مَسائِلُ
حَديثيّةٌ:
هَلْ
والِدَةُ الرسولِ محمّد في النار؟!
بسم
الله الرحمن الرحيم
(الْحَمْدُ
للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى).
أمّا بعد: إنّ إطلاقَ
القولِ: «إنّ كلّ ما في الصحيحين من الأحاديث؛ صحيح».
والقولِ: «حديث الآحاد
حُجّة في العقائدِ والأحكام» قاعدتان باطلتان، أفسدتا على المسلمين عقائدهم
وأعمالهم وأخلاقهم، وجعلتاهم فرقا ومذاهبَ وأحزاباً (كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون)!
قال الإمام الخطّابي في معالم
السنن شرح سنن أبي داود (1: 6):
« اعلموا أنّ الحديثَ عند
أهله على ثلاثةِ أقسامٍ:
حديثٌ صحيحٌ، وحديث حسنٌ،
وحديث سقيم.
فالصَحيحُ عندَهم: ما اتّصل
سندُه وعُدّلَتْ نقلتُه.
والحسنُ منه: ما عُرف مخرجُه
واشْتُهِر رجالُه، وعليه مدارُ أكثرِ الحديثِ، وهو الذي يَقبلُه أكثرُ العلماءِ،
ويَستعملُه عامّة الفُقهاء» [انتبهوا إلى جملة: عليه مدار أكثر الحديث]!!
قال عداب: وهذا ينطبق على
صحيح البخاريّ وصحيح مسلم؛ فإنّ أكثرَ أحاديثِهما من درجة «الحسن» خلافاً للإطلاقاتِ
العامّة التي لم تبنَ على تخريجٍ ونقدٍ وتمحيص!
فقد خرّجت حتى عام (2012)
(1390) حديثاً من أحاديثِ الأحكام، في صحيح البخاريّ: كتب (الطهارة والصلاة
والصلوات الخاصة والصيام).
فكان عددُ الأحاديثِ
الضعيفةِ أربعةَ أحاديث.
وكانت نسبةُ الأحاديث
الحسنة (63%) من هذه الأحاديث.
وكانت نسبة الصحيح لذاته
ولغيره (37%) منها.
فالقول بأنّ جميع ما في الصحيحين؛
صحيح؛ جعل أهل الحديثِ وأهل الفقه - على حدّ سواء - يتخبطون في الاستدلال بهذه
الأحاديث، على هذا النحوِ الذي صوّره لنا الخطّابي رحمه الله تعالى، إذ قال في
مقدمة المعالم (1: 3):
«فأما
هذه الطبقةُ، الذين هم أهل الأثر والحديث؛ فإنّ الأكثرين منهم، إنمّا وُكْدُهم
الروايات وجمع الطرق، وطلبُ الغريب والشاذ من الحديثِ، الذي أكثره موضوع أو مقلوب!
لا
يُراعون المتونَ، ولا يَتفهمون المعاني، ولا يَستنبطون سِيَرها، ولا يَستخرجون رِكازَها
وفقهَها، وربما عابوا الفقهاءَ، وتناولوهم بالطعن، وادّعوا عليهم مخالفة السنن،
ولا يَعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.
وأما الطبقةُ الأخرى، وهم
أهل الفِقهِ والنَظر؛ فإن أكثرهم لا يُعرّجون مِن الحديثِ، إلاّ على أقَلِّه، ولا يَكادون
يميّزون صحيحَه من سقيمه، ولا يَعرفون جيّده مِن رَديئِه، ولا يَعبؤون بما بلغهم
منه؛ أن يحتجوا به على خصومَهم، إذا وافقَ مَذاهبَهم، التي ينتحلونها، ووافقَ آراءَهم
التي يَعتقدونَها، وقد اصطلحوا على مواضعةٍ بينهم في قبولِ الخبرِ الضَعيفِ،
والحديثِ المُنقطعِ، إذا كان ذلك قد اشتُهر عندَهم، وتعاورته الألسنُ فيما بينهم،
من غيرِ ثَبَتٍ فيه، أو يَقينِ عِلمٍ به، فكان ذلك ضِلّةً مِن الرأيِ وغَبْناً
فيه».
ولأجل هذا الذي استَيْقَنْتُه
بعملي؛ أدعو دائماً إلى إعدادِ المجتهدين، وترك التعصّبِ للماضين، فليسوا هم- والله
- بالصور المضخمة التي صوّرها لنا أتباعُهم، ولا عقولهم بالعقولِ التي تَحجُبُ عن
النظر والاجتهاد عقولنا.
عودٌ على بَدْءٍ:
بإسنادي إلى الإمام مسلمٍ
في كتاب الجنائز، باب استئذان النبيّe ربّه
عزّ وجلّ في زيارة قبر أمّه (976) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ
بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ:
زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ:
(اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي،
وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا
الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ).
مدار حديث الباب على يزيد
بن كيسان اليشكريّ، رواه عنه مروان بن معاوية الفزاريّ، ومحمّد بن عبيدٍ
الطنافسيّ.
ويزيد بن كيسان هذا، قال
فيه ابن حجر في التقريب: «صدوق يخطئ» وترجمه ابن حبّان في الثقات، وقال: يخطئ
ويخالف، وقال يحيى بن سعيد القطّان: صالحٌ وسطٌ، ليس هو ممن يُعتمد عليه.
وقال أبو حاتم الرازي:
صالح الحديثِ، بعضُ ما يأتي به صحيح!
وقال
الذهبيّ في الميزان (3: 140): «إنّ تفرُّدَ الثِقةِ المُتْقِن؛ يُعَدُّ صَحيحاً
غريباً، وإنّ تَفرّد الصَدوقِ ومَنْ دونَه؛ يُعَدُّ مُنكَراً».
ويزيد بن كيسان دون مرتبة
صدوق بكثير، فحديثه هذا منكر!
هذا من جهةِ الإسنادِ،
أمّا من جهة المتن:
فقوله فيه (اسْتَأْذَنْتُ
ربّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا؛ فَأُذِنَ لِي) معارض معارضةً صريحةً لقول الله
تعالى:
(وَلَا تُصَلِّ عَلَى
أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) [التوبة].
فلو كانت والدةُ الرسول
صلّى الله عليه وآله وسلّم من الفاسقين والكافرين؛ لما أذن الله تعالى لرسوله أن
يزور قبرها.
وقال الله تعالى:
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) فالذي يبكي على قبر أمّه، ويَبكي مَن
حولَه تأثّرا ببكائه؛ لا يكون راضياً أبداً أن يكون والداه من أهل النار!
ختاماً: الفقير عداب لا
يقول: إنّ والدي الرسول مؤمنان؛ لأنّ وصف الإيمانِ يلحقُ من آمن بالله تعالى
وبرسوله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ووالدا الرسول صلّى الله عليه وآله
وسلّم توفيا قبل بعثة ولدهما الرسول.
فنحن نقول: إنهم من
الناجين يوم القيامةِ؛ لأنهما وأمثالَهما يشملهم قوله تعالى: (مَا أَتَاهُمْ مِنْ
نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ حال.