مسائل فكريّة:
الطائفيّةُ بريدُ التَكفيرِ والقَتْلِ!؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الطائفيّةُ تعني في أيسرِ ما تعنيه؛ الانتماءَ
العقديَّ والفكريَّ والسلوكيَّ إلى طائفةٍ من الناسِ، تابعت عالماً من العلماءِ،
أو مفكّراً من المفكّرين في اجتهاداته، ونبذت اجتهاداتِ غيره ممَّن يخالفه.
والمذهبيّةُ فرعٌ أصيلٌ عن الطائفيّةِ، إنْ لم
تَكُنْ تقييداً لإطلاقها!
فالحنفيّةُ = مذهبٌ سنيٌّ ينتسب أتباعُه إلى العالم
أبي حنيفةَالنعمانِ بن ثابت الفارسيِّ (ت: 150 هـ).
والمالكيّةُ = مذهبٌ سنيّ ينتسب أتباعُه إلى العالم
أبي عبدالله مالك بن أنسٍ الأصبحيّ اليمانيّ (ت: 179 هـ).
والشافعيّةُ = مذهبٌ سنيٌّ ينتسبُ أتباعُه إلى
العالم أبي عبدالله محمد بن إدريسَ الشافعيّ القرشيِّ (ت: 204 هـ).
والحنبليّةُ = مذهبٌ سنيٌّ ينتسب أتباعُه إلى
العالم أبي عبداللهِ أحمد بن محمّد بن حنبلٍ الشيبانيّ (ت: 241 هـ).
والإباضيّةُ = مذهبٌ ينتسبُ أتباعُه إلى القائدِ
عبدالله بن إباضٍ التميميِّ المُريِّ الشيعيِّ، ثمّ الخارجيِّ (توفي بعد: 80 هـ).
والزيديّةُ = مذهبٌ شيعيّ ينتسبُ إلى عالمِ أهل
البيتِ في زمانه زيدِ بن عليّ الهاشميّ (استشهد: 122 هـ).
والجعفريّةُ = مذهبٌ شيعيّ ينتسب إلى عالمِ أهل
البيت في زمانه جعفر بن محمّد بن عليّ الهاشميّ (ت: 148 هـ).
والإسماعيليّةُ = مذهبٌ شيعيٌّ ينتسبُ أتباعُه إلى محمّد
بن إسماعيلَ بن جعفرِ بن محمد الهاشميّ، ابنِ الذي قبله (ت: 138 هـ).
والمدارسُ السنيّةُ الأربعُ تجمعُ جميعها على أصولٍ،
من أبرزها القدل بقدم القرآن الكريم (غير مخلوق) وعدالةِ جميع الصحابة، كبيرهم
وصغيرهم، وتقيّهم، ومن دون الأتقياء منهم فضلاً، استئناساً بقول الله تعالى:
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
الْكَبِيرُ) والقولِ بالقدر، وعدم جواز الخروج على الحاكم الظالم الجائر.
ثمّ تختلف فيما بينها أشدّ ما يكون الاختلاف!
والمذاهبُ الشيعيّةُ الأربعة تجمع جميعها على أصول،
من أبرزها:
العدلُ والتوحيدُ، وبطلانُ اطّرادِ عدالةِ جميع
الصحابة، وبطلان القولِ بالجبر، وجواز الخروج على الحاكم الجائر.
ولو أنّنا أنْعَمْنا النَظَرَ في بطونِ الكتبِ
العقديّة «الكلامية» لدى أتباعِ هذه المذاهبِ الثمانية؛ لوجدنا فيها مَسائلَ يكفّر
بها أتباعُ كلِّ مذهبِ بقيةَ أصحاب المذاهب الأخرى، أو يضلّلونهم.
فمسألة خلق القرآن مثلاً، يكفّر أحمدُ ابن حنبلٍ
جميع القائلين بخلق القرآن (الإباضيّة والمعتزلة والزيديّة).
ويضلّل ويبدّع الواقفةَ «الذين يقولون: القرآن
كلامُ الله» ولا يزيدون، وهم الجعفريّة والإسماعيليّة وبعضُ أهل السنة، منهم
الحسين بن علي الكرابيسيّ الشافعيّ، ومنهم الفقير عداب.
وأحمدُ ابن حنبلٍ يضلّل ويبدّع الذين يقولون: (لفظي
بالقرآن مخلوق) ومن هؤلاء البخاريّ ومسلم وسائرُ الأشاعرةِ والماتريديّة وابن
تيمية وابن القيّم من الحنابلة، والفقير عداب!
وجماهيرُ الأمّة بطوائفها - ما عدا الحنابلة -
تكفّر المجسّمة والمشبّهة، ويعنون بذلك الكُرّاميةِ والحنابلة، والفقير عداب لا
يكفّر المجسّمةَ والمشبّهةَ؛ لأنْ ليس فيهم عالمٌ مجتهدٌ، على نحو ما تقدّم من
وجوبِ تحصيل علومٍ كثيرةٍ، حتى يستحقَّ العالم رتبةَ مجتهد، والعُذْرُ بالجهل مذهبي!
وبهذا تكون أمّةُ الإسلام جميعها - بدون استثناء - بين كافرٍ وضالٍّ ومبتدع، بعضُها في
نظر الآخرين من أمّة الإسلام!
ولكي نخرجَ من دائرةِ التكفير والضلال والتبديع؛ لا
بدّ من أنْ نعتقدَ جميعاً بما يأتي:
أوّلاً: لا بدَّ من أنْ نعتقدَ بأنّه لا يوجد أحدٌ
معصوماً عن الخطأ في السلوك، وعن القصور في الاجتهاد، بدْءاً من الصحابةِ رضي الله
عنهم، وإلى زماننا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يوجد أدنى دليلٍ
على عصمة الإمام عليٍّ ولا بقيّةِ أئمّة الإماميّة: الجعفريّة والإسماعيليّة!
ثانياً: لا بدَّ من أنْ نعتقدَ بأنّ «اجتهادَ» مَن
سوى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لا يُلزِمُ أحداً سواه، من الصحابةِ فمن
بعدهم، وهم لم يدعوا الناس إلى تقليدهم، والإمام عليٌّ عليه السلام حكم الأمة خمس
سنين، وكان أقربُ تلامذته إليه عبدُالله بن عبّاس؛ يخالفُه في كثيرٍ من المسائلِ،
وهو أحدُ قُوّاده وأهلِ مشورته، ولم يلزمه الإمام عليٌّ بمتابعته، ولم يقلْ له:
إنّه إمام معصوم معيّنٌ من قبلِ الله تعالى!
ومن سوى الإمامِ عليٍّ؛ جميعهم دونَه في كلّ شيءٍ
من أمورِ الدين والعلم!
فأنْ تذهب أنت أيها الإماميّ، فتعتقدَ أنّ أئمّتك
معصومون، وأن الأمّة مطالبةٌ بمتابعة اجتهادهم، ولا تُلزم الأمّةَ باتّباع من هو
أعلم منهم، أو من بعضهم؛ فهذا ضلالٌ مبين!
أين علمُ جدّي محمدٌ الجوادِ، وعلم جدّي عليّ
الهادي العسكريّ، وعلم ولده الحسن العسكري؟ رحمهم الله تعالى.
إن قلتَ لي: كتبنا زاخرةٌ بالرواياتِ عنهم؛ أُجِبْك:
كتبهم الروائيّة لا يثبت بصحيحها إلزامٌ وحقٌّ؛ لأنّ هؤلاء الأئمّة ليسوا منصوبين
من الله تعالى، وليسوا أعلمَ من غيرهم يضاف إلى هذا أنّ (90%) من تلك الروايات
هزيلةٌ باطلة، فاقدةٌ صفةَ الثبوتِ، فضلاً عن صفة الدين الملزم!
ثالثاً: لا بدَّ من أنْ نعتقدَ بأنّ حجيّةَ أقوال
السلف؛ هي عندما يجمعوا فحسب، صحابةً كانوا، أم تابعين، أم مَن هم دونهم.
فلا يجوز شرعاً أنْ تختارَ أنت عدداً من السلفِ،
تجعلهم قُدوتَك، ثمّ توجبُ على بقيّةِ الأمّةِ اتّباع هؤلاء السلفِ المَرضيين
عندك.
ولهذا أقول دائماً: إنّ العقليّةَ الوهابيّة؛ مثل
العقليّة الإماميّة تماماً!
الإماميّة يقولون: إنّ مذهبهم هو مذهب آلِ البيت
المعصومين، وعلماءُ آل البيت ليسوا بمعصومين، وليسوا بأعلم من غيرهم، ولا يوجد بين
أيدينا نصوصٌ تثبت وجوبَ اتّباع أقوالهم، على كثرة ما اختلفوا فيما بينهم!
والوهّابية يلزمون الأمّةَ بمقولة: (الكتاب والسنّة
بفهم السلف الصالح) وهي مقولةٌ لا تقلُّ قبحاً وبعداً عن مقولةِ الإماميّة، إضافةً
إلى ما يصاحبها من شدّةٍ وغلظةٍ في الدعوةِ والحوار.
رابعاً: لا بدَّ أنْ نوقنَ بأنّ الأمّةَ غيرُ
راشدةٍ قطعاً، ولكي تعودَ إلى رُشْدها، يجبُ الابتعادُ تماماً عن قداسةِ الآباءِ
من علماء آل البيت، وعلماء السلف، وأن نَعُدَّ جميعَ ما ثبتَ نَقلُه عنهم - دون
روايته لأعلى! - هو اجتهادٌ شخصيّ، من كلّ واحدٍ منهم.
أمّا مقولةُ: «قولي هو قول أبي، وقول أبي هو قول
جدّي» استنباطٌ ممّن نَسبَ إليهم هذه المقولةَ، ولا أدلَّ على وهائها من اختلافهم،
وفسادِ طرقِ الروايةِ إليهم.
خامساً: يجب على الحاكم المسلمِ - وأوَّلهم رئيس
بلدي سوريّا الحبيبة - أن يهتّموا أشدَّ الاهتمامِ بالعلماء، وأنْ يكرموهم بحيث
يستطيعون التفرّغَ للعلم والتكميل والاجتهاد.
ثمّ عليهم أنْ ينشؤوا معاهدَ علميّةً تخصّصية، بعد
المرحلةِ الجامعيّة الأولى، مُدّةُ الدراسة في كلّ معهدٍ سنتانِ، على الترتيب التصاعديِّ
الآتي:
أوّلاً - المعهد العلميّ العالي للحديثِ النبويّ: يُدرّس
للباحثين في هذا المعهد:
علومَ الحديث النظريّة «كتب الاصطلاح» وكتب العلل،
وكتب الجرح والتعديل، والتخريج التطبيقيّ لكلِّ باحثٍ على تخريج (200) يختارها
المعلّم المحدّث الناقدُ في الصحيحين فحسب!
إذْ الذي يقول في عصرنا هذا: «جميع ما في الصحيحين
صحيح؛ مجنون رسميّ» ففي الصحيحين معاً:
(200) راوٍ ضعّفهم ابن حِبّان وحده!
(142) راوياً أعطاه ابن حجر درجة (مَقبول) إذا
توبع، وإذا توبع؛ يكون حديثُه في درجةِ (حسن لغيره).
(91) راوياً، وصفهم الحفّاظُ بضربٍ من أضربِ
الجهالةِ.
(114) راوياً من الوُحدانِ «الذين لم يروِ عنهم
إلّا راوٍ واحدٍ».
(115) راوياً، سكت الحفّاظ المتقدّمون عن الحكم
عليهم بجرح أو تعديل.
يُضافُ إلى هذا اختلافُ رواة الحديث الواحدِ، فيما
بينهم:
بين الرفع والوقف.
بين الإرسال والاتّصال,
بين الانقطاعِ والاتّصال.
بين النقصان والزيادة.
وما سوى ذلك من علوم الجرح والتعديل كثير جدّا،
تدلّ عليه كتبُ «الاصطلاح» دلالةً ظاهرةً لا تخفى على الباحثين.
ودعوى الإجماعِ باطلةٌ تماماً، فالإمام البخاريُّ
أوّل من أفردَ الصحيحَ من الحديثِ، فجمع فيه (2561) حديثاً من دون تكرار.
فجاء مسلمٌ، فوافقه على (1718) حديثاً، وأعرض عن
الباقي.
وجاء الترمذيّ فوافق البخاريّ ومسلماً معاً على
(1096) حديثاً.
ووافق الترمذيُّ البخاريَّ وحده على تخريج (1283)
حديثاً.
ووافق الترمذيُّ مسلماً وحده على تخريج (1568)
حديثاً.
فيكون الترمذيّ أخرج ممّا أخرجه كلٌّ من البخاريّ
ومسلمٍ، من دون تكرار (1782) من مجموع أحاديث كتابه البالغِ (3956) حديثاً.
ولم تكن الأحاديثِ التي وافقهما الترمذيّ على
تخريجها على درجةٍ واحدةٍ من القبول!
بل فيهما من حكم عليها بحكم (حسن صحيح) و(صحيح)
و(حسن غريب) و(حسن) وأبدى وجهةَ نظره في مئاتِ الأحاديثِ التي أعلّها.
فكيف يتأتّى أن يقول قائلٌ: «جميع ما في البخاريّ
صحيح لذاتِه، وصحيح لغيره»؟
يُضافُ إلى هذا؛ أنّ (100) عالمٍ من أهل السنّة -
في الحدِّ الأدنى - قد ضعّف كلٌّ منهم حديثاً أو أحاديثَ في الصحيحين، سأفرد لهم،
أو لبعضهم منشوراً خاصّاً، إنْ شاء الله تعالى.
ومن برع ونجح في هذا المعهد، بدرجة (95%) دخل في المعهد
الثاني.
ثانياً -المعهد اللغويّ العالي لفنونِ العربيّة:
يُدرَّس فيه جميع علوم وفنون العربيّةِ التي ضمّ «المُزهرُ» للسيوطيِّ التعريفَ
بها.
ومن تفوّق في هذه العلوم كلّها بدرجة (95%) دخل في الثالث.
ثانياً- المعهد الأصوليّ العالي: يُدَرّس فيه علم
أصول الفقه لدى مذاهب أهل السنّة في السنة الأولى، وعلم أصول الفقه لدى الشيعةِ في
السنة الثانية.
ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) دخل في المعهد
الثالث.
ثالثاً - المعهد العالي لمقاصد الشريعةِ ومصالحها
ومكارمها: وُيدّرس في هذا المعهدِ القواعد الفقهيّة، ونظرية المصلحة المرسلة،
ونظرية سدّ الذرائع، ونظرية المقاصد الشرعية، ونظريّة (الحقّ وسلطان وليّ الأمر
المسلم في تقييده).
ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنحَ درجة
مدرّس، ودخل في المعهد الرابع.
رابعاً- المعهَد العالي لعلومِ الفقه المقارنِ
والنوازل: ويُدرَّسُ في هذا المعهد الفقه المقارن لدى أهل السُنّة في السَنَة
الأولى، والفقه المقارن لدى المذاهب الشيعيّة مع الموازنة في السنة الثانية.
ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنح درجة
أستاذ مساعد، ودخل في المعهد الخامس.
خامساً: المعهد العالي لأصول التفسير وعلوم القرآن:
ويدَرَّسُ في هذا المعهد أصول وضوابط التفسير، والتفسير التحليليّ، والتفسير
الموضوعي، والتفسير التعليمي الشامل للقرآن الكريم، وعلوم القرآن، في حدود كتاب
الدكتور فضل حسن عبّاس «فرقان الإتقان» مع تصويبِ أستاذِ هذه المادّة لما في هذا
الكتاب من مجانبةِ الصواب.
ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنح درجة
أستاذ، ودخل في المعهد السادس.
سادساً: المعهد العالي لمقارنةِ المذاهبِ العقديّةِ
والأديان، ويدرَّس في هذا المعهد أصول المذاهب العقديّةِ والفكريّة الإسلاميّةِ في
السنة الأولى.
ويُدرّسُ أصولِ الأديانِ والمذاهب الفكريّةِ
المعاصرةِ في السنة الثانية.
وقد أخّرتُ هذه المرحلةِ إلى هذا الموضع؛ لأنّ
العقائدَ هي الفقه الأكبرِ، ومن الخطأ تلقين الطلّابِ العقيدةَ، وهم جهلةٌ أغرار،
إنّما يدرسونها وهم علماء متمكّنون، ليكون للواحدِ منهم بناءُ عقيدته اجتهاداً، لا
تقليداً.
ومن أغرب غرائبِ قولِ أحدِ ناطمي متون العقائد
الأشعريّة وشارحه قوله:
(فكلُّ مَنْ كُلّفَ شرعاً؛ وَجبا
عليه أنْ يعرفَ ما قد وجبا
للهِ والجائزَ والممتنعا
ومثلَ ذا لرسله، فاستمعا
إذْ كلُّ من قلّدَ في التوحيدِ
إيمانُه لم يَخْلُ من ترديد)
ومع هذا لا يجوز بحالٍ من الأحوالِ أن تخالفَ
الأشاعرةَ، وإلّا فأنت ضالٌّ مضلٌّ، في أحسن أحوالك!
أمّا وفقَ منهجنا الذي ذكرناه سابقاً؛ فيحقّ لك أن
تخالفَ جميعَ علماءِ الأمة في المسائل الخلافيّة، وأنت مأجورٌ مثابٌ.
ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنح درجة
أستاذ متمرّس، ودخل في المعهد السابع.
ومن وصل إلى درجة أستاذ متمرّس؛ يحقّ له تعليمُ
الموادِّ العلمية السابقة في المراحل الستّ المتقدّمة كلّها.
سابعاً: المعهد العالي لإعداد المجتهدين: لا يَدرسُ
العالم في هذه المرحلةِ أيّ موادَّ دراسيّة، إنّما يُمنح من ثلاثِ إلى أربعِ
سنواتٍ؛ ليكتب أطروحة علميّةً في موضوعاتٍ خلافيّةٍ، يُوافق عليه العلماءُ الذين
حصلوا على درجة «أستاذ متمرّس» فحسب.
فإذا قُبلَت أطروحتُه وحازت على درجة (95%) أعطي
درجةَ (مجتهدٍ مطلق) وغدا من حقّه أن يكون وزيرَ العدلِ، أو رئيس مجلس النوّاب، أو
رئيس مجلس الإفتاء العام، أو رئيس مجلس القضاء الأعلى.
وأنا أجزم بأنّ أحداً من أئمّة المذاهب الإسلاميّة كلها؛
لم يبلغ هذه المراتبِ العلميّةِ كلّها، وإنْ كان أحدٌ قد بلغ هذه المراتب في
تاريخنا، بعدَ مجتهدي الصحابة رضي الله عنهم؛ فهم نوادر، من أمثال الإمام الشافعيّ
والإمام ابن حزم، والإمام ابن عبدالبرّ، والإمام القرافي.
ختاماً: كان على حكّام المسلمين في تاريخنا
الطويلِ؛ أنْ لا يكرّسوا فكرةَ التقليدِ، الذي هو تبعٌ للاجتهادِ الفرديّ، وإلزام
الناسِ بالمذهبيّة الممزّقة.
بيد أنّ الساسةَ يهمّهم أمران:
الأوّل: دوام تربّعهم على عروش بلاد المسلمين.
والثاني: تأمينُ كفايةِ الرعيّة من الضروريّات
الخمسِ، في حدّها الأدنى، على النحو الآتي: حفظ النفس، وحفظ النسل، حفظ العقل،
وحفظ المال، وحفظ اسمِ الدين.
أمّا حفظُ
حريّةِ المسلمِ وكرامتِه؛ فلم أقفْ على مَن كان يهتمّ أن تتمتّع الرعيّةُ بها.
هكذا هو الترتيب عند حكّام المسلمين، على مدار
التاريخ.
وأنا أرجو من حكّامنا في سوريا الحبيبة أنْ تكون
الضروريّات لديهم، على النحو الآتي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظُ
حريّةِ المسلمِ وكرامتِه، وحفظ النسل، وحفظ المال.
وإنّما جعلتُ رتبةَ حفظِ الدين ثالثاً؛ لأنّ
المتوفَّى لم يعد لديه ضروريات حياتية.
ولأنّ غير العاقلِ غيرُ مطالبٍ بالدين أساساً.
وفي المنشورِ التالي؛ سأعرضُ للقارئ الكريم
منقولاً، تدلُّ على أنّ علماءَ جميع فرق المسلمين المتقدّمة؛ إنما يريدون بعلمهم
واجتهاداتهم وجهَ الله تعالى، ولم أقف على مَن يريد هدمَ الدين من العلماء
المعتمدين لدى كلِّ مذهب!
أمّا تكفيرُ بَعضِنا بَعضاً، واستحلالُ بعضِنا
دماءَ بعضٍ، وقيامُ هذه الحروب بيننا؛ فأكبر أسبابها هذه المذاهبُ المقدّسةُ، وليس
فيها مذهبٌ مقدّسٌ.
والله تعالى أعلم
والحمد لله على كلّ حال.