الخميس، 3 أغسطس 2023

       مِنْ عِبَرِ التاريخِ (11):

تَرجمةُ الإمامِ أحمدَ ابن حنبل !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

قال مجدُ الدينِ ابنُ الأثير في جامع الأصول (12: 167) ما نصّه:

- «أحمد بن محمد بن حنبل:

هو أبو عبدِاللهِ أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ حَنبلِ بن هِلال... من بني ذُهْلِ بن ثَعلبةَ الشيباني الإمام المروزيُّ.

ولد ببغدادَ سنة أربعٍ وستين ومائة، ومات بها سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة.

كان إماماً في الفقه، والحديث، والزُّهد، والورع، والعبادة، وبه عُرِف الصحيحُ من السَّقيم، والمجروح من المعدَّل.

نشأ ببغدادَ، وطلبَ العلم، وسمعَ الحديثَ مِن شيوخها، ثم رحَل إلى الكوفة، والبصرة، ومكّةّ، والمدينةِ، واليَمنِ، والشامِ، والجَزيرة، وكتب عَن علماء ذلك العصر.

فسمع من إسماعيلَ ابن عُلَيَّةَ، وهُشَيم بن بشير، ويَزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي داود الطيالسي، ووكيع بن الجرَّاح، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن إدريس الشافعي الإمام، وعبد الرزاق بن همَّام وخلق كثير سواهم.

روى عنه ابناه صالحٌ وعبدُاللهِ، وابنُ عمَّه حَنبلُ بن إسحاقَ، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجَّاج النيسابوري، وأبو زُرْعةَ وأبو حاتم الرازيَّان، وأبو داود السجستاني، وخلق سواهم كثير.

إلا أنّ البُخاريَّ لم يَذكر في «صحيحه» عنه، إلا حديثاً واحداً في آخر الصَّدقات تعليقاً (5879).

وروى البخاريُّ عن أحمدَ بنِ الحَسنِ التِرمذيِّ، عن أحمد حديثاً آخر (4473) قال ذلك الحازِمي.

قال عداب: بينما روى مسلمٌ من طريقِ شيخِه أحمدَ ابن حنبلٍ تسعة عشر حديثاً، منها (166، 215، 502، 581، 710).

قال ابن الأثير: «فضائله كثيرة، ومناقبه جمَّة، وآثاره في الإسلام مشهورة، ومقاماته في الدين مذكورة، انتشر ذكرُه في الآفاقِ، وسرَى حمدُه في البلاد، وهو أحدُ المجتهدين المَعمولُ بقولِه ورأيِه ومذهَبِه، في كثير من البلاد، والمأخوذُ بهَدْيِه ودَلِّهِ في الأغوار والأنجاد.

قال إسحاق بن راهَوَيْهِ: أحمد ابن حنبل حجةٌ بين الله وبين عبيده، في أرضه.

وقال الشافعي: خرجتُ من بغداد، وما خلَّفت بها أحداً أتقى، ولا أوْرَع، ولا أفقهَ ولا أعلَمَ من أحمد ابن حَنبلٍ.

وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيتُ أسودَ الرأس أحفظَ لحديث رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولا أعلمَ بفقْهِه ومَعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل» انتهى كلام ابن الأثير.

قال الفقير عداب: كلام الشافعيّ في مديح أحمد «خرجتُ من بغداد، وما خلَّفت بها أحداً أتقى، ولا أوْرَع، ولا أفقهَ ولا أعلَمَ من أحمد ابن حَنبلٍ» أخرجه ابن عديٍّ في مقدمة الكامل (1: 210) قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيى الساجي: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ عَبداللهِ الْخُوَارِزْمِيُّ: أَخْبَرنا حَرْمَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «خَرَجْتُ مِنَ الْعِرَاقِ، فَمَا خَلَّفْتُ بِالْعِرَاقِ رَجُلا أَفْضَلَ، ولاَ أَعْلَمَ، ولاَ أَتْقَى مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ».

وأخرجه الخطيب البغداديّ في تاريخه (6: 90) من طريق الحافظ مُحَمَّدَ بن يعقوبَ الأصمِّ، قَالَ: سمعت أبا يعقوب الخوارزمي ببيت المقدس، قَالَ: سمعت حرملة بْن يحيى، يقول: سمعت الشافعي، يقول: وساقه بنحوه.

وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (5: 272) من طريق زكريّا بن يحيى الساجي ومحمّد بن يعقوب الأصمّ، كلاهما عن يوسف بن عبدالله الخوارزميّ، به مثلَه.

فمدار هذه الروايةِ على أبي يعقوبَ الخوارزميّ (ت: 271 - 280 هـ) هذا.

ترجمه الذهبيُّ في تاريخ الإسلام (6: 644) وقال: «ما علمتُ به بأساً».  

وبالعودةِ إلى كتب الرواية والتاريخ والسيرة والأنساب والرجالِ الثقاتِ والضعفاء؛ وجدتُ هذا الراوي قد روى عن جمعٍ من الشيوخِ، وروى عنه جمعٌ من التلامذة، ولم أقف فيه على جرح أو تعديلٍ، سوى كلمة الذهبيّ هذه «ما علمتُ به بأساً».

وجميعُ ما وقفت عليه من رواياته الأحاديثَ:

- حديثُ أنس بن مالك عند الخطيب البغداديّ في التاريخ (2: 504) وغيره.

- وحديثُ أبي الزبير عن جابر، في المشيخة البغدادية لأبي طاهر السٍلَفيّ (39) وفي إسناده عبدالله بن لهيعة.   

- وثناء الشافعيّ على أحمد ابن حنبلٍ.

وهذه القصة مخرّجة في عدد من كتب التاريخ، رواها عن أبي يعقوبَ هذا اثنان كما تقدّم قريباً.

- وهي من رواية الحافظ أبي العبّاس الأصمّ عن أبي يعقوبَ هذا بلفظ: «خرجت من بغدادَ وما خَلفتُ بها أحداً أتقى ولا أورع ولا أفقه.

أظنه قَالَ: ولا أعلمَ من أَحْمَد ابن حَنْبَل» كما تقدّم في تاريخ بغداد وتاريخ دمشق.

- وهي من رواية الحافظ زكريّا بن يحيى الساجي عن أبي يعقوب هذا بلفظ: «خَرَجْتُ مِنَ الْعِرَاقِ فَمَا خَلَّفْتُ بِالْعِرَاقِ رَجُلا أَفْضَلَ، ولاَ أَعْلَمَ، ولاَ أَتْقَى مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ» عند ابن عديٍّ في الكامل (1: 210).

وفرق بين الروايتين كبير؛ إذ كانوا يقصدون بالعِلم الحديثَ، ويقصدون بالفقه الاستنباط!

عموماً هذه هي حالُ الراوي الوحيد لهذه القصّة، وهو ليس ممن يُقبَل تفرّده في قصّة مثل هذه، غابت عن جميع تلامذة حَرْمَلَةَ الكثيرين!

وما لنا نذهب بعيداً، فهذا هو أحمد ابن حنبل يقول: «أحفظنا للمطولات الشاذكوني. وأعرفنا بالرجال يحيى بن معين، وأعلمنا بالعلل علي بن المديني، وكأنه أومأ إلى نفسه أنه أفقههم» أخرجه ابن حبّان في مقدمة كتابه «المجروحين» فقال: سمعت علي بن أحمد الجرجاني بحلب، يقول: سمعت حنبل بن إسحاق بن حنبل، يقول: سمعت أحمد ابن حنبل يقول.

ولا يخفى على طلّاب العلم؛ أنّ الإمام ابن جرير الطبريّ والإمام أبا عمر بن عبدالبَرّ؛ لم يذكرا أحمدَ ابن حنبلٍ في مجتهدي الفقهاء!

فيكون كلامُ أحمد هنا خاصّاً بفقهاءِ أهل الحديث وحسب!

وعليه: فيحيى بن معينٍ أعلم بالرجالِ من أحمد، وعليّ ابن المديني أعلم منه بالعلل!

وتكون إطلاقاتُ التعظيمِ والتفخيم؛ من جملة المنقبيّاتِ التي درج عليها المصنّفون في تراجم الرجال.

غير أنّ أكبرَ ما يُنسبُ إلى أحمدَ ابنِ حنبلٍ؛ المسارعةُ في التكفير!

ففي طبقات الحنابلة (1: 145): «قال حنبل بْن إِسْحَاقَ: سمعت أبا عبداللهِ يقول: من زعم أن اللهَ لا يُرى فِي الآخرةِ؛ فقد كفَر باللهِ، وكذّب بالقرآنِ، وردَّ عَلَى اللهِ أمرَه، يُستتاب، فإنْ تابَ، وإلّا قُتل.

والله تعالى لا يُرَى فِي الدنيا، ويُرَى فِي الآخرة».

قال عداب: ليس قولُ الله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) نصّاً في إثباتِ الرؤية، فناظرةٌ تأتي بمعنى منتظرة، فعلى هذا لا يسوغُ تكفيرُ من قال: بعدم رؤية الله تعالى البصريّة في الآخرة!

وهذا يشير إلى قلّة معرفة أحمدَ ابن حنبلٍ بفنون البيان ومجازات القرآن، ولم يذكره أحدٌ في طبقات اللغويين أو النحويين أو الأدباء، على كلّ حالٍ!

وفي طبقاتِ الحنابلة (1: 319): «قال مُحَمَّد بْن منصور الطوسيّ «الحافظ»: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: مَن زَعم أنّه كان فِي أصحاب النَّبِيّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيرٌ مِن أبي بكرٍ، فولّاه رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقد افترى عَلَى رسوله، وكفر بأنْ زعم أنّ اللهَ يُقِرُّ المنكرَ بين أنبيائه فِي الناس، فيكون ذلك إضْلالاً لهم».

أنا لم أفهم هذا الكلامَ أصلاً، حبّذا لو شرحه لنا أحدٌ، وما مناطُ التكفير فيه؟

وفي الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويّ (10: 321): «ذَكَرَ الْمَرُّوذِيُّ لأحمَدَ عَمْرَوَ بْنَ عُبَيْدٍ؟ قَالَ أحمَدُ: كَانَ لَا يُقِرُّ بِالْعِلْمِ، وَهَذَا كَافِرٌ!

وَقَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ: الْكَرَابِيسِيُّ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَقُلْ: لَفْظُهُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ! فَقَالَ أحمد: هُوَ الْكَافِرُ».    

قال الفقير عداب: لا ريب عندي في أنّ أحمدَ ابن حنبلٍ أكثر علماء الإسلام حتى نهايةِ القرنِ الثالثِ الهجريّ تكفيراً لمخالفيه من أهل القبلة!

ونحن يجب أن نفرّق بين حالين، معظمُ أتباعِ أحمد لا يفرّقون بينهما:

الحالُ الأولى: تقوى الرجل وعبادته وورعه وزهده في الدنيا.

والحالُ الثانيةُ: آراؤه واتّجاهاته العقديّةُ والفكريّة والسلوكيّة!

الحالُ الأولى: يشترك فيها جميع شيوخي من أهل السنّة والشيعة والإباضيّة!

فشيخي محمّد الحامد.

وشيخي سعيد حوّى.

وشيخي مروان حديد.

وشيخي محمد الحافظ التجّاني.

وشيخي نور الدين عتر.

وشيخي أحمد محمد نور سيف.

وشيخي المفتي أحمد الخليليّ.

وشيخي المفتي  عبدالعزيز ابن باز.

وشيخي المرجع الدينيّ السيّد علي السيستانيّ.

وشيخي السيّد محمد الكسنزانيّ.

وعشراتٌ آخرون من شيوخي؛ جميعهم أتقياءُ أنقياءُ عُبّادٌ مهذّبون مؤدّبون، لا تستطيع أن تجدَ لهم زلّةً أخلاقيّةً أو سلوكيّة.

وبهذا المعنى أقول: شيوخي من أهل السنّة بمذاهبهم، وشيوخي من الشيعة بمدارسهم، وشيوخي من الإباضيّة بمدارسهم؛ جميعهم عبّادٌ صالحون أتقياء!

أمّا حالُهم الثانيةُ، وآراؤهم واتّجاهاتهم العقديّةُ والفكريّةُ؛ فيختلفون فيما بينهم اختلافاً بيّناً، وجميعهم يخطّئُ بعضُهم بعضاً، ويضلّل بعضهم آراءَ بعض!

وكذلك كان الإمام أحمدُ ابن حنبلٍ، وأكثرُ المسلمين منذ ذلك التاريخ وحتّى اليوم؛ ليس لديهم اعتدالٌ في الحكم، ولا توازنُ في المواقف، ويندر لدى جميعهم التماسُ الأعذار، وحملُ مخالفاتهم على الاجتهادِ، الذي يؤجَر المصيب فيه، ولا يأثم المجتهد المخطئ، إذا كان من أهل الاجتهاد والصلاح.

رحم الله علماءَنا الصالحين الأتقياءَ، على مدار التاريخ الإسلاميّ، من السنّة والشيعة والإباضيّة والمعتزلةِ والجهميّة، ورحمنا معهم، وغفر لنا ولهم ما اجتهدنا واجتهدوا فيه، فجانبوا الحقَّ والصوابَ غيرَ عامدين؛ إنّه هو العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمدُ للهِ على كلّ حال.

 قُطوفٌ من الآلام (5):

الشريفُ صفوحُ ناجي في ذمّة الله تعالى !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ؛ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ.

وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).

تَلقّيت بحزنٍ عميقٍ، ورضاً وتسليمٍ لأقدار الله تعالى؛ نبأَ وفاةِ أخي الحبيب، وصديقي القريب، الشريفِ صَفوحِ بنِ محيي الدين ناجي الجَيلانيّ اللبنانيّ الطرابلسيّ، فجرَ هذا اليوم (الخميس) السادسَ عشرَ من محرّم الحرام (1445 هـ) الموافق للثالثِ من أغسطس «آب» (2023م).

وستقام صلاة الجنازة عليه بمسجد «الفاتح» الكبير باستانبولَ، عقبَ صلاة ظهرِ هذا اليوم.

اللهم إني أسألُك - وأنت الرحمن الرحيم - أن ترحمَ أخانا الحبيبَ، المؤمنَ المستقيمَ الصالحَ - ولا نزكّيه عليك يا ربّ العالمين - وأن تتقبّله بقبولٍ حسنٍ، فإنّك أنت غايةُ رجائنا، ومنتهى سؤلِنا، ومرسى آمالنا.

وبهذه المناسبةِ أتقدّم من السادةَ أبناءِ الفقيدِ وإخوانه وآل ناجي الكرام وقراباتِهم؛ بأطيبِ عبارات المواساةِ، وخالصِ العزاء، وأصدقِ الدعاء.

عظّم الله أجوركم، وأحسن عزاءَكم، وأثابكم في مصيبتكم، وأخلفَ عليكم منها خيراً وصبراً جميلاً، ورضىً وتسليماً لله ربّ العالمين.

(رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

وعظّم الله تعالى لكم الأجر، إخواني القرّاء الكرام.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 1 أغسطس 2023

      مِنْ عِبَرِ التاريخِ (10):

تَرجمةُ الإمامِ مالكِ بن أنسٍ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

قال مجد الدين ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول  (1: 180 - 184):

 الإمام مالكُ بن أنسٍ:

هو أبو عبدِالله مالكُ بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث ... من بني حِمْيَرِ بنِ سبأٍ الأكبرِ، ثم من بني يَشْجبَ بنِ قَحطانَ، وفي نسبه خلافٌ غير هذا.

ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة.

وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة، وله وَلدٌ اسمه يحيى ([1]) ولا يُعْلَم له غيرُه.

هو إمام أهل الحجاز، بل إمامُ الناس في الفقه والحديثِ، وكفاه فخراً أنّ الشافعيَّ من أصحابه.

أخذ العلمَ عن محمّد ابن شهابٍ الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونافع مولى عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما، ومحمّد بن المنكدر، وهشام بن عروة بن الزبير، وإسماعيل بن أبي حكيم، وزيد بن أسلم... وخلقٍ كثير سواهم.

وأخذ العلمَ عنه خَلقٌ كثيرٌ، لا يُحْصَون كثرةً، وهم أئمّةُ البلاد.

منهم: الشافعيُّ، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هاشم المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي حازم، وأبو مروان عبدُالملك بن عبد العزيز «الماجشون» ويحيى بن يحيى الليثيّ الأندلسي، ومن طريقه رُوّينا «الموطأ» وعبد الله بن مسلمة القَعْنَبيّ، وعبد الله بن وهب، وأصبغ بن الفرج، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده.

وهؤلاء مشايخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الحديث.

قال مالكٌ رحمةُ الله عليه : قلَّ مَنْ كتَبْتُ عنه العلم، ما ماتَ حتى يجيئَني ويستفتِيَني.

وقال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالكَ بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة بن عبدالرحمن، وكنّا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تَصنعون بربيعة، وهو نائم في ذلك الطاق؟

فأتينا ربيعةَ، فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا: الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم.

قلنا: كيف حَظي بك مالكٌ، ولم تحظ أنت بنفسك؟ !

قال: أما عَلمتم أن مثقالاً من دَولةٍ؛ خيرٌ مِن حِمْلِ عِلمٍ؟

وكان مالكٌ مبالغًا في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يُحَدِّثَ؛ تَوضّأ، وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكّن مِن الجلوس على وقارٍ وهَيبةٍ، ثم حدَّث!

فقيل له في ذلك، فقال: أُحب أن أُعظِّم حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم .

ومر يومًا على أبي حازمٍ «سلمةَ بنِ دينارٍ» وهو جالس، فجازه، فقيل له؟

فقال: إني لم أجد موضعاً أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديثَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنا قائم.

قال يحيى بن سعيد القطان: ما في القوم أصحُّ حديثًا من مالك.

وقال الشافعي رحمه الله : إذا ذُكِر العلماء؛ فمالكٌ النجم، وما أحد أمَنَّ عليّ مِن مالك رحمة الله عليه.

ورُوي أنّ المنصورَ منعه مِن رواية الحديثِ في طلاقِ المُكْرَه، ثم دَسّ عليه مَن يسأله، فروى مالكٌ على مَلأٍ مِن الناس: «ليس على مُستكْرَهٍ طلاقٌ»([2]) فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث.

وروي أن الرشيد سأل مالكًا فقال: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار.

وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوصَ؛ قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على «الموطأ» كما حمل عثمانُ الناسَ على القرآن.

فقال مالكٌ: أمَّا حمل الناس على «الموطأ» فليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تفرقوا بعده في الأمصار، فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم!

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اختلاف أمتي رحمة) ([3]) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون) ([4]) وقال: (المدينةُ تَنفي خَبَثَها) ([5])     وهَذي دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها، وإن شئتم فدعوها.

قال ابنُ الأثير: يعني: إنّك إنما تكلّفُني مُفارقةَ المدينةِ، لما اصطنعتَه إليَّ، فلا أُوثِر الدنيا على مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وقال الشافعيُّ رحمه اللهُ : رأيتُ على باب مالكٍ كُراعاً من أفراسِ خراسان، وبغالِ مصر، ما رأيت أحسنَ منه، فقلت له: ما أحسنه!

فقال: هو هديةٌ مني إليك يا أبا عبد الله!

فقلت: دَعْ لنفسك منها دابةً تركبها؟ فقال: أنا أستحيي مِن الله تعالى أنْ أطأ تربةً فيها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بحافر دابة!

وكَم مثلُ هذه المناقبِ، لهذا الطَّود الأشَمِّ، والبَحرِ الزاخر» انتهى كلام ابن الأثير.

قال الفقير عداب: ترجمة ابن الأثير لمالكٍ، فيها قدرٌ غير قليلٍ من المنقبيّة، وهذا شأن مؤرّخينا بعد القرن الرابع الهجريّ، وللأسف!

وينبغي أن نتوقّفَ عند ثلاثِ نقاط:

الأولى: قول شيخه ربيعة الرأي: «إنّ مثقالاً من دَولةٍ؛ خيرٌ مِن حِمْلِ عِلمٍ».

وهو يشيرُ إلى صلتِه بالخلفاء العباسيّين، وتوقيرهم إيّاه، ممّا يجعل له احتراماً بين الناس.

والثانية: قول ابن الأثير: « هو إمام أهل الحجاز، بل إمامُ الناس في الفقه والحديثِ».

والحقيقةُ أنّ أحاديثَ مالكٍ الصحيحةَ الموصولةَ لا تتجاوَزُ (700) حديثٍ، وأقوالُه في الجرح والتعديل، وفي العلل نادرةٌ جدّاً، إنّما كان له القَبولُ من الناس.

وأمّا عن قول ابن الأثير: إنّه إمامُ الناس في الفقه؛ فقد نقل الذهبيُّ في النبلاء (8: 156) عن الإمام الشافعيّ قولَه: «اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ، إِلاَّ أَنَّ أَصْحَابَه لَمْ يَقُوْمُوا بِهِ».

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ بُكَيْرٍ يَقُوْلُ: «اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّ الحُظْوَةَ لِمَالِكٍ، رَحِمَهُ اللهُ».

وَقَالَ حَرْملَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: «اللَّيْث أَتْبَعُ لِلأَثَرِ مِنْ مَالِكٍ».

ونقل عن إبراهيمَ الحربيّ قولَه: «سَأَلْتُ أَحْمَدَ ابنَ حَنْبَلٍ:

مَا تَقُوْلُ فِي مَالِكٍ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ!

قُلْتُ: فَالأَوْزَاعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ !

قُلْتُ: فَالشَّافِعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيْحٌ».

وقولُ أحمدَ هذا؛ يؤكّدُ ما أقولُه دائماً: إنّ الإمام الشافعيّ هو إمام الفقهاء في عصره وما بعد عصره، وإلى يوم الناس هذا، وسأوضح ذلك في ترجمته، إن شاء الله تعالى.

النقطةُ الثالثةُ: كان مالكٌ يقبلُ أُعطيات السلاطين، ويقبلُ هدايا العلماء، وكان الليث بن سعدٍ خصّص لمالكٍ مرتّباً سنويّاً، يرسله إليه من مصر إلى المدينة النبويّة!

كما كان يقبلُ عطايا الناسِ وهداياهم.

وقَبولُ المالِ؛ يجعل العالمَ أسيرَ صاحب المال، ولا بدّ من أن يجامله!

قَالَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَدُ الْعُلْيَا؛ خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، واليَدُ الْعُلْيَا؛ هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ» أخرجه البخاريّ في الزكاة (1429) ومسلم في الزكاة (1033).

وفي أعلام النبلاء (7: 142) ما نصّه: « قَالَ أَحْمَدُ في محمد بن عبدالرحمن ابن أبي ذئبٍ: هُوَ أَوْرَعُ وَأَقْوَلُ بِالحَقِّ مِنْ مَالِكٍ».

وفيه أيضاً: « قَالَ حَمَّادُ بنُ خَالِدٍ الخيّاط القرشيّ: «كَانَ ابن أبي ذئبٍ يُشَبَّهَ بَابْنِ المُسَيِّبِ!

وَمَا كَانَ هُوَ وَمَالِكٌ فِي مَوْضِعٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ، إِلاَّ تَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ بِالحَقِّ، وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَمَالِكٌ سَاكِتٌ» رحمهم الله تعالى أجمعين.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمدُ للهِ على كلّ حال.



([1]) ترجمه ابن حبّان في الثقات (9: 259) وقال: «سكن الْيمن وَحَدَّثَهُمْ بالموطأ مُسْتَقِيم الحَدِيث» وترجمه العقيليّ في الضعفاء (4: 425) وقال: «حدّث عن أبيه بمناكير».

([2]) ليس هذا حديثاً مرفوعاً إلى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلم، إنّما هو من كلام عبدالله بن عبّاس، رضي الله عنهما، أخرجه ابن أبي شيبةَ في المصنّف (4: 82) ولفظه (ليس لمستكره ولا لمضطهد طلاق) وعلّقه البخاري في صحيحه، في كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، عَقبَ حديث (5268) وإسناد ابن أبي شيبةَ حسن.

 ([3]) قال الإمام تاج الدين السبكيّ في الإبهاج (6: 2218): «اعلم أنّ الحديث المشار إليه غير معروف، ولم أقف له على سند، ولا رأيتُ أحداً من الحفّاظ ذكره، إلا البيهقيَّ رحمه الله، في رسالته إلى الشيخ العميد عميد الملك، بسبب الأشعري، وقد ساقها الحافظ ابن عساكر».

قال عداب: ومن طريقِ الحافظِ ابن عساكرٍ؛ ساقَ إسنادها إلى البيهقيِّ، التاجُ السبكيُّ في طبقات الشافعية الكبرى (3: 395) وقال: «قد سَاق ابْن عَسَاكِر جَمِيعَه، وَنحن نأتي على أَكْثَره» وليس فيما اقتصر عليه البيهقيّ من خطابِ البيهقيِّ؛ هذا الحديثُ!

([4]) من حديثِ سفيانَ بن أبي زهيرٍ الأزديّ مرفوعاً؛ أخرجه الإمام مالكٌ في الجامعِ من الموطّأ (1642) والبخاريّ في الحجّ، باب من رغب عن المدينة (1875) ومسلم في الحجّ، باب فضل المدينة (1363).

([5]) من حديث أبي هريرة مرفوعاً؛ أخرجه مالك في الجامع (1640) ومن طريق مالكٍ؛ أخرجه البخاريّ في الحجّ، باب فضل المدينة (1871) ومسلمٌ في الحجّ، باب المدينة تنفي شرارَها (1383) جميعهم بلفظ (الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) أمّا لفظ المتنِ، من حديث أبي هريرة؛ فهو عند الطحاوي في مشكل الآثار (1826).

الخميس، 27 يوليو 2023

      مِنْ عِبَرِ التاريخِ (9):

تَرجمةُ الإمامِ أبي حنيفةَ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

نقلَ أحدُ الإخوةِ من الحنفيّة كلاماً للإمام أبي بكر الجصّاص الحنفيّ (ت: 370 هـ) يَحطّ فيه من منهج المحدّثين في قبول الحديثِ أو ردّه، فعلقت تعليقتين تناسبان المقام، فوصفني أحد متابعي صاحب الصفحة بأنني من الأقزام!

ومن الطبيعيِّ أن أغضب، فكتبت كلاماً مشروعاً، لا شيء فيه، فوجدت صاحب الصفحة فهمه خطأً، فمسحتُ تعليقاتي الثلاثَ على منشوره!

وسبق لي أن نشرتُ غير منشورٍ يتّصل بالإمام أبي حنيفةَ، وأوضحت العلاقةَ الوديّة والصلة الروحيّة بيني وبينه!

بيد أنّ داءَ التعصّب؛ يُعمي صاحبَه ويصمّ أذنيه عن سماعِ أيّ كلامٍ علميّ ليس مديحاً لمن يتعصّب له!

وقد رأيت من المناسبِ أنْ أنقل تراجمَ الأئمّة الأربعةِ المتبوعين، التي سطرها الإمام أبو السعاداتِ المبارَكُ بن محمّد الشيبانيّ، المشهور بابن الأثير الجزريّ (ت: 606 هـ) في ختامِ كتابِه الماتع «جامع الأصول في أحاديث الرسول» الذي جمع فيه موطّأ الإمام مالكٍ، وصحيح الإمام البخاريّ، وصحيح الإمام مسلم، وسنن الإمام أبي داود، وجامع الإمام الترمذيّ، والمجتبى من السنن للإمام النسائيّ.

ثمّ أبدي رأيي في الشخصيّةِ المترجَم لها.

ومقدّمة هذا الكتاب الحديثيّةُ؛ ماتعةٌ مفيدةٌ بديعة، أنصح بقراءتها الجميع!

قال رحمه الله تعالى في ختام جامع الأصول (12: 952):

«النُعْمانُ بنُ ثابتٍ:

هو أبو حنيفة النعمانُ بنُ ثابتِ بن زُوْطَا بنِ ماهْ، الإِمام الفقيه الكوفيُّ، مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حَمْزَةَ الزَّيَات، وكان رضي الله عنه خزازاً يبيع الخزّ «والخزّ: ثياب تصنع من الصوف والحرير، أو من الحرير وحده».

كان جدُّه زُوْطا من أهل كابُل، وقيل: من أهل بابل، وقيل: من الأنْبار، وكان مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبةَ، فأُعتِقَ، ووُلِدَ أبوه ثابتٌ على الإسلام.

قال إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيلُ بنُ حمّادِ بن النِعمان بن ثابتِ بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارسَ، من الأحرار، والله ما وقع علينا رِقٌّ قطّ!

وُلِدَ جدّي «أبو حنيفة» في سنة ثمانين، وذهب ثابتٌ إلى عليِّ بن أبي طالب، وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نَرجو أن يكونَ اللهُ قد استجابَ ذلك لعَليٍّ «عليه السلام» فينا».

وُلِدَ سنةَ ثمانين، ومات ببغدادَ سنة خمسين ومائة، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح وأكثر، ودُفِنَ بمقابرِ الخَيْزُران، وقبرُه معروفٌ ببغدادَ.

وكان في أيام أبي حنيفة أربعةٌ من الصحابة: أنسُ بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد السَّاعدي بالمدينة، وأبو الطّفيل عامر بن واثِلة بمكة، ولم يلقَ أحداً منهم ولا أخَذَ عنه.

وأصحابُه يقولون: إنّه لقي جماعةً من الصحابةِ، وروى عنهم، ولا يثَبتُ ذلك عند أهل النقل.

وأخذَ الفقهَ عن حمادِ بن أبي سليمان.

وسمع عطاءَ بن أبي رباح، وأبا إسحاق السَّبيعي، ومُحاربَ بن دِثار، والهيثمَ بن حبيب، ومحمد بن المنكدر، ونافعاً مولى ابن عمر، وهِشام بن عروة، وسِماك بن حرب.

روى عنه عبدُ الله بن المبارك، ووكيعُ بن الجرَّاح، ويزيدُ بن هارون، وعلي بن عاصم، والقاضي أبو يُوسف، ومحمد بن الحسن الشيبانيُّ، وغيرهُم.

نقله المنصورُ من الكوفة إلى بغدادَ، فأقامَ بها إلى أن مات فيها، وكان أكرَهَه ابنُ هُبَيْرةَ أيامَ مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفةِ، فأبى، فضربه مائةَ سوطٍ في عشرة أيام، كل يوم عشرة، فلمَّا رأى ذلك؛ خلَّى سبيلَه.

ولمّا أشْخَصه المنصورُ إلى العراقِ «يريد بغداد» أرادَه على القضاء، فأبى، فحلفَ عليه ليفعلنَّ، وحلفَ أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الإيمانُ منهما، فحبسَه المنصورُ، ومات في الحبسِ!

وقيل: إنّه افتدى نفسَه، بأن تَولى عَدَّ اللَبِنِ «طوب البناء» ولم يَصحَّ.

كان رَبْعَةً من الرِّجالِ، وقيل: كان طِوالاً، تعلوه سُمرةٌ، حسنُ الوجه، أحسنُ الناسِ منطقاً، وأحلاهم نِعمةً «لعلّها نغمةً» حسن المجلس، شَديدَ الكرم، حسن المواساة لإخوانه.

قال الشافعي رحمه الله: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟

قال مالكٌ: نعم، رأيتُ رجلاً لو كلَّمك في هذه الساريةِ أن يجعلَها ذهباً؛ لقام بحجته.

قال الشافعي: من أراد الحديث فعليه بمالك، ومَن أراد الجدلَ؛ فعليه بأبي حنيفة.

وقال الشافعي: مَن أراد أن يتبحَّر في الفقهِ؛ فهو عِيال على أبي حنيفة.

ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله؛ لأطلْنا الخَطْبَ، ولم نصلْ إلى الغرض منها!

فإنّه كان عالماً عاملاً زاهداً عابداً ورعاً، تقياً، إماماً في علوم الشريعة مرضياً.

وقد نُسب إليه، وقيل عنه من الأقاويل المختلفةِ، التي نُجلُّ قدرَه عنها، ويَتنزه منها:

من القولِ بخلقِ القرآن، والقولِ بالقدر، والقولِ بالإرجاء، وغير ذلك مما نُسب إليه.

ولا حاجة إلى ذكرها، ولا إلى ذكر قائليها، والظاهرُ أنه كان مُنزّهاً عنها.

ويَدلُّ على صحة نزاهته عنها؛ ما نَشر اللهُ تعالى له من الذِّكْر المنتشر في الآفاق، والعِلْمِ الذي طَبَّقَ الأرضَ، والأَخْذِ بمذهبِه وفقهِه، والرجوعِ إلى قوله وفعله.

 وذلك لو لم يكن للهِ فيه سرٌّ خَفيٌّ، ورِضى إِلهيٌّ، وَفّقَه اللهُ إليه؛ لما اجتمع شطرُ الإسلامِ أو ما يقاربهُ على تقليدِه، والعَملِ برأيه ومذهبه، حتى قد عُبِدَ اللهُ، ودِيْنَ بفقْهِه، وعُمِلَ برأيِه ومَذهبٍه، وأُخذَ بقوله إلى يومنا هذا، ما يُقارب أربعَ مائةٍ وخمسينَ سنةً!

وفي هذا أدلُّ دليلٍ؛ على صِحّةِ مذهبه وعقيدته، وأنّ ما قيلَ عنه؛ هو منزَّه منه!

وقد جمع أبو جعفر الطحاوي - وهو مِن أكبر الآخذين بمذهبه - كتاباً سماه «عقيدةُ أبي حنيفةَ رحمه الله» وهي عَقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة، وليس فيها شيء مما نُسبَ إليه، وقيل عنه.

وأصحابُه أخبرُ بحالِه وبقوله مِن غيرهم، فالرجوعُ إلى ما نَقلوه عنه؛ أوْلى ممّا نَقَلَه غيرُهم عنه، وقد ذُكِر أيضاً سببُ قولِ مَن قال عنه ما قالَ، والحامل له على ما نَسب إليه.

ولا حاجة بنا إلى ذِكر ما قالوه، فإنّ مثلَ أبي حنيفة ومحلِّه  في الإسلامِ؛ لا يَحتاجُ إلى دليلٍ يُعْتَذَرُ به، مما نُسب إليه، والله أعلم» انتهى كلام ابن الأثير .

قال الفقير عداب:

لا أرتاب أبداً أنّ أبا حنيفةَ من العلماء العاملين، وأحسبه من أولياء الله الصالحين - والله حسيبه، فلا نزكّي على الله أحداً - لكنّ العلوم كثيرةٌ ومتنوّعةٌ، ولا يُشترط ليكون الواحدُ عالماً فاضلاً؛ أن يكون محيطاً بسائر العلوم الدينيّة والدنيويّة!

والعلماءُ قديماً وحديثاً؛ لديهم مناهج متقاربةٌ في تحصيل العلوم، لكنّ بعضهم يبرع في الأصول، وبعضهم يبرع في الفقه، وبعضهم يبرع في الرواية، وبعضهم يبرع في النقد، وهكذا.

توضيح ذلك: نحن حضرنا ودرسنا وقدّمنا امتحاناتٍ في المنطق، وعلم الكلام، والفلسفة الإسلامية، والفلسفة اليونانية، وفي عقائد السلف، وفي عقائد المعتزلة، وفي عقائد المتكلّمين، وفي عقائد الفرق الشيعية، وفي مقارنة الأديان، وفي التاريخ العام، وفي التاريخ الإسلاميّ، وفي السيرة النبوية، وفي التفسير وعلوم القرآن، وفي الحديث وفنونه، وفي التخريج ودراسة الأسانيد، وفي العلل ومناهج المصنفين فيها، وفي أصول الفقه، وفي القواعد الفقهية، وفي المقاصد، وفي سدّ الذرائع، وفي المصلحة الشرعية، وفي الفقه المذهبي، والفقه المقارن، وفقه النوازل...إلخ.

جميع هذا الموادّ العلميةِ وغيرها درسنا فيها كتباً ومقرّراتٍ، وحصّلنا فيها درجات النجاح؛ حتى مُنحنا درجات «البكالوريوس» ثم «الماجستير» ثم «الدكتوراه».

لكنْ مع هذا يقال عن حملة الدكتوراه من جامعة واحدةٍ، وكليّة شرعية واحدة:

زيدٌ مفسّرٌ، وعُمَرُ محدّث، وحسنٌ متكلّمٌ، وحسينٌ أصوليٌّ، وعليٌّ لغويٌّ، وهكذا.

هذا يعني أنّ لدى حملة الدكتوراه قدْرٌ مشتركٌ من التحصيلِ العلميّ الواسع الأفقيّ، ثم يتميّز كلُّ واحدٍ منهم بالتخصّص الذي كتب فيه كتابين على الأقلّ: رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه، وهو بعد حصوله على الدكتوراه؛ لا يُنسب إلّا إلى تخصّصه الدقيق!

والأمرُ ذاته كان لدى سلفنا من علماء الأمّةِ، بقارقٍ أساسيّ؛ هو أنهم لم يكونوا مطالبين بالحفظ وامتحانِ المحفوظ، إنما كانوا مطالبين بحضور مجالس العلم فحسب!

وإمامنا أبو حنيفةَ عندما نقول: إنّه فقيه؛ نعني أنّه إمامٌ في الفقه، ومشاركٌ في بقيّة العلوم، لكنه ليس إماماً فيها!

فهو ليس إماماً في التفسير وعلوم القرآن، وليس إماماً في اللغة وعلوم العربية، وهو ليس إماماً في الأصول والقواعد الفقهية، وهو ليس إماماً في الحديث ونقدِه!

سواءٌ أعجب هذا الكلامُ أتباعَه، أم لم يعجبهم، ومصادر ترجمته تدلّك على ذلك.

رحم الله سيدنا أبا حنيفةَ رحمةً واسعةً، وعافى أتباعَه من تعصّبهم المقيتُ له وللمذهب وشيوخه عموماً، فهم من أشدّ المسلمين تعصّباً واستعلاءً!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمدُ للهِ على كلّ حال.

الاثنين، 24 يوليو 2023

مَسائِلُ فِكْرِيّةٌ (7):

ليسوا على مذهب السَلف !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

لا يخفى على قرّائي الكرام؛ أنني عشت في السعودية ثلاثةَ عشر عاماً متواليةً!

كما لا يخفى عليهم أنّ الصوتَ المسموعَ الوحيد في زماننا ثمّةَ؛ هو صوتُ الوهّابيةِ، الزاعمين أنهم على مذهب السلف في الاعتقاد.

فطبيعيٌّ أن يكون لي (100) صديقٍ حجازيٍّ وهابيّ، على أقلّ تقدير!

منذ بضعةِ أيّام تواصل معي أحد هؤلاء الأصدقاء، وطلب زيارتي، فرحّبت به أجمل ترحيبٍ أقدر عليه.

وفي أثناء الترحيب قال لي: أنت عالم كبير، خليقٌ بك أن تكون على مذهب السلف الصالح، رضي الله عنهم، أسأل الله تعالى أن يهديك يا شيخ عداب!

قلت له: من هم السلف الصالح الذين تريدني أن أكون على مذهبهم؟

قال: الله يهداك يا شيخ عداب، أو مثلك لا يعرف من هم السلف الصالح؟

قلت له: بلى أنا لا أعرف من هم السلف الصالح، الذين تقلدونهم أنتم في مسائل الاعتقاد؟

قال: هم الصحابة والتابعون وأتباعهم، الذين جاء مديحهم في الحديث الصحيح:

(خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم) هؤلاء سلفنا الصالح!

أقول وبالله التوفيق:

أخرج البخاري (2651) ومسلم (2535) هذا الحديثَ من حديث عمران بن الحصين مرفوعاً.

وأخرج البخاريّ (2652) ومسلم (2533) هذا الحديثَ من حديث عبدالله بن مسعودٍ مرفوعاً، ولفظه عند مسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.

ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ).

وأخرج مسلم هذا الحديث نفسه (2534) من حديث أبي هريرة مرفوعاً أيضاً.

فالحديث صحيح الإسنادِ بلا ريب!

لكنّ هذا لا يعني أنّ كلَّ فردٍ في هذه القرون؛ هو خَيّرٌ وفاضلٌ، وأفضل ممّن جاء بعده في طبقات الناس!

إذ لا يخفى على أحدٍ أنّ بعضَ الصحابةِ بغى على بعضٍ، وبعضهم قتل بعضاً!

ومن البدهيّ أن يقالَ: هناك ظالمٌ ومظلوم، والظالم ليس خيّراً بضرورة العقل والشرع!

لكنْ لنتنزّل مع هذا الأخ الوهّابي، فنقول له: لا يستطيع طالبُ علمٍ ولا عالمٌ سنيٌّ أو شيعيٌّ أو خارجيٌّ أن يثبتَ بأنّ أحداً من الصحابةِ أو التابعين؛ نُقلت عنه عقيدةٌ واضحةُ المعالم، مكتوبةً رواها عنه الثقات، أو حتى الضعفاء!

ولا أبالغَ إذا قلت: إنّ الوهابيّة يقدّمون كلامَ ابن تيمية على كلام كثيرٍ من الصحابة، إن لم أقل: على جميعهم!

قال الشيخ أحمد ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وغفر له، في كتابه «دَرْءُ تعارضِ العقلِ والنقل» (1: 94) ما نصّه: «ومَن جَعل العِلمَ بالصانع نَظرياً؛ يعترف أكثرُهم بأنّ مِن الطرق النَظرية التي بها يُعلَم صِدقُ الرسول؛ ما لا يُناقضُ شيئاً من السمعيات.

والرازيُّ (ت: 606 هـ) ممن يعترف بهذا، فإنّه قال في كتابه «نهاية العقول» في مسألة التكفير، في:

المسألة الثالثة: في أنّ مُخالفَ الحّقِّ مِن أهل الصلاةِ، هل يُكَفَّرُ أم لا؟

قال الشيخ أبو الحسن الأشعري (ت: 324 هـ) في أول كتاب «مقالات الإسلاميين»: اختلف المسلمون بعد نبيّهم في أشياءَ، ضَلّل فيها بعضُهم بَعضاً، وتَبّرأ بعضُهم مِن بعض، فصاروا فرقاً متباينين، إلا أنّ الإسلامَ يَجمعُهم، فيعُمّهُم، فهذا مذهبه، وعليه أكثر الأصحاب، ومن الأصحاب مَن كَفّر المخالفين» إلى أنْ قال الرازيُّ: «كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني (ت: 418 هـ) يقول: «أُكفّر مَن يُكفّرني! وكلُّ مُخالفٍ؛ يُكفّرنا، فنَحنُ نُكفّره، وإلّا فلا !

والذي نَختاره أنْ لا نُكفّر أحداً مِن أهلِ القِبلةِ، والدَليلُ عليه أنْ نقول:

المسائلُ التي اختلف أهلُ القبلة فيها، مثل:

- أنّ الله تعالى، هل هو عالم بالعِلمِ، أو عالمٌ بالذات؟

- وأنه تعالى، هل هو مُوجدٌ لأفعالِ العِبادِ، أم لا؟

- وأنه تعالى، هل هو مُتحيّزٌ، وهل هو في مكانٍ وجِهةٍ، أم لا؟

- وهل هو مرئي أم لا؟

لا يخلو: إما أنْ تَتوقّفَ صِحةُ الدّين على مَعرفة الحقّ فيها، أو لا تتوقف!

والأوّل باطلٌ، إذْ لو كانت مَعرفةُ هذه الأصولِ مِن الدين؛ لكان الواجبُ على النَبيِّ صلي الله عليه وسلم أنْ يُطالبَهم بهذه المسائل، ويَبحثَ عن كيفيّةِ اعتقادِهم فيها!

فلمّا لمْ يُطالبْهُم بهذه المسائلِ، بل ما جرى حديثٌ في هذه المسائلِ، في زمانه عليه السلام، ولا في زمان الصحابة، ولا في زمان التابعين، رضي الله عنهم؛ علمنا أنّه لا تَتوقّفُ صِحّةُ الإسلامِ على مَعرفةِ هذه الأصولِ.

وإذا كانَ كذلك؛ لم يكن الخَطأُ في هذه المسائلِ قَدحاً في حقيقة الإسلام، وذلك يَقتضي الامتناعَ مِن تَكفيرِ أهلِ القِبلةِ».

والشيخ ابن تيميّة ساقَ هذا الكلامَ، سياقَ الاحتجاجِ، أو الاستشهاد به، بدليل قوله في مجموع الفتاوى (7: 671): «وَلِهَذَا يَقُولُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ: لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبِ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَقَدْ ثَبَتَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ عَلَى أُنَاسٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِمْ حُكْمَ مَنْ كَفَرَ، وَلَا قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ جَلَدَ هَذَا، وَقَطَعَ هَذَا وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَيَقُولُ: (لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ) أخرجه جمع من المصنفين، منهمالبخاريّ في الحدود (6781) وهذا لفظه.

وَأَحْكَامُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا مُرَتَّبَةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ».

وجملة (لا نكفّر أحداً من أهلِ القبلة) ذكرها ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3: 162) وفي التسعينية (3: 1017) وفي الفتاوى الكبرى (6: 657) وفي بيان تلبيس الجهمية (1: 112) و(2: 491، 595) و(3: 318) ممّا يؤكّد تبنّيه كلامَ الإمام الرازي في هذه المسألة.

غدا من الواضحِ الصريحِ أنّ ما تسمّونه «عقائد السلف» لم يكن يعرفه السلف، فلا بحثه الصحابةُ ولا التابعون ولا أتباعهم، من الأساس!

وأنتم إنّما تتبعون أناساً من أهل الحديثِ، لا شأنَ لهم بأساليب البيان العاليةِ، ولا بالمعقولات إنّما همّتهم: (حدّثنا وأخبرنا وسمعت) وما أكثرَ الروايات المكذوبة والموضوعةِ، التي يروونها بهذه الصيغ العالية!

والله تعالى أعلم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.