الخميس، 8 يناير 2026

 مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ والِدَةُ الرسولِ محمّد في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعد: إنّ إطلاقَ القولِ: «إنّ كلّ ما في الصحيحين من الأحاديث؛ صحيح».

والقولِ: «حديث الآحاد حُجّة في العقائدِ والأحكام» قاعدتان باطلتان، أفسدتا على المسلمين عقائدهم وأعمالهم وأخلاقهم، وجعلتاهم فرقا ومذاهبَ وأحزاباً (كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون)!

قال الإمام الخطّابي في معالم السنن شرح سنن أبي داود (1: 6):

« اعلموا أنّ الحديثَ عند أهله على ثلاثةِ أقسامٍ:

حديثٌ صحيحٌ، وحديث حسنٌ، وحديث سقيم.

فالصَحيحُ عندَهم: ما اتّصل سندُه وعُدّلَتْ نقلتُه.

والحسنُ منه: ما عُرف مخرجُه واشْتُهِر رجالُه، وعليه مدارُ أكثرِ الحديثِ، وهو الذي يَقبلُه أكثرُ العلماءِ، ويَستعملُه عامّة الفُقهاء» [انتبهوا إلى جملة: عليه مدار أكثر الحديث]!!

قال عداب: وهذا ينطبق على صحيح البخاريّ وصحيح مسلم؛ فإنّ أكثرَ أحاديثِهما من درجة «الحسن» خلافاً للإطلاقاتِ العامّة التي لم تبنَ على تخريجٍ ونقدٍ وتمحيص!

فقد خرّجت حتى عام (2012) (1390) حديثاً من أحاديثِ الأحكام، في صحيح البخاريّ: كتب (الطهارة والصلاة والصلوات الخاصة والصيام).

فكان عددُ الأحاديثِ الضعيفةِ أربعةَ أحاديث.

وكانت نسبةُ الأحاديث الحسنة (63%) من هذه الأحاديث.

وكانت نسبة الصحيح لذاته ولغيره (37%) منها.

فالقول بأنّ جميع ما في الصحيحين؛ صحيح؛ جعل أهل الحديثِ وأهل الفقه - على حدّ سواء - يتخبطون في الاستدلال بهذه الأحاديث، على هذا النحوِ الذي صوّره لنا الخطّابي رحمه الله تعالى، إذ قال في مقدمة المعالم (1: 3):

«فأما هذه الطبقةُ، الذين هم أهل الأثر والحديث؛ فإنّ الأكثرين منهم، إنمّا وُكْدُهم الروايات وجمع الطرق، وطلبُ الغريب والشاذ من الحديثِ، الذي أكثره موضوع أو مقلوب!

لا يُراعون المتونَ، ولا يَتفهمون المعاني، ولا يَستنبطون سِيَرها، ولا يَستخرجون رِكازَها وفقهَها، وربما عابوا الفقهاءَ، وتناولوهم بالطعن، وادّعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يَعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.

وأما الطبقةُ الأخرى، وهم أهل الفِقهِ والنَظر؛ فإن أكثرهم لا يُعرّجون مِن الحديثِ، إلاّ على أقَلِّه، ولا يَكادون يميّزون صحيحَه من سقيمه، ولا يَعرفون جيّده مِن رَديئِه، ولا يَعبؤون بما بلغهم منه؛ أن يحتجوا به على خصومَهم، إذا وافقَ مَذاهبَهم، التي ينتحلونها، ووافقَ آراءَهم التي يَعتقدونَها، وقد اصطلحوا على مواضعةٍ بينهم في قبولِ الخبرِ الضَعيفِ، والحديثِ المُنقطعِ، إذا كان ذلك قد اشتُهر عندَهم، وتعاورته الألسنُ فيما بينهم، من غيرِ ثَبَتٍ فيه، أو يَقينِ عِلمٍ به، فكان ذلك ضِلّةً مِن الرأيِ وغَبْناً فيه».

ولأجل هذا الذي استَيْقَنْتُه بعملي؛ أدعو دائماً إلى إعدادِ المجتهدين، وترك التعصّبِ للماضين، فليسوا هم- والله - بالصور المضخمة التي صوّرها لنا أتباعُهم، ولا عقولهم بالعقولِ التي تَحجُبُ عن النظر والاجتهاد عقولنا.

عودٌ على بَدْءٍ:

بإسنادي إلى الإمام مسلمٍ في كتاب الجنائز، باب استئذان النبيّe ربّه عزّ وجلّ في زيارة قبر أمّه (976) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ).

مدار حديث الباب على يزيد بن كيسان اليشكريّ، رواه عنه مروان بن معاوية الفزاريّ، ومحمّد بن عبيدٍ الطنافسيّ.

ويزيد بن كيسان هذا، قال فيه ابن حجر في التقريب: «صدوق يخطئ» وترجمه ابن حبّان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، وقال يحيى بن سعيد القطّان: صالحٌ وسطٌ، ليس هو ممن يُعتمد عليه.

وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديثِ، بعضُ ما يأتي به صحيح!

وقال الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».

ويزيد بن كيسان دون مرتبة صدوق بكثير، فحديثه هذا منكر!

هذا من جهةِ الإسنادِ، أمّا من جهة المتن:

فقوله فيه (اسْتَأْذَنْتُ ربّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأُذِنَ لِي) معارض معارضةً صريحةً لقول الله تعالى:

(وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) [التوبة].

فلو كانت والدةُ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من الفاسقين والكافرين؛ لما أذن الله تعالى لرسوله أن يزور قبرها.

وقال الله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) فالذي يبكي على قبر أمّه، ويَبكي مَن حولَه تأثّرا ببكائه؛ لا يكون راضياً أبداً أن يكون والداه من أهل النار!

ختاماً: الفقير عداب لا يقول: إنّ والدي الرسول مؤمنان؛ لأنّ وصف الإيمانِ يلحقُ من آمن بالله تعالى وبرسوله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ووالدا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم توفيا قبل بعثة ولدهما الرسول.

فنحن نقول: إنهم من الناجين يوم القيامةِ؛ لأنهما وأمثالَهما يشملهم قوله تعالى: (مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 5 يناير 2026

      مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

هَلْ والدا الرسول محمّد في النار؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعد: قرأتُ لأحدِ تلامذتي «السلفيين» منشوراً نَقلَه عن غير مسمّى، يبثت فيه كاتبه أنّ والدي الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم في النار:

- عبدُالله بنُ عبدالمطّلبِ بن هاشم الذي توفيّ والرسولُ رضيعٌ، وقيل: بل توفي قُبيلَ ولادة ابنه الرسول.

- آمنةُ بن وَهبِ بن عبدِ منافٍ الزُهريّة، التي توفّيت، وعمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ستُّ سنواتٍ.

أقول وبالله التوفيق:

عندما قال الله تبارك وتعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) [المسد] قلنا: إنّ أبا لهبٍ عمَّ الرسول محمّدٍ؛ في النار.

وعندما سكتَ القرآن عن عبدالمطّلب وأبي طالبٍ وعبدالله وأمثالهم؛ يجب علينا البحثُ عن أدلّةٍ أخرى، تصلح للقول بنجاتهم، أو القولِ بهلاكهم!

وقبل عرضِ أدلّة نجاتهم المختلفَ في دلالتها؛ علينا أنْ نعرضَ أدلّةَ هلاكهم الواضحةِ الدلالة!

أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ؛ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَا تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ (203) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ «هو ابن مسلمٍ» حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ «البُنانيِّ» عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (فِي النَّارِ) فَلَمَّا قَفَّى؛ دَعَاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ).

قال الفقير عداب: مدار هذا الحديثِ على حمّاد بن سلمةَ، ويقول عددٌ من النقّاد: إنّه من أثبتِ الناسِ في ثابتٍ البُنانيّ!

بيد أنّ البخاريّ لم يخرّج لحمّاد بن سلمةَ أيَّ حديثٍ أصلاً، إنّما خرّج له في المتابعاتِ!

وخرّج له بإسناد حديثِ الباب «حمّاد عن ثابتٍ عن أنسٍ» أربع رواياتٍ (2845، 2872، 3805، 6439) جميعها في المتابعاتِ، وهذا يعني أنّ البخاريّ يقبلُ حمّادَ بن سلمةَ في المتابعاتِ، ولا يَقبلُ ما ينفردُ به، وحديثُ البابِ من أفرادِ حمّادٍ، وأعرض عنه البخاريّ!

وقد عابَ ابنُ حبّان على البخاريّ عدمَ احتجاجِه بحمّاد بن سلمة، فكان مما قال في مقدمة صحيحه (1: 153): فإنْ قال «المدافع عن البخاريّ»: حمادٌ قد كثر خطؤه!

قيلَ له: إنّ الكثرةَ اسمٌ يَشتمل على معانٍ شتّى، ولا يستحق الإنسانُ ترك روايته، حتى يكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه!

فإذا فَحُش ذلك منه، وغلب على صوابه؛ استحق مجانبة روايته.

وأما مَن كثر خطؤه، ولم يَغلب على صوابِه؛ فهو مقبولُ الرواية فيما لم يخطىء فيه، واستَحق مجانبةَ ما أخطأ فيه فقط»!

وفي هذا النصّ المقتطعِ من كلامٍ طويلٍ لابن حبّان في حمّاد نَخلص إلى ثلاثةِ أمورٍ:

الأوّل: أنّ حمّاداً كبيرٌ جدّاً عند ابن حبّان، إذ قال في الثناء عليه:

«كان رحمة الله ممن رحل وكتب وجمع وصنف وحفظ وذاكر ولزم الدين والورع الخفي والعبادة الدائمة والصلابة في السنة والطَبَقِ على أهل البدعِ.

ولم يشك عوام البصرة أنه كان مستجاب الدعوة، ولم يكن في البصرة في زمانه أحدٌ - ممّن نسب إلى العلم - يُعَدُّ من البدلاء غيره، فمن اجتمع فيه هذه الخصالُ، لم استحق مُجانبَة روايتِه»؟

الأمر الثاني: حديثُ أنسٍ الذي يجعل والدَ الرسولِ في النار؛ أخرجه ابنُ حبّان في صحيحه، فيكون ممّا لم يخطئ فيه حمّادٌ، في نظرِ ابنِ حبّانَ!

الأمر الثالث: أقرّ ابن حبّان بأنّ حمّاداً يخطئ كثيراً، وما دام يخطئ كثيراً، وقد تفرّد بهذا الحديث؛ فلا ينبغي أن يخرّج هذا الحديثُ وأمثالُه في كتب الصحاح، وقد أصاب البخاريّ في ذلك!

يضافُ إلى ما تقدّم أنّ هوى حمّاد بن سلمةَ هوى البصريين، وفيهم ميلٍ عن آل البيت، ورواية فضائلهم.

ومما يؤكّد هذا، ما أسنده ابن عديٍّ في ترجمة حمّادَ بن سلمةَ (3: 44)  قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سَمعتُ هدبةَ بنَ خالدٍ يقول: صَلّيتُ على شُعْبَة «يريد: دعوتُ له» فقيل له: رأيتَه؟ فغضب وقال: رأيت حماد بن سلمة، وَهو خير منه، كان شُعْبَة سيّئاً، وكان رأيُه رأي الكوفيين.

والحديثُ يَحتمل من النقدِ أكثرَ ممّا ذكرتُ، وفي هذا القدر كفاية!

لننتقل بعد ذلك إلى موقفِ القرآن الكريم، ممّن أطلق عليهم علماؤنا «أهلَ الفترة» فأقول: يقول الله تبارك وتعالى:

1 (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) [النساء].

2 (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) [المائدة].

3 (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) [الإسراء].

4 (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43).

وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) [سبأ].

6 (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) [القصص].

7 (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) [السجدة].

قال الفقير عداب: يقول الله تبارك وتعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).

ويقول عن قريشٍ: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا، وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ).

أليس هذا نصّاً صريحَ الدلالةِ بأنّ قريشاً لم يأتهم رسولٌ قبلَ رسولِ الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم، إنما جاء بعد فتورٍ من إرسالِ الرسل إليهم (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)؟

أفنتركُ هذه الآياتِ القرآنيةَ كلّها لنتشبّث بحديثٍ فردٍ مطلقٍ غريب، لم يروه عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، سوى أنس بن مالك، ولم يكن من علماء الصحابةِ ولا فقهائهم!

ولم يروه عن أنسٍ، سوى ثابتٍ البُنانيّ، تفرّد به عنه حمّاد بن سلمة كثير الخطأ؟

لما سبق أقرّر مطمئنّاً أنّ حديثَ حمّاد بن سلمة هذا منكرٌ، مخالفٌ صراحةً للقرآن الكريم.

 والله تعالى أعلم

والحمد لله على كلّ حال.

الجمعة، 2 يناير 2026

      في سبيل العلم:

بين توقير العالم وتقليده!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحَمدُ للهِ، وسَلامٌ على عِبادِه الذين اصْطَفَى).

أما بعد: قال لي صاحبي: تعلمنا منكم أن من حق الإنسان إذا أشكل عليه شيء من كلام أخيه؛ أن يستفهم منه، قبل أن يتهمه ويشنع عليه، أليس كذلك؟

قلت: بلى هذا صحيحٌ، وأدبٌ عال.

قال: سمعتك مرات تثني على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

وقرأت لك منشورا قلت فيه: إنني أحبه أكثر من الأئمة الثلاثة الآخرين المتبوعين: مالك والشافعي وأحمد.

ثم قرأت لك منشوراً أو أكثر تعيب فيه التقليد، وترفض أن يكون التزام واحدٍ من المذاهب الأربعة واجباً أو حتى مندوباً.

وفي الوقت ذاته أنت ترفض الفوضى العلمية لدى الحركة السلفية التي تشاركك فكرة (اللامذهبية).

أرجو أن تشرح لنا هذين الموقفين بمنشور موسع، فأنا لست وحدي من يستشكل صدور هذه المواقف عنك.

أقول وبالله التوفيق:

يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:

«هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، الناس ثلاثةٌ:

فعالمٌ ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريحٍ، لم يستضيؤوا بنورِ العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق» نهج البلاغة.

قال الفقير عداب:

العلماءُ الربّانيون؛ هم العلماء المتحقّقون بالفهم والعلم والتقوى.

والمتعلّمون على سبيل النجاةِ؛ هم طلّاب العلم الشرعيّ.

والعوامُّ والجهّال؛ هم الهمج الرعاع، الذين يتقلّبون يمنةً ويسرةً، على حسب المزاج والرغبةِ ووُجهةِ المجتمع الفكريّة والعاطفيّة، التي يمكن تسميتها «العَقل الجمعيّ»!

إذْ ليست لدى هؤلاء ملكةٌ علميّةٌ راسخةٌ، ولا تربية إيمانية عالية، وهم الغالبية العظمى في كلّ أمّة (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)!

قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [التوبة].

والعلم نور يَهَبُه الله تعالى لبعضِ عبادِه، ومَن يظنُّ حضورَ مجالسِ العلم يجعلُ من الحاضرِ عالماً؛ فقد ظنّ باطلاً!

كنّا في مجلس شيخنا محمّد الحامد رحمه الله تعالى أكثرَ من ثلاثِ مائةِ طالبِ علمٍ، تخرّج عددٌ كبيرٌ منهم في كليّة الشريعة، وليس في تلامذة الشيخِ محمّد الحامد خمسةُ علماءَ مذهب، وليس فيهم مجتهدٌ واحد!

وهناك طائفة كبيرةٌ مُتعلّمون على سبيل النجاة، يدعوهم الناس علماءَ، وما هم بعلماء حتماً!

أنا الفقير عداب أحبّ المسلمين جميعاً السنيّ والشيعيّ والإباضيّ، وأُبغِضُ التعصّبَ لدى الجميع، وأمقتُ سوءَ ظنّ بعض المسلمين ببعضٍ، وأرفض رفضاً قاطعاً خضوعَ العلماء لأهواء الجماهير الجاهلة الرعاع!

وممّا لا ارتياب لديّ فيه؛ أنني أحبُّ العلماءَ أكثرَ من بقية شرائح المجتمع، حتى أكثرَ من المجاهدينَ والشهداءِ!

ويَتفاوت حبّي للعلماءِ بمقدار تحقّق بعضهم في التزكية أكثرَ من الآخرين.

أنا أحبّ علماءَ آل البيت أكثرَ من غيرهم، هذا صحيح؛ لأنّ هؤلاء علماء أتقياء، ولهم على الأمة كلّها (المودّة في القربى).

وأحبُّ العلماءَ الشجعانَ أكثرَ من غيرهم، حتى لو كان غيرُ الشجعان أعلمَ!

الإمام محمّد الباقر جدّي، والإمام زيد بن عليّ أخوه، الإمام زيد بن عليّ؛ أحبُّ إليّ من جدّي الباقر، رضي الله عنهم أجمعين!

الأئمة علي زين العابدين، وسعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمّد بن أبي بكر، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، جميعهم علماء، وجميعهم أحبّهم.

بيد أنّ محبّتي لهم؛ لا تستلزم تقليدَهم، ولو استلزمَتْ؛ للزم اتّباع المتناقِضات، إذ إنّ هؤلاء اختلفوا، كما اختلف الذين مِنْ قبلهم، ومَن بَعدَهم!

فاعترافي بأنّ هؤلاء علماء؛ يستلزم أن أوقّرهم وأحبّهم، وكونهم بشراً يخطؤون ويصيبون؛ فأنا أتخيّر من اجتهاداتهم ما أراه أقرب إلى الصواب، وهذا هو تكليفي الشرعيّ.

نأتي إلى الأئمة الأربعة (النعمان ومالك والشافعي وأحمد) رحمهم الله تعالى.

من وراء قراءتي تاريخ العلم الإسلاميّ في مصادر كثيرةٍ؛ لم يتوضّح لديّ أنّ أبا حنيفةَ أعلمُ أهل عصره، ولم يكن مالك أعلم أهل عصره، وكثيرون في عصر أحمد ابن حنبلٍ أعلم منه.

الشافعيُّ وحدَه كان أعلمَ أهلِ عصره، من وجهة نظري، ومع هذا لا أرى وجوبَ تقليدِه!

عندما أنجزتُ كتابي «القرآن الكريم ودعاوى النسخ فيه» عام (1977م) خالفتُ الشافعيّ في أربعَ عشرةَ دعوى نسخٍ، ادّعاها في القرآن الكريم!

أحبّ الشافعيَّ بالتأكيد، وأراه أعلمَ الأربعةِ يقيناً، لكنني لا أرى على أحدٍ وجوبَ تقليدِه!

تاريخنا العلميّ كلّه فرديّ، لم تؤسس له الدول الإسلامية، ولم ترعَه رعايةً مؤسّسيّة قطّ!

ويَجب على الأمّة أن تخرجَ من هذه الفردانيّة، إلى العمل المؤسسي الجماعيّ.

ويجب على الأمّة ممثّلةً بحكّامها؛ الاهتمامُ الأعلى بتخريج المجتهدين!

ويجب على الحكوماتِ المسلمةِ؛ أنْ لا تنظر إلى موافقة «اليونسكو» على البرامج والمناهج الدراسية، التي تتبنّاها، خاصّة في التخصصات الشرعيّة!

وعلى الحكومات المسلمةِ؛ أن ترعى المتفوّقين النابهين وكفايتهم من بداية طلبهم العلم، حتى يحصلوا على درجة الاجتهاد.

وحتى يتحقّق العالمُ بمرتبة الاجتهادِ حقيقةً؛ على الجهاتِ المنظّمة لإعداد المجتهدين الأخذُ بأقسى شروط الاجتهاد، الذي رواها الخطيب البغدادي في كتابه «الفقيه والمتفقه» عن الإمام الشافعيّ إذْ قال: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللهِ ، إِلَّا رَجُلاً عَارِفاً بِكِتَابِ اللهِ :

بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ.

وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ.

وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ.

وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ.

وَمَا أُرِيدَ بِهِ, وَفِيمَا أُنْزِلَ.

ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيراً بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ  صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ, بَصِيرًا بِالشِّعْرِ, وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنه لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ.

وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ, وَقِلَّةَ الْكَلَامِ.

وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفاً عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.

وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا.

فَإِذَا كَانَ هَذَا «العالمُ» هَكَذَا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا؛ فَليس له أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي».

إنّ بلوغَ درجةِ الاجتهادِ؛ ليس محالاً، ومن ظنّ الأقدمين أذكى منّا؛ فقد ظنّ باطلاً!

وبين أيدينا من التِقنياتِ والوسائل الميسّرة لتحصيل العلم؛ ما لم تكن تَعرفه البشريةُ قبل خمسين عاماً، فضلاً عن ألف عام مضت وانقضت!

والذي يقرأ تراجمَ كبار العلماءِ، ويطّلع على تراثهم العلميّ؛ قلّما يجدُ لأحدهم ذلك التميّز الصارخ لديهم.

طلبةُ العلم يعرفون منزلةَ الإمام مالكٍ، عند علماء الأمّة عامّةً، وعندَ المحدّثين خاصّة!

وموطّأ الإمام مالكٍ - وهو الأثر العلميّ الوحيدُ له - إذا وَزنتَه بمسندِ الإمامِ أحمدَ مثلاً؛ فلا يساوي أكثرَ من جُزءٍ من عشرين جزءاً منه!

جملة رواياتِ موطّأ مالك - حسب موسوعة صخر - (1594) روايةً!

الأحاديثُ المرفوعةُ المنسوبةُ إلى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم (736) حديثاً، منها الصحيحُ، ومنها الضعيف!

والآثار الموقوفة على الصحابة رضي الله عنهم (599) أثراً.

والأخبارُ المقطوعةُ على التابعين، فمن دونهم، رحمهم الله تعالى (248) خبراً.

ولم يدّعِ مالكٌ، ولم يُدَّعَ له؛ أنّه كان يحفظ الأحاديثَ المرفوعةَ في كتابه!

بدليلِ أنّه كان يمسك بكتابه، ويعرضُ عليه الطلبةُ ما جاءَ فيه!

ومع هذا يُصرّ المالكيّة وكثيرٌ من أهل الحديثِ؛ على أنّ مالكاً أعلمُ أو من أعلمِ الأئمّة بالحديث!

إنّ العلومَ كلّها تراكميّةٌ، إلّا علومَنا الإسلاميّة، وعلماءَنا المسلمين؛ فإنّ الأقدَمَ هو الأعلمُ والأتقى والأذكى!

إنّ هذا الواقعَ غدا أقربَ إلى المسلّماتِ المتصالَحِ عليها، وليكن ذلك كذلك لدى العامّة وصغار طلبةِ العلمِ.

أمّا أن ينشأَ طالب العلم، فيصبح عالماً، كما يظنّ نفسَه ويظنّه الناس، وهو يعتقد بهذه العقيدةِ، ويذهب هذا المذهب؛ فهذا تخلّف علميٌّ، وجمودٌ هادم!

كوّن رئيسُ جامعة صدّام للعلوم الإسلامية لجنةً أسماها «لجنة مراجعة المناهج الدراسيّة» وجعلني عضواً فيها، بصفتي رئيس اللجنة العلمية في كليّة أصول الدين يومئذٍ!

تبادلنا الحديثَ حيالَ الاجتهادِ والتقليد، ونبّهتُ إلى ضرورةِ إعداد المجتهدين؛ فقال أحدُ أعضاء اللجنة، وهو بروفيسور «أ د»: «يا شيخ عداب: أين نحن من علم أبي حنيفةَ مثلاً؟ أنا واللهِ لا أفهمُ كلامَه» أو قال: «لا أفهم بعضَ كلامه»!

قلت له: يا أستاذي، أنا أفهم كلامَ الله تعالى من الفاتحة إلى الناس، فهل كلام أبي حنيفةَ أعمقُ من كلام الله تعالى، أو هو أكثرُ غموضاً وتعقيداً؟

حتماً هو ليس أعمقَ من كتاب الله تعالى، ولم يُعْرَفْ عن أبي حنيفةَ البلاغةَ أصلاً!

فلو سلّمنا بأنّك لا تفهم كلام أبي حنيفةَ؛ فهذا يعني أنّ كلامه غامضٌ ومعقّد، فهل تَرى هذه مزيّةً لكلام أبي حنيفةَ، ولماذا يجعلُ كلامَه غامضاً إذا كان قاصداً، وهذا نقيضُ البلاغةِ والفصاحة!

فبكى الأستاذ الدكتور خشوعاً وخضوعاً بين يدي قداسةِ كلام أبي حنيفةَ، المنقولِ عنه شفويّاً، ولم يخطّ منه بيراعِه صفحةً واحدة!

هذه المواقفُ - من وجهةِ نظري - قصورٌ في التأهيلِ العلميّ، أو إنّها حِفاظٌ على المنزلةِ العلميّةِ التي يحتلّها كل «بروفيسور» أمثال أستاذنا هذا؛ لأنّه إذا تجاوزها إلى ما فوقها؛ لم يجدْ نفسَه متأهّلاً للتربّعِ على كرسيٍّ «فوقَ»!

ختاماً: أدعو حكومة «الجمهورية العربية السوريّة» خاصّةً، إلى الاهتمام الحقيقيّ بتأهيلِ العلماء ورعايتهم وتطوير إمكاناتهم ومهاراتهم، حتى يكون لدينا مؤسساتٌ علميّةٌ تُوَحّد المجتمعَ السوريّ، وتلزمه بنتائجِ اجتهاداتِ تلك المؤسساتِ، بعد أن تكونَ حوَتْ علماءَ حقيقيّين مؤهّلين، يمتلكون أدوات الاجتهاد.

والله تعالى أعلم.

    والحمد لله على كلّ حال.

      مَسائِلُ حَديثيّةٌ:

أمّ المؤمنين عائشةُ، والمفترون الأنذال !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).

أمّا بعد: استدعاني أحدُ «أصدقاء الفيس» لأعطي رأيي في خطبةٍ للدكتور عدنان إبراهيم، فوجدتُ هامشاً، كتب فيه رافضيّ خبيث: «في كتابِ صحيح البخاري قال: دخل أبو بَكرٍ على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «ماذا تنتظر بالتي هي قد خانتك وفضحتني».

فكتبت تعليقةً عجلى من الذاكرة: «أعوذ بالله من الكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.

ليس هذا الكلام في صحاح البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم، وليس هو في كتب السنن، ولا في المسانيد.

ألا لعنة الله على من يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولعنة الله على من يتهم أمنا أم المؤمنين عائشة بشرفها وعرضها».

ثمّ تذكّرتُ أنني قرأتُ مثلَ هذا الكلامَ مرّاتٍ عديدةً، فرأيتُ من الواجبِ الدينيّ أنْ أخرّج هذا الحديثَ، وأُبرزَ علّتَه أو علله.

أخرج الحافظ عُمرُ بنُ شبّة البصريّ (ت: 262 هـ) في كتابه تاريخ المدينة قال: (1: 323) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفِ بن عبدالرحمن، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ أُمُّ مِسْطَحٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى حِينٍ لِحَاجَةٍ، فَوَطِئَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ عَلَى عَظْمٍ، أَوْ شَوْكَةٍ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ: بِئْسَ مَا قُلْتِ، ابْنُكِ، وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكِ مِنَ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» حديثَ الإفكِ بطوله، وفيه: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ بَلَغَهَا الْأَمْرُ، فَجَاءَ إِلَيْهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا وَجَلَسَ عِنْدَهَا وَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَسَّعَ التَّوْبَةَ)!؟

قَالَتْ عائشةُ: فَازْدَدْتُ شَرًّا إِلَى مَا بِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَنْتَظِرُ بِهَذِهِ، الَّتِي قَدْ خَانَتْكَ وَفَضَحَتْنِي؟

قَالَتْ: فَازْدَدْتُ شَرًّا إِلَى شَرٍّ»...إلخ.

ومن حديث عتّاب بن بشيرٍ عن خُصيفٍ، به مثله؛ أخرجه الطبرانيّ في المعجم الكبير (23: 117) وفي الأوسط (6: 270) وقال: «لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مِقْسَمٍ إِلَّا خُصَيْفٌ، تَفَرَّدَ بِهِ عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ».

وأخرجه الحافظ عبدالغني المقدسي في حديثِ الإفك (ص: 31).

وأورده الهيثميّ في مجمع الزوائد (9: 229) وقال عقبه: « رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ خَصِيفٌ، وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ. وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ».

قال الفقير عداب:

نقل ابن عديّ في ضعفائه (3: 523) عن أحمد ابن حنبل والنسائيّ في الضعفاء (177) قالا: «خصيف بن عبد الرَّحْمَن لَيْسَ بِالْقَوِيّ».

وترجمه ابن حبّان في المجروحين (315) وقال: « تَركه جَمَاعَة من أَئِمَّتنَا وَاحْتج بِهِ جَمَاعَة آخَرُونَ وَكَانَ خصيف شَيخنَا صَالحا فَقِيها عابداً، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يخطىء كثيرا فِيمَا يَرْوِي وينفرد عَن الْمَشَاهِير بِمَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَهُوَ صَدُوق فِي رِوَايَته، إِلَّا أَن الْإِنْصَاف فِي أمره قبُول مَا وَافق الثِّقَاتِ من الرِّوَايَات، وَترك مَا لَمْ يُتَابع عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ لَهُ مدْخل فِي الثِّقَات وَهُوَ مِمَّن أستخير اللَّه فِيهِ».

قال عداب: استخار ابن حبّان الله تعالى في شأن خصيف، فأبقاه في كتاب المجروحين، ولم يترجمه في الثقاتِ، ولم يخرّج له في صحيحه أيَّ حديثٍ!

وخُصيفٌ هذا خالف بهاتين الكلمتين «خانتك وفضحتني» جميع من روى حديث الإفك من الثقات!

وقال ابن حجر في التقريب (1718): «صدوق سيّء الحِفظ، خَلّط بأخَرة».

وقال الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».

فخُصيفٌ هذا على صدقه؛ سيّء الحِفظ، خَلّط بأخَرة، وقد انفرد بهاتين الكلمتين القبيحتين، اللتين تخالفان مذاهب أهل السنة ومذاهب الشيعة، ومذاهب الخوارج والإباضيّة، في نساء الأنبياء، فكلامه هذا منكر باطل، لا يساوي عفطةَ عنزٍ في فلاة.

ورحم الله الإمامَ الشافعيَّ إذ يقول: « لم أرَ أحدًا أشهد بالزور من الرافضة».

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلِّ حال.

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

 قُطوفٌ من الآلام:

أخي حاتم في ذمّة الله تعالى!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

(رحمةُ اللهِ وبركاتُه عليكم أهلَ البيت؛ إنّه حَميدٌ مَجيد).

علمتُ قبل ثوانٍ بانتقالِ أخي الحبيبِ، فضيلةِ الدكتور الشيخ المقرئ السيّد «محمّد حاتم» بن عبدالحميد الحسيني النعيمي الطَبشيّ الحمويّ، إلى رحمةِ الله تعالى ورضوانه، إن شاء الله تبارك وتعالى.

الشيخ «محمد حاتم» نبراسٌ في الصبر والتصميم والإرادة، لم تتيسّر له الدراسةُ النظامية الحكوميّة، لأسبابٍ عديدةٍ، فانتسب إلى المعهد الشرعيّ في حماةَ، وحصل منه على الثانويّة الشرعية، ثمّ تابع تحصيلَه الجامعيّ، في جامعاتٍ متعدّدة، حتى حصل على درجة «الدكتوراه» في التفسير وعلوم القرآن.

ولازم في مكّة المكرمة شيخَنا المقرئ الكبير الشيخ سعيد بن عبدالله الخالديّ، وتلقّى عليه القراءات السبعِ من طريق الشاطبيّة، على مدى سنواتٍ طويلةٍ، تدلّ على حرصه وصبره، إذ كان شيخنا سعيدٌ شديداً جدّاً، في تعليمِ التلاوة والقراءات، حرصاً على إتقان الطلبةِ، وأداءً لأمانةِ القرآن العظيم.

رحم الله فضيلة شيخنا سعيد العبد لله الخالدي رحمة واسعة.

ورحم الله تعالى أخانا الفاضل الكريم الحبيبَ «محمد حاتم» رحمةً واسعةً، وأسكنهما فسيح جناته.

ورفع من مقامهما لديه، ببركة القرآن الكريم، وخدمة العلوم الإسلامية الشريفة.

وألهم أهله الصبر الجميل والاحتساب، وأعظم لهم ولنا ولكم الأجر.

إنّا لله وإنا إليه راجعون.

ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

والحمد للهِ على كلّ حال.

 فَضائِلُ الصَحابَةِ رضي الله عنهم:

حين تبنى الثقافةُ على الكذب!؟

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ رَضِيَ اللهُ  عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) [التوبة].

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8).

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ - وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ؛ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر].

أحدُ الإخوة أصدقاء الصفحة؛ علّق على أحدِ منشوراتي يقول:

«ماذا تقول يا شيخ في ما يلي:

(1) روى البخاري في المناقب، باب ما لقي النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه من المشركين (3856) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عبدَاللهِ بنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قلت: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم) [غافر] وأخرجه البخاريّ في موضعين آخرين من صحيحه (3678، 4815) بألفاظ مقاربة.

قال الفقير عداب: رضي الله عن أبي بكر وعمر وبقيّة العشرة، وعن جميع الصحابة الكرام المشار إليهم في الآيات القرآنية الكريمة.

وإذا كان الإمام عليّ جدّي من جهة الآباء والنسب؛ فإنّ أبا بكر وعمر جدّايَ من جهة أمّهاتي.

وتقويم الشخصية العلميُّ من جميع جوانها؛ لا يعني انتقاصاً لتلك الشخصيّة، إلّا عند الجهّالِ والمتعصّبين، على مبدأ (عنزة ولو طارت)!؟

وهذا الحديث عائليٌّ من مداره حتى التابعيّ عروةَ، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى اضطراب الحديثِ في فتح الباري (7: 168 - 169).

ولوسلّمنا بعدمِ اضطرابه - جدلاً - فماذا في الشجاعة والقوّة أن يقومَ رجل ذو شأنٍ في قومه - كما يقول أهل السنة - فيدفع بيديه رجلاً قويّاً عن رجلٍ ضعيفٍ مسكين !؟

الناس قديماً وحديثاً يسمّون هذا الفعلَ محاجزةً بين متخاصمَين، حتى إذا أُشهر السلاحُ؛ أمست مقاتلةً!

وفي إسنادِ هذا الحديثِ التيميِّ محمد بن إبراهيم التيميّ، قال ابن حجر في التقريب: «ثقة له أفراد» وهذا من مفاريده!

وترجمه العقيلي في الضعفاء (1574) وقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ الْمَدِينِيَّ، فَقَالَ: فِي حَدِيثِهِ شَيْءٌ يَرْوِي أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ أَوْ مُنْكَرَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

والله لو روى مثل هذا الروايةَ المضطربةَ رجالٌ مثلُ عروةَ بن الزبيرِ؛ لا أحتجّ به!

بعد أن سمعتُ البراءَ بنَ عازبٍ رضي الله عنه يقول: (كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ؛ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد (1776) وأصل الحديث عند البخاريّ في الجهاد (2864).

أكانَ الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم ضعيفاً، إلى الحدِّ الذي يَسمحُ لكلبٍ مشركٍ أن يخنقه خنقاً شديداً، وهو مستسلمٌ، لا يقوى أنْ يدفع عن نفسه؟!

(2) قال المعلّق: وعن علي رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس ! أخبروني من أشجع الناس؟ إلخِ.

أقول: أخرج البزار في مسنده - كما في زوائد البزار (2481) قال رحمه الله تعالى:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي ثُمَامَةَ الأَنْصَارِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الله الْعِجْلِيُّ الْمُقْرِئُ، ثنا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَخْبِرُونِي مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ؟ قَالُوا - أَوْ قَالَ -: قُلْنَا: أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ: أَمَا إِنِّي مَا بَارَزْتُ أَحَدًا إِلا انْتَصَفْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ أَخْبِرُونِي بِأَشْجَعِ النَّاسِ، قَالُوا: لا نَعْلَمُ، فَمَنْ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرِيشًا.

فَقُلْنَا: مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلا يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنْهُ أَحَدٌ إِلا أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلا أَهْوَى إِلَيْهِ، فَهَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ)...الحديث بطوله.

قَالَ الْبَزَّارُ: لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ» انتهى.

قال الفقير عداب: مسندُ البزّار؛ مثل علل الدارقطنيّ، فإذا لم يوجد الحديثُ في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد؛ فيكون الحديث ضعيفاً ابتداءً، وقد يكون واهياً أو موضوعاً، وقد انفرد البزّار بتخريج هذا الحديث دونهم!

قال النسائي في الضعفاء (158): حسان بن إِبْرَاهِيم الْكرْمَانِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ.

وقال العقيلي في الضعفاء (309): حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ.

وترجمه ابن عديّ في الضعفاء (501) وأورد له عدداً من مناكير حديثه، وقال:

 ذُكِرَ لِأَحْمَد حَدِيثُه، فَلم يعبأ بِهِ.

وختم ابن عديٍّ ترجمتَه بقوله: «ولحسان شيء من الأصناف وله حديث كثير وقد حدث بإفرادات كثيرة عن أَبَان بن تغلب، وأَيضًا عن إبراهيم الصائغ وعن لَيْث بن أبِي سُلَيم وعاصم الأحول وسائر الشيوخ فلم أجد له أنكر مما ذكرته من هذه الأحاديث وحسان عندي من أهل الصدق إلاَّ أنه يغلط في الشيء وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنادا أو متنا وإنما هو وهم منه، وَهو عندي لا بأس به».

(3) قال المعلّق: قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - وثبت أبو بكر - رضي الله عنه - ثبوت الجبال يوم أحد حولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدافع عنه.

قال عداب: لا يستطيع ابن القيّم ولا جميع العلماء أن يثبتوا هذه الدعوى!

(4) قال المعلق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني فزارة سنة سبع للهجرة بقيادة أبي بكر - رضي الله عنه - فوردت الماء، وغنمت، وسبت، وعادت سالمة.

قال عداب: هب أنّ هذه الرواية صحيحةً، فقد أمّرَ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على أبي بكر عمرَو بن العاص، وأسامةَ بن زيدٍ، وهو من جيل أحفاده!

أخرج الإمام مسلم حديثَ سريّة فزارةَ هذه في كتاب الجهاد (1755) وفي إسنادها عكرمة بن عمّار، قال ابن حجر في التقريب: «صدوق يغلط».

قال الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».

وقال ابن حجر في النكت على علوم ابن الصلاح (2: 690): «حاصلُ كلامِ هؤلاء الأئمة أنّ الزيادةَ إنّما تُقبل ممّن يكون حافظاً مُتقناً، حيث يَستوي مَع مَن زاد عليهم في ذلك.

فإنْ كانوا أكثرَ عدداً منه، أو كان فيهم مَن هو أحفظُ منه، أو كان غيرَ حافظٍ، ولو كان في الأصلِ صَدوقاً؛ فإنّ زيادتَه لا تُقبَلُ».

وهذا الحديثُ من هذه البابة، والخلاف في قائد سريّة بني فزارة طويل، انظر كتاب «غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية (ص: 129)».

(5) قال المعلق: «وفي غزوة تبوك ساعة العسرة؛ كانت راية المسلمين بيد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه».

قال الفقير عداب: جاء في كتاب «الذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك» (ص: 182) ما نصّه: «قال الواقدي: فلما رجع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، من ثنية الوداع الى تبوك، فعقد الالوية، والرآيات، فدفع لوائه الاعظم الى أبى بكر الصديق رضي اللَّه عنه، ورايته العظمي الى الزبير» وقال المؤلّف في تخريج هذه الحكاية: «قلت: أخرج ابن عساكر فى تاريخ دمشق هذا النص باسناده عن الواقدي، وفيه سماع محمد ابن شجاع الثلجى عنه، انظر تاريخ دمشق (1: 415) وقال الذهبي فى الميزان (3: 577): محمد بن شجاع بن الثلجى، الفقيه البغدادى الحنفى، أبو عبد اللَّه صاحب التصانيف، قال ابن عدى: كان يضع الحديث فى التشبيه، وينسبه الى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك، وقال زكريا الساجي: محمد بن شجاع كذاب، احتال فى أبطال الحديث. نصرة للرأى».

(6) قال المعلق: «ويوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغنهم شيئًا، وولوا مدبرين بعد أن كمن لهم أعداء الله في شعاب الوادي، وكان أول من ثبت حول رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، وأرضاه».

قال الفقير عداب: رضي الله عن أبي بكرٍ وأرضاه، لكن الرواياتِ الصحيحةَ تقول: إنّ الصحابةَ كلهم هربوا يوم حنين، ما عدا العبّاسَ وأبا سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب.

 وعند أبي يعلى والطبراني في الأوسط؛ أنّ عليّ بن أبي طالب، كان أشدّ الناس قتالاً في ذلك اليوم، رضي الله عنهم، انظر كتاب مرويات غزوة حنين (1: 203).

ختاماً: إنّ الرغبةَ في تعظيم شخصيّةٍ مقبولةٍ، أو في تهوين شخصيّة مرغوبٍ عنها، برواياتٍ واهية هزيلةٍ؛ لا ينفع تلك الشخصيّةَ عند الله تعالى شيئاً، ولا يضرّها!

إنّما يؤذي الكذبةَ المفترين، والمروّجين العارفين بأنهم كاذبون، ويُشيع في الأمّة ثقافةً كاذبةً باطلةً، يعتقد بها العوامّ الجهالِ، ويقتلون مخالفيهم بسببها.

وقد قلت مراراً: إنّ المحدّثين لم يخرّجوا أحاديثَ الفضائل ليتّخذها المسلمون عقيدةً!

إنّما أخرجوها دفاعاً عن جميع الصحابةِ الذين كفّرهم الرافضةُ وسبّوهم وتنقّصوهم برواياتٍ أضعفُ وأنكر وأحطّ من هذه الرواياتِ بكثير!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

 مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

صلاةُ الاستسقاءِ ؟!

بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ

(الحمدُ للهِ، وسَلامٌ على عبادِه الذين اصْطَفى).

أمّا بعد: الأصلُ في الاستسقاءِ قول اللِه تبارك وتعالى، حكايةً عن دعاء نوحٍ عليه السلام:

(ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) [سورة نوح].

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (96) [الأعراف].

ومن الحديث الشريفِ؛ ما أخرجه البخاريّ في كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (932) من حديث ثابتٍ البُنانيِّ عن أنسِ بن مالك قال: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَ الكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعا).

وقد جاء هذا الحديثُ عن أنسٍ، بصيغٍ متعدّدة (933، 1013، 1014، 1015، 1016، 6342).

وقد أخرج البخاريّ في كتاب الجمعة، باب تحويل الرداء في الاستسقاء (1011، 1012) من حديث عبدالله بن زيدٍ المازنيّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وأخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء (894).

ويقرأُ في الركعتين ما تيسّر، ولو قرأ سورة «الأعلى» في الأولى، وسورة «الغاشية» في الثانية؛ فقد أحسن.

وتحويل الرداءِ، إنما يكون إذا خرج الإمامُ أو وكيله إلى مصلّى العيد.

أمّا إذا صلّى صلاة الاستسقاء في المسجد، أو منزله؛ فلا يُحوّل رداءه، إذ ورد أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على المنبر، ولم يحوّل رداءَه.

وأندبُ إخواني المسلمين؛ أنْ يستسقي كلّ واحدٍ منهم في بيته قَدْرَ نشاطِه، ولو دعا كلَّ يوم ثمّ صلّى ركعتين؛ فهو خير، ولو اقتصر على الدعاء فحسب؛ فهو حسن، إنْ شاءَ الله تعالى، وأنا أفعلُ ذلك!

والذي ترجّح لديّ أنّ خُطبةَ الاستسقاء والدعاء؛ يكونان قبل صلاة ركعتين، مثلَ صلاةِ العيد.

وإنّ مما يُحزنُ أنّ رواةَ الحديثِ من الصحابةِ فمن دونهم؛ يقولون: «استسقى، دعا» وقلّما يذكرون ماذا قال في دعائه!

وقد جمعتُ ما وجدتُه في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديثِ عن الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو عن بعضِ الصحابةِ والتابعين، ورتّبته على النحو الآتي.

وأُحبّ أن يكرّر الداعي الجملةَ من الدعاء ثلاثاً، كما هو ظاهر في الدعاء الأوّل:

(اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا.

يا غياث المستغيثين أغثنا

(اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا)

(اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ.

(اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، صَيِّبًا نَافِعًا)

(اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ)

اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ وَالْبَهَائِمِ وَالْخَلْقِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالْفَتْكِ؛ مَا لَا يُشْكَى إِلَّا إِلَيْكَ.

اللَّهُمَّ أَنَبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ.

اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، واكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفْهُ غَيْرُكَ.

اللهُم ضَاحَتْ بِلَادُنَا، وَاغْبَرَّت أرْضنَا، وَهَامَتْ دوَابُّنَا.

اللهم ارْحَمْ بَهَائِمَنَا الحَائِمَةَ، وَالأنْعَامَ السَّائِمَةَ، وَالأطْفَالَ الرضيعة.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ، إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا.

نستغفر الله ونتوب إليه.

نستغفر الله العظيم ونتوب إليه.

نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلّا هو، الحيَّ القيومَ، ونتوب إليه.

اللهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللهُمَّ عَلَى الْآكَامِ، وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ.

اللهم آمين آمين.

وصلّى الله على نبيّنا ورسولنا وحبيبنا محمّدٍ رسولِ ربّ العالمين.

ثمّ يقومُ فيصلّي ركعتين، وهو الأفضل والأكمل.

والله تعالى أعلم.

والحمد للهِ الذي بنعمته تتمّ الصالحات.