديثاً».

وقال في (ص: 1153) من خاتمة أطروحته:

6- «لقد صحّ عندي حديثُ الطائر.

7- وصحّ عندي حديث (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها).

8- وصحّ عندي حديثُ (من أحبَّ عليّاً؛ فقد أحبّني، ومن أبغض عليّاً؛ فقد أبغضني)».

9- وصحّ عندي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بشّر عليّاً بالشهادةِ، وأنّه يُقتَلُ قتلاً»

 وقال في (ص: 1155): «إنّ كثيراً من الرواياتِ التاريخيّة الواردة في خصومة عليّ مع البغاةِ عليه؛ صحيحةٌ، وفيها من السوءِ الشيءُ الكثير، الذي لا يجوز تبريره «تسويغُه» مهما حاول الناس التماس المعاذير، وينبغي بيانُ أنّه خطأ وسوءٌ وقبيحٌ، إلى جانب أنّه واجبٌ شرعيٌّ، ما دام خالياً عن الشتم والسبِّ والتشفيّ؛ فأنّه يفوّتُ الفرضة على الشيعةِ في دعواهم تحزّبَنا لخصوم عليٍّ، وكراهيتنا لأهل بيته.

 وإنني أدعو علماءَ الشيعةِ الذين اتّصلتُ بهم في العراق ولبنان وفي مكّةَ المكرّمةِ القادمين لأداء فريضة الحجّ - وخاصّةً الإيرانيين - أو الذين لم أتّصل بهم في أصقاع العالم إلى كتابةِ أبحاثٍ في نقدِ الحديثِ، وبيانِ دخائلِ كتبِ الشيعةِ، وما فيها من موضوعاتٍ ومنكراتٍ وأباطيل، هم أنفسهم يعتقدون كذبها وبطلانها، ولكنّهم لا ينبّهون على ذلك، ممّا يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على عقول عوامّهم وجهلتهم - وما أكثرهم! - وبالتالي يحول بينهم وبين رؤيةِ الحقّ.

وأخيراً أدعو علماء أهلِ السنّةِ المتخصّصين ليقوموا بدراسات علميّة متجرّدةٍ منصفةٍ، يوازنون فيها بين مناهج نقّادنا ومناهج علماء الحديث من الشيعةِ، ليكون ذلك سبيلاً لأن ينظر الشيعةُ بعين الإنصاف والعدلِ إلى علمائنا، بدلاً من نظرتهم الحانقة الحاقدةِ إليهم!

كما أدعو علماءنا الأفاضل «من أهل السنّةِ» إلى هجر العباراتِ القاسيةِ والكبيرةِ، التي يرمون بها الشيعة؛ لأننا دعاةٌ إلى الله تعالى، ولسان الداعية أنظف من لسان الخصم الحاقد أو المحارب»!

بعد هذا البيان الطويلِ نسبيّاً؛ لا حاجة بي إلى أيّ بيانٍ، ويكفينا هذه الأحاديث التسعةُ التي تواتر عند الدكتور الفاضل نهاد عبيد أربعةٌ منها، وصحّ خمسةٌ أُخَر.

ونترك نقدَ خمسين حديثاً أخرى، سأقوم بها في تحقيقي وتخريجي أحاديثَ كتاب «خصائص علي» عليه السلام، للإمام أحمد بن شعيب النسائيّ، إنْ شاء الله تعالى.

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 21 ديسمبر 2025

 فَضائِلُ الصَحابَةِ رضي الله عنهم:

مِن فَضائلِ عثمان بن عفّان الصحيحة!؟

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) [التوبة].

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8).

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ - وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ؛ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر].

أمّا بعدُ: أخرج البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم، باب مناقب عثمان بن عفّان رضي الله عنه خمسة أحاديث (3695 - 3699) وافقه مسلم على تخريج الحديث الأول (3695).

بينما أخرج مسلم في كتاب فضائل الصحابة، بابٌ من فضائل عثمان بن عفّان حديثين (2401، 2402، 2403) وافقه البخاريّ على تخريج حديثٍ واحدٍ منهما (2403).

(1) بإسنادي إلى الإمام البخاري في فضائل أصحاب النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم، باب مناقب عثمان بن عفّان رضي الله عنه (3695) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ «السختيانيّ» عَنْ أَبِي عُثْمَانَ «النهديّ» عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ حَائِطًا وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ الْحَائِطِ.

فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ.

ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا عُمَرُ.

ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ؟ فَسَكَتَ «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى سَتُصِيبُهُ، فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) وأخرجه مسلم (2403).

(2) وبإسنادي إلى الإمام البخاريّ في الكتاب والباب نفسيهما (3696) قال: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يُونُسَ «قال» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ «بن الزبير» أَنَّ عُبَيْدَاللهِ بنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَا: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ عُثْمَانَ لِأَخِيهِ الْوَلِيدِ، فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ؟ فَقَصَدْتُ لِعُثْمَانَ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ، قَالَ:  يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ «قَالَ مَعْمَرٌ أُرَاهُ قَالَ»: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَانْصَرَفْتُ،فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ.

إِذْ جَاءَ رَسُولُ عُثْمَانَ «يعني يستدعيه» فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا نَصِيحَتُكَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكُنْتَ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ؟

قَالَ «عثمان»: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَخْلُصُ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا.

قَالَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، فَكُنْتُ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ، وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ - كَمَا قُلْتَ - وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَايَعْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُهُ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ.

أَفَلَيْسَ لِي مِنْ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ؟ قُلْتُ: بَلَى! قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ؟ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ الْوَلِيدِ؛ فَسَنَأْخُذُ فِيهِ بِالْحَقِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

 ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ، فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ» انتهى.

(3) وبه إليه فيه (3698) قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ - هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ.

قَالَ: فَمَنْ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ، فَحَدِّثْنِي!

هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ؟

قَالَ: نَعَمْ!

قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ.

قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَغَفَرَ لَهُ.

وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً!

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ!

وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ؛ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ.

فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى «قال = أشار»: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ».

(4) وبه إليه فيه (3699) قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ «بن مسرهدٍ»: حَدَّثَنَا يَحْيَى «القطّان» عَنْ سَعِيدٍ «هو ابن أبي عروبة» عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَدَّثَهُمْ قَالَ:

صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحُدًا، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ «جبلُ أحد» فقال الرسول: (اسْكُنْ أُحُدُ) «قال أنس: أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ» فَلَيْسَ عَلَيْكَ، إِلَّا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) وقد تقدّم في فضائل أبي بكر (3675) وفي فضائل عمر (3686).

(5) وبإسنادي إلى الإمام مسلم في فضائل الصحابة، بابٌ من فضائل عثمان رضي الله عنه (2401) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ «بن سعيدٍ» وَابْنُ حُجْرٍ «هو عليّ بن حجر بن إياسٍ» قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا.

وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ يَسَارٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي، كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ، أَوْ «قالت»: سَاقَيْهِ!

 فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ!

ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ!

ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَوَّى ثِيَابَهُ!

 قَالَ مُحَمَّدٌ «بن أبي حرملة»: وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ!

فَلَمَّا خَرَجَ؛ قَالَتْ عَائِشَةُ «للرسول»: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ «طلاقة الوجه» وَلَمْ تُبَالِهِ!

 ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ، وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ، فَجَلَسْتَ، وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ؟

فَقَالَ «رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»: (أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ، تَسْتَحيي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ).

وأخرجه مسلم من طريق سعيد بن العاص الأمويّ الصحابيّ عن عائشة مرفوعاً، به نحوه (2401).

قال الفقير عداب: آثرتُ عدم دراسةِ أيّ حديثٍ؛ لأنني قرفتُ تشكيكَ بعضِكم، واتّهامهم النوايا، وعزمهم الأكيد على أنْ لا يخرجوا من الصندوق الطائفيّ المقيت!

والله المستعان.

والحمد لله على كلّ حال.