الأحد، 1 مارس 2026

 في سبيل العلم:

صورةٌ من «الإتباعِ» اللغويّ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيّاً؛ لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، أَآعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ؟

قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ هُدًى وَشِفَاءٌ، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ؛ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) زاد أعداءَ العربيةِ عمىً وضلالاً وجهلاً.

أمّا بعد: أحاول جُهدي أنْ أكتبَ بما يسمّى في أيّامنا هذه «اللغة العاميّة الفصحى» لعلمي أنّ المستوى الثقافي اللغويّ لشعب «الفيسبوك» متواضع كثيراً، وما أكثر ما يتساءلُ بعضهم عن المسلّمات والبدهيّات «وشرح البدهيّات من أصعب الصعوبات»!

والمثقّفُ المسلمُ، إذا بلغ العشرين من عمره، ولم يكن قرأ كتاب «الألفاظ» ليعقوب بن إسحاق، المعروف بابن السكّيت (ت: 244 هـ) وكتاب «الألفاظ الكتابية» لعبدالرحمن بن عيسى الهمذانيّ (ت: بين (320 - 327 هـ) ومختار الصحاح لمحمّد بن أبي بكرٍ الرازي (ت: 666) فليست اللغة العربيّة له بأبٍ ولا أمّ!

ولو كان لي من أمرِ التعليم في سوريّا شيءٌ؛ لجعلتُ «متن اللغةِ» مادّةً برأسِها، وقرّرتُ الكتابَين الأوّلين على طلّاب المرحلة الإعداديّة، وكتابَ «مختار الصحاح» على المرحلة الثانويّة، حتى يلتحق الطالب بالجامعةِ، وهو عربيّ اللسان حقّاً، والعربيّة «مجمع الفضائل والمكارم»!

وكتاب «مختار الصحاح» كتابٌ متينٌ دقيقٌ محكَم، ليس فيه إسهابٌ ولا إطنابٌ، بل فيه تكثيفٌ للمادّةِ العلميّة كبير، لذا يحتاج إلى حُبٍّ وصَبرٍ، بعد توفيق الله تعالى وتيسيره.

ومقدّمتُه التي ضمّنها الموازين الصرفيّةَ العشرين، على وجازتها؛ تحتاجُ أن يحفظها طالب العلم العربيّ، عن ظهر قلبٍ، وقد جهِدت بِحفظها، فتفلّتَت، حتى كأنني ما حفظتها يوماً!

ولدى العرب أسلوبٌ من أساليب البيانِ، يُدعى أسلوب «الإتباع» وسمّاه أحمد بن فارسٍ اللغويّ الشهير (ت: 395) «الإتباع والمزاوجة» وكلام السيوطيّ في المزهر (1: 324) يشير إلى أنّ ابن فارسٍ هو أوّلُ من أفردَ كتاباً للإتباع، إذْ قال: «وقد ألّف ابنُ فارسٍ تأليفاً مُستقلّاً في هذا النوعِ، وقد رأيتُه مرتَّباً على حروفِ المُعْجَم، وفاتَه أكثرُ مما ذكرَه، وقد اختصرتُ تأليفَه، وزدتُ عليه ما فاتَه، في تأليف لطيفٍ، سمّيتُه «الإلماع في الاتباع» وكتابا ابن فارسٍ والسيوطيّ مطبوعان متداولان.

بيد أنّ ثمّة كتابين آخرين عن «الإتباع» كُتبا قبل كتابِ ابن فارس، ربما بخمسين سنة:

الأوّل: لعبد الواحد بن علي الحلبي، أبي الطيب اللغوي (المتوفى: 351هـ) ويقع في (112) صفحة، مرتّبا على حروف الهجاء، وهو نفيسٌ للغاية.

والثاني لأبي علي القالي، إسماعيل بن القاسم بن عيذون (المتوفى: 356هـ) ويقع في (16) صفحة مفيدة جدّاً.

وما كتبه السيوطيّ عن «الإتباع» في كتابه البديع «المزهر» يُعطيك خلاصةً مفيدةً، عن هذا الأسلوب العربيّ الأصيل.

وخلاصة أسلوب الإتباعِ العربيّ بكلماتٍ: أنّ الكلمة التابعةَ، لا تختصُّ بمعنىً يمكن استعمالُه وإفرادُه بمعزلٍ عن الكلمة الأولى، فقولنا: حَسَنٌ بَسَنٌ، وقولنا: خُضْرةٌ مُضْرةٌ.

لا معنى لبَسن ولا لمُضرة إذا أفردتا عن الكلمة المتبوعةِ الأولى.

وقد قال أبو الطيّب اللغويّ في كتابه «الإتباع»: نحن نذهب إلى أنّ الإتباعَ: ما لم يختصَّ به بمعنىً يمكن إفراده به، والتَوكيدَ: ما اختصّ بمعنىً، وجاز إفراده» وأنا اخترتُ كلامَ أبي الطيّب، ولم أعرض لأقوال أهل اللغة في المسألة، حتى ينشط طالب العلم، ويطّلعَ بنفسه.

وإليك بعض الأمثلة الموضحةِ من كتابِ عبدالواحد الحلبيّ:

قالَ أبو مالك «هو عمرو بن بكرٍ الأعرابيّ»: تقولُ العَربُ فِي صِفَةِ الشَّيءِ بالشِّدةِ:

إِنَّهُ لَشَديدٌ أَدِيدٌ، وهُو منَ الأَدِّ، والأَدُّ: القوَّةُ، إلاَّ أنَّ الأَدِيدَ لا يُفْرَد.

ويُقالُ: شَكَوتُ إِليهِ عُجَري وبُجَرِي، أَيْ: هُمومي وأَحزاني، ومِنهُ قولُ عَليٍّ عليهِ السلام: أَشكو إِلى اللهِ عُجَري وبُجَري، يُريدُ: هُمومي وأَحزاني، وما أَلقَى مِنَ الناسِ.

قالَ أبو مَالكٍ يُقالُ: حَارٌّ يَارٌّ جَارٌّ، ويُقالُ: رَجُلٌ حَرَّانُ، يَرَّانُ، جَرَّانُ: إِذا أَصابتْهُ مَصيبَةٌ.

والجملةُ التي جرى عليها السؤال: «أجمعين أكتعين أبصعين» ليست في كتب «الإتباعِ» التي اطّلعت عليها، إنّما هي في القاموس المحيط (ص: 701) كما ذكرتُ يوم أمس!

قال في القاموس، مادّة «ب ت ع»: «جاؤُوا كلُّهُمْ أجْمَعُونَ، أكْتَعُونَ، أبْصَعُونَ، أبْتَعُونَ: إتْبَاعاتٌ لأَجْمَعِينَ، لا يَجِئْنَ إلاَّ على إثْرِها، أو تَبْدَأُ بأيَّتِهِنَّ شِئْتَ بَعْدَهَا.

والنِّساءُ كُلُّهُنَّ جُمَعُ، كُتَعُ، بُصَعُ، بُتَعُ.

والقَبيلَةُ كُلُّها جَمْعاءُ، كَتْعاءُ، بَصْعاءُ، بَتْعاءُ.

وهذا التَّرْتيبُ غيرُ لازِمٍ، وإنما اللاَّزِمُ لِذَاكِرِ الجميعِ أن يُقَدِّمَ  كلمة (كُلّ) ويُولِيَهُ المَصُوغَ من: (ج م ع) ثم يأتِيَ بالبَواقي كيفَ شاءَ.

إلا أن تَقْدِيمَ ما صِيغَ من: (ك ت ع) على الباقِينَ، وتَقْدِيمَ ما صِيغَ من: (ب ص ع) على (ب ت ع) هو المُخْتارُ».

والله تعالى أعلم.

والحمدُ لله على كلّ حال.