الاثنين، 20 مارس 2023

 مَسائلُ حديثيّةٌ  (17):

كيفَ نستقبلُ شهرَ رمضان؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

كتب إليّ يقول: إنّ كلام المشايخ عندنا متضاربٌ في استقبال رمضان:

- أحدهم يروي لنا حديثاً يقول: إنّه حديثٌ صحيح!

- فإذا عرضناه على غيره من المشايخ؛ قال: بل هو حديث ضعيف!

- وشيخ ثالثٌ يقول: بل هو حديث ضعّفه الشيخ الألباني، أو حسّنه الشيخ شعيب!

فما أيسر السبل التي تجعلني أهتدي إلى أفضل الطرق في استقبال شهر رمضان، في ضوء الأحاديث الصحيحة؟!

أقول وبالله التوفيق:

لست أدري سببَ تعلّق أمّتنا بالرواياتِ، وعدم سؤالها عن الآيات القرآنية الكريمات؟

والله تعالى يقول: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) [العنكبوت].

وقال الله تعالى أيضاً: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) [سورة البقرة].

(حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) [سورة الدخان].

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) [سورة القدر].

ومن الأحاديث الصحيحةِ عند العلماء:

(1) ما أخرجه البخاري في كتاب الإيمان (8) ومسلم في الإيمان (16) من حديث عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ).

(2) وأخرج البخاريّ في الإيمان (37) ومسلم في صلاة المسافرين (760) من حديث أبي هريرة؛ أنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).

(3) وأخرج البخاريّ في كتاب الصوم (1901) ومسلم في صلاة المسافرين (760) من حديث أبي هريرة عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَاباً؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).

(4) وأخرج البخاريّ في أبواب بَدْءِ الوحي (6) ومسلم في الفضائل (2308) من حديث عبدالله بن العباس، رضي الله عنهما قال: (كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».

(5) وأخرج البخاريّ في كتاب الصوم (1894) ومسلم في الصوم (1151) واللفظ له، من حديث أبي هريرة؛ أنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ.

قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ]إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي[.

لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ.

وَلَخُلُوفُ فِيهِ؛ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ).   

هذه الأحاديث كافيةٌ في بيان فضل شهر رمضان، وفي بيان فضل صيامه وقيام لياليه، وفضل الصبر وضبط اللسانِ وسائر الجوارح، وفضل الجودِ والإنفاق فيه.

- أمّا حديثُ سلمانَ الفارسيّ رضي الله عنه:

فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (1887) من حديث عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللهُ  صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا.

مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ.

وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً؛ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ.

وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ.

وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ).

قَالُوا: لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ؟

فَقَالَ الرسول: (يُعْطِي اللهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ).

وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، مَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ.

وَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَيْنِ لَا غِنًى بِكُمْ عَنْهُمَا.

فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ؛ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَتَسْتَغْفِرُونَهُ.

وَأَمَّا اللَّتَانِ لَا غِنًى بِكُمْ عَنْهمَا؛ فَتُسْأَلُونَ اللهَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ.

وَمَنْ أَشْبَعَ فِيهِ صَائِماً؛ سَقَاهُ اللهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً، لَا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ).

هذا حديثٌ إسنادُ ضعيف، لضعف راويه عليّ بن زيدِ بن جدعان.

لكنّ أكثر معانيه جميلةٌ مطلوبة شرعاً.

فيجوز لكلّ صائمٍ العملُ بمضمونه، من دون اعتقاد مضاعفةِ الأجور فيه.

بمعنى: يُستحبُّ لك أنّ تستبشر بقدوم شهر رمضان، لكنْ ليس لك أن تعتقد بأنّ مجرّد صيام رمضان يُدخِلُ الجنّة، كلّا!

فلا بدّ لدخول الجنّة من إخلاص النيّة لله تعالى، والابتعاد التامّ عن الشرك الجليّ والخفيّ، والتوبةِ النصوحِ عن الكبائر، وردّ المظالمِ إلى أصحابها!

وهكذا بقيّة الترغيباتِ المذكورةِ في متن الحديث.

- وأمّا حديثُ أنس بن مالك:

فقد أخرجه الترمذيّ في كتاب الزكاة (663) من حديث صَدَقَةَ بْنِ مُوسَى الدقيقيّ عَنْ ثَابِتٍ البنانيِّ، عَنْ أَنَسِ بن مالك، رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟

فَقَالَ: (شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ).

قِيلَ: (فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ)؟ قَالَ الرسولُ: (صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ).

وهذا حديثٌ ضعيف أيضاً.

قَالَ الترمذيّ عقب تخريجه: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى؛ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ الْقَوِيِّ».

ختاماً: أنصح إخواني جميعاً بقراءة باب «وظائف شهر رمضان» في كتاب «لطائف المعارف فيمَ لمواسمِ العامِ من الوظائف» للعالِم الربّاني الصالح زين الدين ابن رجبٍ الحنبليّ (ت: 795 هـ) رحمه الله تعالى.

جعل الله تعالى شهر رمضانَ مباركاً عليكم، وكلّ رمضان وأنتم بخير وعافية وأمانٍ، وسلامٍ من البلاء والابتلاء، ومن الزلازل والفيضانات، ومن المحن ما ظهر منها وما بطن.

واللهُ المستعان.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

السبت، 18 مارس 2023

   مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ (3):

الاجتهاد في نقدِ الحديثِ؛ ركيزة الاجتهاد الإصوليّ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

إنّ من أكبر المصائبِ على الناشئةِ؛ تكدّسَ المعلوماتِ على شبكة الانترنيت، إذ خيّل إليهم أنّ جمعَ المعلوماتِ المبثوثة على الشبكة؛ يجعلهم علماء، يحقّ لهم أن يردّوا على العلماء، ويغلّطوهم ويشتمونهم!

قرأتُ في إحدى الصفحات كلاماً إنشائيّاً  عن البحوث العلميّة الرائدة، في علم الفقه والأصول، فعلّقت ثمّة بأنّ البحوث الفقهية الرائدة؛ لا تتحقّق إلّا إذا كان الأصوليّ والفقيه مجتهدَيْن في نقدِ الحديث؛ لأنّ أدلّة التشريع: كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فشتمني بعض قرّاء تلك الصفحة شتائمَ وقحة!

وتساءَل مهذّبٌ آخر قائلاً: من الذي اشترط أن يكون المجتهد في الفقه ناقداً حديثيّاً؟

وذاك تساؤلٌ غريبٌ، يدلُّ على جهلٍ مُتراكِبٍ؛ إذ إنّه يتناقض مع دعوى فلانٍ الاجتهادَ!

ولولا أنّ أكثرَ روّاد الفيسبوك جهّالٌ جهلاً مركّباً؛ ما رددت على هذا الكلام؛ لأنّ توضيحَ الواضحات؛ من أصعبِ الصعوبات، كما يقولون!

أقول وبالله التوفيق:

إنّ الفقيه الذي يعتمد على صحّة ما في الصحيحين؛ لا يمكن أن يكون مجتهداً، أو مرجّحاً في الفقه؛ لأنّ الصحيحين حويا الحديثَ المشهورَ، والحديثَ العزيزَ، والحديثَ الغريبِ!

وحويا مِن الغرائبِ الفردَ المطلقَ، والفردَ النسبيِّ!

وحويا من غرائب الفردِ المطلق الصحيحَ الغريبَ، والحسنَ الغريبَ، والجيّدَ، وبعض الضعيفِ، وبعض المنكر أيضاً.

ومن يطالع صفحتي على الفيسبوك وعلى مدوّنتي؛ يجدْ عشراتِ الأحاديثِ التي أثبتَ الدرس النقديُّ أنها ضعيفة!

وإليك نتائجُ أوّل عشرين حديثاً من تخريجي النقديّ لصحيح البخاريّ، رحمه الله تعالى:

الأحاديثُ الصحيحة: (2، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 12، 13، 15، 16، 17، 18).

الأحاديثُ الحسنة: (1، 11، 19).

الأحاديث الضعيفة: (3، 14).

وهذه الأحاديثُ العشرون جميعها أحاديثُ أحكام، ولا يخفى أنّ الحديثَ الحسنَ يؤخذ به في الترغيب والترهيب، وما لاحكم فيه، والأحاديثُ الضعيفة لا يبنى عليها أيُّ حُكمٍ شرعيٌّ!

قال الحافظ ابن حجر في النكت على علوم الحديث لابن الصلاح (1: 402):

«وقد صرّح أبو الحسن ابن القطّان أحدُ الحفّاظ النقّاد، من أهل المغرب، في كتابه «بيان الوهم والإيهام» بأن هذا القسمَ «من الحسن» لا يُحتجُّ به كلِّه، بل يُعمل به في فضائل الأعمال، ويُتوقّف عن العمل به في الأحكام، إلّا إذا كثرت طرقه، وعضده اتصال عمل، أو موافقةُ شاهدٍ صحيح، أو ظاهرِ القرآن.

وهذا حسن قويٌّ رائق، ما أظنُّ مُنصفاً يأباه، والله الموفق» انتهى.

فإذا جاء الفقيه ليحتجّ بحديثٍ في صحيح البخاريّ، على أنّه صحيح، وهو في حقيقته حسن، والحديث الحسن يحتجّ به في إثبات السنن والمندوبات، ففرّع عليه واجباتٍ أو محرّمات؛ فهل يكون أحسنَ في بحوثه العلميّة، وأبدع، كما كتب صاحب المنشور؟

كان صاحبا الصحيحين وغيرهُما من المحدّثين؛ يتشدّدون فيما فيه أحكامٌ شرعيّةٌ من الأحاديثِ، ويتساهلون فيما دون ذلك من أبواب كتبهم، من مثل أبوابِ الزهد والرقائق والتفسير وصفات الجنة والنار، وأشراط الساعةِ، وسائر أبواب الترغيب والترهيب؛ إذ لم يكن يخطر في بالهم - في تقديري - أنْ سيأتي قومٌ يعدّون الأحاديثَ التي في هذه الأبوابِ، من الثوابت التي يجوز أن تبنى عليها عقائد!

والذي يعتقدُ بصحة الصحيحين؛ دونَ أن يفرّق بين هذا وذاك وذليّاك؛ كيف يجتهد؟

وإليك مثالاً آخر يعرفه جميع طلّاب العلم:

احتجّ البخاريّ بعكرمة مولى عبدالله بن عبّاسٍ، وأخرج له في صحيحه (139) حديثاً، بينما لم يحتجّ به مسلمٌ في حديثٍ واحد، إنما أخرج له حديثاً واحداً مقروناً (1208).

وهذا يعني أنّ منزلة عكرمةَ عند البخاريّ؛ منزلةُ من يحتجّ به في الأحكام، وقد فعل!

بينما منزلته عند مسلمٍ أن تُقبَل منه بعضُ أحاديثه التي توبع عليها، فحسب!

فإذا أنت وافقت البخاريّ؛ احتججت بـ (139) حديثاً لا يراها مسلمٌ تصلح لأكثر من الحسن لغيره عند المتابعة!

واحتجّ مسلمٌ برواية أبي الزبير المكّي، وهو مدلّسٌ، عن جابر بن عبدالله الأنصاريّ، وأخرج له في صحيحه (214) حديثاً، صرّح بسماعِ أكثرها من جابر، وبعضها لم يصرّحْ  بسماعه منه.

بينما أخرج له البخاريُّ (7) روايات، توبع على بعضها، وكان مقروناً في بعضها، ولم يحتجّ به البخاريُّ في حديثٍ واحدٍ!

فإذا أنت وافقتَ مسلماً؛ احتججت بـ (214) حديثاً، لا يراها البخاريُّ تصلح لأكثر من الحسن لغيره عند المتابعة!

وإنْ أنت أخذتَ باجتهادهما معاً؛ فأنت جاهلٌ تجمع بين المتناقضاتِ، ودعواك البحثَ العلميَّ الرائد جهلٌ مكعّب!

والذي يعتمد على تصحيحاتِ الشيخ الألبانيّ مثلاً؛ لا يعرف أنّ الشيخ الألباني من يصحّح ويحسّن الحديث الضعيف بالحديث الضعيف، وإذا تعددت طرق الحديث الضعيف؛ يحكم على الحديث بأنه صحيح، ويقصد أنّه صحيح لغيره!         

ضعيف + ضعيف = حسن لغيره.

ضعيف + مجهول = حسن لغيره.

ضعيف + مجهول + سيّء الحفظ = صحيح لغيره، ربما!

وكم من عشرات الأحاديث، بل مئات الأحاديث التي صحّحها أو حسّنها الشيخ الألباني؛ ضعّفها الشيخ الأرناؤوط، والعكس صحيح!

فإذا لم يكن الفقيه قادراً على النقدِ؛ فإنّ ما يتوصّل إليه من نتائج بحثيّة مُبتناةٌ على الأدلّةِ النقليّةِ؛ مشكوكٌ في دقّةِ تلك النتائج، والاعتماد عليها.

قال الخطيب البغداديّ في الفقيه والمتفقّه (2: 331): «أَخْبَرَنِي أَبُو الْمُوَفَّقِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ: أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرُ السِّمَنَاوِيُّ: حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ: حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُتَيْبِيُّ: حدّثنا سُهَيْلٌ  قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللهِ، إِلَّا رَجُلاً عَارِفاً بِكِتَابِ اللهِ: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ , وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ , وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ , وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ , وَمَا أُرِيدَ بِهِ , وَفِيمَ أُنْزِلَ.

ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيراً بِحَدِيثِ رَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ منه، وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَيَكُونُ بَصِيراً بِاللُّغَةِ, بَصِيرًا بِالشِّعْرِ, وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ, وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ, وَقِلَّةَ الْكَلَامِ.

وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفاً عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ, وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا.

فَإِذَا كَانَ هَذا هَكَذَا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ, وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا؛ فَليسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي».

وقال الإمام محمّد بن حبّان البستيّ في صدرِ كتاب المجروحين (1: 21) ما نصّه:

«من لم يحفظ سنن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثقات من المحدثين، ولا الضعفاء والمتروكين، ومن يجب قبولِ انفرادِ خبره، ممن لا يجب قَبول زيادة الألفاظ في روايته.

ولم يحسن معاني الأخبار، والجمع بين تضادها في الظواهر، ولا عرف المفَسِّر من المجمَل، ولا المختصَّ من المقتضى، ولا الناسخ من المنسوخ، ولا اللفظ الخاص الذي يراد به العام ولا اللفظ العام الذي يراد به الخاصَّ، ولا الأمر الذي هو فريضة وإيجاب ارتكابه، من النهي الذي هو ندب مباح استعماله، مع سائر فصول السنن وأنواع أسباب الأخبار، على حسب ما ذكرناها في كتاب فصول السنن؛ كيف يستحل أن يفتي؟ أم كيف يُسوّغ لنفسه تحريمَ الحلال وتحليل الحرام، تقليداً منه لمن يخطئ ويصيب»؟

قال عداب: ظهر لكم إخواني القرّاءُ أنّ الجمعَ بين الاجتهاد والتقليدِ في موردٍ واحدٍ؛ جمع بين المتناقضين، وهو مرفوضٌ في البحث العلميّ!

والباحثُ العلميُّ؛ هو الذي يعتمدُ في بحوثه على اجتهاده الخاصّ في أدلّةِ المسألة التي يدرسها، مثلما يعتمد على اجتهاده في توظيفِ الدليل:

أيصلح لبناء عقيدةٍ عليه؟

أيصلح لبناء فريضةٍ عليه؟

أيصلح لبناء سبب أو شرط؟

أم لا يصلح إلّا لبناء حكمٍ مندوبٍ إليه؟

ومن أجل أن يعرف كيف يوظّف الدليل؛ عليه قبلَ أن يتفلسف، ويزعم الاجتهادَ، أو البحثَ العلميَّ الرصينَ الرائدَ أن يتقن كتابَ «الأنواع والتقاسيم» للإمام محمد بن حبّان، فقد جعل الأوامر (110) أنواعٍ، وجعل النواهي (110) وجعل الأخبار (80) نوعاً، وجعل الإباحاتِ (50) نوعاً، وأفعالَ الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم (50) نوعاً أيضاً، من باب الاطّلاع والإفادةِ، وليس من باب التقليد والمتابعة!

قال في مقدمة التقاسيم والأنواع (1: 65) من طبعة قطر:

«تدبرت خطاب الأوامر عن المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم لاستكشاف ما طواه في جوامع كلمه، فرأيتها تدور على مائة نوع وعشرة أنواع!

يجب على كلِّ منتحلٍ للسنن أن يعرف فُصولَها، وكلِّ منسوبٍ إلى العلم أن يقف على جوامعها؛ لئلّا يضعَ السننَ، إلا في مواضعها، ولا يُزيلَها عن مَوضعِ القَصدِ في سَنَنِها».

وقال فيه (1: 77): «وقد تتبعتُ النَّوَاهِيَ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتدبّرتُ جوامعَ فصولها، وأنواعَ ورودها؛ لأن مجراها في تشعب الفصول مجرى الأوامر في الأصولِ، فرأيتها تدور على مائة نوع وعشرة أنواع».

قال عداب: فمن العبث البغيضِ أن يحمل الباحثُ جملة: (الأصل في الأوامر الوجوب، والأصل في النواهي التحريم) ويذهب إلى تطبيقها في بحثه، وهو لا يعلم أنّ الأوامر تتنوّع إلى (110) أنواع، والنواهي كذلك!

وقال الإمامُ ابن حبّان في كتابه نفسه (1: 88): «وَأَمَّا إخبارُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عمّا احتيج إلى مَعرفتها، فقد تأمّلت جوامعَ فُصولها وأنواعِ ورودها؛ لأسهّلَ إدراكَها على مَن رام حِفظَها؛ فرأيتها تدور على ثمانين نوعاً».

وقال أيضا (1: 97): «وقد تفقدت الإباحاتِ، التي أُبيح ارتكابُها؛ ليُحيطَ العِلمُ بكيفيّة أنواعِها، وجوامعِ تَفصيلِها بأحوالها، ويَسْهُلَ وَعيُها على المُتَعَلّمينَ، ولا يَصعُب حِفظُها على المُقْتَبسينَ؛ فرأيتُها تَدورُ على خمسين نَوعاً».

وقال أيضاً: (1: 102): « وَأَمَّا أفعال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فإنّي تأمّلتُ تَفصيلَ أنواعِها، وتدبّرتُ تَقسيم أحوالها؛ لئلّا يتعذر على الفُقهاءِ حِفظُها، ولا يَصعب على الحفّاظ وَعيُها؛ فرأيتُها تَدور على خمسين نوعاً».

وقال رحمه الله تعالى أيضاً (1: 106): «جميعُ أنواعِ السُنَن أربعُ مائةِ نَوعٍ، على حَسَب ما ذكرناها، ولو أردنا أنْ نَزيدَ على هذه الأنواعِ التي نَوّعناها للسُنَن أنواعاً كثيرةً؛ لفعلنا.

 وإنّما اقتصرنا على هذه الأنواعِ، دون ما وراءَها - وإنْ تَهيّأَ ذلك لو تَكلّفْناهُ؛ لأنّ قصدنا في تنويعِ السُننِ الكشفُ عن شيئين:

أحدهما: خبرٌ تنازعَ الأئمة فيه، وفي تأويله.

والآخرُ: عُمومُ خِطابٍ، صعب على أكثر الناس الوقوفُ على مَعناه، وأشكَلَ عليهم بُغيَةُ القَصْدِ منه.

فقصدنا إلى تَقسيم السُننِ وأنواعِها؛ لنكشفَ عن هذه الأخبار التي وصفناها، على حَسَب ما يُسَهِّلُ اللهُ جلَّ وعَلا، ويوفق للقولِ فيه، فيما بعد، إن شاء الله».

ختاماً: أنا لا أدعو المتفقّهين والباحثينَ إلى تقليدي، ولا إلى تقليدِ غيري من المعاصرين، أو المتقدّمين، إنّما أريد لهم أن يكونوا على مستوى هضمِ تراثنا العلميّ الجليلِ، ثم تمييزِ غثّه القليلِ عن سمينه الكثير، ثمّ البناءَ على الصحيح السليم من العِلَلِ والإيراداتِ منه.

واللهُ تَعالَى أَعْلَمُ

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 14 مارس 2023

  مَسائِلُ عَقَديّةٌ (3):

عَجْزُ أمريكا والعالم!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

استمعت إلى مقطع «فيديو» لرئيس الولايات المتحدة «جو بايدن» يقول فيه:

«هذه الصورة - من ناسا - ستذكّر العالم أنّ أمريكا يمكنها القيام بإنجازات كبيرة، وستذكّر الشعبَ الأمريكيَّ، وخاصة أبناءنا الشباب؛ أنْ لا شيء يفوق قدراتنا، لا شيء يفوق قدراتنا [كذا].

يمكننا رؤية الاحتمالات التي لم يرها أحدٌ من قبل، يمكننا الذهاب إلى أماكن، لم يسبق الذهاب إليها من قبل» انتهى المراد!

أقول وبالله التوفيق:

قال الله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)    فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ؛ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16).

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى، فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18).

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20).

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا؟ قَالُوا: أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21).

وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ، وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22).

وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

فَإِنْ يَصْبِرُوا؛ فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا؛ فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) [سورة فصّلت].

يا فخامةَ الرئيس بايدن:

فخامتك وأمريكا والعالم كلّه وقف عاجزاً أمام فيروسٍ صغير «كورونا» لا يرى بالعين المجرّدة!

يا فخامةَ الرئيس: أنت وأمريكا والعالم تقفون عاجزين أمام الثلوج!

تقفون عاجزين أمام السيول، عندما تفيض عليكم مجاريَ الصرف الصحيّ!

تفقون عاجزين أمام العواصف التي تقتلع بيوتكم وأشجاركم وأمنكم وأمانكم!

تقفون عاجزين أمام الفيضانات، التي تدمّر بدقائق معدودةٍ ما لا تدمّره قنابلكم النووية!

أحذّرك يا فخامة الرئيس أن يأتي يومٌ وأنت على قيد الحياة، يبتلع المحيط أمريكا برمّتها، بقدرة الله تعالى، ويبتلعك حوتٌ من حيتان المحيط!

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ.

حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا، وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْها؛ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَاراً، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.

كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) [سورة يونس].

أيها الحكّام المسلمون .. أيها الحكّام العرب: لا يعنيني أمر بايدن، وأمر أمريكا بشيءٍ، فنهايتهم عند الله معلومة، ومصيرهم محتوم!

إنّما يعنيني الشعوبُ المسلمةُ التي ابتليتم بحكمها ورعاية شؤونها، وابتليت بكم أيضاً!

اتّقوا الله تعالى بأنفسكم، وبهذه الشعوب الجاهلة التي سيسألكم الله عن حياتها ودينها وتقواها وثقافتها الإسلامية.

اتّقوا الله من تشريعاتٍ تقرّونها، وهي مصادمةٌ لأوامر الله تعالى أو نواهيه!

اتّقوا الله تعالى، فلا تظلموا رعيتكم، ولا تجهّلوهم، وعلّموهم كيف يعبدون الله تعالى، لا كيف يعبدونكم، فمن يأكل الطعام؛ أحقر من أن يُعبَد!

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) [سورة إبراهيم].

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) [سورة القصص].

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 13 مارس 2023

  مَسائلُ حديثيّةٌ  (16):

جِلْسَةُ الذين يُعَذّبونَ !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

في المنشور السابق (15) درستُ حديثَ الشريد بن سويدٍ الثقفيّ، في الاتّكاء على باطن الكفّ خارجَ الصلاةِ، وأظهرت الدراسةُ أنّه حديثٌ ضعيف!

وفي هذا المنشور؛ سأدرس حديث عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما في الاتّكاء على اليَدِ في جِلسَةِ التشهّد.

بإسنادي إلى الإمام أحمد في مسنده الكبير، باب مسند عبدالله بن عمر بن الخطّاب (5972) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلاً سَاقِطاً يَدَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: (لَا تَجْلِسْ هَكَذَا، إِنَّمَا هَذِهِ جِلْسَةُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ) فهذا مرفوعٌ كما ترى.

وأخرجه موقوفاًأبو داود السجستانيّ في كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (994) موقوفاً على ابن عمر، قال: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ: حَدَّثَنَا أَبِي ( ح).

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ.

جَمِيعًا - يعني زَيْدَ بْنَ أَبِي الزَّرْقَاءِ،  وعَبدَاللهِ بْنَ وَهْبٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَتَّكِئُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الصَّلَاةِ، سَاقِطًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ لَهُ «ابن عمر: لَا تَجْلِسْ هَكَذَا، فَإِنَّ هَكَذَا يَجْلِسُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ».

وأخرجه البيهقيّ في السنن الكبير، في كتاب الصلاة، باب الاعتماد بيديه على الأرض (3: (2852) من حديث جعفر بن عون، عن هشام بن سعد، وحكى ثمّةَ الاختلاف في متن الحديث على أنحاء.

ترجم المزيّ هشام بن سعدٍ القرشيَّ في تهذيب الكمال (30: 206) وقال:

وَقَال العجلي : جائز الحديث، حسن الحديث.

وَقَال أَبُو زُرْعَة: شيخ محله الصدق. وكذلك محمد بن إسحاق وهكذا هو عندي، وهشام أحب إلي من محمد بن إسحاق.

قال عداب: بينما قَال الْبَرْذَعِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: هشام بن سعد واهي الحديث.

قال المزيّ: قال أَبُو حاتم الرازيّ : سمعت أَحْمَد ابْن حنبل يَقُول: لم يكن هشام بن سعد بالحافظ.

وَقَال عَبد الله بن أحمد ابْن حنبل عَن أبيه: هشام بن سعد كذا وكذا، كَانَ يَحْيَى بْن سَعِيد القطّان لا يروي عنه.

وَقَال أَبُو طالب عَن أحمد ابْن حنبل: ليس هو محكم الحديث.

وَقَال حرب بْن إِسْمَاعِيلَ: سمعت أَحْمَد بْن حنبل وذكر له هشام بن سعد، فلم يرضه، وَقَال: ليس بمحْكِمٍ للحديث.

وَقَال عَباس الدُّورِيُّ عَن يحيى بن مَعِين: هشام بن سعد ضعيف، وداود بن قيس أحب إلي منه.

وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي خيثمة : سمعت يحيى بْن مَعِين يقول: هشام بْن سعد صالح، ليس بمتروك الحديث.

وَقَال معاوية بْن صالح، عَن يحيى بْن مَعِين: ليس بذاك القوي .

وَقَال أحمد بن سعد بْن أَبي مريم عَن يحيى بن مَعِين: ليس بشيءٍ، كان يحيى بْن سَعِيد لا يحدث عنه.

 وقال ابن حجر في التقريب (7294): صدوق له أوهام.

وخلاصة الكلام في هذا الحديث: مدارَه على هشام بن سعد القرشيّ، رواه عنه جمع من الرواة، كما هو ظاهر، وقد اختلف الرواة عنه في روايته الحديثَ مرفوعاً وموقوفاً.

وسواء رُوي مرفوعاً، أم روى موقوفاً، فكلاهما ضعيفٌ، لضعف هشام بن سعدٍ!

واللهُ تَعالى أعْلمُ.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 12 مارس 2023

 قُطوفٌ من الآلام [2023] (1):

الشيخ حسين الجُبوريّ في ذمّة الله تعالى!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

بلغني قبل قليلٍ نبأ وفاة أستاذنا الدكتور حسين بن خلفٍ الجُبوريّ العراقي، نزيلُ مكّة المكرّمة، وقد عاصرتُه فيها تسعَ سنينَ، كان فيها نعم الرجل الناصح، والمرشد الناصح، والمهذّب الأريب.

وإني ليطيب لي أن أتقدّم من أسرته الكريمة وذويه، وسائر أحبابه بأحرّ التعازي، وأصدق الدعوات بأن يلهمهم الله تعالى الصبر الجميل والاحتساب.

وأسأل الله الرحمن الرحيم أن يتغمد الفقيدَ بواسعِ رحمته، وأن يسكنه فسيحَ جنّاته، وأن يُعليَ منزلتَه لديه.

وأسألكم إخواني الكرام الدعاءَ لشيخنا الفاضل بالعفو والمغفرة والدرجات العلى من جنّات النعيم  

إنّا لله وإنا إليه راجعون.

ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

  مَسائلُ حديثيّةٌ  (15):

 قِعْدةُ المَغضوبِ عليهم!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

سألني أحد الإخوة الأفاضل عن حديثِ الشريدِ بن سُويدٍ في قعدة المغضوب عليهم، أصحيح هو، وما حكم هذه الجلسة؟

أقول وبالله التوفيق:

بإسنادي إلى الإمام أحمد في مسنده الكبير، باب حديثِ الشريد بن سُويدٍ الثقفيّ (19454) قال رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ «البغداديّ القطّان»: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ «بن أبي إسحاق السبيعيّ»: أَخْبَرَنَا «عبدالملك بن عبدالعزيز»ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ «الطائفيّ» عَنْ عَمْرِو بْنِ شَرِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ «الثقفيّ» قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي، فَقَالَ: (أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)؟

وأخرجه أبو داود في الأدب (4848) وابن حِبّان في صحيحه (5674) والطبراني في المعجم الكبير (7: (7242) والحاكم في المستدرك (7703) وقال: « هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» وغيرهم.

قال الفقير عداب:

مدار حديثِ الشريدِ بن سويدٍ الثقفيّ على عيسى بن يونسٍ السبيعيّ، رواه عنه:

عبدالوهّاب الثقفيّ، عند البيهقيّ في السنن الكبير (5920).

وعليّ بن بحرٍ القطّان، عند أبي داود (4848).

وعمرو بن خالدٍ الحرّاني، عند الطبرانيّ في المعجم الكبير (7242) والحاكم في المستدرك (7703).

والمغيرة بن عبدالرحمن الحرّاني، عند ابن حبّان (5674) وغيرهم.

والشريد بن عمرو له صحبة، وقد روى عنه عددٍ من التابعين، فهو معروف العين.

نقل مغلطاي في إكماله (6: 244) عن ابن السَكن قوله: روى نحواً من خمسة أحاديثَ.

قال عداب: له في الكتب الستّة أكثرُ من خمسة عشر حديثاً. 

وابنه عمرو بن الشريد: ترجمه المزيّ في تهذيبه (22: 63) وقال: ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجليّ.

وإبراهيم بن ميسرة: ترجمه الذهبيّ في النبلاء (6: 124) وذكر أنه كان فقيهاً، يحدّث كما سمع، ولا يحدّث على المعنى.

وعبدالملك ابن جريج محدّث كبير، لكنْ ترجمه المصنفون في التدليس، منهم ابن حجر في كتابه طبقات المدلسين (83) وقال: «فقيه الحجاز، مشهور بالعلم والثَبَت، كثير الحديث، وصفه النسائي وغيره بالتدليس.

قال الدارقطنيُّ: شرّ التَدليس؛ تَدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يُدلّس إلا فيما سمعه من مجروح».

وترجمه ابن حبّان في الثقات (7: 93) وفي المشاهير (ص: 230) وقال: كان يدلّس.

وقال في صدر كتابه الصحيح (1: 161): «وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول؛ فإنّا لا نحتج بأخبارهم، إلا ما بينوا السماع فيما رووا، مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقنين وأهل الورع في الدينِ؛ لأنّا متى قبلنا خبرَ مُدلّسٍ لم يُبيّن السماعَ فيه - وإن كان ثقةً - لزمنا قَبولُ المقاطيعِ والمراسيلِ كلِّها لأنه لا يُدرَى لعلّ هذا المدلسَّ دَلّس هذا الخبرَ عن ضعيفٍ يَهي الخبرُ بذكره».

وهذا الحديثِ ممّا دلّسه ابن جريج، ولم يتابعه عليه أحدٌ، ومن عادته أنّه يدلّس عن المجروحين، كما قال الدارقطنيّ.

وفي الباب حديث عبدالله بن عمر، الذي أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (994) قال: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ ابنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ: حَدَّثَنَا أَبِي ( ح).

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ.

جَمِيعًا - يعني زَيْدَ بْنَ أَبِي الزَّرْقَاءِ،  وعَبدَاللهِ بْنَ وَهْبٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَتَّكِئُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الصَّلَاةِ، سَاقِطًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ لَهُ «ابن عمر: لَا تَجْلِسْ هَكَذَا، فَإِنَّ هَكَذَا يَجْلِسُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ».

ويحتاجُ هو الآخر إلى منشورٍ خاصٍّ به؛ لبيان علل إسناده ومتنه، ومواضع مخالفته لحديث الشريد هذا.

ختاماً: تقدّم مراراً أنني لا أصحح الحديثَ الضعيف بالحديث الضعيف، إنما أحكم على كلّ حديثٍ بما يستحقّه من تقويم.

وبناء على ذلك؛ فإنّ حديث الشريد بن سويدٍ الثقفيّ ضعيف بعلّتين:

الأولى: تدليس ابن جريجٍ وقد تفرّد بالحديث، والحديث المدَلَّس من الأحاديثِ الضعيفة.

والثانية: التفرّد المطلق من الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا، فهو حديث بمتنه هذا

قال الشريد: «وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي»

وهذا يفيد أنّه خارجَ الصلاة!

 فَقَالَ له الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)؟)

تفرّد به الشريد بن سويدٍ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وليس هو من علماء الصحابة، ثمّ تفرّد به عنه ولده عَمرو، ولم يروه عن عمرٍو سوى إبراهيم بن ميسرة، ولا عنه سوى ابن جريج، تفرّد به عنه عيسى بنُ يونس السبيعيّ.

وقد نصّ نقّاد الحديث على أنّ التفرّد إنما يُقبَل من الحفّاظِ في طبقاتِ الحديثِ العليا، ولم يكن الشريدُ ولا ابنه، ولا إبراهيم بن ميسرة من الحفّاظ!

واللهُ تَعالى أعْلمُ.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.

الخميس، 9 مارس 2023

 المُشْكِلَةُ الشيعيّة (2):

الإشارةُ والنصّ إلى صاحبِ الدار !؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

رَبَّنَا: لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا: افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

قال الرافضيّ في منشوره الذي ردّ به عليّ ما نصّه: «ولولا مراسلة البعض لي للردّ على طرحه؛ لما صرفت وقتي وجهدي في نقض كلامه، فهذا مثال عسى أن يكون كافياً لعشّاق المعرفة والبحث»!؟

الرجل يظهر نفسَه هنا على أنّه أعلى مرتبةً مني، وكلامي لا يستحقّ الردّ أوّلاً!

ثمّ أوهم القرّاء أنّ هناك أمثلةً كثيرةً على تهافت كلامي وضعفه!

وسيرى القارئ الكريم مَدى التدليس والتلبيس في كلام الرجل المسكين، وهذا شأن الرافضة على مدار تاريخهم، وللأسف!

وحتى تتمايزَ الأمور، فسأسرد الأحاديث التي ضعّفها إمامهم المجلسيّ، ثمّ أتبعها بما صحّحه منها، وأناقشه!

قال أبو جعفر الكليني في باب الإشارة والنصّ إلى صاحب الدار، من كتابه المهلهَل الكافي (1: 486): «باب الإشارةِ والنَصّ إلى صاحب الدار عليه السلام».

1 - علي بن محمد، عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج إلي من أبي محمد قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثم خرج إلى من قبل مضيه بثلاثة أيام يخبرني بالخلف من بعده».

قال المجلسيّ في مرآة العقول (3: 250): مختلفٌ فيه؛ لأنّ محمد بن علي بن بلال وثّقه الشيخ  الطوسيّ في الرجال، وقال في كتاب الغيبة: إنّه من المذمومين.

وقال المجلسيّ نفسه في رجاله (1725): «ثقة فاسد العقيدة»!؟

3 - علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي عن جعفر بن محمد المكفوف، عن عمرو الاهوازي قال: أراني أبومحمد ابنه وقال: هذا صاحبكم من بعدي».

قال المجلسيّ في مرآة العقول (3: 251): ضعيف على المشهور!

4 - علي بن محمد، عن حمدان القلانسي قال: قلت للعمري: قد مضى أبومحمد؟ فقال لي: قد مضى ولكن قد خلف فيكم من رقبته مثل هذه، وأشار بيده».

قال المجلسيّ في مرآة العقول (3: 251): ضعيفٌ على المشهور، مختلف فيه؛ لأنّ حمدان القلانسيّ ذمّه النجاشيّ، وروى الكشيّ توثيقه عن العيّاشي.

وقال المجلسيّ في رجاله (374): ضعيف!

5 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبدالله قال: خرج عن أبي محمد عليه السلام حين قتل الزبيري لعنه الله: هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، يزعم أنه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله فيه، وولد له ولد سماه  (م ح م د) في سنة ست وخمسين ومائتين».

قال المجلسيّ في مرآة العقول (3: 252): ضعيف على المشهور.

6 - علي بن محمد، عن الحسين ومحمد ابني علي بن إبراهيم، عن محمد بن علي بن عبدالرحمن العبدي - من عبد قيس - عن ضوء بن علي العجلي، عن رجل من أهل فارس سماه قال: أتيت سامرا ولزمت باب أبي محمد عليه السلام فدعاني، فدخلت عليه وسلمت فقال: ما الذي أقدمك؟ قال: قلت: رغبة في خدمتك، قال: فقال لي: فالزم الباب، قال: فكنت في الدار مع الخدم، ثم صرت أشتري لهم الحوائج من السوق وكنت أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في الدار رجال قال: فدخلت عليه يوما وهو في دار الرجال فسمعت حركة في البيت فناداني: مكانك لا تبرح، فلم أجسر أن أدخل ولا أخرج، فخرجت علي جارية معها شئ مغطى، ثم ناداني ادخل، فدخلت ونادى الجارية فرجعت إليه، فقال لها: اكشفي عما معك، فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه وكشف عن بطنه فإذا شعر نابت من لبته إلى سرته أخضر ليس بأسود، فقال: هذا صاحبكم، ثم أمرها فحملته فما رأيته بعد ذلك حتى مضى أبومحمد عليه السلام» انتهى الباب.

قال المجلسيّ في المرآة (3: 352): مجهول، وقال في رجاله (1723): محمد بن علي بن إبراهيم الهمدانيّ: ضعيف.

قال الفقير عداب: هذه الأحاديث الستّة هي كلّ ما في الباب، وهي بين ضعيف ومجهول، ما عدا الحديثَ الثاني الذي أخّرته لدراسته، وهو في الكافي (1: 486):

2 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لابي محمد عليه السلام: جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سل، قلت: يا سيدي هل لك ولد؟ فقال: نعم، فقلت: فإن بك حدث فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة» قال المجلسيّ في مرآة العقول (3: 250): صحيح!

قال صاحب المنشور: «فهذا مثال عسى أن يكون كافياً لعشّاق المعرفة والبحث» يعني هو في جعبته أمثلة كثيرة، هذا واحد منها!

والحقّ أنّ البابين اللذين أوردت أحاديثهما في المنشور السابق وهذا المنشور، وعددها عشرون حديثاً؛ ليس فيهما حديث صَحّحه المجلسيّ، سوى هذا الحديث.

قال الفقير عداب: يعلم صاحبُ المنشور وكل مّن قرأ كتابي عن «المهديّ المنتظر» أنّني أرّخت إنجاز الكتاب (ص: 14) بتاريخ (9/ 9/ 1999م) وطُبع الكتاب في عام (2001).

فإذا كان كتابي متهافتاً، وكنتُ متسرّعاً - كما قال الرافضيّ - فلماذا سكت هو والرافضة (22) عاماً، حتى فَطِنَ إلى الردّ عليّ؟

أنا لست متسرّعاً لا في العلم، ولا في حياتي الشخصيّة، ومما لا يعرفه هذا المدلّس الملبّس؛ أنني لم أنشر الكتابَ حتى قرأه أكثرُ من عشرةٍ من أهل العلم، منهم الدكتور عبدالرزاق أبو البصل، أستاذ الحديث النبويّ في الأردنّ، ومنهم الدكتور إياد الغوج، مدير دار الفتح للبحث العلمي والنشر والتوزيع، ومنهم الدكتور فراس السوداني، ومنهم الدكتور عمر الأيوبيّ، وغيرهم!

فكيف أكون متسرّعاً، وقد انتظرت هؤلاء الأفاضلَ شهوراً متعدّدة حتى يقرؤوا قراءةً فاحصةً كتاباً علميّاً، يقع في (539) صفحة؟!

أمّا عن تعقّباته على هذا الحديثِ، الذي كتبت نقدَه قبل ربع قرنٍ من الزمان؛ فسأفترض أنّ كلامَه صحيح (100%) وأنني أخطأتُ في نقد ذاك الحديث، وأصبت في نقد تسعةَ عشرَ حديثاً آخر في البابين، فكم تكون نسبةُ خطئي؟

تكون نسبة خطئي (5%) فهل زعمت أنني معصومٌ لا أخطئ؟

وإذا كنتُ أخطأت أنا في نقد حديثٍ واحدٍ من عشرين حديثاً؛ أفلا تسحيون على أنفسكم تتطامَون وتتعالَون عليّ وعلى أمثالي، وفي أعظم كتابٍ لديكم، فيه (19/ 20) روايةً ضعيفةً سمجة، وفيه روايةٌ واحدة صحيحة؟!

وحاشا أن تكون صحيحةً أبداً، وإليك بيان ذلك!

من المعلوم في نقد الحديث؛ أنّ المحدّثَ الثقة الجامع؛ يكون لديه تلامذة كثيرون!

فإذا جاء واحدٌ من تلامذته، وانفرد عنه بحديثٍ؛ فإنّ حديثَه هذا لا يُقبَل عند المحدّثين، إذ لا يُعقل أن تكون مسألةٌ عقديّة مشهورةٌ، ثمّ لا تُروى بإسنادٍ معتبرٍ إلّا من طريق شيخ واحدٍ، ينفرد عنه بها راوٍ واحدٍ، ليس من المختصّين به، ولا المكثرين عنه.

وأبو هاشمٍ الجعفريّ رحمه الله تعالى؛ ليس له في كتاب الكافي، سوى (18) روايةً، وقد ذكر صاحب السيّد الخوئيّ في معجم رجال الحديث (19: 1) أنّ لمحمّد بن يحيى العطّار (5985) روايةً، فكم بين (18)  رواية، و(6000) رواية؟

فأبو هاشمٍ إذن ليس من حفّاظ الحديثِ الذي يؤخذ عنهم ما ينفردون به!

هذه واحدة!

والثانية: هذا الإسناد فرد مطلق غريب شاذٌّ «محمد بن يحيى عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفريّ» ليس في الكافي الذي بلغت رواياته قُرابةَ (16000) روايةً، سوى هذه الرواية!

والثالثة: إنّ أحمد بن إسحاق هذا؛ ليس من خواصّ أبي هاشمٍ الجعفريّ، إذ ليس له في كافي الكليني عنه، سوى هذه الرواية الفاذّة!

والسيّد الجعفريّ الذي وصفه الذهبيّ في تاريخ الإسلام (6: 79) بقوله: «كان ذا زهد ونسك وعلم، صحيح العقل، سليم الحواس» رضي الله عنه؛ فلا بدّ أن يكون له تلامذةٌ مختصّون به، يروون عنه أحاديثه، فمن يشذّ عن مجموعهم بروايةِ حادثة من ضروريات المذهب، فيفترض أن يرويها عددٌ من تلامذته.

قال الفقير عداب: كتابُ الكليني أفضل كتابٍ لدى الرافضة، حتى إنّ ياسر الحبيب - هداه الله تعالى - يصفه بالكافي المقدّس، بكلّ قلّة أدب!

قال الكليني في خُطبة كتابه الكافي (1: 4) «أما بعدُ: فقد فهمتُ يا أخي ما شكوتَ من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة، وتوازُرِهم وسعيهم في عمارة طرقها، ومباينتهم العلم وأهله، حتى كاد العلم معهم أن يأزر كلّه، وينقطع مواده، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل، ويضيعوا العلم وأهله».

إلى أن يقول (1: 10): «وقلتَ: إنّك تُحب أن يَكون عندك كتاب كافٍ، يُجمَع فيه من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يُؤدّى فَرضُ الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله.

وقلتَ: لو كان ذلك؛ رجوتَ أن يكون ذلك سبباً يَتداركُ الله تعالى بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا ويقبل بهم إلى مراشدهم».

وقال (10: 11): «وقد يسر الله - وله الحمد - تأليفَ ما سألتَ، وأرجو أن يكون بحيث توخيتَ، فمهما كان فيه مِن تَقصيرٍ؛ فلم تَقْصُر نيّتنا في إهداء النصيحة، إذ كانت واجبة لإخواننا وأهل ملتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكل من اقتبس منه، وعمل بما فيه دهرنا هذا، وفي غابره إلى انقضاء الدنيا» انتهى المراد نقلُه.

واضحُ من كلام الكلينيّ أنّ بعضَ رجالِ العصرِ المهمّينَ، طلب منه أن يصنّف كتاباً في أدلّة العقائد والأحكام، من «الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يُؤدّى فَرضُ الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله».

فأجابه الكلينيّ قائلاً: «وقد يسر الله - وله الحمد - تأليفَ ما سألتَ، وأرجو أن يكون بحيث توخيتَ، فمهما كان فيه مِن تَقصيرٍ؛ فلم تَقْصُر نيّتنا في إهداء النصيحة، إذ كانت واجبة لإخواننا وأهل ملتنا».

فالكلينيّ قامَ وجمع «الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام» على قدر معرفته وعلمه.

وبعد دراسة كتابه «الكافي» من قِبلِ الرافضةِ، وليس من قبل خصومه؛ تبيّن أنّه كتابٌ واهٍ، وأنّ صابَه الكلينيّ قليلُ المعرفة بـ«الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام» إذ جمع في الكافي (16199) روايةً، صحّح المجلسيّ ووثّق وحسّن (5073) وضعّف (9485) روايةً، حسب اجتهاده وفهمه هو الآخر، كما قاله للشيخ عبد الحسين  المظفّر في كتابه «الشافي في شرح أصول الكافي» (1: 19).

وعند التحقيق؛ لا يصحّ من هذا الكتاب «الكافي المقدس» إلّا النزر اليسير!

وأوضح مثالٍ تطبيقيّ؛ هو بين يديك أخي القارئ الكريم:

واحدٌ وعشرون حديثاً في بابين؛ لم يصحح المجلسيّ منها سوى حديثٍ واحدٍ، من دون قيود!

ختاماً: أنا الفقير منشغلٌ بدراسةِ وغربلَةِ كتبٍ مهمّةٍ، وليس لديّ وقتٌ لمساجلاتٍ طائفيّة جاهلة، إنما أردت توضيحَ أنّ ما يُشوّشُ به الرافضة - كلُّ الرافضة - على أهل العلم؛ أفضله تصيّد بالماء العكر، وهو من بابه «يرى القذى في عين أخيه، ولا يرى الجذعَ في عينه».

وأرجو أن يكون غدا لدى الأخِ الشيعيِّ، ولدى الرافضيّ أيضاً؛ تصوّر واضحٌ عن قيمة كتاب الكافي من جهة.

وأن يكون ظهر لكلّ قارئ التلبيس والتدليس الذي مارسه ذاك الرافضيّ على قرّائه، من جهةٍ ثانية.

وأن يكون ظهر للقارئ مَن منّا أصدقُ وأبرّ وأعفّ، ومَن منّا المتعالم المستكبر بالباطل!

ويطيب لي أن أستشهد بقول الصحابيّ الشاعر حسّان بن ثابت، يذُبّ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم هجاءَ مَن هجاه، إذ قال:

أَتهجوه، ولست له بكُفْءٍ؟

فشرّكما لخيركما الفداء !!

اللهم آمين، آمين، آمين.

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

والحمد لله على كلّ حال.